(1-4) من يملك الحق في السرد
أوكرانيا كمرآة لمأزق المخيال الإمبراطوري الروسي
لماذا تظل أوكرانيا قلب النزاع الرمزي في المخيلة الروسية؟
أهو موقعها، حيث تلتقي الإمبراطورية بحدودها القديمة؟ أم اللغة، حيث تتجاور القرابة مع الانقسام؟ أم لأن الالتباس بين الضم وإعادة التوحيد، بين مركز يزعم الشرعية وهامش يرفض دوره الوظيفي، لم يحسم قط؟
هذه الأسئلة لم تعد شأنا أكاديميا محضا. تحولت إلى عدة في يد السلطة، إلى إزميل يعاد به نحت خرائط ما بعد السوفييت. حين تتحول الجغرافيا إلى سرد، تصبح السيادة تمرينا في التأويل، لا مجرد اعتراف بخطوط الحدود. الخريطة هنا ليست سطحا محايدا، بل نصا مفتوحا على إعادة الكتابة.
منذ ضم القرم عام 2014، ثم اجتياح 2022، انكشف أن ما يدور ليس صراعا على خطوط الخرائط فحسب، بل نزاع على الذاكرة، على تعريف نقطة البداية، على من يدرج في خانة “الامتداد” ومن يوسم بـ”الانفصال”. الأرض موضوع الحرب، لكن أداة تملكها هي حق تأويلها.
في هذا السياق، لم يكن فلاديمير بوتين، في مقاله عام 2021 عن “الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين”، أو في مقابلته مع تاكر كارلسون عام 2024، يبرر سياسة خارجية فحسب. لقد قدم نفسه بوصفه مؤرخا بديلا، يعيد تركيب العلاقة بين موسكو وكييف لا باعتبارها خيارا سياسيا، بل قدرا عضويا. في هذه السردية، لا تعامل أوكرانيا كدولة انفصلت، بل ككيان انحرف عن مساره “الطبيعي” ويجب استرداده لا التفاوض معه.
في مقابلة كارلسون، لم يبدأ بوتين من الأمن أو الناتو، بل من حكاية تاريخية تبدأ من “كييف روس”، مرورا بالقيصرية، وصولا إلى البلشفية، بهدف تثبيت فكرة بسيطة مفادها أن أوكرانيا ليست إلا امتدادا لموسكو التاريخية، وأن كيانها السياسي تشكل تحت مظلة روسيا لا خارجها. ما قاله لم يكن “تاريخا” بالمعنى الصارم للكلمة، بل خريطة ترسم بمداد السيادة، لحدود لا تُفهَم إلا كامتداد للذات: للذاكرة، والانتماء، وحقّ احتكار السرد.
تفكيك السردية الروسية: مقاربة ثلاثية
على هذه الخلفية، لا يعود السؤال منصبا على مضمون السردية وحده، بل على بنيتها ووظائفها ومواضع إنتاجها. يتقدم هذا المقال بمقاربة تحليلية ثلاثية تحاول تفكيك الرواية الروسية من داخلها، وتعيد طرح أوكرانيا لا كموضوع نزاع حدودي، بل كمختبر رمزي ينكشف فيه اختلال المخيال الإمبراطوري.
لا ينشغل التحليل هنا باستعراض السرديات المتقابلة بين موسكو وكييف، بل بمساءلتها عبر ثلاثة مستويات مترابطة:
أولا، في بنية السردية الروسية وحدود قدرتها على إنتاج هوية جامعة
ثانيا، في موقع أوكرانيا كمركز تصدع رمزي داخل هذا المخيال الإمبراطوري
ثالثا، في وظيفة المؤرخ داخل لحظة يتنازع فيها التأريخ على شرعية المعنى وأحقّية التمثيل.
بهذا المعنى، تتحول الأسئلة إلى مسار تحليلي متدرج: من زعزعة الرواية المركزية، إلى تحليل مواضع الانفصال الرمزي، وصولا إلى نقد أداة التأريخ ذاتها. وعليه، يشتغل المقال حول ثلاث أسئلة محورية مترابطة
هل كانت روسيا قادرة أصلا على بناء سردية سياسية جامعة
لماذا ظلت أوكرانيا بؤرة مستمرة للصراع الرمزي
وكيف يمكن للمؤرخ أن يكتب تاريخا لا يذوب في خدمة الهوية، ولا يكتفي برد فعل أخلاقي على عنف الحاضر
الصراع الرمزي هنا لا يخص المجاز أو المعنى المجرد، بل يمس الحق في التسمية: من يحدد الهوية؟ من يكتب تاريخه في الكتب؟ أي لغة تعترف، وأي ثقافة تمنح شرعية الوجود؟ حين تصف موسكو كييف بأنها مهدها الروحي، وترد أوكرانيا بتفكيك هذا الادعاء، لا يدور النزاع حول ماض منته، بل حول أحقية تأويله واحتكاره.
لفهم البنية العميقة لهذا النزاع السردي، يستند المقال إلى أعمال ثلاثة مؤرخين معاصرين يقدّم كل منهم مدخلا نقديا مختلفا لتفكيك الرواية الروسية.
أولهم سيرهي بلوخي، المؤرخ الأوكراني الذي يقرأ المشروع الروسي من منظور ما بعد كولونيالي، ويرى أن الهوية الروسية قامت على استلاب الرمزية التاريخية للأطراف، وفي مقدّمتها أوكرانيا. لم تدمج أوكرانيا بوصفها فاعلا متكافئا، بل كـ”مورد رمزي” جرت تعبئته ثم استبعاده: تستخدم رموزها وماضيها لتعزيز مركزية موسكو، قبل أن تقصى بوصفها ذاتا مستقلة.
الثاني هو ألكسندر إتكيند، المؤرخ الروسي المعروف بنقده للسردية الرسمية، والذي يفكك السلطة الروسية من الداخل بوصفها منظومة استعمار داخلي. في هذا التصور، يمارس المركز سيطرته الرمزية والإدارية حتى على ذاته، في عملية قمع ناعم تشمل الهوامش كما تشمل المتن، بحيث تصبح الإمبراطورية نمط حكم يعاد إنتاجه داخل حدود الدولة نفسها، لا فقط في أطرافها البعيدة.
أما أليكسي إي. ميلر، المتخصص في تاريخ الإمبراطوريات وسياسات الذاكرة، فيقدم مقاربة أكثر برودا، ذات طابع مؤسسي. الأزمة في السردية الروسية، وفق هذا المنظور، ليست نتاج مؤامرة خارجية، بل نتيجة فشل مزمن في إدارة التعدد القومي، وتردد دائم في مغادرة منطق الإمبراطورية إلى أفق الدولة الوطنية. يظهر هنا أن قصور السردية ليس فرعا عن ضغط الغرب أو عن “أوكرنة” متمردة، بل عن عجز بنيوي في قبول حدود نهائية للسيادة.
في المقابل، جرى استبعاد فلاديمير ميدينسكي من هذا التحليل، على الرغم من موقعه المركزي في صياغة السردية الرسمية للدولة الروسية. فدوره لم يكن إنتاج معرفة، بل تسليح الذاكرة لخدمة خطاب السلطة. ميدينسكي لا يقدم قراءة للتاريخ، بل يعيد تعبئته كمادة أيديولوجية صريحة تحت شعارات من قبيل “الوحدة الحضارية” و”تصحيح المسار”. وقد بلغ هذا التوجه ذروته عام 2023، حين أشرف على إصدار كتب دراسية رسمية تعيد سرد تاريخ روسيا بمنطق سلطوي مباشر، وتقدّم الحرب على أوكرانيا لا كواقعة موضع خلاف، بل كاستعادة مستحقة لذاكرة “يجب استرجاعها” لا التفاوض عليها.
لذلك تتطلب الموضوعية هذا التحليل استبعاد ميدينسكي، لأنه عندما يتحول المؤرخ إلى صانع خطاب سيادي، لا يعود التاريخ مجالا للفهم، بل أداة للهيمنة الرمزية، ويغدو النزاع على أوكرانيا حلقة في صراع أوسع على احتكار المعنى ذاته.
في الجزء الثاني سوف نتناول السؤال : هل كانت روسيا قادرة يوما على بناء سردية جامعة تتسع لتنوعها اللغوي والديني والجغرافي؟




