عندما تستيقظ صباحاً، يكون الهاتف أول ما تمتد إليه يدك. تمرر إبهامك على التطبيقات، فتمر أمامك أخبار ومقاطع ومنشورات لم تختر أكثرها، اقترحتها خوارزميات تقرأ الآثار التي تخلفها مع كل تفاعل، مقصوداً كان أم عفوياً. من هذه الآثار تتراكم بيانات تتيح لشركات تعرف عنك أكثر مما تعرف أنت عن آليات عملها أن تتنبأ بما ستشتريه أو تصدقه أو تهتم به.
في ظاهرها لا تبدو المسألة سياسية. فما السياسي في تطبيق مثل تيك توك؟ الصراع الذي دار في الولايات المتحدة على ملكيته يقول شيئاً آخر. بعد سنوات من الجدل حول وصول شركة بايت دانس الصينية (ByteDance) إلى بيانات المستخدمين الأمريكيين، وقدرتها المحتملة على التأثير في خوارزمية التوصية، انتهت الأزمة بأمركة التطبيق عبر استحواذ شركة مشتركة يملكها مستثمرون أمريكيون ودوليون على 80 بالمئة من عمليات تيك توك داخل الولايات المتحدة، وتولت أوراكل استضافة بيانات المستخدمين والإشراف على الخوارزمية داخل الولايات المتحدة.
ما نقل تيك توك من تطبيق للترفيه إلى مسألة سياسية هو قدرته العالية على إدارة إقتصاد الانتباه لملايين الأشخاص. هذه القدرة تضع التكنولوجيا داخل علاقات القوة قبل أن تصل الدولة إلى تنظيمها. فالخوارزمية لا تنتظر قرار المواطن ثم تنفذه، إنها ترتب البيئة التي يتخذ القرار داخلها. هذه هي نقطة انطلاق ماتياس ريسه في كتابه “النظرية السياسية للعصر الرقمي” (Political Theory of the Digital Age: Where Artificial Intelligence Might Take Us). يرى ريسه أن التكنولوجيا دخلت في الشروط التي تتحدد داخلها السلطة والمواطنة والمعرفة نفسها. والفكر السياسي، المشغول بكيف ينبغي لنا أن نعيش معاً، يواجه لذلك مشكلة لا يستطيع اختزالها في إضافة «الذكاء الاصطناعي» إلى قائمة موضوعاته القديمة.[1]
ينتمي ريسه إلى التقليد الليبرالي المساواتي المرتبط بجون رولز، لكنه يتحاشى تحويل كتابه إلى تمرين في تخمين ما كان رولز سيقوله عن الذكاء الاصطناعي. موضع نقده أضيق وأهم: أغفل التقليد الذي ينتمي إليه دور التكنولوجيا في تشكيل البيئة السياسية، كما لم يمنح موقعاً كافياً للمواطن من حيث هو عارف ومعروف في آن معاً؛ ينتج المعرفة ويتداولها، بينما تتحول حياته بدورها إلى مادة للجمع والتصنيف والاستدلال.[2] يذهب ريسه أبعد من مشكلات العالم الرقمي القائم إلى احتمال ظهور ذكاءات فائقة قد تكتسب مكانة أخلاقية أو سياسية. وظيفة هذه السيناريوهات اختبار الافتراض البشري الذي تستند إليه مفاهيم سياسية كثيرة: ماذا يبقى من العضوية والمساواة والتمثيل إذا لم يعد البشر وحدهم أطراف المجال الأخلاقي والسياسي؟
تبدو موضوعات الكتاب متباعدة لأن كل فصل يلتقط جانباً مختلفاً من البيئة الرقمية: التكنولوجيا، والديمقراطية، والمعرفة، والحقيقة، والبيانات، والمراقبة، والحقوق، ثم الذكاء غير البشري. لكنها تتصل بعلاقة واحدة. وتقترح هذه القراءة أن الخيط الذي يصل بينها يظهر إذا أخذنا بجدية أثر التكنولوجيا في شروط الفعل نفسها: إذا كانت التكنولوجيا تشارك في تحديد ما يستطيع المواطن معرفته، وما يظهر أمامه، وكيف تصنفه المؤسسات، وما الخيارات المتاحة له، فإن أثرها يقع قبل اللحظة التي تبدأ منها النظريات السياسية عادةً: قبل توزيع الحقوق والموارد بين فاعلين يفترض أنهم حاضرون بقدراتهم وغاياتهم سلفاً.
إذا صح هذا الاستنتاج، تصبح العدالة الرقمية أوسع من حماية البيانات أو إضافة حقوق جديدة. فالفاعل الذي يصمم البيئة الرقمية لا يوزع فرصاً داخل مجال ثابت فقط، إنه يشارك في رسم المجال نفسه. يمكنه توسيع القدرات التي تمنح الحقوق قيمتها أو تضييقها، وتوجيه الانتباه، وتحديد ما يُرى ويُقاس ويُصنف. ومن هنا تفتح قراءة ريسه سؤالاً لا يتعلق فقط بما إذا كانت النتيجة عادلة، بل أيضاً بصفة من يضع القواعد التي تنتجها.
يصف ريسه مشروعه بأنه استكشافي، لا يدعي طرح نظرية مكتملة.[3] اهتمامه منصرف إلى وضع أجندة لحقل لم تستوعب النظرية السياسية أبعاده بعد. لكنه لا يقدم دائماً معياراً موازياً لما يكشفه من أشكال جديدة للقوة. تبقى مسألتان بلا حسم: متى تتحول القدرة على تصميم البيئة الرقمية إلى سلطة سياسية بالمعنى الدقيق؟ وما الذي يمنح من يمارسها حق الحكم؟
عندما تصبح التكنولوجيا جزءاً من السياسة
يختار ريسه الأميش كحالة يبدأ منها، لا كطرفة أنثروبيولوجية، وإنما لأن مقاربتهم للتكنولوجيا تكشف ما اعتادت المجتمعات الحديثة حجبه. لا يرفض الأميش الأدوات جملة، يفحصون الأداة من حيث تأثيرها على نمط الحياة الذي يريدون الحفاظ عليه. يمنعون ما يُشتبه في إضعافه روابط الجماعة، أو زيادته اعتمادها على الحكومة وعلى المحيط غير المؤمن، أو تهديده سعيها إلى حياة فاضلة. بيوت خارج شبكة الكهرباء، وحرث بآلات تجرها الخيول، وتنقل بعربات، ورفض لأنظمة التأمين ومنها الضمان الاجتماعي، واستغناء عن التلفاز والمذياع، وحد مفروض على استعمال الهاتف. السيارة والهاتف يعيدان ترتيب العمل وصلات القرابة واستقلال الجماعة وعلاقات أفرادها بعضهم ببعض؛ فاختيار الأداة عندهم اختيار في شكل المجتمع.[4]
يضع ريسه حساسية الأميش تجاه التكنولوجيا في مقابل جون فون نويمان، أحد صناع العصر الرقمي ومستشار لجنة الطاقة الذرية الأميركية. نشر فون نويمان عام 1955 مقالة بعنوان «هل ننجو من التكنولوجيا؟»، أشار فيها إلى التجربة تظهر أن تغيرات تقنية صغيرة تفضي إلى تحولات عميقة في العلاقات السياسية والاجتماعية، على نحو يستعصي على التنبؤ المسبق. يلاحظ ريسه أن كل من فون نويمان والأميش يتشاركان ذات القلق تجاه التكنولوجيا وإن كانا على طرفي النقيض، وكلاهما يقولان تقريباً ذات الشيء: الأداة تعيد تشكيل الاجتماع، ويستخلص ريسه من هذا التقاطع أن التحكم في التكنولوجيا شأن سياسي.
يقلب ريسه الصورة الشائعة التي تصور الأميش أسرى طرائق عتيقة، بينما الأرجح أننا نحن أسرى دوامة تقنية لا نملك إيقافها ولا حظ لنا يذكر في تشكيلها. وبالتالي يكشف المثال حدود افتراض حاضر في التقليد الليبرالي، ومفاده أن المجتمع يحدد غاياته أولاً، ثم تأتي التكنولوجيا من الخارج لخدمتها. عند الأميش يسير الأمر بالمقلوب: بقاء الجماعة على هيئتها أو ذوبانها في المجتمع الأكبر رهن بما تتبناه من أدوات ووسائط، ما يؤكد أن تنظيم التكنولوجيا مسألة سياسية من الدرجة الأولى.
يميز ريسه ثلاثة معانٍ لسياسية التكنولوجيا، يستخرجها من التقليد الماركسي اعترافاً بسبقه إلى الموضوع وتعويضاً عن إهمال التقليد الليبرالي له. المعنى التأسيسي يخص تشكيل التكنولوجيا لعمل السلطة في المجتمع، ومصدره المادية التاريخية عند ماركس. والمعنى التأطيري يأتي من ماركوزه مقروءاً مع هيدغر: التكنولوجيا أفق انكشاف يُظهر كل شيء مخزوناً احتياطياً ومورداً للاستغلال، ويؤطر النشاط الإنساني من غير أن يُلحظ. والمعنى التفاعلي ينزل من الأفق إلى الأجهزة المفردة، ويخص أثر تقنيات بعينها في العلاقات المتصلة بالسياسي، كجسور لانغدون وينر المنخفضة التي حسم ارتفاعها من يبلغ الشاطئ. والمعاني الثلاثة تتفاوت في المقياس: التكنولوجيا عنصر في بنية، ثم أفق لثقافة، ثم جهاز في علاقة. وثلاثتها ترفض حياد التكنولوجيا وتضعها داخل علاقات القوة التي تسعى السياسة إلى تنظيمها. ويستعير ريسه من هذه التقاليد تشخيصها لسياسية التكنولوجيا من دون أن يتبنى رؤاها الكلية: يأخذ السرديات الديستوبية تحذيراً لا أطروحة، ويرى أن العقل العام الرولزي يستوعبها بعد تعديل، لا أنه يُنقض بها.[5]
يوتوبيا ديمقراطية للذكاء الاصطناعي
يطبق ريسه المعنى التأسيسي لسياسة التكنولوجيا على الديمقراطية. إذ يأخذ ريسه على منظري الديمقراطية أنهم عاملوها كفكرة ومجموعة ممارسات، ونادراً ما التفتوا إلى شروطها المادية: الأدوات والأجهزة والأنظمة التي لا تقوم من دونها. يستعير ريسه من برونو لاتور مفهوم شبكة الفاعلين، ومؤداه أن لا كيان يعني شيئاً معزولاً، وإنما يكتسب معناه من علاقات كثيرة متغيرة، بشرية وغير بشرية.
الديمقراطية على هذا شبكة فاعلين، ووصف حالها يقتضي وصف الشبكة كلها. ويستعير من ديفيد ستازافيج تمييزاً بين ديمقراطية مبكرة وأخرى حديثة: الأولى حكم مشترك بين حاكم ومجالس أو جمعيات مستقلة عنه، غالباً نشأت في كيانات صغيرة اعتمد فيها الحاكم على رعاياه في معرفة ما يملكون وينتجون، وأمكن لهم فيها الخروج بأنفسهم وأموالهم عن متناوله، والثانية حكم تمثيلي في دولة إقليمية واسعة، يولد بحجمه مشكلتي شرعية: الدولة البعيدة عن مواطنها، والسلطة التنفيذية المتضخمة.
وفي الحالين تحتاج الانتخابات والتمثيل والمشاركة والمساءلة إلى شروط مادية. أثينا قامت على فضاءات وأدوات للتسجيل والقرعة والتنظيم؛ والديمقراطية الحديثة قامت على البريد والطباعة والاتصال وتقنيات الاقتراع والإدارة. والتقنية لم تسهل الديمقراطية وحسب، صور بعينها من الحكم الديمقراطي تعذر ممارستها أصلًا من دون ترتيبات مادية بعينها.[6]
على هذه الأرضية يتضح ادعاؤه عن الذكاء الاصطناعي. فالتكنولوجيا لا تضيف أداة أكفأ إلى يد حكومة أو ناخب معطى سلفاً. إنما تعيد ترتيب تدفق المعلومات، والعلاقات بين المشاركين، وطرائق المراقبة، وتغير رؤية المشاركين لذواتهم وللعلاقات التي تنشأ بينهم، وأشكال الحياة الإنسانية التي تتيحها تفاعلاتهم.
السجل التاريخي يخيب آمال أولئك المنتظرين من التكنولوجيا عائداً ديمقراطياً تلقائياً. فكل تحسن في الكتابة والمسح والقياس والزراعة أدى إلى تقليص أفضلية المحكومين المعلوماتية تجاه حكامهم. معرفة خصوبة الأرض فتحت باب جبايتها، تقارب السكن سهل رصد الناس وتقدير أصولهم، البيروقراطية الكفؤة أطالت عمر الأوتوقراطية. والمفارقة أن في المواضع التي تباطأت فيها التكنولوجيا، عاشت الديمقراطية المبكرة عمراً أطول، فالحاكم المحروم من أدوات الإحكام ظل محتاجاً إلى تعاون رعاياه.
ومع ذلك لا ينتهي ريسه إلى موقف متشائم، لأن مشكلتي الشرعية في الدولة الحديثة لا حل لهما من دون التكنولوجيا. أطروحته مشدودة بين طرفين: التكنولوجيا شرط لازم للديمقراطية الحديثة، لكنها لا تحمل اتجاهاً ديمقراطياً من تلقاء نفسها. وما يفصل بين المآلين خيار التصميم.
لاختبار هذا كله يشيد ريسه «يوتوبيا ديمقراطية للذكاء الاصطناعي». يتخيلها نظاماً يعرف تفضيلات الجميع وآراءهم ويزودهم بما يجعلهم مشاركين أكفاء في الحكم، قناة تواصل بين المتخالفين، يرصد الفساد والتزوير لحظة وقوعهما، ويجمع الأصوات فيلغي عناء بلوغ مراكز الاقتراع، ويستشير المواطنين في مسائل متشعبة عوض الاختيار من قائمة مرشحين، ويستدعي انتخابات متى هبطت الثقة بالحكومة عن حد معلوم. نظام يعيد إنتاج ملامح من الديمقراطية المبكرة في القرن الحادي والعشرين، ويحل في الأثناء مشكلتي الدولة البعيدة والسلطة التنفيذية المتضخمة. يحيط ريسه بناءه بتحفظ مزدوج: أننا أبعد ما نكون عن تنفيذ شيء منه، لا أحد من الباحثين الجادين يطالب به، وأنه بناه صورة لمستقبل مرغوب تتحرك في الخطاب قبل أن تتحرك في الواقع، ليختبرها لا ليقترحها.
لكن اختبار اليوتوبيا نفسها يكشف حداً لا يحسمه مجرد التفوق التقني. المغري في اليوتوبيا وعدُها بحل أذكى لمسائل السياسة. والوعد مشروط بأن يكون الذكاء ذا بعد واحد يُقاس على مسطرة واحدة، فيمكن عزله ووضعه في آلة تهيمن على كل آلية اختيار جمعي عرفها البشر. والهيمنة، بمعنى الرجحان التام المستخدم في نظرية الألعاب، كلمة حاسمة في هذا السياق، لأن التفوق في كل بعد هو وحده ما يجعل التسليم للآلة قراراً رشيداً، لأننا نسلم من غير أن نخسر شيئاً في مقابل ما نربح. لكن أبحاث الذكاء لا تسلم بأن الذكاء نوع واحد. فإن تعدد الذكاءات يعني تعدد المعايير، وتعدد المعايير يعني غياب الهيمنة، وغياب الهيمنة يعيد القرار إلى السياسة. تبقى الآلة بارعة في أوجه دون أخرى، والتفوق الجزئي مقايضة لا هيمنة. عندئذ لا تنتقي الآلة الأفضل — تنتقي وفق ترجيح بين الأبعاد، وذلك الترجيح اختاره إنسان. فيعود السؤال إلى أهله من الباب الخلفي: أي بُعد نرجح؟ وذلك سؤال سياسي لا سؤال حساب.
المدى السياسي للحقوق المعرفية
يبحث المواطن عن معلومة، فتجمع المنصة معلومات عنه. يتعرف إلى موضوع يشغله، بينما تتبع هي اهتماماته وعاداته، وتربطها بما تعرفه عن أشخاص يشبهونه. غالباً لا يعرف المواطن كيف صنفته، ولمن أتاحت بياناته، وما القرارات التي ستُبنى عليها. يدخل الطرفان عملية البحث بقدرتين غير متكافئتين، ويتبادلان المعرفة على نحو مختلف نوعياً وبعيد عن التوازن.
في التقليد البيكوني، تتكون المعرفة أولاً ثم تمنح صاحبها قوة. تفترض البيكونية أن للمعرفة مساراً أحادياً من خارج ميدان السلطة إلى داخله. يخالف فوكو هذا الافتراض بجعل المسار تداخلياً؛ فلا علاقة سلطة دون حقل معرفي يقابلها، والمعرفة تفترض علاقات سلطة وتنشئها، وتستند بدورها إلى ما تنتجه: ما الذي يستحق البحث؟ وأي دليل يُقبل؟ ومن يُعتد بقوله؟ يأخذ ريسه بهذا التداخل، وينقل النظر من الموارد التي يقوم عليها الحكم الديمقراطي إلى الشروط التي يعرف المواطن ضمنها ويُعرف.
لا تتعلق هذه الترتيبات بكمية المعلومات المتاحة لكل شخص فحسب. قبل أن تُجمع البيانات، هناك من يختار ما يستحق الجمع، والفئات التي سيُوزَّع عليها الأشخاص، والصفات التي ستُقارن بينهم. وما لا يجد مكاناً في هذا التصنيف يغيب عن النتائج، مهما بلغت أهميته في حياة أصحابه. يستعين ريسه بمفهوم الإبستيمة (episteme) عند فوكو لتناول هذه القواعد التي تنظم المعرفة في حقبة معينة. يعمل الناس داخلها ويألفونها حتى تبدو لهم الطريقة الطبيعية لمعرفة العالم. يتم ذلك من دون أن تكون تلك القواعد موضع اختيار واعٍ من قبلهم.
يأخذ ريسه عن كولن كوبمان تتبع هذه المسألة في البيئة الرقمية. إلى جانب سلطة السيادة، التي تأمر وتعاقب، والسلطة الحيوية، التي تدير حياة السكان وشروطها، توجد إبستيمة بياناتية تسود فيها قوة ثالثة هي قوة المعلومات (infopower). تعمل هذه القوة في تحديد البيانات المطلوبة، وإعدادها للمعالجة، وربط بعضها ببعض، وتقرير من يستطيع استخدامها. أما سياسة المعلومات (infopolitics) فتتعلق بتوزيع القدرة على القيام بهذه الأعمال والتحكم فيها. نواجهها كلما طُلب منا الإفصاح عن أنفسنا، أو صُنِّفنا بناءً على آثار تركناها، أحياناً من دون أن نعرف أنها جُمعت أصلاً.[8]
داخل هذه الترتيبات التي لا يختار الفرد شروطها، يبرز السؤال عن موقعه داخلها. للإجابة عن هذا السؤال يستعين ريسه بمصطلح صكه جون ماير هو أداء الأدوار المعرفية (epistemic actorhood). يحيل مصطلح (actor) إلى المؤدي المسرحي الذي يلعب دوراً في نص لم يكتبه. يبحث الفرد ويستدل ويفصح عن نفسه، فيما تسبقه معايير تحدد ما يُقبل دليلاً، ومن يستحق التصديق، وما الخانات التي يمكن أن يعرف نفسه من خلالها. لا تلغي هذه المعايير قدرته على الاختيار أو وكالته، لكنها تحدد كثيراً من شروط ممارستها.[9]
يجمع ريسه هذه المشاركة في أربعة أدوار. عندما يبحث ويتعلم ويكون حكماً بنفسه فهو عندئذ ذات عارفة. ويكون مشاركاً في ذات معرفية جماعية عندما يقبل معايير الإثبات والتصديق، أو يطالب بها، أو يسهم في تغييرها. ويصبح موضوعاً للمعرفة عندما يفصح عن نفسه أو يجمع الآخرون معلومات عنه. وهو مشارك في موضوع معرفي جماعي حين تدخل بياناته في بناء معرفة عن فئات وأنماط سلوكية، وفي تحديد ما يُفعل بتلك المعرفة.
قد تجتمع الأدوار الأربعة في عملية بحث واحدة. يطلب المستخدم معلومة، ويعتمد ما تعرضه المنصة وترتبه له، ويترك بيانات عن نفسه، ثم تدخل بياناته في استنتاجات تشمل أشخاصاً آخرين. مشاركته في تثبيت معايير المعرفة هي الأقل ظهوراً: يكفي أحياناً أن يقبل ترتيب النتائج أو يمنح مصدراً ثقته كي يسهم في استمرار القواعد القائمة. أما قدرته على مناقشة تلك القواعد وتعديلها فهي ضئيلة.
يربط ريسه الدورين الفرديين بالحقوق المعرفية، التي تُصاغ داخل الإبستيمة القائمة ويوجهها الفرد إلى غيره. ويربط الدورين الجماعيين بالعدالة المعرفية، ومسألتهما شكل الإبستيمة نفسها. يطالب الفرد، في الحالة الأولى، بطريقة منصفة في التعامل مع معرفته والمعلومات المتعلقة به. وفي الثانية يُسأل عن النظام الذي يوزع أصلاً فرص المعرفة وسلطة التصنيف. يصفه ريسه بتقسيم عمل ناقص، فالحق الفردي لا ينفصل عن الشروط التي تتيح ممارسته، وإصلاح تلك الشروط يبدأ بمطالبة فردية.
تظهر حدود الاكتفاء بالحقوق عندما تواجه مؤسسة تجمع بيانات ملايين الأشخاص مواطناً لا يعرف ما تجمعه عنه. تستطيع المؤسسة ربط معلوماته بمعلومات غيره، واستخراج أنماط لا يراها، والتنبؤ بسلوكه. قد يملك حق تصحيح معلومة خاطئة، بينما يظل عاجزاً عن معرفة كيف تكوَّن التصنيف الذي وضعته فيه. تتجاوز قوتها امتلاك معلومات أكثر، فهي تملك وسائل إنتاج معرفة عنه لا يملك وسائل مماثلة لفحصها أو الاعتراض عليها.
يتتبع ريسه في معالجة التزييف العميق (deepfake) ضرراً يبقى حتى بعد انكشاف الكذب. يستحضر ما تعرضت له الصحافية الهندية رنا أيوب من تداول مقطع جنسي مفبرك نُسب إليها. أمكن لمن يعرفون ملامحها تمييز التزييف، ولم يمنع ذلك وقوع الأذى. لم يكشف المقطع شيئاً عن حياتها الجنسية، لكنه فرض عليها صورة جنسية مصطنعة، وجعلها تتعامل في المجال العام مع ما ألصقه بها الآخرون.[10]
قد يعرف المشاهد أن المقطع مزيف ويواصل تداوله أو السخرية من صاحبته. لا يبقى الضرر محصوراً في معلومة كاذبة يمكن نفيها. تزاحم الصورة المفروضة عليها حضورها كصحافية وصاحبة قول، وتدفعها إلى الدفاع عن نفسها بشروط وضعها من اعتدوا عليها. يصيب التزييف قدرتها على أن تُعرف من خلال ما تقوله وتفعله، وأن تشارك من هذا الموقع.
ويمكن جمع هذه العناصر في تصور أوسع للمواطنة المعرفية، يحمل هذا التفاوت إلى السياسة. قد يتساوى شخصان أمام القانون، ويملك أحدهما وسائل واسعة لرؤية الآخرين وتصنيفهم، بينما يجهل الآخر حتى الصورة التي تُبنى عنه. وقد تصان حرية التعبير، فيما تقرر نظم ترتيب المحتوى والتوصية به أيُّ الأقوال يظهر، وأيُّها يصل إلى الجمهور، ومن يحظى بفرصة أن يُسمع ويُصدَّق. يكمن الظلم في ترتيب دائم للمعرفة لا في انتهاك فردي متعين: طرف يعرف ويصنف، وطرف يصبح معروفاً ومصنفاً. وذلك ما يجعل المسألة مسألة عدالة معرفية لا مسألة حقوق تضاف إلى قائمة.
يمكن تعيين بعض الانتهاكات وملاحقة مرتكبيها. لكن اختلالاً آخر يستمر من دون أن يتخذ في كل مرة صورة مخالفة منفردة. يرى ريسه أن الحقوق المعرفية تكتسب مداها السياسي عندما تتيح للمواطن أكثر من تصحيح معلومة أو نفي صورة مفبركة. يحتاج أيضاً إلى معرفة من يصنفه، وعلى أي أساس، وما الذي يترتب على ذلك، وتدفع هذه الحجة إلى ضرورة وجود سبيل مؤثر للطعن والمشاركة في تغيير القواعد. فالمواطن الذي يُطلب منه أن يفصح عن نفسه باستمرار، بينما تبقى الجهات التي تعرفه عصية على الفحص، يدخل المجال العام مكشوفاً أمام قوة لا يستطيع مساءلتها بالمثل.
عندما تدخل هذه المسائل في ممارسة المواطنة، يصبح نظام المعرفة نفسه موضوعاً للعدالة السياسية.
من الحقوق المعرفية إلى بنية السلطة
ينتقل ريسه من تشخيص الهشاشة المعرفية إلى الحقوق، لكنه لا يجعلها أفق التحليل الأخير. ففي مناقشته للحقيقة يرفض وجود حق شامل في الحقيقة، مع دفاعه عن حقوق محددة وعن حماية الصدق في المجال العام.[11] فليست كل قيمة تتوقف عليها الديمقراطية قابلة للتحويل إلى حق فردي.
تتطلب الفاعلية المعرفية، عند ريسه، حمايات للخصوصية والبيانات والنسيان، كما تتطلب قدرة أكبر على التأثير في البيئة التي تنتج المعرفة عن الأفراد. ومن هنا يجعل قدراً جوهرياً من السيطرة على البيانات المجمعة أهم إضافة حقوقية يقترحها للعالم الرقمي القائم.[12]
غير أن الحقوق لا تعالج وحدها اختلال القوة الذي أنتج الحاجة إليها. لذلك يرفض ريسه اعتبار الحقوق، ومنها حقوق الإنسان، تصوراً معيارياً كافياً للمجتمع. لأنه قد يتآكل استقلال الفرد من دون انتهاك ظاهر لحق بعينه، عندما تصبح المراقبة والتنبؤ بالسلوك جزءاً اعتيادياً من الاقتصاد ومن البنية التي تنتج المعرفة. لذلك يصل الحقوق بالديمقراطية والعدالة وبالترتيبات التي تحدد توزيع القوة قبل وقوع الانتهاك الفردي.[13]
تكشف البيانات هذا التحول على نحو خاص. إذ تقوم أطروحة البيانات بوصفها وقائع اجتماعية على أن قيمتها الحاسمة تكمن في الأنماط المستخرجة من سلوك أعداد كبيرة وما تمنحه من قدرة على التنبؤ. لا تحصل الشركة على قيمة معرفية من معلومة منفردة فحسب، إنها تستخرج انتظاماً لم ينتجه أي فرد بمفرده. ولهذا يرفض ريسه أن يمنح جمع البيانات صاحبها حقاً حصرياً وغير محدود في المعرفة المستخرجة منها.[14]
يقترح ريسه قلب الوضع القائم. فبدل أن تؤول السيطرة إلى جامع البيانات، تخضع الأنماط المتولدة جماعياً لنوع من السيطرة الجماعية، تقيدها اعتبارات الخصوصية والحوافز والتعويضات.[15] بيد أن الطبيعة الاجتماعية لهذه الأنماط لا تكفي وحدها لتأسيس هذه النتيجة. لأنها تضعف دعوى الشركة إلى حق طبيعي في احتكار المعرفة المستخرجة، من دون أن تولد تلقائياً حقاً جماعياً في حكمها. قد تنشأ عن المساهمة مطالب بالحماية أو المنفعة أو التعويض، من غير أن تنشأ عنها سلطة مشروعة على اتخاذ القرار نفسه. وريسه نفسه يقدم اقتراحه كتوجيه عام يحتاج إلى ترجمة مؤسسية أدق.[16]
تزداد حدود لغة الملكية وضوحاً عندما تستخدم هذه الأنماط في توزيع الفرص، والتصنيف، والتنبؤ، والاستهداف. فالمعرفة المستخرجة من البيانات لا تبقى شيئاً يملكه فاعل، إنها تمنحه قوة فعلية على تنظيم بيئة الآخرين واتخاذ قرارات تمسهم. وهنا تنتقل القراءة النقدية من حدود السيطرة الخاصة على البيانات إلى سؤال لا يحسمه ريسه: إذا لم تكن الملكية أساساً كافياً لتحديد من يقرر، فمن يملك حق الحكم؟ لم تعد المسألة لمن تعود البيانات، بل من يملك الحق في حكم العلاقات التي تنشئها ممارسات البيانات، وأي مؤسسة يجوز أن تمارس هذا الحكم، وبأي قواعد، وتحت أي صور من الرقابة والاعتراض والمساءلة.
من السيطرة إلى السلطة: من يملك شروط المواطنة؟
تصف القوة الفعلية قدرة فاعل على تقرير ما يحدث داخل نظام، أما السلطة فتتعلق بامتلاك الصفة المشروعة لاتخاذ القرار داخله. قد ترتب شركة تقنية المجال العام، وقد تجمع الدولة البيانات وتفرض قواعد استخدامها، لكن امتلاك القدرة على الحكم لا يمنح صاحبه حق الحكم.
تقرر خوارزمية المنصة ما يراه ملايين المواطنين وما يغيب عنهم، وما يحظى بالأولوية وما تتسع فرص انتشاره. وقد تستهدف بذلك تقليل التضليل أو زيادة التنوع أو تحسين النقاش العام. لا تكفي سلامة الغاية لتبرير القرار، لأن ترتيب الظهور والانتباه يعيد توزيع شروط المشاركة نفسها. يميز سيث لازار هنا بين التبرير الجوهري للقرار، وشرعية الإجراء، وامتلاك السلطة المناسبة لاتخاذه: قد يكون التدخل نافعاً وعادلاً في نتائجه، ومع ذلك يصدر عمن لا يملك صفة الحكم.[17]
لا تزول المشكلة بمجرد انتقال القرار من الشركة إلى الدولة. فالجهاز الإداري لا يكتسب شرعية قراراته من صفته العامة وحدها. تتوقف شرعيته على قواعد اتخاذ القرار وحدوده، وإمكان الاعتراض عليه، ومساءلة من يصدره، ومشاركة الخاضعين له في تشكيله. ليست المسألة إذن اختياراً بين الخاص والعام، بل تحديد من يملك حق الحكم داخل بنى تؤثر مباشرة في حياة المواطنين.
من هذا المنظور تعيد القراءة تأسيس المبرر لإخضاع بعض ممارسات البيانات لحكم جماعي. فلا يقوم الأساس الأمتن على أن الجميع أسهموا في إنتاج البيانات، بل على خضوعهم للعلاقات والآثار التي تنشئها استخداماتها. فالتصنيف والتنبؤ يحددان من يحصل على فرصة، ومن يُعد مخاطرة، ومن يُستهدف برسالة، ومن يصبح مرئياً أو موضع اشتباه. وتبين سالومي فيليوين أن آثار ممارسات البيانات لا تقف عند صاحب المعلومة الفردية، لأنها تعمل من خلال العلاقات الاجتماعية وعلى مستوى السكان.[18] لذلك ينشأ حق المشاركة في حكم هذه الممارسات من الخضوع لآثارها وعلاقاتها، لا من افتراض ملكية جماعية للبيانات.
تكتسب المواطنة المعرفية مضموناً سياسياً أكثر تحديداً. فالمواطن ليس ذاتاً تعرف وتختار فحسب، إنه أيضاً موضوع للتصنيف والتنبؤ. وحين تؤثر القواعد التي تنتج هذه المعرفة في فرص ظهوره ومشاركته وما يترتب عليه من قرارات، لا تعود المسألة متعلقة بما تعرفه المؤسسة عنه فقط، بل بسلطتها على تحديد الشروط المعرفية التي يمارس داخلها مواطنته. ولا تكفي المساواة القانونية إذا جاءت بعد أن تكون قواعد النظام قد حددت سلفاً مواقع الأفراد وفرصهم وطرائق ظهورهم. يحتاج المواطن إلى أن يفهم القواعد التي تغير موقعه، وأن يعترض على الطريقة التي يعرف بها، وأن يشارك في المؤسسات القادرة على تعديل تلك القواعد. بهذا المعنى، تصل المواطنة المعرفية بين موقع المواطن داخل نظام المعرفة وبين سؤال من يملك حق وضع قواعد هذا النظام وتغييرها. ولا تُختزل المواطنة المعرفية في إضافة حق جديد إلى قائمة الحقوق، بل ترفض اختزال المواطن إلى موضوع دائم لمعرفة وقوة لا يملك إزاءهما سوى القبول أو الانسحاب.
تظهر حدود الإطار الرولزي عندما تصبح البيئة التقنية جزءاً من الشروط التي تتكون داخلها قدرات الأفراد قبل دخولهم إلى مؤسسات العدالة نفسها. فالبيئة التقنية لا تستقبل أفراداً مكتملين ثم توزع المنافع والأعباء بينهم، إنها تسهم في تشكيل ما يستطيعون فعله ومعرفته والانتباه إليه. وإذا أخذنا بمنظور أمارتيا سن، أن الحرية تقاس بالقدرات الفعلية، لا بالحقوق الاسمية وحدها.[19] سنلحظ أنه بينما يحمي القانون حرية التعبير، تضيق البيئة التقنية قدرة المواطن على الوصول والظهور والمعرفة إلى حد يفرغ جانباً من هذه الحرية من قيمته العملية. لا يهدم هذا التصحيح الليبرالية، لكنه يكشف ضيق الاكتفاء بصياغتها المؤسسية للحرية.
غير أن مقاربة القدرات لا تستنفد المشكلة. يلفت ماركوزه النظر إلى مستوى أسبق هو العقلانية التي تحدد أصلاً ما يستحق القياس والتحسين. عندما تتحول قابلية التنبؤ والكفاءة والتحسين إلى معايير مهيمنة في تصميم المؤسسات، يمكن لخيارات اجتماعية أن تظهر في صورة مقتضيات تقنية.[20] عندئذ يصبح من المشروع التساؤل حول كيفية توزيع الفرص داخل النظام، والغايات التي حُولت إلى أهداف للقياس والتعظيم، ومن اختار هذه الغايات. فتصميم البيئة الرقمية إلى جانب أنه يوزع الخيارات القائمة فقط، فهو مشارك في تشكيل المجال الذي تتكون داخله الخيارات قبل أن يمارس المواطن حريته بينها.
لا يحتاج النظام التقني إلى إعلان تصور صريح للخير كي يعمل وفق تصور ضمني له. فما تختار الخوارزمية تعظيمه، وما تصفه المؤسسة بالسلوك المرغوب، وما تكافئه المنصة بالظهور، كلها قرارات تفضل أنماطاً من النشاط والعلاقات على غيرها. وقد تختفي هذه القرارات خلف لغة الكفاءة أو تحسين تجربة المستخدم، مع أنها تعيد ترتيب البيئة التي تتكون داخلها الحاجات والتفضيلات.
لا يترتب على كشف هذه الأحكام أن تتولى الدولة فرض تصور شامل للحياة الجيدة. تنبهنا حساسية ساندل تجاه ادعاء الحياد أن المؤسسات لا تنفصل عن أحكام تتعلق بالغايات والخير المشترك، وخصوصاً حين تشارك في تشكيل المجال الذي تتكون فيه تلك الغايات.[21] المطلوب إذن ليس إحلال أبوية سياسية محل حياد متوهم، بل إخراج الأحكام المضمرة في التصميم التقني إلى مجال النقاش والمساءلة السياسية.
لا يبرر الإجراء السليم بنية تضعف القدرات اللازمة للمواطنة، كما لا تمنح الغاية الحميدة سلطةً حصانةً من المساءلة. ومن يحدد شروط المعرفة والظهور والتصنيف والمشاركة لا يدير أداة تقنية فحسب؛ إنه يشارك في تشكيل المجال السياسي الذي يمارس المواطن داخله حريته. لذلك لا يقتصر تنظيم الذكاء الاصطناعي على السؤال عن القواعد التي ينبغي فرضها على التقنية، بل يمتد إلى السؤال عمن يملك حق حكم البيئة التي تعمل فيها، وعلى أي أساس، وكيف يستطيع المواطنون مساءلته وتغيير قواعدها.
اتساع التشخيص وحدود النظرية
يمنح رولز ريسه نقطة ارتكاز، لكن أدوات الإطار الليبرالي لا تكفيه كلما اقترب من أثر التكنولوجيا في تشكيل الفاعلين والعلاقات التي يفترض أن تنظمها مبادئ العدالة. لذلك يستدعي ماركس وفوكو وهايدغر وماركوزه ونوزيك وأرندت، إلى جانب مقاربة القدرات، فتتكون بنية فكرية أقرب إلى ائتلاف مفهومي منها إلى نظرية موحدة. مكن هذا الاتساع ريسه من جمع أسئلة تتوزع عادة بين فلسفة التكنولوجيا والنظرية الديمقراطية والأخلاق المعرفية وفلسفة البيانات، لكنه جعل تشخيصه، في مواضع عدة، أدق من المبادئ المعيارية التي يقترحها لمعالجة ما يشخصه.
تكشف الفاعلية المعرفية اختلال توزيع المعرفة والقوة، من دون أن تمنح العدالة المعرفية معياراً واضحاً للحكم على هذا التوزيع. وتضع أطروحة البيانات بوصفها وقائع اجتماعية السيطرة الخاصة عليها موضع سؤال، من غير أن تحدد المؤسسة التي تمثل الجماعة، أو الأساس الذي تستمد منه قراراتها مشروعيتها. يستطيع الإطار أن يكشف المشكلة قبل أن يستطيع تحديد نظام حكمها.
يظهر القيد نفسه في معالجة الاستقلال الشخصي. يرفض ريسه تصور ذات تستطيع الوقوف خارج الوساطة التقنية، ويطالب الفرد بمراجعة اختياراته حتى لا يتحول الاعتماد على الآلة إلى تنازل عن الحكم الشخصي.[22] غير أن الاستقلال لا يصمد باليقظة الفردية وحدها في بيئة تشكل الانتباه والاختيار. فهو يحتاج إلى بدائل حقيقية، وإمكان للفهم والاعتراض والخروج. وحين تغيب هذه الشروط، يصبح تحميل الفرد مسؤولية صون استقلاله نقلاً لعبء مشكلة أنتجتها البنية إلى من يخضع لها.
تدفع سيناريوهات الذكاء غير البشري هذا السؤال إلى حد أبعد. أهميتها ليست في قدرتها على توقع مستقبل بعينه، بل في أنها تنزع بداهة افتراض لازم النظرية السياسية طويلًا: أن أطراف العلاقة السياسية بشر متقاربون في نوع قدراتهم ومكانتهم. فإذا تغير هذا الشرط، عادت أسئلة العضوية والمساواة والشرعية إلى مستوى أكثر أولية. وريسه لا يدعي حسمها، بل يعاملها صراحة بوصفها مجالاً استكشافياً.[23]
هذا الاتساع نفسه يفسر جزءاً من قوة الكتاب وحدوده. كان يمكن لمشروع أكثر انتظاماً أن يقدم نظرية أضيق وأشد إحكاماً، لكنه ربما أبقى الحدود التي تفصل فلسفة التكنولوجيا عن النظرية السياسية على حالها. يخاطر ريسه بتعدد الأدوات لأن موضوعه لا يحترم هذه الحدود. ولا تنصهر التقاليد التي يستدعيها في إطار نظري واحد، لكنها توسع مجال ما يستطيع هذا الإطار أن يراه.
من هذه النقطة يظهر أكثر توترات المشروع خصوبة. يبدأ ريسه من رولز، لكن إدخال التكنولوجيا إلى قلب النظرية السياسية يدفعه باستمرار نحو تقاليد تشكك في بعض افتراضات هذا الإطار. يثير ماركوزه سؤال تشكيل الحاجات والعقلانية، ويربط فوكو إنتاج المعرفة بالقوة، وتبين مقاربة القدرات أن قيمة الحق لا تنفصل عن شروط ممارسته. لا يفرض ذلك التخلي عن الليبرالية، لكنه يضعف تصور المواطن بوصفه ذاتاً مكتملة تقف خارج البيئة التقنية ثم تدخلها مطالبة بنصيب عادل من مواردها.
وعند هذا الحد تتجمع نتائج الكتاب في سؤال أوسع من إضافة حقوق رقمية أو تحسين قواعد حماية البيانات. فالمسألة تصبح في آن واحد مسألة قوة وسلطة وقدرات وغايات: أي أشكال من القوة تنشئها الأنظمة الرقمية، ومن يملك حق الحكم داخلها، وما القدرات التي ينبغي صونها، وأي غايات يجوز تحويلها إلى أهداف للقياس والتحسين. ويتحول مركز السؤال من مقدار ما تمنحه هذه الأنظمة للمواطن إلى نوع المواطن الذي تتيحه أصلاً: هل يبقى قادراً على فهم الشروط التي تحكمه والاعتراض عليها والمشاركة في تغييرها، أم يعاد تشكيله بوصفه مستخدماً تتحسن إدارة بيئته كلما تقلصت قدرته على مساءلة من يديرها؟
لا يقدم ريسه جواباً حاسماً عن السياسة في العصر الرقمي، لكن قيمة كتابه تكمن في أنه يجعل الفصل بين التقنية والسياسة أقل قابلية للاستمرار. فإذا شاركت التكنولوجيا في تشكيل الشروط التي نصبح داخلها مواطنين، لم تعد المسألة من يستخدمها وكيف يقيدها القانون فحسب، بل من يملك سلطة تشكيل البيئة التي نمارس داخلها مواطنتنا، وما الذي يجعل هذه السلطة مشروعة، ومتى يصبح الاعتراض عليها جزءاً من معنى المواطنة نفسها.
الحواشي
[1] Mathias Risse, Political Theory of the Digital Age: Where Artificial Intelligence Might Take Us (Cambridge: Cambridge University Press, 2023), ix–xi.
[2] Ibid., xi–xii. يحدد ريسه التكنولوجيا وأدوار المواطنين بوصفهم “knowers and knowns” ضمن النواقص التي يريد معالجتها انطلاقًا من الإطار الليبرالي المساواتي.
[3] Ibid., xii؛ 255–258. يصف ريسه مشروع الكتاب بوصفه مساهمة في وضع أجندة جديدة، ويؤكد في الخاتمة الطابع الاستكشافي لمناقشاته.
[4] Ibid., 23–29.
[5] Ibid., 29–46. يميز ريسه بين المعاني foundational وenframing وinteractive للطابع السياسي للتكنولوجيا، مستفيدًا من ماركس وماركوزه وهايدغر وفينبرغ.
[6] Ibid., 47–58.
[7] Ibid., 59–72. يناقش ريسه العلاقة غير الضرورية بين التقدم التقني والديمقراطية، ويستخدم سيناريو Grand Democratic AI Utopia لاختبار فكرة تفويض القرار الجمعي لأنظمة أكثر قدرة على المعالجة.
[8] Ibid., 96–105. يناقش ريسه مفهوم episteme وانتقاله إلى بيئة البيانات، ويستخدم infopower وinfopolitics لفهم العلاقة بين تنظيم المعلومات والقوة.
[9] Ibid., 105–108.
[10] Ibid., 119–136.
[11] Ibid., 73–95.
[12] Ibid., 137–159، ولا سيما 150–152.
[13] Ibid., 160–182، ولا سيما 175–182.
[14] Ibid., 183–203.
[15] Ibid., 203–206.
[16] Ibid., 203–205.
[17] Seth Lazar, “Governing the Algorithmic City,” Philosophy & Public Affairs 53, no. 2 (2025): 102–168.
[18] Salomé Viljoen, “A Relational Theory of Data Governance,” Yale Law Journal 131 (2021): 573–654.
[19] Amartya Sen, The Idea of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2009), esp. 225–290.
[20] Herbert Marcuse, One-Dimensional Man: Studies in the Ideology of Advanced Industrial Society (Boston: Beacon Press, 1964)، ولا سيما تحليله للعقلانية التقنية.
[21] Michael J. Sandel, Liberalism and the Limits of Justice, 2nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1998).
[22] Risse, Political Theory of the Digital Age, 207–230.
[23] Ibid., 231–258.
____________________
Lazar, Seth. “Governing the Algorithmic City.” Philosophy & Public Affairs 53, no. 2 (2025): 102–168.
Marcuse, Herbert. One-Dimensional Man: Studies in the Ideology of Advanced Industrial Society. Boston: Beacon Press, 1964.
Risse, Mathias. Political Theory of the Digital Age: Where Artificial Intelligence Might Take Us. Cambridge: Cambridge University Press, 2023.
Sandel, Michael J. Liberalism and the Limits of Justice. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1998.
Sen, Amartya. The Idea of Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2009.
Viljoen, Salomé. “A Relational Theory of Data Governance.” Yale Law Journal 131 (2021): 573–654.




