القومية البلقانية وتفكك الدولة العثمانية (1-4)
حكم التنوع قبل أن يصبح التنوع مسألة سيادة
لم تكن الدولة العثمانية تدير ما يُعرف اليوم بالأقليات بالمعنى السياسي الحديث. فمفهوم الأقلية المعاصر يفترض وجود جماعة داخل كيان سياسي أوسع، محرومة أو منقوصة في التمثيل والمساواة والاعتراف. لم يكن المصطلح مستخدماً آنذاك، فهو ينتمي إلى قاموس لم يترسخ بعد في العالم العثماني المبكر. ولم تعد جماعات الإمبراطورية نفسها أمماً تتنافس على السيادة، ولا أقليات تطالب بحقوقها داخل أكثرية قومية. كانت تُعرف نفسها غالباً بالدين أو المحلة أو الطائفة أو الوظيفة الاجتماعية، وتتحرك ضمن نظام إمبراطوري يطلب الولاء والجباية والسلم، لا ضمن أفق سيادة شعبية لم يكن جزءاً من خيالها السياسي.
قبل الولوج في الموضوع، أريد التوقف عند إشكالية منهجية أساسية تتصل بتاريخ المفاهيم.
إسقاط مفاهيم «الأمة» و«الأقلية» على صرب القرن السابع عشر، أو الأرمن، أو البلغار قبل القرن التاسع عشر، لا يؤدي فقط إلى خطأ في اختيار المصطلح الملائم، وإنما يغير طبيعة العالم المراد فهمه. كثيراً ما تُقرأ المطالب المتعلقة بالضرائب، أو تجاوزات الموظفين المحليين، أو حماية دور العبادة، أو تنظيم الأحوال الشخصية، كما لو كانت بدايات واعية لمشروع استقلال قومي. هذه المطالب في معظمها تتحركت ضمن منطق الالتماس والحماية والتفاوض مع السلطة، لا ضمن منطق السيادة والانفصال.
المفهوم السياسي لا يصف الواقع فحسب، بل يعيد تنظيمه. ومع تحول معاني ودلالات مفاهيم مثل الأمة والأقلية والتمثيل والمواطنة، تغير معنى الانتماء ذاته1. لم تعد الجماعة تُفهم فقط بوصفها رعية تُحكم تحت سلطان أعلى، صارت قابلة لأن تُقرأ كذات سياسية لها إرادة وحقوق ومطالب. عدم الوعي بالتمييز الدقيق بين مفهومي الملة والأمة لا يقتصر على خلط المصطلحات، وإنما يمنع من فهم الانتقال في معيار الشرعية: من سيادة سلطانية فوق الجماعات إلى سيادة منسوبة لشعب أو أمة.
على امتداد تاريخها، حكمت الدولة العثمانية رعايا ينتمون إلى جماعات دينية ومناطقية وقانونية مختلفة، يدفعون الضرائب ويقرون بسيادة السلطان، ومنحت بعض تلك الجماعات مساحة متفاوتة لإدارة شؤونها الدينية وأحوالها الشخصية، كما أفسحت المجال لزعمائها الدينيين والاجتماعيين كي يلعبوا دوراً وسيطاً بين الدولة والرعية. هذا الترتيب لم يمنح استقلالاً أو مساواة حديثة أو اعترافاً بأمم سياسية داخل الإمبراطورية. كان نظاماً تراتبياً داخل سلطة عليا: السلطان يحكم، والتنوع يُنظَّم من دون ترجمته إلى حق في السيادة2.
يميل التصور الشائع إلى رؤية نظام الملل بنية عثمانية كلاسيكية مكتملة، عقداً أبرمه محمد الفاتح مع البطريرك غداة فتح القسطنطينية، وظلت تدير التنوع الديني أربعة قرون دون تغير جوهري. هذه الصورة أقرب إلى أسطورة تأسيسية منها إلى وصف دقيق لبنية تاريخية مستقرة3. لم يوجد في القرون الأولى نظام إمبراطوري موحد بهذا الانتظام، وإنما على ترتيبات محلية متفاوتة تتشكل بحسب موقع الجماعة، وحاجة الدولة إليها وصلتها بمراكز السلطة، وقدرة قادتها على التفاوض. ولا يدل هذا على عجز عن إدارة التنوع، وإنما على أسلوب مرن آثر التفاوض على التقنين، حتى جاء القرن التاسع عشر فغلب عليه الطابع المؤسسي.
طورت الإمبراطورية العثمانية أسلوباً خاصاً في احتواء التنوع. يرى اتجاه ضمن التأريخ التركي المعاصر في القرن التاسع عشر العثماني زمناً طويلاً من التكيف المؤسسي، لا مجرد انحدار خطي نحو الانهيار4. يكشف هذا المنظور أن موضع الأزمة لم يكن في وجود التنوع داخل الإمبراطورية، فالتنوع كان جزءاً من بنية الدولة نفسها، وإنما في تبدل اللغة السياسية التي حولت قراءة التنوع من اختلاف ديني واجتماعي قابل للإدارة الإمبراطورية إلى اختلاف قابل للترجمة القومية والسيادية.
في القرن التاسع عشر، وتحت ضغط الإصلاح والتدخل الأوروبي وتصاعد المطالب الجماعية، أخذت ممارسات إدارة الجماعات شكلاً أكثر وضوحاً وتقنيناً. اعترفت الدولة بالبروتستانت مِلة مستقلة عام 1850 تحت ضغط دبلوماسي بريطاني وأمريكي، ثم أُنشئت الإكسرخسية البلغارية عام 1870 في سياق النزاع بين البلغار والبطريركية المسكونية. لم تبتكر الدولة إدارة التنوع في لحظة ضعفها، أعادت ترتيب أدوات قديمة عندما صار التنوع نفسه قابلاً للقراءة السياسية.
تظهر هنا مفارقة تاريخية مهمة: الإطار الذي صمم في الأصل لإدارة جماعات دينية ضمن إمبراطورية تراتبية أصبح في القرن التاسع عشر قابلاً لأن يتحول إلى أساس لإنتاج جماعات سياسية. لم تكن الملة أمة مخفية تنتظر الاستيقاظ، لكنها وفرت حدوداً اجتماعية ورمزية قابلة لإعادة التأويل: الكنيسة، واللغة الطقسية، والذاكرة الجماعية، والنخب الوسيطة، والشبكات التعليمية والمحلية. لم تنشأ هذه العناصر قومية في أصلها، لكنها أصبحت قابلة للتفسير القومي مع تغير لغة الشرعية5.
هذا التوازن لم يصنع مساواة، وإنما قام على مقايضة. قبلت الجماعات غير المسلمة موقعاً قانونياً أدنى مقابل الحماية ودرجة من الاستقلال الداخلي، وقبلت الدولة تمايزها مقابل الولاء والجباية والسلم. توازن غير متكافئ، لكنه ظل فعالاً ما دام الطرفان داخل لغة شرعية واحدة: السلطان يحكم، والتنوع يُدار، والجماعة لا تدعي أنها أصل الحكم.
تنتمي الأقلية القومية إلى منطق مغاير، فلا أقلية بلا أكثرية، ولا أكثرية سياسية بلا تصور للأمة مصدرًا للشرعية، وهو ما تؤكده أدبيات القومية الحديثة التي تربط نشوء مفهوم الأقلية بظهور الدولة القومية وسيادة الشعب6. لا يمثل الانتقال من الملة إلى الأقلية مجرد انتقال من وضع قديم إلى وضع أحدث، بل تحولاً في الطريقة التي تُعرف بها الجماعة وتُقاس بها حقوقها. تظل الجماعة في مكانها وعددها وعقيدتها، يتغير معناها السياسي: من رعية دينية ضمن إمبراطورية إلى جماعة قومية يُفترض لها نصيب في السيادة أو حق في الانفصال.
توضح الحالة البلغارية هذا الانتقال من دون أن تختزله. فقد عُرف البلغار زمناً طويلاً ضمن الملة الأرثوذكسية الأوسع، الخاضعة للبطريركية المسكونية التي هيمنت عليها النخب اليونانية (الفناريون). مع النهضة البلغارية طالب رجال دين ومثقفون بلغار بإصلاحات كنسية وتعليمية، ثم بفصلٍ إداري وديني عن البطريركية المسكونية، حتى توج المسار فرمان سلطاني عام 1870 أنشأ الإكسرخسية البلغارية هيئة كنسية مستقلة نسبياً، أي كنيسة تستخدم لغتهم وتعبر عن جماعتهم. لم يكن النزاع لاهوتياً بحتاً، بل صراعاً على التمثيل: من يملك حق الكلام باسم جماعة أرثوذكسية؟ البطريركية المسكونية أم مؤسسة بلغارية متميزة؟ لذلك لم تكن الإكسرخسية مجرد تسوية كنسية، وإنما لحظة كشفت كيف يمكن لمؤسسة دينية أن تتحول إلى إطار تمثيل قومي7.
تكشف الحالة البلغارية قاعدة قابلة للتعميم. ما دامت السيادة تفهم على أنها سلطة سلطانية فوق الجماعات، ظل التعدد قابلاً للإدارة. أما عندما تفهم السيادة كحق لشعب أو أمة، يصبح من الممكن أن تتحول الجماعة الدينية أو اللغوية إلى جماعة سياسية. عندئذ ينتقل التنوع من كونه واقعاً اجتماعياً يُنظَّم إلى كونه مطالبة سياسية: تغدو الكنيسة تمثيلاً، واللغة حداً للانتماء، والذاكرة سنداً في إدعاء الحق في الأرض.
لم تكن الأمة جاهزة في البلقان العثماني، والوعي القومي لم يبدأ مكتملاً أو جماهيرياً. في القرن التاسع عشر، أصبحت القومية الإطار الأقدر على إعادة تفسير الجماعات الموروثة. ومعها بدأت المعضلة العثمانية الحقيقية: لم تعد الدولة تواجه رعايا محتجين فقط، بل جماعات بدأت تتعلم أن تسمي نفسها أمماً.
ومن هنا يبرز السؤال التالي: كيف صُنعت الأمة من مواد الملة نفسها؟
الهوامش
[1] تتيح مقاربة راينهارت كوسليك في تاريخ المفاهيم قراءة التحولات السياسية من خلال تتبع تغير دلالات الكلمات عبر الزمن. يشدد كوسليك على أن المفاهيم حوامل لتجارب تاريخية ومؤشرات على تحول في أفق التوقعات؛ لذلك يحذر من إسقاط مفردات حديثة — كالأمة والأقلية والسيادة الشعبية — على عوالم سياسية سابقة لم تكن تعمل بهذه اللغة. وتكملها دراسة نيكوس سيغالاس في تتبع تحول دلالة كلمة millet ذاتها، إذ يبين تعدد معانيها في العثمانية المبكرة، ثم تأرجحها الحديث بين معنى الأمة ومعنى الطائفة/الجماعة الدينية، ما يجعلها مثالاً دقيقاً على هجرة المفهوم من عالم إمبراطوري قديم إلى لغة سياسية حديثة.
[2] تضيء قراءة باركي الإمبراطورية العثمانية نظاماً لإدارة التنوع بالتراتب والوساطة والتفاوض، لا عبر الصهر القومي أو المساواة الحديثة. وأهميتها أنها تساعد على فهم الملة تقنيةَ حكم إمبراطورية لتنظيم التعدد ضمن سياق تاريخي سابق على تحولات القرن التاسع عشر، بدلاً من فهمها تسامحاً مثالياً أو قمعاً مطلقاً.
[3] فكّك براود التصور المدرسي الشائع عن نظام الملل بوصفه مؤسسة عثمانية مكتملة منذ فتح القسطنطينية. أطروحته لا تنفي وجود ترتيبات عثمانية لإدارة الجماعات غير المسلمة، لكنها تشكك في تحويل تلك الترتيبات المتغيرة والمحلية إلى نظام كلاسيكي موحد ومستقر.
[4] يمثل أورطايلي اتجاهاً داخل التأريخ التركي يرى القرن التاسع عشر العثماني قرن تكيف مؤسسي طويل، لا مرحلة انهيار خطي فقط. وتفيد هذه القراءة في إبراز أن الدولة العثمانية لم تكن عاجزة عن إدارة التنوع في ذاته، بل واجهت أزمتها عندما تغيرت اللغة السياسية التي صار هذا التنوع يُفهم من خلالها.
[5] تربط دراسة كاربات تشكل القومية العثمانية والبلقانية بتحول البنى الاجتماعية نفسها: من مراتب وجماعات دينية وإدارية إلى طبقات وجماعات سياسية حديثة. وتفيد دراسة هاريس ميلوناس في تدقيق حجة كاربات، إذ تنبه إلى أن سياسات بناء الأمة في البلقان لا تُفهم امتداداً مباشراً لإرث عثماني، ولا صناعة حديثة جاءت من فراغ، وإنما عملية أعادت توظيف مواد ومؤسسات موروثة داخل منطق الدولة القومية الحديثة. وهذا ينسجم مع فرضية المقال: الملة لم تكن أمة مؤجلة، لكنها وفرت مواد قابلة لإعادة التصنيع القومي.
[6] تفسر أعمال بندكت أندرسون الأمة بوصفها «جماعة متخيلة»، أي كياناً يُبنى باللغة والتعليم والطباعة والمؤسسات الحديثة، لا جوهراً أزلياً ثابتاً. وأهمية هذا الطرح أنه يوضح كيف يمكن لعناصر كانت موجودة داخل إطار الملة — كاللغة والذاكرة والمؤسسات الدينية — أن يُعاد تشكيلها ضمن أفق قومي حديث، فتتحول من أدوات تنظيم اجتماعي إلى أسس لهوية سياسية.
[7] تُظهر دراسات التاريخ الكنسي والسياسي للبلقان أن إنشاء الإكسرخسية البلغارية عام 1870 لم يكن مجرد إصلاح إداري داخل الكنيسة الأرثوذكسية، بل خطوة مفصلية في إعادة تعريف الجماعة البلغارية بوصفها كياناً متميزاً لغوياً وثقافياً وسياسياً، رسخت حدوداً جماعية قابلة للترجمة القومية، وربطت المؤسسة الدينية بمشروع التمثيل السياسي.
المصادر
أندرسون، ب. (2014). الجماعات المتخيَّلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها (ترجمة). المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (Original work published 1983)
Barkey, K. (2008). Empire of difference: The Ottomans in comparative perspective. Cambridge University Press.
Braude, B. (1982). Foundation myths of the millet system. In B. Braude & B. Lewis (Eds.), Christians and Jews in the Ottoman Empire (Vol. 1, pp. 69–88). Holmes & Meier.
Crampton, R. J. (2005). A concise history of Bulgaria (2nd ed.). Cambridge University Press.
Karpat, K. H. (1973). An inquiry into the social foundations of nationalism in the Ottoman state: From social estates to classes, from millets to nations (Research Monograph No. 39). Center of International Studies, Woodrow Wilson School of Public and International Affairs, Princeton University.
Kitromilides, P. M. (2013). Enlightenment and revolution: The making of modern Greece. Harvard University Press.
Koselleck, R. (2004). Futures past: On the semantics of historical time (K. Tribe, Trans.). Columbia University Press. (Original work published 1979)
Mylonas, H. (2019). Nation-building policies in the Balkans: An Ottoman or a manufactured legacy? Nations and Nationalism, 25(3), 866–887.
Ortaylı, İ. (2021). The empire’s longest century (Original work published 1983). Kronik.
Sigalas, N. (2022). “And every language that has been voiced became a millet”: A genealogy of the late Ottoman millet. Die Welt des Islams, 62(3–4), 325–359.





