في سبعينيات القرن العشرين، كان والدي واحداً من آلاف خريجي العلوم والهندسة الذين غادروا الهند إلى الغرب. فقد فتحت الولايات المتحدة وبريطانيا أبوابهما أمام المهاجرين الآسيويين. وكان الرحيل عن الهند خياراً منطقياً لمن تلقوا تعليماً يفوق ما يستطيع اقتصاد بلادهم استيعابه؛ فالهند امتلكت من الطموح ما يكفي لتدريبهم، حتى وهي تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لتوظيفهم. لكن الغرب لم يكن دائماً كما أملوا. فكثيرون، مثل أبي، انتهى بهم الأمر إلى إدارة مشروعات صغيرة أو شغل وظائف غير لافتة في البحث أو التصنيع، وكانوا يصطدمون بسقف زجاجي إذا حاولوا الصعود أكثر. ومع تزايد أعدادهم وتراجع حدة التمييز، تولى مهندسون مولودون في الهند في نهاية المطاف قيادة أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، من غوغل، التي يديرها سوندار بيتشاي، إلى مايكروسوفت بقيادة ساتيا ناديلا، وأدوبي بقيادة شانتانو نارايِن. وفي فريمونت، أقرب مدينة كبيرة في إيست باي إلى وادي السيليكون في كاليفورنيا، يقارب الأميركيون من أصل هندي ثلث السكان.
ويدفعنا نجاحهم إلى السؤال: لماذا لم تبنِ الهند وادي سيليكون خاصاً بها؟
هذا لغز أكبر مما يبدو. صحيح أن الهند تعرف أساساً بالخدمات الخلفية في تكنولوجيا المعلومات، لكنها متأخرة في البحث العلمي عن الصين والولايات المتحدة إلى حد لم تعد معه تذكر إلى جانبهما إلا نادراً. غير أن نتيجة سباق التسلح التكنولوجي العالمي لم تكن محسومة طوال عقود. فلفترة من الزمن، كانت الهند في السباق. وبعد انتزاع استقلالها من بريطانيا عام 1947 (حين كان والدي في الثانية من عمره) راهن رئيس الوزراء جواهر لال نهرو بقوة على العلم والتكنولوجيا، وعمل على ترسيخ ما سماه «العقلية العلمية» في الهند؛ وهي خصلة قادت مفكريها في أواخر العصور القديمة إلى اكتشاف «الصفر»، أحد المفاهيم المؤسسة للرياضيات الحديثة. وأطلقت الهند برنامجها الفضائي منذ عام 1962، وأرسلت أول أقمارها الاصطناعية عام 1975، وأنشأت المعاهد الهندية للتكنولوجيا كي تنافس الكليات التقنية في الغرب.
يكتب عالم الأنثروبولوجيا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا دوايبايان بانيرجي في كتابه الجديد الحوسبة في عصر تصفية الاستعمار (Computing in the Age of Decolonization: India’s Lost Technological Revolution) : الثورة التكنولوجية الهندية المفقودة، الذي يتتبع نجاحات الهند وإخفاقاتها المبكرة في الحوسبة: «في خمسينيات القرن العشرين وستينياته وسبعينياته، تبنى صانعو السياسات في أنحاء الجنوب العالمي هذه الأفكار الاقتصادية الجذرية». وفي بعض البلدان الآسيوية أثمرت هذه الرهانات. فقد عززت كوريا الجنوبية وتايوان قاعدتيهما التصنيعيتين، وقدمتا حوافز للشركات التي تجري أبحاثاً ابتكارية. واليوم يتصدر البلدان معاً العالم في صافي صادرات رقائق الحاسوب. أما في الهند، فكانت المكونات موجودة، لكن العجين لم يختمر لسبب ما. انكفأت الهند إلى خدمات التعهيد ونقل الأعمال إلى الخارج منخفضة التكلفة، فغدت خادماً لوادي السيليكون أكثر منها منافساً له. وعلى خلاف كوريا الجنوبية وتايوان، تستورد الهند من رقائق الحاسوب أكثر بكثير مما تصنع.
يلاحظ بانيرجي أن «هذا لم يكن المستقبل الذي كان صانعو السياسات الهنود يأملون فيه». كان حلم ما بعد الاستقلال تسخير التكنولوجيا المتقدمة لمعالجة الأضرار التي خلفها التخلف الناجم عن الاستعمار، وربما حتى تجاوز البلدان التي حكمت الهند يوماً. وكما أشار المؤرخ س. عرفان حبيب، «كان حل مشكلات الهند، في نظر نهرو، يكمن في الجمع بين الاشتراكية والعلم، وبين التكنولوجيا والتصنيع الثقيل». لكن بدل ذلك، كما يلاحظ بانيرجي، «توفر الهند العمالة الخام التي يقوم عليها البحث والتصنيع في الشمال العالمي».
ويضيف أن هيمنة الولايات المتحدة على الحوسبة ترتكز على التخلف في أماكن أخرى. فلولا أنها كبحت الصعود التكنولوجي لبلدان مثل الهند واستوعبت مواهبها الهندسية، لما أصبحت الولايات المتحدة القوة الحاسوبية التي هي عليها اليوم.
القصة أكبر من مجرد قرارات سيئة وفرص ضائعة. ففي نظر بانيرجي، إنها حكاية تحذيرية عن الآثار المستديمة للإمبراطورية: عن الأثر النفسي المديد لقرنين من توفير العمالة الرخيصة والمواد الخام، فيما كان المستعمِرون يحصدون الأرباح الحقيقية. ففي القرن الثامن عشر، كانت الهند من أكبر مصدري المنسوجات القطنية الفاخرة في العالم. وبحلول أوائل القرن التاسع عشر، صارت مصانع النسيج الإنجليزية تعالج قطن الهند نفسه على نطاق صناعي، فاغتنت بريطانيا على نحو يكاد يصعب تصوره، بينما ظلت الهند تذوي.
«لقد أصبحت الحوسبة القطن الجديد»، هكذا يجادل بانيرجي.
تتمحور دراسة بانيرجي للحالة حول آلة واحدة: «الحاسبة الآلية لمعهد تاتا للبحوث الأساسية» (TIFR). طورت في بومباي خلال خمسينيات القرن العشرين، وكانت أول حاسوب رقمي هندي الصنع. وبعد أن رأى علماء المعهد ومهندسوه كيف أبقت القوى الأجنبية الهند في حالة من الركود الصناعي بتقييد وصولها إلى التكنولوجيا، عزموا على بناء جهاز من دون مكونات أجنبية أو إسهام من الخارج. وأرادوا بذلك أن يثبتوا قدرتهم على الاعتماد على الذات، بروح غاندية خالصة.
أدرك الفيزيائي هومي ج. بابا، ذائع الصيت عالمياً والمدير المؤسس لمعهد تاتا والقوة المحركة للبرنامج النووي الهندي، أن العلم الهندي سيضيع في هامش متخلف من دون حواسيب سريعة. لم يعد الورق والقلم كافيين لإنجاز أبحاث من مستوى جوائز نوبل. كان المستقبل في قدرة المعالجة. فقد كان «إينياك» في جامعة بنسلفانيا — أول حاسوب إلكتروني عام الأغراض، أُعلن عنه عام 1946 — وآلة «IAS» التي صممها عالم الرياضيات جون فون نيومان في برينستون، ودخلت الخدمة بحلول عام 1952، و«IBM 701»، أول حاسوب إلكتروني رقمي تجاري للشركة، الذي طُرح في العام نفسه، تجعل الولايات المتحدة مركز العالم العلمي.
صار بابا لاعباً نافذاً، وعمل بلا هوادة لضمان حصول علماء معهد تاتا على المعدات التي يحتاجون إليها. وبالاستفادة من علاقاته الشخصية وما تمتع به من جاذبية كبيرة، كسب تأييد الحكومة ودعم باحثين غربيين ميالين إلى اليسار، رأوا أن البلدان الخارجة من الاستعمار أبقيت عمداً في الظل بفعل ما يسميه بانيرجي «نوعاً من الفصل العنصري في الخبرة العلمية العالمية». ورغم أن الهند تبنت رسميًا سياسة عدم الانحياز، ظلت الحرب الباردة تدور في الكواليس.
مع ذلك، واجهت معهد تاتا تحديات هائلة. فعندما بدأ العمل على الحاسبة الآلية، لم يمض على مجاعة البنغال عام 1943 سوى عقد من الزمن. وكانت الهند تعاني الفقر وسوء التغذية والأمية. وكان علماء الزراعة يبذلون جهوداً محمومة لزيادة غلال المحاصيل حتى لا تضطر البلاد إلى استيراد الغذاء. في ذلك العصر، كان الحاسوب الواحد يشغل مساحة غرفة كبيرة ويكلف ملايين الدولارات. وكان على الباحثين الهنود أن يبنوا حاسوبهم بميزانية شحيحة إلى أقصى حد، ومن دون مقر خاص بهم؛ ففي البداية، عملوا من مقار مؤقتة في نادي بومباي لليخوت. ويضيف بانيرجي أن خطتهم تزداد إثارة للدهشة لأن أي بلد آسيوي آخر آنذاك — ربما باستثناء اليابان — لم يكن قد أنشأ بعد برنامجاً وطنياً قابلاً للاستمرار في الحوسبة.
كان التزامهم الأيديولوجي بالاكتفاء الذاتي جديراً بالإعجاب، لكنه أبطأهم. ففي أي مكان من العالم، كان من النادر أن تبني جامعة أو شركة خاصة حاسوباً لا تستخدم فيه إلا مكوناتها الخاصة، وأن تدبر كل شيء من مصادر محلية. ومع ذلك، ركبت الورشة الداخلية في معهد تاتا، كما يكتب بانيرجي، «2700 صمام مفرغ، و1700 صمام ثنائي من الجرمانيوم، و12,500 مقاومة كهربائية».
ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه الروح القائمة على تدبير الأمر بما هو متاح — والمعروفة بالهندية باسم «جوغاد» — علامة فارقة في التكنولوجيا الهندية. صارت الهند سيئة الصيت بحلولها الالتفافية منخفضة التكلفة، وهندستها العكسية البارعة، وحيلها التقنية التي تنجح، بطريقة أو بأخرى، في إنجاز المطلوب بموارد أقل بكثير مما يبدو أن الآخرين يحتاجون إليه. ومن الأمثلة التي اكتسبت شهرة أسطورية مهمة الهبوط القمري الهندية «تشاندرايان-3» عام 2023، التي نفذت بنجاح بتمويل لم يتجاوز 75 مليون دولار. وسارع الصحفيون آنذاك إلى الإشارة إلى أن ميزانية كل من فيلمي هوليوود الحديثين Gravity وInterstellar كانت أكبر من ذلك.
نميل للوقوف بجانب الطرف الأضعف، وقصة الحاسبة الآلية لمعهد تاتا هي قصة الطرف الأضعف في أنقى صورها. ففي ستينيات القرن العشرين، فعلت الهند ما لم تجرؤ حتى دول متقدمة كثيرة على فعله. أبصرت المستقبل بوضوح فاق كل بلد سوى الولايات المتحدة، ومضت وراء حلمها متحدية منتقدين في الداخل والخارج اتهموها بإهدار المال. والأهم أنها أثبتت امتلاكها الخبرة اللازمة لبناء حاسوب عالمي المستوى بميزانية زهيدة نسبياً.
كشف عن الآلة رسمياً عام 1962، وكانت واحدة من أسرع الحواسيب في العالم. لكن الباحثين الهنود اشتكوا من أن سرعتها جاءت على حساب الذاكرة، مما ولد مشكلات برمجية خطيرة. فقد ساوت سعة ذاكرتها الرئيسية سعة حاسوب IBM 701، الذي بلغ عمره آنذاك عقداً، ولم تتجاوز نحو عُشر سعة أحدث حواسيب IBM، نموذج 709، الذي لم يكن يحتاج أصلاً إلى أي مفاضلة بين السرعة والذاكرة.
بحلول عام 1965، أي بعد عام من وفاة نهرو بنوبة قلبية، فككت الحاسبة الآلية لمعهد تاتا للاستفادة من أجزائها. ويجد بانيرجي في الأرشيف «إحساساً بخيبة الأمل من التجربة بأسرها».
في العام التالي توفي بابا إثر تحطم طائرة. ومن منظور لاحق، بدت التجربة كلها درساً بليغاً في صعوبات التنمية في مرحلة ما بعد الاستعمار. فمهما بلغت مهارة علماء معهد تاتا، لم تكن حلولهم المرتجلة على طريقة «ماكغايفر» لتأخذهم إلا إلى حد معين. ويوضح بانيرجي أن اقتصاد الهند بعد الاستقلال كان هشاً «كنتيجة مباشرة للاستعمار البريطاني»، فيما كانت التكنولوجيا المتقدمة تحتاج إلى رأس المال. ولم يكن ثمة مفر من ذلك، وهذه الحقيقة أصدق اليوم مما كانت آنذاك. فسباق اليوم نحو الذكاء الاصطناعي العام يتبين أنه مسألة من يستطيع ضخ أكبر قدر من المال فيه. ويقاس النجاح المتوقع لشركات مثل OpenAI وAnthropic بمدى اقتراب تقييم كل منها من تريليون دولار أكثر مما يقاس بمنتجاتها الفعلية. ركنت الهند إلى ما يمكن إنجازه بسرعة وبتكلفة منخفضة، ونسخت ما يفعله الآخرون لمجرد أن تثبت قدرتها على فعله بنفسها؛ وبذلك وضعت نفسها تحديداً في الموقع الذي لم يرد لها قادة بعيدو النظر مثل نهرو أن تكون فيه: أصبحت تابعاً.
في ستينيات القرن العشرين، أصبحت IBM الفائز بلا منازع. ورأس المال هو الذي أوصلها إلى ذلك. فقد بلغت حواسيبها من القوة حداً جعل بابا نفسه مقتنعاً بأن معهد تاتا سيضطر إلى استيراد أحدها، حتى فيما كان المعهد يعمل على نحو محموم لإنتاج حاسوبه الخاص. وفي النهاية، اشترى المعهد حاسوباً من شركة أميركية أخرى، وفات الأوان لمنع IBM من ترسيخ ما يقارب الاحتكار في الهند.
يكتب بانيرجي: «بحلول منتصف ستينيات القرن العشرين، كانت هيمنة IBM على الحوسبة الهندية شبه مطلقة». فقد ركبت جامعات في أنحاء البلاد أنظمتها. وزاد الأمر حرجاً أن كثيراً من حواسيب IBM كانت نماذج قديمة أُعيد تأهيلها بعد أن تخلى عنها زبائن في الولايات المتحدة أو أوروبا لصالح طرز أحدث. فقد رأت الشركات الأميركية في السوق الهندية مكباً مربحاً للآلات المتقادمة، وفرصة لتحقيق أرباح إضافية من حواسيب عفا عليها الزمن. وحتى عام 1972، كان 106 من أصل 145 حاسوباً عاملًا في الهند من إنتاج IBM.
لا يعني ذلك أن تصنيع معهد تاتا حاسوبه الخاص لم يثمر شيئاً ذا قيمة. فكما يلاحظ بانيرجي، كان صنع الحاسوب في ذاته تجربة تعليمية، وهيأت عملياً جيلًا من الباحثين الهنود للعصر الرقمي. وحتى العلماء الذين عرفوا أن من غير المرجح أن ينافس حاسوبهم حواسيب IBM، أدركوا أنه يقدم إثباتاً لقابلية الفكرة للتنفيذ، ويكرس مكانة الهند بين القوى التكنولوجية التي ينبغي أخذها على محمل الجد. فاز الطرف الأضعف إذن، نوعاً ما.
الأغرب في هذه القصة هو أن الهند ما تزال، بعد ستين عاماً، في موقع الطرف الأضعف. ففي عرض حديث لفيلم وثائقي عن كانوال ريخي، رائد شبكات الحاسوب وصاحب إحدى أقدم قصص نجاح المهاجرين الهنود في وادي السيليكون، الذي وصفته مجلة Fortune ذات مرة بأنه «الأب الروحي للمافيا الهندية في وادي السيليكون»، وصفت الهند بعبارات شبيهة بما قيل عنها من قبل. فما تزال مشروعاً قيد الإنجاز، عالقة في سباق دائم للحاق بطموحاتها، ولا تكاد تعبر خط النهاية. وتظل التوقعات منها منخفضة، حتى فيما تندفع بلدان آسيوية أخرى إلى الأمام.
يرى بانيرجي أن جانباً من هذا الفشل، على الأقل، يمكن تفسيره بالممارسات التجارية غير المنصفة التي اتبعتها IBM في وقت مبكر. فالأجهزة التي باعتها في الهند لم تكن مبالغاً في أسعارها على نحو فاضح ومتقادمة على نحو مخجل فحسب — إذ كانت أحياناً أقدم بأربع سنوات من أحدث النماذج المسوقة في الولايات المتحدة — بل لم تكن تسمح لأحد أيضاً بأن يعبث بعتادها أو يجرب تعديله. ونتيجة لذلك، اضطر الطلاب والباحثون إلى التركيز على تطوير البرمجيات، لأن «هذا كان الجانب الوحيد من الآلة المتاح للتجريب والتعلم». وفي الوقت نفسه، فتحت إصلاحات الهجرة التي أقرها الرئيس ليندون جونسون عام 1965 أبواب الولايات المتحدة أمام العمال المهرة للانتقال إليها واصطحاب أسرهم. وحين رأى المهندسون الشباب القيود التي يواجهونها في وطنهم، أدركوا أن عليهم الرحيل. ويوضح بانيرجي أن هؤلاء الخريجين «أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الحوسبة الأميركية».
في عام 1978، أجبر نفاذ صبر الحكومة الهندية IBM أخيراً على الخروج من الهند. وجدت البلاد مكمن قوتها في البرمجيات. طور المصممون أنظمة تشغيل وتطبيقات جديدة. وأنشأت الحكومة مناطق اقتصادية خاصة للشركات الأجنبية الراغبة في تطوير البرمجيات في الهند، كما قدمت حوافز سخية للشركات الهندية التي تصدر البرمجيات إلى الولايات المتحدة. جلبت هذه السياسات دولارات كانت البلاد في أمس الحاجة إليها، لكنها أوجدت مشكلات أيضاً. فقد بدأت الشركات الغربية تمتص المواهب الهندية في البرمجة، وصار كل شيء موجهاً نحو خدمة الأسواق الدولية المربحة بدلاً من السوق المحلية. ومما يدعو إلى الأسف أن «تقديم الخدمات أصبح غاية في ذاته»، كما يلاحظ بانيرجي.
بقية القصة أصبحت تاريخاً معروفاً. فكلما ازداد تركيز شركات التكنولوجيا الهندية على الخدمات، ابتعدت عن البحث والتطوير الأساسيين وواصلت استيراد العتاد الحاسوبي. وتركت لغيرها قدرات تصنيعية ثمينة، من بينها إنتاج أشباه الموصلات. في عام 2010، زرت المجمع المترامي الأطراف لشركة خدمات تكنولوجيا المعلومات الهندية «إنفوسيس» في بنغالورو. ومن الخارج بدا مدينة داخل مدينة، صممت مساحاتها الخضراء بعناية، وضمت صالات طعام ضخمة وملاعب رياضية، كان شبيهاً بمقر غوغل في وادي السيليكون. لكنني اكتشفت أن كثيراً من ذلك لم يكن سوى واجهة خادعة. وكما يلاحظ بانيرجي أيضاً، «فالعتاد الذي تعمل عليه خوادمها مصمم في الخارج؛ والابتكارات التي تقوم عليها برمجياتها حاصلة على براءات اختراع في أماكن أخرى».
سباق التفوق التكنولوجي لا ينتهي. ومجرد أن الهند لم تبنِ بعد وادي السيليكون الخاص بها لا يعني أنها لن تبنيه يوماً. توفي والدي هذا العام، وأخذ معه ذكريات زمن لم يكن فيه للمهندس الهندي طموح أرفع من العمل لدى شركة أميركية أو أوروبية كبرى. وفي أيامه الأخيرة، في ربيع هذا العام، كان ذلك العصر يتلاشى بالفعل. فقد جعلت سياسة الهجرة قصيرة النظر التي تنتهجها إدارة ترامب الولايات المتحدة وجهة أقل جاذبية بكثير لأصحاب المهارات العالية. ومع التحول الشرس المناهض للهجرة في بريطانيا وسائر أوروبا، بدأ تدفق العقول من الشرق إلى الغرب يتباطأ.
قد لا تدرك الدول الغربية ذلك، لكن هذا سيسرع تراجعها. ففي القرن الخامس عشر، كان علماء الفلك يسافرون من قندهار إلى سمرقند ليكونوا في القلب النابض للتقدم العلمي، على أمل أن يرصدوا النجوم في مرصد عالم الرياضيات العظيم أولوغ بيك. وفي القرنين التاسع عشر والعشرين، توافدت أفضل العقول إلى أوروبا والولايات المتحدة. وابني البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، وقد أدرك إلى أين تتجه الأمور، يقول لي إنه يريد الدراسة في جامعة في الصين أو سنغافورة. والسباق مستمر.



