الحركة الصهيونية وفلسطين في الاعلام العربي بين عامي 1914-1897
مجلة المنار مثالا: دراسة تاريخية تحليلية
نضال داود المومني*
تتناول هذه الدراسة موقف مجلة المنار قبل الحرب العالمية الأولى، من اليهود والحركة الصهيونية ومشروعها في تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، خاصة بعد احتلال بريطانيا لمصر عام 1882م، حيث حظيت وسائل الاعلام المصرية بحرية أوسع في الكتابة في الشؤون العثمانية، وقد لجأ إلى مصر عدد من السوريين الذين أصدروا فيها الجرائد والمجلات. وكان من هؤلاء محمد رشيد رضا (1354– 1282هـ/ 1935-1865م) المفكر الإسلامي صاحب ومؤسس مجلة المنار. بدأت المنار في شوال 1315هـ/1898م كجريدة أسبوعية تكونت من ثمان صفحات، ثم تحولت في سنتها الثانية إلى مجلة؛ وقد اهتمت بالشؤون العالمية والإسلامية (العربية والعثمانية.) وتزامن ظهورها مع ظهور أعمال الحركة الصهيونية على صفحات الجرائد والمجلات العربية خاصة في مصر؛ على أثر انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول عام .1897وقد تباين الاهتمام بها والتعليق على الحركة الصهيونية من مجلة أو جريدة إلى أخرى؛ فكانت تلك الحركة من الموضوعات التي اهتمت المنار بمتابعتها وفق رؤية قد تبدو مختلفة عن غيرها. واعتمدت دراستنا هذه بشكل خاص على أعداد مجلة المنار خلال المدة المستهدفة في البحث، إلى جانب نماذج أخرى لبعض الجرائد والمجلات التي تساعد في المقاربة او المقارنة بينها وبين المنار. هذا إلى جانب عدد من المصادر المتخصصة المعاصرة لمدة الدراسة وبعض المراجع التي تناولت تاريخ فلسطين والحركة الصهيونية. ورصدت الدراسة ما جاء في المنار حول الحركة الصهيونية وفلسطين، وكانت أغلبها من تأليف العالم الفقيه والسياسي محمد رشيد رضا، الذي كتب بحثا خاصا عن الصهيونية نشره عام .1913ولم تهدف الدراسة إلى استعراض ومناقشة كل ما كتبه الشيخ رشيد رضا او ما كتبه آخرون عنه أوعن موقفه من الصهيونية والمسألة الفلسطينية برمتها؛ إنما غايتها عرض كتاباته وما تضمنته مجلة المنار، خلال فترة زمنية محددة؛ وفق رؤيا تاريخية تحليلية، بعيدا عن اتخاذ مواقف مسبقة أو كتابات جاءت متأخرة زمنيا؛ وإنما حصرها في الكتابات المعاصرة لمدة الدراسة
مقدمة
حاول بعض اليهود في القرن السادس عشر تشجيع الهجرة إلى فلسطين، لكنهم فشلوا بعد ان تمكنوا من إسكان (3700) عائلة من يهود اسبانيا في سورية وفلسطين في عهد السلطان بايزيد الثاني. وفي القرن السابع عشر ظهرت الدعوة مجددا على يد بعض رجالاتهم أمثال ساباتاي زيفي (Zevi Sabbatai، 1676-1626) الذي ادعى بأنه المسيح المنتظر، وأنه بٌعث ليذهب باليهود إلى أرض الميعاد؛ ولما ظهر فساد دعوته فشل1. وجاء اهتمام الغرب بفلسطين خلال القرن التاسع عشر الميلادي نظراً لموقعها الجغرافي، وكذلك لرغبة بريطانيا في السيطرة عليها لتأمين طريقها التجاري إلى الهند والمواصلات البحرية العسكرية، ولتنفرد بريطانيا في السيطرة على المنطقة العربية كجزء من الدولة العثمانية في وجه الأطماع الأوروبية. واستغلت الدول الاستعمارية أوضاع الدولة العثمانية ودخلت لها عن طريق الامتيازات الأجنبية، وأصبح الأجانب دولة داخل الدولة2.
ولما توترت علاقات الدولة العثمانية مع أوروبا بعد استقلال اليونان وظهور المسألة المصرية عام 1830؛ اعتقد المؤرخ اليهودي سلفادور (Joseph Salvador) بإمكان إعطاء فلسطين لليهود، وذلك بتشكيل مؤتمر معترف به من الدول الأوروبية العظمى وتقرير هذه القضية فيه3. وحظي الوجود اليهودي، ثم الصهيوني في فلسطين بدعم كبير من بريطانيا. ويرجع التعاون الرسمي البريطاني اليهودي إلى عام 1840–1839، حينما تبنت الحكومة البريطانية قضية يهود السلطنة العثمانية رسمياً، وأسست أوّل قنصلية لها في القدس لحماية يهودها وإعطائهم رعاية خاصة،4 فوجهت بريطانيا جهدها لخدمة الجالية اليهودية في فلسطين، وسعت لجلب جاليات يهودية لدوافع استعمارية، وكذلك لتكوين حاجز بشري يحول دون تحقيق الوحدة العربية5.
ورافق ذلك حملة إعلامية في جرائد بريطانيا تؤيد أماني اليهود وإمكانية إقامة دولة يهودية في فلسطين. كما حضت الحملة أغنياء اليهود أمثال، أسرة روتشيلد (Rothschild) وغيرهم على دعم المشروع. وقد تركزت المطالبات بعودة اليهود إلى فلسطين مع بقائها تحت سيادة الدولة العثمانية6. وحول بعض أصدقاء اليهود من الإنجليز نشاطهم إلى العمل السياسي؛ وذلك بالضغط على السلطات العثمانية لمنح اليهود تصريحا بإقامة مستعمرات أُخرى في فلسطين، وتم ذلك فعلًا سنة 1855، حينما كان عدد يهود فلسطين لا يتجاوز ثمانية آلاف،7 وقد نزح الكثير منهم لأغراض دينية8.
وفي الوقت نفسه الذي ظهرت فيه الصهيونية كتعبير سياسي كان ثمة دور للدافع الديني، كان أصحاب هذا الفكر قد ساهموا في تنمية الحركة القومية اليهودية9. أمثال مويز هس الالماني ( Moise Hesse) الذي نشر عام 1862 رسالة بعنوان: رومية والقدس (Jerusalem and Rome)؛ التزم فيها بإحياء القومية اليهودية. وطلب مساعدة فرنسا لإحداث مستعمرات يهودية في فلسطين. ثم زيفي هرش غايشر (Zevi H. Kalischer). الذي يعتبر أول صهيوني ذكر في كتابه (درس صهيون) استعمار فلسطين وزراعتها، وانشاء مدرسة زراعية فيها، وقوة عسكرية من اليهود لحمايتها. واعتقد ان خلاص بني إسرائيل بموجب كتبهم الدينية يأتي بالتدريج إذا اعتمدوا على أنفسهم ولا ينتظرون من أحد ان يخلصهم. وقد روج لفكرته ولاقت قبولا كبيرا عند عدد من الحاخامات المتصلبين في الدين10. وعلى العموم لم تتوقف الدعوات والرسائل التي تدعم فكرة عودة اليهود وتجمعهم في فلسطين باعتبارها مملكتهم الدينية -أي مملكة صهيون- طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وقد أشار رشيد رضا -في بحثه عن الصهيونية والذي نشره عام 1913، إلى سعي اليهود في الوصول الى فلسطين عام 1863؛ فسعوا إلى استنصار الجمعيات الخيرية “الإسرائيلية”؛ كجمعية الاتحاد الإسرائيلي وجمعية اليهود الانكليزية في لندن وجمعيتهم في برلين؛ فترتب على ذلك تأسيس الجمعية العمومية الفلسطينية وجمعية الاستعمار الفلسطيني، لكن الدعوة لم تكن نضجت فلم تأت هذه المساعي بثمرة؛ فوجهوا التفاتهم إلى مناطق أخرى داخل الدولة العثمانية وخارجها. واقترح السياسي الانجليزي لورنس اولفانت (Oliphant Laurence) انشاء مهجر يهودي في فلسطين بنواحي السلط، ولم يصلوا إلى نتيجة. ولكن روح الصهيونية أخذت تتمكن من قلوب اليهود، وهم يزدادون تمسكا بالعنصرية كلما زاد مقاوموهم شدة، فكثرت الجمعيات التي ألفت لهذه الغاية. ونشأت سنة 1879 أول جمعية أفلحت في استثمار أرض فلسطينية، ولما التأم المؤتمر الإسرائيلي سنة 1884، تنبه العثمانيون لأغراضهم، فحالوا دون تحقيقها11.
وقد شهدت الهجرة اليهودية إلى فلسطين تزايداً كبيراً عام 1881، بعد اغتيال قيصر روسيا ألكسندر الثاني، بسبب اشتراك يهود روسيا في اغتياله؛ فتعرض اليهود في روسيا إلى مذابح جماعية12. وأنشأت جماعة يهودية من مهاجرين روسيا عام 1882، أول مستوطنة (جالية) زراعية يهودية بالقرب من يافا13. وكانت تتبع لجمعية روسية اسمها: “مساعدة الفلاحين والصناع اليهود في فلسطين والشام”؛ والتي هي فرع لجمعية يهودية ممتدة اسمها “أحباء صهيون”، لها فروع في بلاد كثيرة؛ تقوم بتأمين سفر الراغبين بالانتقال إلى فلسطين (الأرض المقدسة) وتأمين أرض لهم، بعد أن تقع القرعة عليهم. ثم تقوم لجنة يافا بمتابعة النظر في أمورهم ومساعدتهم ماديا وأدبيا في ابتياع أراضي واسعة لاستثمارها كأفراد وجماعات14. وذكر وايزمن أنه عقد عام 1884 في مدينة بنسك الروسية أول مؤتمر لجماعة محبي صهيون، والذي مثل ميلاد الصهيونية السياسية. وقدمت بنسك مشاهير بناء الوطن القومي لليهود في فلسطين15.
ويبدو أن علاقة العرب واليهود في فلسطين كانت جيدة قبل بروز الحركة الصهيونية على مسرح الأحداث، واستطاع اليهود القدماء في فلسطين، من سكان المدن وخاصة في القدس والخليل وصفد وطبرية التعايش مع السكان العرب16. وقد عاش العرب واليهود في فلسطين بسلام تحت حكم المسلمين، ولم تكن الحوادث التي حدثت بينهم في بعض الأحيان، إلا مظهراً من مظاهر أي مجتمع متعدد الأجناس ومجردة عن أي نوازع طائفية أو دينية17.
وخلاصة القول وٌجد يهود في فلسطين خلال الحكم العثماني، ولم ينظر العرب إلى وجودهم على أنه مشكلة من أي نوع. لكن ظهور فكرة تجميع اليهود من دول العالم في فلسطين؛ غيّر مسار العلاقات الطبيعية بين العرب واليهود، خاصة بعد ظهور الحركة الصهيونية كحركة سياسية اجتماعية استعمارية منظمة غايتها إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بغض النظر عن الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق تلك الغاية.
المشروع الصهيوني (1909-1897)
انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة (بال/سويسرا) في آب/اغسطس 1897، بزعامة ثيودور هيرتزل (Theodor Herzl) وقرر العمل على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وأصبح للصهيونية أهداف محددة ومؤسسة وتنظيم18. وقد اجتمع في هذا المؤتمر حوالي ثلاثمئة “من أعتى حكماء صهيون كانوا يمثلون خمسين جمعية يهودية، وقد قرروا في المؤتمر خطتهم السرية لاستعباد العالم كله تحت تاج ملك من نسل داود، وكانت قراراتهم فيه سرية محوطة بأشد أنواع الكتمان والتحفظ إلا عن أصحابها بين الناس، أما غيرهم فمحجوبون عنها ولو كانوا من أكابر زعماء اليهود، فضلا عن فضح أسرارها سرا، وإن كان فيما ظهر منها ما يكشف بقوة ووضوح عما لا يزال خافيا19.” وكان من وسائل الصهاينة التي أقرها المؤتمر استخدام المال ودفع الرشاوى، يليها اللجوء إلى العنف والتدمير بلا رحمة20. ثم توالى عقد مؤتمرات الصهيونية، فعقدت مؤتمرها الثاني عام 1898، وأصبحت الحركة الصهيونية تعقد مؤتمراً سنوياً لها21. مات هيرتزل عام 1904، لتتخذ المنظمة الصهيونية بعده وجهة نظر “الصهيونيين العمليين” القائلة بالسعي لاستقدام المهاجرين إلى فلسطين والاستيلاء على الأراضي وإنشاء المزارع والمصانع، أي التخلي عن “الصهيونية السياسية” القائمة على ضرورة الحصول على ميثاق دولي قبل المباشرة في إقامة الوطن القومي اليهودي22. وكان من مقررات المؤتمر الصهيوني السابع الذي انعقد عام 1905، من حيث العمل في فلسطين؛ السعي في التنقيب عن الآثار وترويج الزراعة والصناعة وسائر الأحوال الاقتصادية والاجتماعية اليهودية وغير ذلك من الأمور23.
ولما تناولت جريدة المنار أول مرة موضوع اليهود جاء في العدد الثاني في شباط/فبراير 1898 بعنوان: “اليهود في فرنسا وفي ومصر”، تضمن مقدمته الإشارة إلى وعود نابليون للأمة الفرنسية بالدفاع عن الحرية العمومية وخدمة مبادئ الجمهورية. وأنه لما تسلم الجمهورية داس على كل ذلك. وقال رضا: “وهذا شأن الانسان في كل آن يطلب الحرية مرؤوسا ويكرهها رئيساً24.” ولما دخل في صلب الموضوع وهو من مشكلات فرنسا السياسية الداخلية التي قامت إثر مسألة “دريفوس وقضية زولا”، وما قاساه اليهود فيها من الإهانة والاضطهاد وسوء المعاملة؛ علق رضا على القضية بأن منشأ هذا الاضطهاد ليس التعصب الديني لدى الأمة الفرنسية، إنما هو التعصب الجنسي والحسد الذميم؛ أثارهما في صدور الأمة أصحاب الجرائد المعادين لليهود الطامعين بأموالهم. وأضاف رضا أنه لو حدث مثل هذا الأمر بين الشرقيين لطبق السماء صراخ تلك الجرائد. واستغرب أن داء الجرائد الفرنسية سرى إلى بعض الجرائد المصرية؛ فقامت تهاجم اليهود، وتأخذ عليهم مهارتهم في الكسب وتفننهم في أساليب الربح25.
واعتقد رضا أن الحرية العمومية ليست مختصة بفريق دون فريق؛ فإن التمدن الصحيح والعدالة الحقيقية يفرضان المساواة المطلقة بين جميع بني الانسان في المنافع العمومية، وأن العمل والكسب بالطرق الشرعية فضيلة اجتماعية. ولذلك لا يؤيد عقلاء الأمة الفرنسية اضطهاد اليهود في بلادهم قديما وحديثا. وختم رضا الموضوع بعبارة: “وعسى أن يستفيد إخواننا الشرقيون لا سيما المسلمين منهم بما نقص عليهم من أحوال الأمم26.”
ولما بحثت الجرائد والمجلات العربية موضوع الصهيونية وأخطارها بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، فقد جاء الموضوع في المنار تحت عنوان “خبر واعتبار” نقلا عن المقتطف في نيسان/أبريل 1898، وجاء الموضوع في المقتطف في باب “المسائل” على شكل سؤال وجواب تحت عنوان: “عود اليهود إلى فلسطين”، وتضمن السؤال كثير من المعلومات عن الحركة الصهيونية واليهود، ومضمونه أنها حركة حدثت فجأة منذ ستة أشهر بين اليهود في بلاد النمسا وألمانيا وإنكلترا وأمريكا وهي المعروفة باسم: “الصهيونية”؛ غايتها جعل فلسطين مسكنا لليهود المضطهدين في روسيا وبلغاريا ورومانيا وبلاد الفرس والمغرب؛ وذلك بإذن الدولة العثمانية وكفالة الدول الأوروبية وتحت حمايتهن، وأن مراد اليهود تعمير فلسطين بالفلاحة والصناعة والعيش بأمان في ظل الدولة العثمانية “الحضرة الشاهانية”؛ وبذلك يقل عدد الفقراء في أوروبا وتتسع أسباب التجارة بين الشرق والغرب. واستحسنت الجرائد الأوروبية الشهيرة -كالتايمز والكرونكل وغيرها- هذا الرأي؛ باعتباره قريب المنال؛ لأن الدولة العثمانية ترغب في عمار بلادها، والدول الأوروبية لا تمنع فقراء اليهود من تركها والانتقال إلى بلاد الشرق؛ لكي ينشروا فيها المعارف، ويوسعوا التجارة والصناعة، لا سيما أن اليهود اشتهروا بولائهم في البلاد التي تحميهم وتحسن إليهم؛ فتجد الدولة العثمانية منهم كل ولاء وأمانة! وتساءل السائل عن مدى اعتناء الجرائد العربية في مصر وسورية بالأمر؟27
وكان جواب المقتطف ان الجرائد العربية في مصر وسورية لم تعتن اعتناء خاصا بالخبر وإنما جاء مع سائر الأخبار. وأن اليهود الذين أتوا فلسطين حتى الآن أهل صناعة وتجارة، وقد أفلحوا فيها وقبضوا على أكثر فروع التجارة والبيع والشراء، وإذا زاد عددهم قبضوا على كل موارد التجارة والصناعة، أما الفلاحة فلا يعكفون عليها لأنها ليست صنعتهم في البلدان التي ينتشرون فيها؛ ولكن ربما ملكوا الأرض وأبقوا سكانها الحاليين حراثين فيها. وأصحاب المال من اليهود لا يستحيل عليهم أمر إذا عزموا عليه، فإذا اتفق أغنياء اليهود في أوروبا على ابتياع الجانب الأكبر من أراضي فلسطين، ونقل إخوانهم الفقراء إليها لم يتعذر عليهم ذلك، ولم يتعذر على فقراء اليهود أن يعيشوا في فلسطين براحة ورخاء؛ لأن الأرض وسيعة وخيراتها كثيرة، وكانت تمون أضعاف سكانها الحاليين، وأن أغنياء اليهود لا يرون أنفسهم مضطرين لابتياع أرض فلسطين وإسكان إخوانهم الفقراء فيها، رغم أن من بينهم محسنين أمثال البارون هرش28.
وجاء في المقتطف: رغم ما يعترض المسألة من مصاعب، لكن نقل اليهود إلى فلسطين وابتياع الأرض من الحكومة وأصحابها أصعب من نقلهم إلى الأرجنتين؛ ولذلك استبعد المقتطف نجاح الصهيونيين في غايتهم، وأن السعي لدى حكومات روسيا ورومانيا وبلغاريا، في اصلاح شأن اليهود فيها أقرب منالا، لا سيما أن طلب كفالة الدول الأوروبية وحمايته لليهود الذين يراد نقلهم إلى فلسطين عقبة كبيرة في سبيل هذا الغرض؛ ولأن الدولة العثمانية لا ترضى به عن طيب نفس29.
وقد أورد رشيدرضا الخبر في المنار لاستنتاج عدة أمور و التي سماها ”فوائد” قد تبدو غريبة - وهي اولا: أن المضطهدين في العالم يرغبون في الجلاء من بلدانهم للعيش تحت حكم السلطان-عبدالحميدالثاني - بسبب الحرية الدينية البعيدة عن التعصب كما هو حال أوروبا، مع انتقاده لفكرة ”حماية الدول الأوروبية”؛لأن اليهود في الدولة العثمانية يعاملون معاملة متساوية مع غيرهم،” نعم إن المرجع لاختيار اليهود فلسطين كونها بلادا مقدسة و موضع آمال منتظرة، ولكن الأمن و الراحة شرط للاختيار.” وثانيا: إلى إمكانيات فقراء اليهود في تعمير فلسطين و بث المعارف و توسيع التجارة والصناعة فيها؛ لعل في ذلك حث للعرب فتجيش فيهم مراجل الغيرة. أما ثالثاً: جلب النظر للروابط المحكمة بين اليهود رغم تشتتهم في الممالك، بحيث يساعدون بعضهم على ”امتلاك بلادكم واستعمارها”، وعلى سكان البلاد التفكر في المسألة ليدركوا مدى تقصيرهم في حق بلادهم. وأضاف رضا داعيا العرب إلى التفكر ومراقبة ما تفعل الشعوب والأمم، ثم قال: ”أترضون أن يسجل في جرائد جميع الدول ان فقراء أضعف الشعوب الذين تلفظهم جميع الحكومات من بلادها هم من العلم و المعرفة بأساليب العمران وطرقه بحيث يقدرون على امتلاك بلادكم واستعمارها وجعل أربابها أجراء وأغنيائها فقراء”،وحثهم على التفكر في مدى تقصيرهم تجاه أوطانهم، وبحث هذا الأمر فيما بينهم30.
واستفاض رشيد رضا في بحثه عن الصهيونية الذي نشر عام 1913، في الحديث عن محاولات اليهود للوصول إلى فلسطين قبل المؤتمر الصهيوني الأول 1897، وأنهم حاولوا الاستيلاء على فلسطين بكافة الوسائل، وآخرها الحركة الصهيونية التي غرضها جمع الشعب الإسرائيلي في فلسطين وجعله وطنا لهم، استنادا إلى أسس دينية جاءت في أسفارهم، وبعث اليهود على تبني الصهيونية أمران: الأول؛ تمكن الروح الملية من نفوسهم، وتغليب العصبية العنصرية لديهم. والثاني؛ مبالغة الأمم النصرانية في امتهان اليهود باسم: مقاومة السامية “antisemitism”؛ وأدى ذلك إلى اجتماع كلمة اليهود بأوروبا، وفيهم طائفة من أصحاب الأموال ورجال السياسة والعلم وأهل الهمة والنشاط، الذين وجهوا عنايتهم عن طريق كتابهم لتحريض قومهم على استعمار فلسطين للتخلص من اضطهاد الأمم لهم، رغم عدم استبعادهم لاختيار أي مكان آخر31. وأضاف رضا عن أثر “هيرتزل” في تنظيم وتوجيه الحركة الصهيونية، حيث لم يستقر عمل اليهود الصهاينة على قواعد متينة إلا بعد ظهور الدكتور هيرتزل، وهو نمساوي شديد الغيرة على العنصر "الإسرائيلي." وكتب سنة 1895 كتابا سماه: الوطن الإسرائيلي ( The State Jewish)، وخلاصة آراء هيرتزل في ذلك الكتاب "إن أعداء الساميين آخذون في الازدياد، ولا يستطيع اليهود مقاومتهم لتشتت شملهم في الأرض، فهم في حاجة إلى الاجتماع في وطن خاص بهم"؛ فاقترح إنشاء شركة يهودية اقتصادية رأس مالها خمسون مليون جنيه مركزها لندن. واقترح ابتياع فلسطين أو الأرجنتين على ان ينتقل اليها اليهود انتقالا منتظما. ثم عدل هيرتزل رأيه هذا فحصر طلبه باستعمار فلسطين دون سواها؛ لعلمه أن الناس لا يساقون بمثل الشعائر الدينية، واليهود هجروا فلسطين وقلوبهم في "هيكل سليمان." ولما نشرت آراء هيرتزل أقبلت الجمعيات اليهودية على الأخذ بها32.
وأضاف رضا حول مرحلة هيرتزل وما رافقها من تعديلات على برنامج الحركة الصهيونية؛ إذ كان من أشد المعارضين لأفكار هيرتزل طائفة كبيرة من الحاخامات في روسيا وألمانيا والنمسا وإنكلترا عارضوه في بادئ الرأي؛ لأنه لم يعتبر الوجهة الدينية من المسألة كما ينبغي، ولأن أتباعه أكثرهم من الشبان المتنورين واتهموهم بكل قبيح. وكان المسيحيون أشد عطفا على الصهيونية من أولئك الحاخامات فنصروها بأقلامهم وألسنتهم. ولما انعقد المؤتمر الثاني سنة 1898 رأى هيرتزل من الحكمة مسالمة رجال الدين؛ فاعترف أن الصهيونية تشمل السعي في إحياء شعائر الدين فضلا عن الاقتصاد والسياسة. كما تبين من التقارير التي عرضت في المؤتمر أن الجمعيات الصهيونية القائمة بذلك العام تضاعفت كثيرا وأصبح عددها 1150 جمعية33.
الحركة الصهيونية وهجرة اليهود إلى فلسطين في ضوء موقف والدولة العثمانية
حملت كثرة الحديث عن اليهود وهجرتهم إلى فلسطين، ومدى انتشارهم فيها؛ في جرائد الأستانة أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وفي أعقاب المؤتمر الصهيوني الأول؛ بالأب هنري لامنس اليسوعي إلى تقصي الحقيقة؛ واستنادا إلى تقارير أعلنها اليهود في مجلاتهم؛ سافر في أنحاء فلسطين لجمع المعلومات الدقيقة وتحقق بنفسه من صحتها. وتوصل إلى أن المستعمرات اليهودية في فلسطين خمس تشتمل على عدة محال وهي: مستعمرة يافا وضواحيها، ثم مستعمرة القدس الشريف، ثم صفد وبلاد بشارة، ثم حيفا وتوابعها، وأخيرا مستعمرة حوران والأردن. وقدم تفصيلا حول هذه المستعمرات؛ وخلص إلى أن لليهود في فلسطين نحو خمسين ألف هكتار، وعددهم يقارب ثمانون ألفا، نصفهم في القدس وضواحيها؛ وهم في تزايد مستمر؛ لأن الهجرة اليهودية إلى الأرض المقدسة (في فلسطين) متواصلة من كل أنحاء العالم. وذكر حول مستعمرة حوران والأردن أن اليهود تمكنوا من ابتياع أكثر من عشرين ألف هكتار في جوار قرية الشيخ سعد، الى جانب محلات أخرى كبيتيما وخان الشيح قريبا من دمشق عند سفح جبل حرمون. وأضاف هنري اليسوعي: أن اليهود لا زالوا يطمعون في “الأردن”؛ وأنه لما زارها قبل ثلاث سنوات أخبره مختار مُكيّس (أم قيس) أن للبارون روتشيلد (Rothschild de James Edmond، 1845 -1934) عمالا في تلك النواحي يسعون لامتلاك أراض لسيدهم ليعمل فيها اليهود ويستغلوا محاصيلها34.
واستغل اليهود ما جرى لهم في روسيا وضاعفوا نشاطهم للحصول على أوامر من السلطان عبد الحميد الثاني (1909–1876) لبناء مستعمرات جديدة “في ضفتي الأردن35.” ولما كان اليهود يعرفون من الأسفار القديمة ما لبلاد جلعاد ومؤاب في “الأردن” من الخصب والدسم فلم تبتعد عيونهم عنها. فلما كان اللورد غورشن “الإسرائيلي” سفيرا لبريطانيا في الأستانة عرض على الحكومة العثمانية أن يجعل تلك النواحي ومساحتها نحو 600000 هكتار-الهكتار الواحد يساوي عشرة آلاف متر مربع، وبالتالي يبدو الرقم غير دقيق او يشمل أكثر من مساحة الأردن وفلسطين الحالية- مستعمرة لليهود تحت نظارة الباب العالي، يسوسونها كما يشاؤون، بشرط ان يدفعوا للسلطان مبلغا عظيما من المال لا يقل عن بضعة ملايين من الفرنكات، لكن الدولة العثمانية رفضت طلب غورشن36.
وكتب محمد رشيد رضا مقالة في شوال 1319هـ/ يناير 1902م بعنوان: حياة أمة بعد موتها - جمعية اليهود الصهيونية، وبدأ الموضوع بالإشارة إلى الحديث الذي دار بينه وبين دولة رياض باشا، والذي تضمن ذكر اليهود المقترن بركن كل اصلاح وتقدم وهو المال، ومساعي الجمعية الصهيونية في إعادة السلطة والملك إلى شعب إسرائيل. وقال الوزير لرضا أنه ظهر مؤخرا كتاب لبعض الاوروبيين المعادين لليهود للوقيعة بهم؛ فجاء الكتاب في الحقيقة تعظيما وتبجيلا لهم، وان الأمور المالية (أزمة المنافع) في فرنسا بأيدي اليهود. وأنه قد رغب بعض المصريين بتعريبه لا ليستاء “الإسرائيليون”، ولكن ليعتبر المسلمون37. وتساءل رضا أنى للمسلمين أخذ العبرة بأحوال البشر وما في الأرض من الآيات والعبر؟ والعبر بعيدة عنهم بفعل حوائل وموانع. وسعى رضا في مقالته إلى تبيان تلك الموانع وإلى عقد مقارنة بين الأمتين الإسلامية واليهودية. وذكر أن المسلمين لا زالوا يضربون المثل بذل اليهود وضعفهم “ونحن لا نعرف أنفسنا ولا نعرفهم! لا نعرف من فضلنا عليهم في الحياة الاجتماعية إلا أن بعض بلادنا تحت رياسة أمراء منا، وأنهم محرومون من السلطة”، ثم تساءل هل حكامنا يسيرون في طريق سلفنا العدول الصالحين أم المستبدين منهم الذين أضاعوا كثيرا من الممالك الإسلامية؟38
واستعرض رضا تاريخ اليهود؛ فقال: انهم عاشوا في ذل وضعف في البلاد التي يقيمون فيها، دون سلطة او حكم. وأنهم يسيرون في الطريق نحو إعادة السلطة والملك إلى شعب إسرائيل، وان الطريق الذي سلكوه يختلف عن طريق سلفهم المتعصب المغرور بالنسب ونصوص التوراة، انما طريقهم قام على اعتبار بسنن الله في خلقه؛ فحافظوا على لغتهم وجامعتهم الملية رغم تشتتهم في الأرض. وتقربوا من بعضهم بالتعاضد والتعاون، وامتلكوا جميع علوم العصر وفنونه ومنافعه، وبرعوا في جمع المال الذي هو أساس القوة. ولم يعد ينقصهم أن يكونوا أعظم أمة على الأرض إلا الملك أو السلطة. ويسعون إليه من طريقه الطبيعي. وأعاد رضا الإشارة إلى مسألة “دريفوس” حينما حاولت فرنسا أن تهين يهوديا39.
عارضت الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني الهجرة اليهودية إلى فلسطين، أو توطين اليهود فيها ؛ وقد طالب اليهود بدايةً بمنح فلسطين إدارة ذاتية يهودية، وتوسلوا إلى السلطان عبد الحميد مستخدمين المال لإغرائه، وتمكنوا من عرض مسألتهم عليه سنة 1901، بوساطة عمانوئيل قاراصو (Emanuel Carasso) الذي قدم إلى السلطان عريضة محررة من قبل “جمعية صهيون” الجمعية الصهيونية، وألقى أمام السلطان كلمة أشار فيها إلى اضطرار اليهود للخروج من إسبانيا فراراً من محاكم التفتيش إلى الدولة العثمانية الرحيمة، فقوبلوا بالترحاب، وسعدوا بالمقام في أراضيها وخدموا تجارتها واقتصادها. وأشار فيها إلى تعرض اليهود للعذاب من الروس، وأن ملجأ اليهود الأخير هو السلطان عبد الحميد، وقدم العريضة مرفقة بخريطة تضمنت: “الأراضي التي يحدها خط بحر شمال يافا إلى شرق بحيرة طبرية ثم يتعرج إلى جنوب غزة وينتهي عند البحر”؛ لتأسيس إدارة ذاتية فيها، كان ذلك مقابل إغراءات مالية -لا مجال لذكرها هنا- المهم أن السلطان عبد الحميد رفض هذا العرض رفضاً قاطعاً40. وسواء كان بداية الاتصال الصهيوني بالسلطان عبد الحميد سنة 1901، أم قبل ذلك فقد حافظ على موقفه الرافض41.
وتحدث رضا عن الجمعيات الملية الكثيرة حيث لا نجاح للأمم إلا بالجمعيات، وعن ظهور الجمعية الصهيونية عام 1898، وهي جمعية سياسية غرضها الاستيلاء على البلاد المقدسة لتكون مقر ملكهم وعرش سلطانهم. وأن الجمعية أول الأمر لم تُظهر طلب الملك، وإنما تظاهرت بحب نقل فقراء اليهود المهاجرين والمنفيين إلى فلسطين؛ ليعمروها ويعيشوا فيها في ظل السلطان -عبد الحميد الثاني- آمنين. وأنها لما وثقت بقوتها خرجت من كتمان غايتها، وبعثت منذ أشهر-1901- “إسرائيل زنفويل” من لندن إلى الأستانة للمساومة في شراء القدس الشريف، “ويقال:” إنه لقي من الحضرة السلطانية التفاتا وانعطافا، وبعد رجوعه خطب في الجمعية، فقال مستشرفا مستقبل اليهود: إن اليهود سيرجعون بكثرة إلى فلسطين مملكتهم القديمة، التي لا يمكن أن تغرب شمسها من سماء أفكارهم، وسيبلغ عددهم سنة 2000 مليونين نفس، وسيجعلون تلك الأراضي جنات ويصلون أطرافها بسكك حديدية، ويقيمون فيها حكومة منتظمة خاصة بها تكون نموذج الكمال لجميع الأمم، فيكون شعب إسرائيل منارا على جبل صهيون تهتدي به الأمم في كل أحوالها، ومن قوانينه تتعلم طرق الرشاد، ومن نظامه الاجتماعي حقيقة المدنية، ومن سيادته الروحية معنى الديانة الحقيقي42. وأضاف رضا من قول “إسرائيل زنفويل:” غاية ما يرمي إليه اليهود هو جمع النقود الكافية لابتياع أرض فلسطين من السلطان الذي ستكون الحركة الكبرى تحت سيادته، وبلغ ما جمعه اليهود حتى تاريخه مليون “ريال أمريكاني”، وأنه في كل مدينة وقرية فيها يهود في مشارق الأرض ومغاربها فرع من الجمعية الصهيونية يجمع المال لهذا الغرض43.
وناقش رضا مسألة أن المساعدة الكبرى للجمعية الصهيونية كانت من فقراء اليهود، وكذلك دور بعض الأغنياء من أمثال “البارون هرش”، بحيث يستطيعون في بضع سنين تحقيق أمنيتهم. واستنهض رضا همة المسلمين في مصر وعددهم قريب من عدد يهود الأرض لمساعدة الجمعية الخيرية بجمع ألف ألف قرش على إنشاء مدرسة كل´ية في مصر44. وأضاف: وقد وصلت الجمعيات الصهيونية إلى البلاد العربية لجمع الأموال لتحقيق هدفهم السياسي. ومنها فرع الجمعية في مدينة الإسكندرية التي دعت اليهود إلى اجتماع لإنجاح المشروع الصهيوني في أرض مصر، أسوة باليهود في الأقطار البعيدة. وركز منشور الجمعية على التمسك “بعروة وطننا القديم” وعقائد إسرائيل، والاعتقاد بعود المجد التليد والمكانة السامية لشعب إسرائيل، وأنه رغم تفرق شعب إسرائيل إلا أن بلاد صهيون كانت “معهد الارتباط ومأمن السرب وفرجة الكرب” وأن المشروع الصهيوني يطالب اليهود الآن بالمبادرة إلى العمل والمسارعة باتخاذ الحيل45.
واستعاد محمد رشيد رضا بعض ما نشره في المنار عن الجمعية الصهيونية سابقا -إشارة إلى ما نقله المنار عن المقتطف وتعليق رضا عليه– ثم استعرض واقع المسلمين مع أمرائهم، إذ لم يعد ينفع القول معهم وقد أصابهم الوقر، وامتلأت قلوب الناس بإطراء الأمراء والحاكمين والاتكال عليهم وتعظيمهم والتقرب إليهم بالغالي والنفيس؛ فموه الحكام على الناس وغشوهم بالأقوال دون الإشارة إلى نتائج أفعالهم، التي بمجموعها ما عليه أمة المسلمين الآن 1319-هـ/ 1902م-، والذين ضيّعوا الأمة باستبدادهم “بسلطتهم المطلقة” ولم يحفظوها من الهلاك. وبالتالي على الأمة ألاّ تعتمد عليهم، وأن تسعى لتحصيل العلوم النافعة والثروة الواسعة والتربية الرافعة. فمن كان محسنا من الحكام كانت الأمة عونا له، ومن كان مسيئا جبروا نقصه بإحسانهم حتى إذا صاروا أمة حقيقية لها رأي عام قوموه أو قوموا خلفه بتقييده بالشرع والشورى، سالكين في ذلك الطرق الحكيمة. ولم يدع رضا لخروج الأمة على الحكام لأنهم بذلك يكونون عونا للأجانب لسرعة الإجهاز على المسلمين46.
وخلاصة نتائج الاتصالات الصهيونية بالسلطان كما أشار رشيد رضا أن الجمعية الصهيونية في لندن أوفدت “إسرائيل زنفويل” إلى الأستانة للمساومة في شراء القدس الشريف، وقابل السلطان عبد الحميد؛ “ويقال إنه لقي من الحضرة السلطانية التفاتا وانعطافا.” ورغم أنه لم يحصل اتفاق مع السلطان عبد الحميد إلا أن الخطب التي ألقاها في لندن في أعقاب عودته من زيارة الأستانة كان فيها يقين كبير من أن عودة اليهود الى فلسطين وإنشاء مملكتهم فيها مسألة قريبة المنال، وأن تلك المملكة ستكون تحت سيادة الدولة العثمانية. وجاء في المنار تحت عنوان: “اليهود والماسونية وحدث الوطنية”؛ أنه لا يوجد شعب في الدنيا كشعب “إسرائيل” في تمسكه بالرابطة الملية، والعصبية الجنسية؛ فهم يحبون ويحاولون تحويل جميع منافع الشعوب الذين يعيشون معهم إليهم، ولكن الغلو في حب الذات كالتقصير فيه؛ كلاهما من الأمور الضارة بصاحبهما؛ لهذا نرى الشعب اليهودي مضطهدا من جميع الشعوب والأمم ولا يتسع له صدر إلا صدر المسلمين، في بلاد الدولة العثمانية، حتى بلاد فلسطين التي يطمعون أن يستقلوا بها ليحدثوا فيها ملكا جديدا47.
وبذلت الجرائد الفلسطينية جهدا كبيرا أوائل القرن العشرين لمقاومة الحركة الصهيونية والوجود اليهودي في فلسطين48. ونبهت صحيفة المؤيد التي أصدرها الشيخ علي يوسف في مصر إلى مخاطر الهجرة اليهودية والاستيطان الصهيوني في فلسطين، وأن الإسرائيليين المستعمرين يسعون لاسترجاع المملكة الإسرائيلية وإيجاد وطن لهم في فلسطين، وقد أصبحت مستعمراتهم هناك وكأنها دولة مستقلة تديرها الحركة الصهيونية داخل الدولة العثمانية49.
ويبدو أن من عرب فلسطين منْ أدرك الفرق بين الصهيونيين وغير الصهيونيين من اليهود50. واعتبرت الصهيونية مسؤولة عن انهيار التقليد التاريخي في العلاقات العربية اليهودية؛ وذلك بعد تحول الوجود اليهودي في فلسطين من الطابع الديني والمعايشة إلى الطابع الاستيطاني الزراعي51. وأن المسالة الصهيونية بدأت خيرية وزراعية لكن هرتزل حولها الى اقتصادية سياسية52. بعد ان اضطر الى إدخال الدين والتاريخ لجذب الحاخامات والمتدينين اليهود الى تأييد الحركة الصهيونية خصوصا بعد أن جعل من فلسطين المكان الأوحد للوطن القومي لليهود، وبعد تجاهل البلاد الأخرى التي اقترحها بعض اليهود كالأرجنتين وسيناء وشرق أفريقيا وقبرص سواء قبل وفاة هرتزل أم بعدها.
وخلاصة القول كانت علاقة العرب باليهود في فلسطين مقبولة وطبيعية قبل ظهور الحركة الصهيونية كمشروع استيطاني احتلالي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلا أن موقف عرب فلسطين أخذ بالتغير التدريجي مع تزايد الهجرات اليهودية إلى فلسطين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ على إثر استشعار بعض العرب بمخاطر الحركة الصهيونية وسعيها لامتلاك فلسطين. وقد تنبهت بعض الجرائد والمجلات إلى مخاطر المشروع الصهيوني على فلسطين والبلاد العربية. ورغم ذلك فقد اعتبر رشيد رضا أن من أسباب اختيار اليهود المضطهدين في دول العالم لفلسطين مسكنا لهم؛ الحرية الدينية التي تسود البلاد العثمانية في ظل حكم السلطان عبد الحميد الثاني، وسعة صدر المسلمين. كما أخذ عليهم سعيهم للحصول على ضمانة من الدول الأوروبية، لتنفيذ مخططهم في فلسطين؛ لأن الدولة العثمانية تعامل جميع مواطنيها بغض النظر عن أديانهم معاملة متساوية، وبالتالي لا يحتاج اليهود فيها إلى تلك الضمانة.
ترويج الصهيونية خلال العهد الدستوري (1914-1908)
أصبحت العلاقات العربية مع اليهود والحركة الصهيونية على بساط البحث لدى الأوساط السياسية والإعلامية في الدولة العثمانية عامة وفي البلاد العربية خاصة؛ لا سيما بعد إعلان الدستور العثماني في يوليو/تموز عام 1908، ثم خلع السلطان عبد الحميد الثاني في أبريل/ نيسان عام .1909 وانقسمت الآراء بين مؤيد لفكرة التفاهم مع الصهيونيين ومعارض لها. وتزامن ذلك مع سعي العرب لمقاومة الصهيونية، والتفكير في الخروج على الحكم العثماني، ومن الجانب الآخر سعت الحركة الصهيونية للتقرب من العرب53.
كان السلطان عبد الحميد عدوا للجمعية الماسونية، باعتبار أن من أغراضها إزالة السلطة الدينية من العالم، وهو يفخر بالخلافة الإسلامية ويحرص عليها، وقد تنفس الزمان للماسون بعد الانقلاب الذي كان لهم فيه أصابع معروفة؛ فأسسوا شرخا عثمانيا أستاذه طلعت بك ناظر الداخلية، وأركانه زعماء جمعية الاتحاد والترقي، وأنصارها من اليهود وغيرهم54. وتزايد نفوذ اليهود في جمعية الاتحاد والترقي وفي أجهزة الدولة ومؤسساتها تدريجيا، حتى أصبح ناظر المالية “جاويد بك” منهم، وكثير من موظفي نظارته؛ فبات متوقعا ارتفاع شأن اليهود في الدولة بما يحقق آمالهم في فلسطين. وقد دفع ذلك بعض النواب المستقلين في مجلس النواب لبيان خطر الجمعية الصهيونية على الدولة العثمانية، كما انتقدوا سياسة ناظر المالية. ودافع الصدر الأعظم عن حكومته وعن اليهود55.
ولما تسلمت جمعية الاتحاد والترقي السلطة في الحكومة العثمانية سنة 1911؛ كان معظم زعماء الجمعية من شيعة الماسون؛ الذين سعوا إلى احتكار السلطة في الحكومة والجيش، تمهيدا للفصل بين السياسة والدين وتجريد السلطان من صفة الخلافة الإسلامية -وفق مبادئ الماسونية؛ وكان من لوازم التشيع للماسونية قوة نفوذ اليهود فيهم وفي الدولة؛ مما يؤدي بالتالي إلى فوز الجمعية الصهيونية في السيطرة على بلاد فلسطين الذي يراد به إعادة ملك “إسرائيل” إلى وطنهم الأول، وإلى ابتلاع أصحاب الملايين من اليهود كثير من خيرات البلاد56. وقد حذر بعض أعضاء جمعية الاتحاد والترقي من خطورة صلة المنتسبين للجيش العثماني باللجان الماسونية57.
واعتقد صاحب المنار أن مجلته كانت اسبق جميع الجرائد والمجلات في التنبيه لنفوذ الصهيونيين في جمعية الاتحاد والترقي، وقوبل تنبيهه بالإنكار من بعض المسلمين وغير المسلمين، كما رد عليه بعض اليهود في جريدة المقطم المصرية. ولم تلبث أن ظهرت حقيقة دعوى المنار في مجلس الأمة العثماني اولا، ثم على لسان الصدر الأعظم حقي باشا الذي صرح في خطاب له بأن اليهود هم أصحاب المستقبل في هذه الدولة، وحتى في أمورها الإدارية والعسكرية. واعتبر رشيد رضا هذا التصريح مقدمة لما سيقوله؛ والذي منه أن عمران البلاد العربية يتوقف على استعمال الأموال الأوروبية فيها، وزمام هذه الأموال بأيدي اليهود؛ ولأجل ذلك يصانع الاتحاديون الصهيونيين وغير الصهيونيين، فإذا كان السوريون لا يقبلون مشروعا فيه أموالا لليهود؛ فمعناه أنهم لا يقبلون مشروعا عمرانيا كبيرا في بلادهم مطلقا. وبعبارة أخرى لا يقبلون أن تعمر بلادهم58.
واعتقد رشيد رضا أن الخطر من الصهيونيين ينحصر في شيء واحد؛ وهو امتلاكهم للأرض المقدسة، فينبغي على كل قادر على حمل الحكومة العثمانية على منعهم ذلك. وأضاف رضا أن الخطر من استعمال أموال الأجانب اليهود وغيرهم ينحصر في أمرين: أحدهما غرق الأهالي والحكومة في الديون، وثانيهما تمليكهم لرقبة البلاد، بأن يكون أكثر الأرض أو الكثير منها لهم. فإذا تجاوزنا هذين الخطرين فلا ضرر من استخدام أموال اليهود وغيرهم في بلادنا. واعتبر رشيد رضا أن الأمر منوط بيد مجلس الأمة وحكومتها، بغض النظر عن موقف الجرائد التي ربما ساهم الأصفر )الذهب( في جعلها تؤيد الفكرة الصهيونية59. هكذا اعتقد رشيد رضا أن لا خطر من استثمار أموال اليهود في البلاد العربية، لكن ليس ضمنها الأرض المقدسة في فلسطين. وذلك وفق ضوابط ومحاذير يجب التنبه إليها. كما أنه دمج بين الحركة الصهيونية واليهود.
استمرت حملات جرائد بلاد الشام خاصة الفلسطينية في كشف أساليب الصهيونية، ومقاومة الدعوة إلى التفاهم مع الصهيونيين التي تبناها بعض المثقفين العرب من خلال كتاباتهم على صفحات الجرائد المصرية، خصوصا في الأهرام والمقطم60. وتناولت بعض الجرائد المصرية موضوع الصهيونية في ظل الاحتلال البريطاني لمصر على نحو إيجابي؛ ففي مقالة عام 1909 بعنوان: “استعمار فلسطين” كتبها جاك هورنستن سكرتير حزب الله في مصر، وذلك للدفاع عن الحركة الصهيونية وأهدافها “النبيلة.”جاء في المقالة أن زعماء الصهيونيين لا يفكرون في أخذ فلسطين من الدولة العثمانية ليستقلوا بها، إنما للسكن فيها تحت الرعاية العثمانية ومصادقة الدول؛ لأن فلسطين أرض أجدادهم. وأبرز الكاتب تأييد بعض العثمانيين، ومنهم أحمد رضا رئيس مجلس النواب العثماني؛ لإقامة “الإسرائيليين” في البلاد العثمانية ومنها فلسطين. وبيّن نجاح المستعمرات الإسرائيلية في تطوير أراضي فلسطين وتشغيل سكانها العرب، وأنكر سعي الصهيونيين لشراء الأراضي في فلسطين؛ بحجة أن الدولة العثمانية الدستورية لا تتنازل عن شبر واحد من أراضيها. وأن الحركة الصهيونية تهدف إلى استيطان أرض يحتمي “الإسرائيليون” فيها من الاضطهاد الذي يلاقونه في كثير من البلدان، وأنه على هذا الأساس فاوض هيرتزل الدولة العثمانية وبريطانيا، دون أن يكون له قصد سيئ. ودافع الكاتب عن النهضة الصهيونية61.
ودافع آخر عام 1912 عن هيرتزل، الذي بذل جهودا كبيرة في مؤتمر بال سنة 1897، ولدى السلطان عبد الحميد وغيره من زعماء العالم، لتوضيح أهداف الحركة الصهيونية. وجاء في المقال أن الصهيونيين لا يعملون لخدمة إحدى الدول، ولا يسعون أبدا إلى تكوين مملكة “إسرائيلية.” وأن الصهيونية الحاضرة -لا الصهيونية التاريخية- أظهرت مسعاها في بيان مشهور صودق عليه باتحاد الآراء في مؤتمر بال؛ وهو إنشاء ملجأ لليهود في فلسطين بضمان القانون العام، بحيث يعيشون هناك عيشتهم “الإسرائيلية”، ويتمتعون بحرية الدستور كعثمانيين “إسرائيليين.” وبين الكاتب فرحة الصهيونيين بالدستور العثماني، باعتباره أقصى أماني هيرتزل، كما أشار إلى تعاطف المسلمين والمسيحيين مع الحركة الصهيونية ودفاعهم عنها. وأظهر جهود المعاهد “الإسرائيلية” في فلسطين، وكذلك دور الملاجئ “الإسرائيلية” المفتوحة للجميع، وغابات فلسطين التي تنمو أشجارها وغراسها بيد “الإسرائيليين.” هذا إلى جانب “شركة الاستعمار الإسرائيلية” التي أسسها هيرتزل، وسجلت في لندن سنة 1899، وهي شركة مساهمة رأسمالها 2 مليون جنيه، وما يتبع لها من شركات “إسرائيلية” صهيونية62.
واستمرت مجلة المنار في تأكيد الترابط بين الحركة الصهيونية وجمعية الاتحاد والترقي؛ إذ تأكد نفوذ الصهيونيين في الجمعية “جمعية الأحمرين الدم والذهب”، حينما اتفق زعماؤها مع الجمعية الصهيونية على بيعها أراضي السلطان عبد الحميد الواسعة، وعلى تمهيد الأسباب لامتلاكها الأرض المقدسة لإقامة ملك بني اسرائيل بها. ثم قامت جمعية الاتحاد والترقي بتدبير الانقلاب على حكومة كامل باشا، وإسناد الوزارة إلى محمود شوكت باشا؛ والتي ضمت ثلاثة وكلاء من قبل الجمعية الصهيونية، وهم: نسيم مازلياح، وجاويد بك، وبساريا أفندي، وجعلت في أيديهم نظارات النافعة والزراعة والتجارة أي ينابيع الثروة في البلاد. هذا بينما لم يحصل العرب إلا على وزير واحد. واعتبر رشيد رضا أن هذا سيكون مبدأ العداوة بين اليهود والعرب، وربما أدى إلى سفك الدماء وتخريب كل ما يملك اليهود بهذه الوسائل الاتحادية غير الشرعية63.
واستمرت الجمعية الصهيونية في العمل على تكوين دولة جديدة لليهود في فلسطين، في الوقت الذي تتصارع فيه الدول الاوروبية على أملاك الدولة العثمانية “المسألة الشرقية”، ومن بينها فلسطين، وعلم الصهيونيون أن الدول الكبرى لا تسمح لواحدة منهن بامتلاك مهبط الوحي ومصدر الدين الموسوي والعيسوي، وأنه إذا زال ملك الترك من فلسطين، يجب أن تكون تحت حماية جميع الدول. وسعى الصهيونيون لإرضاء الدول لتتنازل لهم عن فلسطين، وكذلك سعوا من خلال جمعية الاتحاد والترقي لتساعدهم على الوصول إلى فلسطين وقطع الطريق على العرب. وكتب رشيد رضا معلقا على ما سبق أنه يجب على زعماء العرب أحد أمرين: إما عقد اتفاق مع زعماء الصهيونيين إن أمكن -وهو ممكن قريب إذا دخلوا عليه من بابه، وطلبوه بأسبابه-، وإما جمع قواهم كلها لمقاومة الصهيونيين بكل طرق المقاومة، وأولها تأليف الجمعيات والشركات، وآخرها تأليف العصابات المسلحة التي تقاومهم بالقوة64. واستفاض رشيد ببحث له حول الصهيونية نشره في الهلال في نوفمبر/ تشرين ثاني عام 1913 وأعاد نشره في المنار لتعميم الفائدة ولاطلاع الناس على أبعاد الصهيونية. ومما جاء فيه عن المؤتمر الصهيوني الحادي عشر الذي انعقد في فيينا عام 1913، أن الصهيونية سائرة على قدم النجاح وأن سلامتها مرتبطة بسلامة الدولة العثمانية؛ لأن المسألة اليهودية والمسألة العربية متفقتان. وقسموا فلسطين من حيث الصهيونية إلى ست مناطق وتقرر تأليف جمعيات وفروع للأخذ بنصرتها65. ويبدو في ذلك كثير من الربط غير الواقعي بين نجاح المساعي الصهيونية بسلامة الدولة العثمانية.
واعتقد رشيد رضا أن الصهيونيين إذا وصلوا إلى غايتهم في تأسيس مملكة في فلسطين لا يبقون فيها مسلما ولا نصرانيا، ليس بالضرورة بإبادتهم ولكن باستخدام الكيد والمال، وهما قوتان لهذا الشعب الصغير ترهبهما كبرى الأمم والدول. وأنه لا بد للشعب العربي من الروية والحزم وقوة الاجتماع والمسارعة لتنظيم وسائل الدفاع، وأن هذا الشعب غافل من قوته واستعداده، فقوته واستعداده كامنان فيه كمون النار في حجر الصوان. والأيام هي التي ستجيب بالأحداث والأفعال لا بالكلام66.
وخلاصة الأمر دعا الشيخ رشيد رضا الزعماء العرب إلى عقد اتفاق مع الصهيونيين -إن أمكن وهو ممكن إذا دخلوا من الباب- ربما حتى لا يصل الصهيونيون إلى غايتهم بغير اتفاق مع العرب، فيشتتون المسلمين والمسيحيين من فلسطين، باعتبارهم لا يعدمون لذلك الوسيلة. وكأن العرب آنذاك مؤهلين للتصدي للمخططات الصهيونية؛ ولا اعتقد ان هذا الأمر قابل للتنفيذ عمليا في وقته، لعدة أسباب منها؛ من هم الزعماء العرب المنوط بهم عقد اتفاق مع الصهيونيين؟ وهل ينوبون عن أهل فلسطين؟ وهل الزعماء العرب يتفقون على أمور أقل أهمية من مسألة الاتفاق مع الصهيونيين للتخطيط لمستقبلهم؟ وهل قصد رضا بالزعماء العرب أعضاء الجمعيات والأحزاب العربية؛ الذين هم على اتصال ببعض الحكام في مصر وبلاد الشام والعراق والجزيرة العربية؟
أما فيما يتعلق بالحركة الصهيونية وإنجازاتها خلال الفترة نفسها (1914-1908)؛ فقد أسست جمعيات ومنظمات صهيونية مختلفة في يافا عام 1908؛ ووكالة صهيونية لتنظيم المهاجرين إلى فلسطين، إضافة إلى تبرعات روتشيلد السخية، والمخصصات المالية الصهيونية، إلى جانب حياد السلطات العثمانية تجاه الهجرة اليهودية إلى فلسطين خصوصا بعد عام 1909، رغم كل ذلك لم يحصل الصهاينة في غضون الثلاثين عاما التي سبقت الحرب العالمية الأولى على نتائج ملموسة67. لكن هذا الرأي جانب الواقع؛ فما معنى النجاح إذا لم يكن كل ما سبق من إنجازات صهيونية نجاحا؟!
وكان وايزمن أكثر واقعية ودقة في وصفه لتلك المرحلة؛ فقد ذكر أنه بين (1914-1906) كانت فيها بدء تطور فكرة الصهيونية من فكرة روحية أو سياسية إلى فكرة عملية، وألا تناقض بينهما، وآمن أصحاب الصهيونية العملية بوجوب احتلال فلسطين، والعمل على إحياء التقاليد اليهودية بين يهود العالم، وإحياء اللغة العبرية وربط اليهود بفكرة وطنهم فلسطين. وكانت بريطانيا تعرض على اليهود كل مساعدة ممكنة، مع ضرورة عمل الصهيونية في فلسطين لتحويلها إلى وطن عملي لليهود. ونجحت الحركة الصهيونية في تلك المرحلة بإرسال موجات جديدة من المهاجرين المتحمسين لفكرة وطنهم القومي إلى فلسطين، وبذلك أعد الصهيونيون العدة اللازمة لمواجهة الحرب وما عسى أن تعود عليهم من وعود وعهود68.
وبلغت الجمعيات الصهيونية عام 1913، ألوفا عديدة ترجع في أعمالها إلى قرارات المؤتمرات العامة، وللجمعية الصهيونية الرئيسة مصارف مالية لترويج أغراضها منها: “المصرف اليهودي الاستعماري” وغرضه سياسي، وهو أهم أدوات الجمعية في موضوعها الأساسي، والغرض منه تنشيط الاستعمار الإسرائيلي في فلسطين وسوريا وسائر أنحاء تركيا وفي جزيرتي سيناء وقبرص. وهو بنك مساهمة؛ بلغ عدد المساهمين فيه نحو 135000 وله شعبة في يافا باسم الشركة الانكليزية الفلسطينية لها فروع في أكثر مدن فلسطين. وزاد رأس ماله على 120000 جنيه. والبنك اليهودي الملي؛ والغرض منه جمع رأس مال يكون ملك الصهيونية يستخدم لابتياع الأراضي في فلسطين. هذا إلى جانب عدد من الجرائد الكبرى لخدمة أغراض الجمعية في دول أوروبا ومصر. وانتشرت الدعوة للصهيونية بذلك في أنحاء العالم المتمدن. وأصبح أنصارها يعدون بالملايين. وهي مؤلفة من أحزاب وفرق تتناقش وتتباحث سعيا في المصلحة العامة وتأييد الغرض الأصلي المراد بها. فهي أشبه بدولة ديمقراطية منها بجمعية سياسية اجتماعية. وقد اتخذت أحسن الوسائل المؤدية إلى تأييد المبدأ فأفلحت مساعيها. وأنشأت في فلسطين مستعمرات يهودية في أطيب أراضيها69.
استمر اليهود قبيل الحرب العالمية الأولى بالهجرة إلى فلسطين من مختلف بلاد العالم، خاصة روسيا التي وصل منها إلى يافا في تموز 1914، حوالي 300 مهاجر يهودي بهدف استيطان فلسطين. وكانت الجمعيات الصهيونية تسعى لشراء الأراضي في فلسطين لإسكان المهاجرين الصهيونيين، وشاع آنذاك أن إحدى هذه الجمعيات اشترت 35 ألف دونما من الأراضي المتروكة في بئر السبع بالقرب من الحدود المصرية، والتي كان يزرعها عربان بئر السبع من العزازمة والطرابين70. وجاءت الحرب العالمية الأولى لتضع أغلبية العرب واليهود إلى جانب الحلفاء، ولتدخل المسألة الصهيونية مرحلة هامة؛ لاستكمال نجاحاتها التي أسست قواعدها قبل الحرب باستخدام المال والسياسة، ولتتابع النهج في ضوء التحولات السياسية التي أملتها تلك الحرب على العلاقات الدولية وخاصة على موقف الدولة العثمانية.
الخاتمة والتوصيات
أعلنت الحركة الصهيونية ميلادها عام 1897؛ وانطلقت نحو خلق وطن قومي لليهود في فلسطين؛ وأصبحت الصهيونية السياسية العملية التي اعتقدت بضرورة تحقيق غايتها موجودة على المسرح السياسي الدولي، وتدريجيا صار لها نفوذ بين اليهود في العالم، بعد أن جعلت من الدين والتاريخ وسيلة للتأثير على فئة كبيرة من الحاخامات واليهود المتدينين وكسبهم إلى جانبها؛ وإن لم تنجح بإقناع غالبية اليهود بالهجرة إلى فلسطين وفق البرنامج الصهيوني، لكنها حققت إنجازات ملموسة في مجالات متعددة.
وسعت الحركة الصهيونية إلى تحقيق أهدافها باستغلال الظروف السياسية الدولية في ضوء واقع الدولة العثمانية المثقل بالمشكلات الداخلية والخارجية؛ ما أضعف من قدرتها على مواجهة التحديات. وانتهجت الحركة الصهيونية سياسة اللين والمسايرة للعرب عموما وفي فلسطين بشكل خاص، وذلك عن طريق إغرائهم بمحاسن أهدافها في تطوير أراضي فلسطين، وضرورة تعاون العرب واليهود لتحقيق المصالح المشتركة للطرفين.
وقد مر المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في فلسطين بمرحلتين قبل الحرب العالمية الأولى: الأولى، خلال حكم السلطان عبد الحميد الثاني والتي انتهت بخلعه عام .1909 وخلال تلك المرحلة نلاحظ عدة محاور وأفكار أوردها رشيد رضا منها مثلا: الإعجاب والتعاطف الذي أبداه تجاه اليهود في فرنسا ومصر على إثر مسألة “دريفوس وقضية زولا” بوصفه من التعصب العرقي والحسد الذميم الذي روج له أصحاب الجرائد الفرنسية المعادين لليهود والطامعين في أموالهم، والذي تسرب إلى الجرائد المصرية التي هاجمت اليهود. ولم ينكر رضا عليهم أساليبهم التجارية باعتبارها مهارة وتفنن. وذكر أن عقلاء الفرنسيين لا يؤيدون اضطهاد اليهود في فرنسا قديما وحديثا؛ لأن ذلك يتعارض مع الحرية التي قامت عليها وعود نابليون للأمة الفرنسية.
وقد أشار رضا إلى أن اليهود المضطهدين في بلدان العالم يرغبون في تركها والهجرة إلى الدولة العثمانية حيث الحرية الدينية والبعد عن التعصب الموجود في أوروبا. كما أن الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد تعامل الرعايا على اختلاف أديانهم معاملة متساوية. هذا رغم إقرار رضا ان أساس اختيار اليهود لفلسطين كونها أرضا مقدسة وموضع آمال منتظرة؛ إلا أنه اعتبر الأمن والراحة شرط للاختيار وهذا الشرط متوفر في الدولة العثمانية. وأنكر على اليهود غلوهم في حب الذات الذي تسبب في النفور منهم أو اضطهادهم من جميع الشعوب والأمم؛ فلم يعد يتسع لهم إلا صدر المسلمين في بلاد الدولة العثمانية، وحتى في فلسطين التي يطمعون بالاستقلال بها وإقامة مملكة جديدة لهم. بمعنى أنه رغم غلوهم في حب ذاتهم وسوء مقاصدهم نحو فلسطين يجدون مكانا لهم فيها.
ودعا رشيد رضا العرب والمسلمين إلى أخذ العبرة بأحوال البشر، وإلى تقليد اليهود في بث المعارف وتوسيع التجارة والصناعة وتوثيق الروابط بينهم، حيث أشار إلى الروابط المحكمة بين اليهود المشتتين في ممالك الأرض ومساعدتهم لبعضهم من أجل امتلاك فلسطين العربية واستعمارها. وحث العرب على التفكر في مسألة تقصيرهم تجاه أوطانهم. وعقد مقارنة بين الأمتين الإسلامية واليهودية، حيث المسلمون يضربون المثل بذل اليهود وضعفهم دون أن يعرفوا حقيقة أنفسهم أو اليهود. وحصر الفرق بين الأمتين في أن بعض بلاد المسلمين يحكمها أمراء منهم، وأن اليهود محرومون من السلطة. وتساءل هل حكامنا يسيرون في طريق السلف الصالح العدول أو المستبدين منهم الذين أضاعوا كثيرا من الممالك الإسلامية؟ وقصد أن الاستبداد يؤدي إلى ضياع الممالك والدول كما هو الحال في كثير من البلاد الإسلامية؛ إذ ركز كثيرا على واقع المسلمين مع أمرائهم؛ إذ لم يعد ينفع القول معهم وقد أصابهم الوقر. ولما كثر المنافقون من حولهم موه الحكام على الناس وغشوهم بالأقوال دون الأفعال، وضيعوا الأمة باستبدادهم. وبالتالي على الأمة ألا تعتمد عليهم وأن تسعى لتحصيل العلوم النافعة والثروة بطرق أخرى.
واعتبر رضا أن خطوات اليهود الأخيرة في أعقاب المؤتمر الصهيوني الأول وتأسيس الجمعية الصهيونية 1897؛ تسير بالاتجاه الصحيح لإعادة السلطة والملك إلى شعب إسرائيل، وأن طريقهم الحالي يختلف عن طريق سلفهم المتعصب المغرور؛ لأنه يقوم على اعتبار بسنن الله في خلقه من حيث المحافظة على لغتهم وجامعتهم الملية رغم تشتتهم في البلاد، والتقارب من بعضهم بالتعاضد والتعاون، وامتلاك علوم العصر والبراعة في جمع المال الذي هو أساس القوة. ولم يعد ينقصهم ليكونوا أعظم أمة على الأرض إلا السلطة والـمُلك، والذي يسعون إليه من طريقه الطبيعي. وربما اعتبر رضا حتى عام 1902 أن اليهود يسيرون بطريق طبيعي في ظل الدولة العثمانية. خصوصا أنه بين أهمية الجمعيات الملية الكثيرة حيث لا نجاح للأمم إلا بها. وكذلك الجمعية الصهيونية التي لها فروع في كل مدينة وقريه فيها يهود في أرجاء الأرض حتى في البلاد العربية. أما المرحلة الثانية خلال العهد الدستوري في البلاد العثمانية -(1908- 1914) خاصة بعد خلع السلطان عبد الحميد الثاني في نيسان 1909؛ فقد تميزت ببروز جمعية الاتحاد والترقي. وجاء إعلان الدستور العثماني وخلع السلطان عبد الحميد الثاني بمساهمة من الجمعية، ولما وصلت الجمعية إلى السلطة والحكم ساعدت في تدعيم الوجود الماسوني وبالتالي الصهيوني اليهودي في مؤسسات الدولة؛ إذ كان معظم أعضاء الماسونية من اليهود الصهيونيين؛ الأمر الذي ساعد الحركة الصهيونية على تحقيق الكثير من أهدافها في فلسطين، على حساب العرب من جهة، وعلى حساب الوجود العثماني في البلاد العربية من جهة أخرى. خصوصا وأن الدولة العثمانية قد واجهت مشكلات متعددة في طرابلس الغرب والبلقان؛ والتي انتهت في غير مصلحتها. ومن المستغرب ان رشيد رضا ربط بين استمرار نجاحات الحركة الصهيونية وسلامة الدولة العثمانية.
ونسب رشيد رضا لنفسه فضل السبق من خلال كتاباته في المنار وتحذيره من خطر تغلغل الحركة الصهيونية باعتمادها على بعض اليهود في جمعية الاتحاد والترقي؛ وبالتالي في مؤسسات الدولة العثمانية، وسعيهم لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية في فلسطين. واعتقد رضا أن المجال مفتوح للتعاون بين الصهيونية والعرب بقصد جلب الأموال اليهودية إلى البلاد العربية واستثمارها بالتعمير والتطوير، لكن وفق ضوابط ومحاذير. ودعا زعماء العرب (بمفهوم عام) للاتفاق والتعاون مع الصهيونيين؛ وتفضيل ذلك على أن يصل الصهاينة إلى فلسطين بغير اتفاق مع العرب.
ويبدو ان رؤية العرب أو المسلمين لمواجهة الصهيونية أو مشروعها في فلسطين كانت ولا زالت غير كافية أو مؤهّلة للتصدي لها؛ فقد غرقنا في تحليل إمكانيات الأمم والشعوب الأخرى من الأعداء والحلفاء أكثر من العمل على بناء الأمة واستحضار عناصر قوتها المادية والروحية وحشد طاقاتها لنصل إلى مرحلة الاعتماد على الذات دون المراهنة على الآخرين. وربما اندفع البعض في محاولة للاستفادة من أموال اليهود وتفوقهم العلمي دون فهم الواقع العثماني والعربي آنذاك؛ وذلك بالاستناد إلى التحالفات أو الاتفاقات مع الصهيونيين باعتبار ذلك أفضل من هجرتهم إلى فلسطين بغير اتفاق مع الدولة العثمانية أو العرب فهل هناك فرق في النتيجة؟! وكيف توافق أمة أو شعب على جلب اليهود او هجرتهم إلى فلسطين وتشترط عليهم عدم تأسيس كيان قومي أو سياسي وهي لا تمتلك القوة المادية والفكرية التي تؤهلها لفرض ارادتها وشروطها؟!
وقد لا تكون مسألة إدراك أخطار الحركة الصهيونية وأهدافها القريبة والبعيدة كافية لمواجهتها؛ إنما مجرد خطوة على الطريق؛ إذ لا بد للشعوب بكافة فئاتها أن تؤمن بقدرتها وبذل التضحيات واتخاذ كافة الوسائل من أجل مواجهة تلك الأخطار؛ وتكييف خططها في التعامل مع التحديات التي تعصف بها من وقت لآخر؛ وذلك بالاعتماد على نفسها بالتنظيم والتخطيط باعتبارهما الوسيلة الأولى؛ فلا تتحقق الإنجازات والانتصارات إلا بالأعمال الجماعية التي تقوم عليها نخب مخلصة منظمة تعمل بلا كلل أو ملل للنهوض بالشعوب وقيادتها إلى مصاف الشعوب والأمم القوية التي تحفظ بلادها ووجودها واستمرارها. ونجاح الأعمال الجماعية منوط بابتعاد الحكام والقادة والنخب عن الفردية وعدم الركون إلى الاعتماد على أنظمة مستبدة، وقد ثبت عجزها وفشلها في الدفاع عن البلاد والعباد أمام الحركة الصهيونية منذ أكثر من قرن ونصف؛ وأن ما ينطبق على فلسطين ينطبق على أي بلد عربي ومسلم.
أما موضوع المبالغة بحسن الظن بدوافع الحركة الصهيونية وأهدافها واستحسان هجرة اليهود وتجميعهم في فلسطين وأن غايتهم التمتع بالحماية العثمانية والحرية الدينية التي ترعاها الدولة، فهذا مثار استهجان وتفاؤل في غير مكانه وأوانه. وربما نبرر مثل هذا الرأي لو جاء في القرنين السادس والسابع عشر حينما كانت الدولة العثمانية في عنفوانها وقادرة على منع الحركة الصهيونية أو اليهود من إقامة كيان سياسي أو قومي لليهود في فلسطين أو في غيرها من البلاد العثمانية. أما في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين فهذا لا يتوافق مع واقع الدولة العثمانية التي أحاطت بها تحديات كبيرة في أماكن متعددة، وفي البلاد العربية على وجه الخصوص سواء في الجزيرة العربية والخليج أم في مصر وشمال أفريقيا. إذ كان المخطط الأوروبي لتفتيت الدولة العثمانية قد بدأ تطبيقه على أرض الواقع؛ فقد خرجت الجزائر وعدن ومصر والسودان وتونس ومعظم الخليج العربي من الدائرة العثمانية إلى دائرة السيطرة والنفوذ الأوروبي.
وكان الفرق واضحا بين الأمتين: اليهودية التي تقودها الحركة الصهيونية، وتعمل وفق برنامج مدروس من خلال آلاف الجمعيات خاصة المالية، والتي يقوم عليها نخبة من المفكرين اليهود؛ والذين حققوا إنجازات ملموسة من أجل إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. أما الأمة العربية، التي يمثلها الحكام والزعماء والمفكرون والعامة؛ فلا يملكون رؤية لبرنامج منظم موحد لجهودهم، ولا اتفاق بينهم على رؤية مستقبلية للتعاون مع الصهيونيين إن كان ذلك مقبولا لدى بعضهم وفق طرح رشيد رضا، ولا إلى مقاومة مشروع اليهود القومي في فلسطين. كما كانت علاقة العرب بالدولة العثمانية قبيل الحرب العالمية الأولى موضع بحث من العرب والترك على حد سواء، خاصة بعد وصول جمعية الاتحاد والترقي إلى الحكم. في ضوء هذا الواقع أيهما أقدر على الاستفادة من الحرب العالمية الأولى لتحقيق أهدافه القومية؟!
المصادر:
روحي الخالدي، مقدمة عن الصهيونية، د.م.: مؤسسة القدس للثقافة والتراث، د.ت، ص. 10.
عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990، صص. 22–23؛ الخالدي، مقدمة عن الصهيونية، ص. 11.
الخالدي، مقدمة عن الصهيونية، ص. 10؛ نجيب نصار، الصهيونية: ملخصها، تاريخها، غاياتها وامتدادها حتى سنة 1905، د.م.: مؤسسة هنداوي، د.ت، ص. 15.
أنيس صايغ، الهاشميون وقضية فلسطين، صيدا–بيروت: منشورات صحيفة المحرر والمكتبة العصرية، 1966، ص. 14.
الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ص. 23؛ انظر: لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث، بيروت: دار الفارابي، 1980، ص. 158.
الخالدي، مقدمة عن الصهيونية، صص. 10–11؛ صايغ، الهاشميون وقضية فلسطين، صص. 14–45؛ لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث؛ نصار، الصهيونية، صص. 15–16.
صايغ، الهاشميون وقضية فلسطين، ص. 18.
لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث، ص. 158. وقد ذكر أن عدد اليهود في فلسطين في منتصف القرن التاسع عشر لم يبلغ أحد عشر ألف نسمة.
المرجع السابق، ص. 126.
الخالدي، مقدمة عن الصهيونية، ص. 11؛ نصار، الصهيونية، ص. 17.
رشيد رضا، «الصهيونية»، مجلة المنار، م 17، ج 5 (جمادى الأولى 1332هـ/1914م)، صص. 385–386. نشر رشيد رضا بحثه عن الصهيونية في مجلة الهلال عام 1913، ثم أعاد نشره في المنار عام 1914، ص. 387؛ انظر: نصار، الصهيونية، صص. 17، 20.
عبد العزيز عوض، مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث 1831–1941، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، مكتبة المحتسب، 1983، ص. 45؛ صايغ، الهاشميون وقضية فلسطين، ص. 20؛ الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ص. 26؛ محمد قربان نيازملا، السلطان عبد الحميد الثاني وأثره في نشر الدعوة الإسلامية، بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1408هـ/1988م، ص. 39.
لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث، ص. 467.
الأب هنري لامنس اليسوعي، «اليهود ومستعمراتهم»، مجلة المشرق، م 2، ع 23، 1 كانون الأول/ديسمبر 1899، ص. 1088.
حاييم وايزمن، مذكرات وايزمن بقلمه، د.م.: د.ن، 1952، ص. 7.
عوض، مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث، ص. 88.
المرجع السابق، ص. 131؛ صايغ، الهاشميون وقضية فلسطين، ص. 43.
صايغ، الهاشميون وقضية فلسطين، ص. 21؛ انظر: الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ص. 28 وما بعدها. وانظر ما كتبه رشيد رضا عن أعمال الصهيونية ووسائلها التي اتخذتها في المؤتمر: رشيد رضا، «الصهيونية»، المنار، م 17، ج 5 (جمادى الأولى 1332هـ/1914م)، ص. 385 وما بعدها.
الخطر اليهودي: بروتوكولات حكماء صهيون، ترجمة محمد خليفة التونسي، مع مقدمة تحليلية في مائة صفحة، تقديم عباس محمود العقاد، بيروت: دار الكتاب العربي، د.ت، صص. 33–34 من المقدمة التحليلية.
مولان زادة رفعت، الوجه الخفي للانقلاب التركي، تعريب توفيق برو، دمشق: القاضي سعد زغلول الكواكبي، 1992، صص. 78–79.
الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، صص. 29–31. وانظر ما كتبه رشيد رضا عن أهم مقررات المؤتمرات الصهيونية حتى عام 1904، سنة وفاة هرتزل: رشيد رضا، «الصهيونية»، المنار، م 17، ج 5 (جمادى الأولى 1332هـ/1914م)، ص. 385 وما بعدها.
الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ص. 33؛ انظر: نيازملا، السلطان عبد الحميد الثاني، ص. 44.
رشيد رضا، «الصهيونية»، المنار، م 17، ج 5 (جمادى الأولى 1332هـ/1914م)، ص. 388.
المنار، ط. 2، م 1، ج 2 (1315هـ/1898م)، صص. 53–54.
المنار، ط. 2، م 1، ج 2 (1315هـ/1898م)، ص. 54. وخلاصة القضية التي بدأت عام 1894 اتهام اليهودي ألفريد دريفوس، النقيب في الجيش الفرنسي، بالتخابر مع ألمانيا ونقل ملفات سرية إليها، دون أدلة مادية كافية؛ فحُكم عليه بالسجن، لكن القضية تصاعدت لاحقًا مع سعي أسرته لإثبات براءته. وفي عام 1898 أعاد الكاتب إميل زولا كشف القضية حين نشر مقاله الشهير «أنا أتهم»، فحُوكم بسببه وغادر فرنسا. وقد أدى المقال إلى سلسلة غير مسبوقة من الأزمات السياسية والاجتماعية في فرنسا. وحصل دريفوس على البراءة عام 1906، وأعيد تأهيله في الجيش الفرنسي وشارك في الحرب العالمية الأولى. وقد أجّجت هذه القضية مشاعر معاداة اليهود والسامية في فرنسا.
المنار، ط. 2، م 1، ج 2 (1315هـ/1898م)، صص. 54–55.
المقتطف، السنة 22، ج 4 (1 نيسان/أبريل 1898م/ذي القعدة 1315هـ)، ص. 310؛ انظر: المنار، م 1، ج 6 (ذو القعدة 1315هـ/1898م)، صص. 105–106.
المقتطف، المصدر السابق، صص. 310–311؛ المنار، المصدر السابق، صص. 106–107. والبارون هرش ثري نمساوي يهودي حصل من الدولة العثمانية على امتياز سكة حديد الروم إيلي، المعروفة بسكك الحديد الشرقية، وألحق أضرارًا كبيرة بخزينة الدولة العثمانية. واعتبر الخالدي ذلك من الغلطات المالية في صدارة محمود نديم باشا (1871–1872). انظر: محمد روحي بك الخالدي، أسباب الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة، مصر: مطبعة المنار، 1326هـ، ص. 55.
المقتطف، المصدر السابق، صص. 310–311؛ انظر: المنار، المصدر السابق، صص. 106–107.
المنار، المصدر السابق، صص. 107–108.
رضا، «الصهيونية»، المنار، م 17، ج 5 (جمادى الأولى 1332هـ/1914م)، صص. 385–386؛ وانظر: الخالدي، مقدمة عن الصهيونية، ص. 2.
رضا، «الصهيونية»، المنار، صص. 387–388.
رضا، «الصهيونية»، المنار، ص. 388؛ وللمزيد حول المؤتمر، انظر: نصار، الصهيونية، صص. 27–28.
لامنس اليسوعي، «اليهود ومستعمراتهم»، صص. 1088–1094.
صايغ، الهاشميون وقضية فلسطين، ص. 20.
لامنس اليسوعي، «اليهود ومستعمراتهم»، ص. 1094.
المنار، ط. 2، م 4، ج 21 (1319هـ/1902م)، ص. 801. وربما يقصد بذلك كتاب بروتوكولات حكماء صهيون، الذي ظهرت ترجمته الأولى باللغة الروسية عام 1902، ترجمة الراهب سرجي نيلوس، وهو أول ناشر للبروتوكولات؛ وأشار في مقدمته إلى أن هذه الوثائق سرقتها سيدة فرنسية من أحد الأكابر ذوي النفوذ والرياسة السامية من زعماء الماسونية الحرة، وذلك في نهاية اجتماع سري بهذا الرئيس في فرنسا، حيث وكر المؤتمر الماسوني اليهودي. وقد تنبأ في تقديمه للكتاب بعدة أمور، منها عودة اليهود إلى فلسطين وقيام دولة إسرائيل. انظر: الخطر اليهودي: بروتوكولات حكماء صهيون، صص. 33، 105.
المنار، ط. 2، م 4، ج 21 (1319هـ/1902م)، ص. 802.
المنار، ط. 2، م 4، ج 21 (1319هـ/1902م)، صص. 802–803.
رفعت، الوجه الخفي للانقلاب التركي، صص. 79–80؛ انظر: نيازملا، السلطان عبد الحميد الثاني، ص. 40؛ مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني، تقديم وترجمة محمد حرب، دمشق: دار القلم، 1412هـ/1991م، صص. 141–142. وقد ذكر روحي الخالدي أن مانويل قره صو كان عضوًا في جمعية الاتحاد والترقي في سلانيك، وكان أحد خطباء إعلان الدستور هناك يوم 23 تموز/يوليو 1908، وقد خطب باليهودية الإسبانية. انظر: الخالدي، أسباب الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة، صص. 171–172.
انظر: نيازملا، السلطان عبد الحميد الثاني، ص. 45 وما بعدها.
المنار، ط. 2، م 4، ج 21 (1319هـ/1902م)، صص. 803–804. وذكر نجيب نصار أن هرتزل حصل على موافقة السلطان على مقابلته في 17 أيار/مايو 1901؛ وقد رافق هرتزل في مهمته دافيد ولفسون وأوسكار مارمورك، من أعضاء الجمعية الصهيونية. وقابل هرتزل السلطان مرتين منفردًا عن رفيقيه. وقد أنعم السلطان عليه بالنيشان المجيدي الأول. وصرح هرتزل بعد عودته إلى لندن بنجاح مهمته لدى السلطان. انظر: نصار، الصهيونية، صص. 29–30.
المنار، ط. 2، م 4، ج 21 (1319هـ/1902م)، صص. 804–805.
المنار، ط. 2، م 4، ج 21 (1319هـ/1902م)، ص. 805.
المنار، ط. 2، م 4، ج 21 (1319هـ/1902م)، صص. 805–807؛ انظر: أحمد صلاح الملا، جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة: رشيد رضا ومجلة المنار 1898–1935، مصر: دار الكتب والوثائق القومية، 1429هـ/2008م، صص. 201–202.
المنار، ط. 2، م 4، ج 21 (1319هـ/1902م)، صص. 807–809.
المنار، م 6، ج 5 (ربيع الأول 1321هـ/1903م)، ص. 196.
علي محافظة، الفكر السياسي في فلسطين 1918–1948، الأردن: مركز الكتب الأردني، 1989، ص. 21 وما بعدها.
سليمان صالح، الشيخ علي يوسف وصحيفة المؤيد: تاريخ الحركة الوطنية في ربع قرن، مصر: منشورات الهيئة المصرية العامة للكتاب، فرع الصحافة، 1997، ج 2، صص. 176–177.
الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ص. 48.
خيرية قاسمية، «المواجهة الاقتصادية مع الصهيونية والتمسك بملكية الأرض (1882–1948)»، دراسات تاريخية، عدد خاص، دمشق، السنة الحادية عشرة، ع 35–36 (آذار/مارس–حزيران/يونيو 1990)، ص. 69.
نصار، الصهيونية، ص. 34.
انظر: قاسمية، «المواجهة الاقتصادية»، صص. 69–77؛ الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، صص. 40–48؛ عوض، مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث، صص. 147–155؛ جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، بيروت/نيويورك: دار العلم للملايين، بالاشتراك مع مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر، 1980، ص. 365.
«الماسونية في الدولة العثمانية»، المنار، م 14، ج 1 (محرم 1329هـ/1911م)، ص. 80؛ انظر: الخالدي، أسباب الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة، صص. 171–172.
«اليهود في المملكة العثمانية»، المنار، م 14، ج 2 (صفر 1329هـ/1911م)، ص. 159.
المنار، م 14، ج 4 (ربيع الآخر 1329هـ/1911م)، صص. 265–269.
«بيان للأمير آلاي صادق بك: في الدستور والجيش والسياسة والماسونية والاتحاد والترقي»، المنار، م 14، ج 5 (جمادى الأولى 1329هـ/1911م)، صص. 375–379.
«أرباب الأقلام في بلاد الشام ومشروع الأصفر»، المنار، م 14، ج 9 (رمضان 1329هـ/1911م)، صص. 713–715؛ انظر: الملا، جذور الأصولية الإسلامية، ص. 202.
«أرباب الأقلام في بلاد الشام ومشروع الأصفر»، المنار، م 14، ج 9 (رمضان 1329هـ/1911م)، صص. 716–717.
الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ص. 48.
المقطم، مصر، 26 حزيران/يونيو 1909.
المقطم، مصر، 9 تشرين الأول/أكتوبر 1912.
رشيد رضا، «الانقلاب الأخير وجمعية الأحمرين»، المنار، م 16، ج 2 (صفر 1331هـ/1912م)، صص. 145–160، بتصرف.
رشيد رضا، «المسألتان الشرقية والصهيونية»، المنار، م 17، ج 4 (ربيع الآخر 1332هـ/1913م)، صص. 319–320.
رضا، «الصهيونية»، المنار، م 17، ج 5 (جمادى الأولى 1332هـ/1914م)، ص. 385 وما بعدها، بتصرف.
المنار، م 17، ج 9 (رمضان 1332هـ/1914م)، صص. 707–708.
لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث، ص. 467. وقد ذكر أنه رغم هذه الأمور جميعها لم يكن في فلسطين عند بدء الحرب سوى 43 قرية يهودية/مستوطنة، بلغ عدد سكانها 13 ألفًا، رغم أنه وصل إلى فلسطين نحو 42 ألف مهاجر خلال الأعوام 1882–1914. ألا يعد ذلك إنجازًا مهمًا؟!
وايزمن، مذكرات وايزمن بقلمه، صص. 14–16.
رضا، «الصهيونية»، المنار، م 17، ج 5 (جمادى الأولى 1332هـ/1914م)، ص. 389 وما بعدها، بتصرف؛ وانظر للمقارنة: الخالدي، مقدمة عن الصهيونية، ص. 4.
الأهرام، مصر، 16 تموز/يوليو 1914.
*أستاذ مشارك في التاريخ الحديث والمعاصر، قسم العلوم الإنسانية، جامعة قطر
نشرت في مـجـلـة دراسـات بيت الـمـقـدس، 150–127 :)1(21 ،2021)





