الطريقة الأمريكية في الحرب الاقتصادية
هل تفرط واشنطن في استخدام أسلحتها الأقوى؟
حظي كتاب "إمبراطورية سرية: كيف حوّلت أمريكا الاقتصاد العالمي" لمؤلفيه هنري فاريل وأبراهام نيومان باهتمام واسع لدى نشره. الكتاب كان على رأس اختيارات المحررين في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية ضمن قائمة أفضل كتب صدرت عام 2024
فيما يلي ترجمة لمراجعة نشرتها المجلة بقلم بول كروجمان - أستاذ مُتميّز في الاقتصاد بمركز الدراسات العليا في جامعة نيويورك
لنفترض أن شركة في بيرو ترغب في التعامل مع نظيرتها في ماليزيا. من حيث المبدأ، لن يكون من الصعب على الشركتين إبرام صفقة: فإرسال الأموال عبر الحدود الوطنية عادةً ما يتم بسلاسة، كما أن تبادل كميات كبيرة من البيانات يتم بسهولة نسبية عبر الشبكات الدولية.
لكن وراء هذا الانسياب الظاهري، تكمن مفارقة حقيقية: سواء أدركت الشركتان ذلك أم لا، فإن تعاملاتهما المالية وتبادلهما للبيانات سيمران -على الأرجح- عبر الولايات المتحدة أو مؤسسات تخضع لسلطتها الرقابية الواسعة. وعندما يحدث ذلك، تصبح واشنطن قادرة على مراقبة هذا التبادل، بل ووقفه فجأة إن أرادت، مانعة بذلك الشركتين من إتمام صفقتهما. ليس هذا فحسب، بل تستطيع الولايات المتحدة، متى شاءت، أن تعرقل مجمل المبادلات التجارية لعدد كبير من الشركات البيروفية والماليزية، مما يعزل البلدين عن النظام الاقتصادي الدولي بدرجات متفاوتة.
جزء من هذه القدرة مفهومٌ جيدًا: الدولار الأمريكي هو العملة التي تجري بها معظم التجارة العالمية. بفضل قبوله شبه العالمي في البنوك الكبرى، وغلبة استخدامه، يصبح الدولار القناة الإلزامية التي تمر عبرها أغلب العمليات التجارية عبر الحدود. فالشركة البيروفية، مثلًا، لا تجد سوقًا مباشرًا تستبدل فيه السول البيروفي بالرينجيت الماليزي؛ لذا تُضطر البنوك المحلية أولًا إلى شراء الدولار، ثم استخدامه لشراء الرينجيت. ولتنفيذ هذه العمليات، لا بد أن تكون للبنوك قدرةٌ على الوصول إلى النظام المالي الأمريكي، أي أن تخضع -صراحةً أو ضمنًا- للقواعد التنظيمية التي تضعها واشنطن.
غير أن هناك سببًا آخر، أقل تداولًا في التحليلات الشائعة، يمنح الولايات المتحدة هذه اليد الطولى: السيطرة على البنية التحتية للبيانات. فمعظم كابلات الألياف الضوئية العابرة للمحيطات تمر عبر الأراضي الأمريكية، وحين تدخل هذه الكابلات إلى الولايات المتحدة، تصبح البيانات المتدفقة عبرها خاضعة للمراقبة. هكذا تستطيع وكالة الأمن القومي الأمريكي، بل وتفعل فعليًا، تسجيل كل حزمة بيانات تمر، مما يتيح لواشنطن رصد حركة المعلومات بين الشركات والدول على حد سواء. قدرة كهذه لا تقتصر على التجسس؛ بل تُتيح للولايات المتحدة أن تتوقع التهديدات لمصالحها وأن تردّ عليها بفرض عقوبات قد تكون مدمرة.
هذه الإمبراطورية غير المرئية -إمبراطورية الرقابة والعقوبات- هي محور كتاب "إمبراطورية سرية: كيف حوّلت أمريكا الاقتصاد العالمي" لمؤلفيه هنري فاريل وأبراهام نيومان. في هذا العمل التحليلي، يستعرض الكاتبان كيف بنت واشنطن هذه القوة الشبكية، والطرق المتعددة التي توظفها بها لإدارة النظام الدولي. يوضحان أن أحداث 11 سبتمبر كانت نقطة الانعطاف: لحظة اندفع فيها صانعو القرار الأمريكيون إلى استخدام شبكاتهم المالية والتقنية لتوسيع نطاق السيطرة، لا لمجرد حمايته. ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الشبكات أداة لتقييد صعود قوى منافسة مثل الصين وروسيا. ورغم تذمّر كثير من الدول من قبضة واشنطن، إلا أن الفكاك من هذه الشبكات أصعب مما يبدو.
ينبّه فاريل ونيومان إلى جانب آخر أكثر قتامة: باسم الأمن، أنشأت الولايات المتحدة نظامًا قابلاً للاستخدام المفرط بل ولسوء الاستخدام. يكتب المؤلفان:
"لحماية أمريكا، حوّلت واشنطن، ببطء ولكن بثبات، الشبكات الاقتصادية المزدهرة إلى أدوات للهيمنة."
وهذا التحوّل، كما يحذّر الكتاب، قد تكون له آثار كارثية. فالإفراط في استخدام أدوات السيطرة قد يدفع قوى أخرى إلى بناء بدائل للنظام الدولي القائم، مما يهدد استقراره. قد تجد الصين نفسها مدفوعة إلى الانعزال عن جزء كبير من الاقتصاد العالمي، مع ما يحمله ذلك من تباطؤ اقتصادي واسع النطاق. وقد تُستخدم هذه الأدوات لمعاقبة أطراف لم ترتكب أي خطأ حقيقي، مما يقوض شرعية النظام ذاته.
لهذا، يدعو الكاتبان -دون أوهام مثالية- إلى التفكير الجاد في كيفية ضبط هذه الإمبراطورية الشبكية، إن لم يكن احتواؤها بالكامل. فبقاء الاقتصاد العالمي مفتوحًا وعادلًا قد يتوقف، في نهاية المطاف، على قدرة المجتمع الدولي على مواجهة هذا الشكل الجديد من القوة الناعمة الصلبة.
البيانات والدولارات
لم تكن مركزية الولايات المتحدة في التمويل العالمي ونقل البيانات ظاهرة مستحدثة بالكامل. لطالما تمتعت هذه القوة العالمية بسيطرةٍ واسعة على الاقتصاد الدولي وشبكات الاتصال. ففي مطلع القرن العشرين، لعب الجنيه الإسترليني دورًا محوريًا في المعاملات الدولية، وكانت معظم كابلات التلغراف البحرية تمر عبر لندن، مانحةً الإمبراطورية البريطانية موقعًا مهيمنًا على تدفق المعلومات العالمية.
لكن عام 2023 ليس عام 1901. فالعالم اليوم يشهد ما يسميه بعض الاقتصاديين "العولمة المفرطة": شبكة معقدة من التداخلات الاقتصادية والمالية تتجاوز أي شيء عرفته البشرية قبل قرن. لم تعد التجارة الدولية تمثل مجرد جزء من النشاط الاقتصادي العالمي، بل أضحت مكونًا عضويًا يتزايد وزنه باطراد. والأهم من ذلك، أن المعاملات أصبحت أكثر تعقيدًا، تتطلب عبور طبقات متشابكة من المؤسسات والبنى التحتية الرقمية. في هذا السياق، فإن مرور جزء كبير من هذه العمليات عبر البنوك والكابلات الأمريكية يضع بين يدي واشنطن صلاحياتٍ لم تحزها أي قوة سابقة.
ثمة تصور شائع، سواء لدى المراقبين العاديين أو حتى بين بعض المحللين المحترفين، بأن هذه الهيمنة تمنح الولايات المتحدة مزايا اقتصادية كبرى. غير أن التحليلات الاقتصادية الجادة تخالف هذا الانطباع. تُظهر الدراسات أن الوضع المميز للدولار لا يسهم سوى هامشيًا في تعزيز الدخل الحقيقي للأمريكيين (أي الدخل المعدل للتضخم). أما السيطرة على كابلات الألياف الضوئية، فلا يبدو أن لها عوائد مالية ملحوظة لصالح الخزانة الأمريكية، خاصةً مع تسجيل جزء كبير من أرباح نقل البيانات في ملاذات ضريبية مثل أيرلندا.
لكن، كما يكشف هنري فاريل وأبراهام نيومان، فإن الأهمية الحقيقية لهذه السيطرة لا تكمن في العائدات الاقتصادية المباشرة، بل في القوة السياسية التي تتيحها. فبإمساكها بنقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، تمتلك واشنطن وسائل ضغط هائلة تستطيع استخدامها لتعزيز نفوذها الدولي.
يشير المؤلفان إلى أن هذه الإمكانيات كانت كامنة قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، إلا أن صانعي القرار الأمريكيين كانوا يترددون في تفعيلها مخافة ردود الفعل الدولية أو تجاوز حدودهم. غير أن الهجمات غيّرت الحسابات جذريًا. أدرك المسؤولون أن تتبع المعاملات المالية لأسامة بن لادن ربما كان سيفضح خطط القاعدة مبكرًا، وأن الأدوات المالية المتاحة لهم يمكن أن تكون سلاحًا فعالًا في تعطيل الشبكات الإرهابية. وهكذا، وضعت واشنطن ترددها جانبًا، وانطلقت في توسيع رقابتها المالية واستخدام العقوبات كذراع استراتيجية، مغيّرة بذلك قواعد اللعبة في الاقتصاد السياسي العالمي.
مفاتيح السيطرة: من البنوك إلى الكابلات
بالنسبة لصانعي السياسات الأمريكيين، لم يكن استغلال هذه الصلاحيات تحديًا عسيرًا. فالدولارات المستخدمة في المعاملات الدولية ليست حُزمًا من الأوراق النقدية المتنقلة عبر الحدود، بل ودائع مصرفية إلكترونية. وكل بنك يحتفظ بهذه الودائع مضطر، بشكلٍ أو بآخر، إلى الارتباط بالنظام المالي الأمريكي لضمان وصوله إلى الاحتياطي الفيدرالي. ولهذا، تسعى البنوك حول العالم إلى نيل رضا السلطات الأمريكية، خشية أن تجد نفسها معزولة عن شبكة الحياة المالية الدولية.
قصة كاري لام، الرئيسة التنفيذية السابقة لهونغ كونغ التي عيّنتها بكين، توضح هذا الخطر بجلاء. فبعد فرض عقوبات أمريكية عليها بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، لم تتمكن لام من فتح حساب مصرفي، حتى في بنك صيني. وكما أورد فاريل ونيومان، اضطرت لتلقّي رواتبها نقدًا، وتخزين أكوام من الأموال داخل مقر إقامتها الرسمي – صورة سريالية للثمن الذي قد يدفعه الفرد حين تسحب واشنطن اعترافها المالي.
ورغم أن هذه الحكاية صادمة، إلا أن هناك مثالًا آخر أكثر خفاءً - وأكثر خطورة بكثير: سيطرة الولايات المتحدة على جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك، المعروفة باسم "سويفت". هذه الشبكة البلجيكية، التي تنظم المراسلات بين البنوك الدولية، أصبحت عمليًا امتدادًا للنفوذ الأمريكي بعد هجمات 11 سبتمبر. فعلى الرغم من أن مقرها يقع خارج الأراضي الأمريكية، إلا أن اعتمادها على المؤسسات المالية المرتبطة بواشنطن دفعها إلى مشاركة كميات ضخمة من بياناتها مع السلطات الأمريكية، مقدمةً حجر رشيد ثمينًا لمراقبة حركة الأموال عبر العالم.
هذا النفوذ ترجمته واشنطن إلى سلاح فعّال في عام 2012، حين استخدمت قوتها داخل سويفت، مدعومةً بقدراتها المالية، لعزل إيران عن النظام المالي العالمي. النتائج كانت مدمرة: ركود اقتصادي خانق، تضخم بلغ نحو 40%، وضغوط دفعت طهران إلى التفاوض وتقليص برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات – قبل أن ينسحب الرئيس دونالد ترامب لاحقًا من الاتفاق، في قصة أخرى لا تقل درامية.
هذا النوع من السيطرة على نقاط الاختناق المالية يمنح الولايات المتحدة قدرة هائلة على تشكيل النظام الدولي. لكن، كما يكشف فاريل ونيومان، فإن ما تستطيع واشنطن فعله عبر تحكمها في نقاط اختناق البيانات قد يكون أكثر إدهاشًا.
ففي المواقع التي تدخل منها كابلات الألياف الضوئية إلى الأراضي الأمريكية، عمدت الحكومة إلى تركيب "مُقسِّمات" – أجهزة أشبه بالمناشير تفصل أشعة الضوء الحاملة للمعلومات إلى مسارين: أحدهما يذهب إلى الجهة المقصودة، والآخر يتجه مباشرة إلى وكالة الأمن القومي. عبر هذه الشبكة الخفية، تتمكن الولايات المتحدة من مراقبة معظم الاتصالات الدولية. وكما يلمح المؤلفان، "قد لا يعرف سانتا كلوز إن كنت طيبًا أم لا، لكن وكالة الأمن القومي على الأرجح تعرف."
بالطبع، التجسس لعبة لا يحتكرها طرف واحد. الصين، مثلًا، تسعى جاهدة لاختراق التكنولوجيا الأمريكية. لكنها، رغم الجهود المضنية، لم تنجح في مضاهاة تفوق واشنطن. وكما يشير فاريل ونيومان، فإن الولايات المتحدة لا تزال تمسك بمفاتيح الملكية الفكرية الحيوية: ليس فقط البرمجيات التي تدير الجيل الحالي من رقائق أشباه الموصلات، بل أيضًا أدوات تصميم الجيل القادم منها.
يؤكد المؤلفان على هذه الهيمنة بتشبيه لافت:
"الملكية الفكرية الأمريكية تتخلل سلسلة إنتاج أشباه الموصلات بأكملها، كخيط صيد طويل، ذي خطاف شائك وطُعم مغرٍ."
في عالم تتسابق فيه الدول على التكنولوجيا، تظل خيوط السيطرة الأمريكية مشدودةً بإحكام، لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تحدد مصائر اقتصادات بأكملها.
كل هذه القوة: سقوط هواوي
تقدم العقوبات المفروضة على كاري لام وإيران أمثلة لافتة على كيفية تسليح واشنطن لإمبراطوريتها السرية. لكن المثال الأوضح، الذي يكشف التقاء عناصر القوة الأمريكية الثلاثة – السيطرة على الدولار، والمعلومات، والملكية الفكرية – يتمثل في الإطاحة المذهلة بشركة هواوي الصينية.
قبل أعوام قليلة، ساد ذعر حقيقي بين المسؤولين الأمريكيين ونخب السياسة الخارجية حيال صعود هواوي. فالشركة، التي ترتبط بعلاقات وثيقة بالحكومة الصينية، بدت على وشك السيطرة على سوق معدات الجيل الخامس في العالم، وهو ما كان سيمنح بكين قدرةً على التنصت العالمي، محاكاةً لما تفعله الولايات المتحدة عبر شبكاتها.
واشنطن لم تنتظر طويلًا. وكما يوثق فاريل ونيومان، وظّفت الولايات المتحدة شبكتها الإمبراطورية لمحاصرة هواوي من جميع الجهات. أولًا، كشفت أن الشركة كانت تتعامل سرًا مع إيران، في خرق مباشر للعقوبات الأمريكية. ثم، بفضل سيطرتها على تدفقات البيانات المصرفية الدولية، جمعت أدلة تثبت أن هواوي ومديرتها المالية، منغ وانزو – ابنة مؤسس الشركة – ارتكبتا احتيالًا مصرفيًا، حين أخبرتا بنك HSBC البريطاني زورًا أن لا تعاملات مع طهران.
في ديسمبر 2018، وأثناء عبورها فانكوفر، ألقت السلطات الكندية القبض على منغ بناءً على طلب أمريكي. سرعان ما وُجهت لها وللشركة سلسلة اتهامات بالاحتيال الإلكتروني وجرائم أخرى، مما أطلق أكبر مواجهة قانونية–تجارية بين واشنطن وبكين في العقد الأخير.
لكن الولايات المتحدة لم تكتف بذلك. فعبر فرض قيود صارمة على تصدير التكنولوجيا الأمريكية، ضغطت على شركة TSMC التايوانية، المزود الرئيسي لأشباه الموصلات، لوقف توريد الرقائق المتطورة إلى هواوي. هذه الخطوة كانت بمثابة خنق تكنولوجي منهجي للشركة الصينية، ومنعتها من الحفاظ على موقعها الرائد في سباق الجيل الخامس.
ردّ الصين جاء سريعًا وقاسيًا: احتجزت بكين اثنين من المواطنين الكنديين، في خطوة اعتُبرت على نطاق واسع انتقامًا دبلوماسيًا، مما كشف إلى أي مدى قد تتداخل رهانات التكنولوجيا مع رهانات السيادة والكرامة الوطنية.
حدود القوة الخفية
بعد نحو ثلاث سنوات من الإقامة الجبرية في كندا، توصّلت منغ وانزو إلى اتفاق تعترف فيه بعدد من التهم، مقابل السماح لها بالعودة إلى الصين. وعلى إثر ذلك، أطلقت الحكومة الصينية سراح الكنديين المحتجزين. لكن الضرر كان قد وقع: تراجعت قوة هواوي بشكل ملحوظ، وتبددت – ولو مؤقتًا – طموحات الصين في الهيمنة على تقنيات الجيل الخامس. بهدوء يشبه تكتيكات ما بعد الحداثة، خاضت الولايات المتحدة حربًا غير معلنة ضد بكين... وربحتها.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا النصر خبرًا سارًا بلا تحفّظ. فقد تمكنت واشنطن من كبح جماح التوسع التكنولوجي لنظام ديكتاتوري من دون إطلاق رصاصة واحدة. وكذلك تُعدّ قدرتها على عزل كوريا الشمالية ماليًا، أو فرض عقوبات شلّت البنك المركزي الروسي، منجزات تُستحق لها الهتافات. يصعب الاعتراض على استخدام الولايات المتحدة قوتها الخفية لردع الإرهاب، أو تفكيك كارتلات المخدرات، أو عرقلة مساعي فلاديمير بوتين لإخضاع أوكرانيا.
ومع ذلك، يحذر فاريل ونيومان من الوجه الآخر لهذه القوة: خطر الإفراط. إذا ما استُخدمت الأدوات الاقتصادية بلا حدود، قد تنهار القاعدة التي ترتكز عليها القوة الأمريكية نفسها. ففي حال بالغت واشنطن في استخدام الدولار كسلاح ضد أطراف عديدة، قد تجد هذه الدول دافعًا حقيقيًا للبحث عن بدائل. وإذا تصاعدت المخاوف من التجسس الأمريكي، قد تُبنى شبكات ألياف ضوئية تلتف على الولايات المتحدة. وإذا أُثقلت الصادرات الأمريكية بقيود مفرطة، فقد تفكر الشركات العالمية مرتين قبل تبني التكنولوجيا الأمريكية – حتى لو كان البديل أقل جودة. فبعض الدول قد تفضّل تكنولوجيا صينية أدنى مستوى، فقط من أجل التحرر من القيود السياسية التي تفرضها واشنطن.
حتى الآن، لم تتحقق هذه السيناريوهات. فالدولار لا يزال، رغم كل الأحاديث المتكررة عن زواله، العملة المهيمنة عالميًا. وكما يلاحظ فاريل ونيومان بمرارة ساخرة، صمد الدولار حتى في وجه "الغباء الفظيع" لإدارة ترامب.
أما بالنسبة للبنية التحتية للاتصالات والبرمجيات، فبينما قد يبدو نشر كابلات بديلة أو بناء برمجيات منافسة مسألة سهلة تقنيًا، إلا أن تحقيق ذلك على نطاق عالمي يظل تحديًا ضخمًا. تبدو قبضة واشنطن الخفية على النظام العالمي، إلى هذه اللحظة، أكثر رسوخًا مما قد توحي به الضوضاء السياسية.
حدود القوة... وحدود الحكمة
غير أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة تملك صلاحيات غير محدودة. يحذر فاريل ونيومان من أن الصين – باعتبارها قوة اقتصادية عظمى قائمة بذاتها – قد تلجأ إلى "الدفاع بالانكفاء"، أي تقليص روابطها المالية والمعلوماتية مع العالم. وهو اتجاه بدأت ملامحه بالظهور فعلًا. صحيح أن هذا الخيار سيحمل تكاليف اقتصادية باهظة على الجميع، لكنه قد يكون، من منظور بكين، الثمن اللازم لتقليص التبعية والانكشاف أمام ضغوط واشنطن. فدور الصين كـ"ورشة العالم" لا يسهل استبداله، تمامًا كما يصعب استبدال الدور الذي يلعبه الدولار في النظام المالي الدولي.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في تآكل العولمة الاقتصادية فقط. فالتاريخ يذكّرنا أن الدول التي تُهزم في حروب غير دموية قد تلجأ إلى الحروب الدموية. وكما يلاحظ فاريل ونيومان، كان تسليح التجارة أحد العوامل التي دفعت ألمانيا واليابان إلى شنّ غزوات خلال الحرب العالمية الثانية، سعيًا لتأمين المواد الخام في وجه العقوبات الدولية. السيناريو الكابوسي اليوم؟ أن تتخذ الصين – خوفًا من التهميش والحصار – قرارًا كارثيًا بغزو تايوان، التي تحتل موقعًا حيويًا في صناعة أشباه الموصلات العالمية.
ومع أن هذا الاحتمال لا يزال بعيدًا، فإن ثمة مصدر قلق آخر أكثر قربًا وأقل إثارة: أن تستخدم الولايات المتحدة هذه القوة غير المتكافئة بشكل غير عادل أو طائش. فواشنطن ليست معصومة عن الخطأ، وقد اتخذت في تاريخها قرارات خارجية مشبوهة أخلاقيًا. وفي عالم تهيمن عليه نقاط الاختناق الأمريكية، قد تتعرض دول وشركات وأفراد للأذى السياسي والاقتصادي، لا لسبب سوى اختلافهم مع خيارات الولايات المتحدة.
تجربة الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على كندا وأوروبا تذكير بهذا الخطر. ومن السهل تصور سيناريو آخر – إذا عاد ترامب إلى البيت الأبيض – تُستخدم فيه شبكات النفوذ الأمريكية لمعاقبة الحكومات الأوروبية التي تنتقد سياساته، سواء في السياسة الخارجية أو حتى قضايا الحقوق المدنية.
لا يحتاج المرء إلى تبني السرديات الراديكالية حول حرب العراق، أو الادعاء بأن الولايات المتحدة دفعت بوتين لغزو أوكرانيا، لكي يشعر بالقلق. ما يكفي أن ندرك: إمبراطورية خفية لا تخضع للمساءلة الكافية قادرة – حتى دون نية سيئة – على إلحاق ضرر بالغ بالعالم.
قواعد الطريق: نحو عقلنة القوة الخفية
لا يقدم فاريل ونيومان خارطة طريق مفصلة للتعامل مع مخاطر الإمبراطورية السرية. كل ما يقترحانه هو ضرورة التعامل مع هذه القوة الجديدة بنفس الجدية الفكرية التي كُرّست سابقًا لإدارة التنافسات النووية. ومع ذلك، فإن مساهمتهما ليست قليلة: من خلال تسليط الضوء على التحولات العميقة في طبيعة النفوذ العالمي، يدفعان المحللين وصناع القرار إلى إعادة التفكير جذريًا في مفهوم القوة ذاته.
ثمة حاجة ملحّة، كما يلمح الكتاب، لبدء بلورة استراتيجيات واضحة لمعالجة هذه التحديات الجديدة. أحد الخيارات الممكنة هو تطوير قواعد دولية تنظّم استغلال نقاط الاختناق الاقتصادية، على غرار القواعد التي قيدت الحروب التجارية منذ إبرام الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات) عام 1947. وكما يدرك كل خبير اقتصادي، لم تهدف الجات فقط إلى حماية الدول من عدوانية بعضها البعض، بل أيضًا إلى حمايتها من نفسها: من إغراءات الانغلاق والحمائية التي قد تدمر النظام العالمي.
بطبيعة الحال، سيكون من الأصعب بكثير فرض قواعد مماثلة على أشكال القوة الاقتصادية–البيانية المعقدة التي تهيمن على عصرنا. ورغم ذلك، فإن المخاطر التي ينطوي عليها ترك هذه الشبكات دون ضوابط واضحة أكبر مما يمكن تجاهله. فسلامة النظام الدولي، بل ربما استقراره نفسه، باتت تتطلب التفكير الجاد في تقنين أدوات النفوذ الخفي، قبل أن يتحول الاعتماد عليها إلى تهديد وجودي.
نُشرت في6 ديسمبر 2023 في مجلة الشؤون الخارجية الامريكية




