من يملك الحق في السرد (2-4)
هل كانت روسيا قادرة يوما على بناء سردية جامعة تتسع لتنوعها اللغوي والديني والجغرافي؟
(أنظر في الاسفل شرح عن اللوحة)
في اللحظة التي تحول فيها التأريخ إلى ساحة نزاع، لم يعد السؤال المتعلق بالماضي شأنا أكاديميًا خاصا بالمؤرخين، بل صار مدخلا لفهم تماسك الدولة الروسية وحدود شرعيتها الرمزية.
هذا السؤال لا يطارد مشروعا سياسيا انقضى، بل يمس جوهر رؤية روسيا لذاتها: هل هي امة متعددة قادرة على استيعاب الاختلاف وادماجه، ام كيان امبراطوري يتغذى على التوسع والسيطرة بوصفهما شرطا لبقائه، فلا يرى في الاختلاف سوى تهديد يجب استيعابه او نفيه؟
مشروع إقصاء مقنع
وفق المقاربة الاوكرانية النقدية، لم تكن لدى روسيا نية حقيقية لبناء سردية وطنية جامعة، لانها لم تؤمن اصلا بتكافؤ الاطراف. فقد شيدت هويتها القومية على مصادرة الرموز التاريخية لغيرها، وفي مقدمتهم اوكرانيا.
لم تعامل اوكرانيا بوصفها طرفا في “وحدة حضارية”، بل بوصفها موردا رمزيا يعيد انتاج الذات الروسية، ثم يدفع الى الهامش حالما تستنفد وظيفته. فعندما تستحضر موسكو سردية “كييف روس”، فهي لا تستدعي ماضيا مشتركا بقدر ما تقيم بنية رمزية تعيد كتابة تاريخ الآخر بما يعزز مركزيتها.
يقول سيرهي بلوخي ان موسكو “لم تكن ترث كييف، بل كانت تكتب تاريخها الخاص على جثة ارث الاخرين”. على هذا النحو، تتحول السردية الروسية الكبرى الى مشروع اقصائي مقنع: لا يقوم على الاعتراف بالرموز، بل على ضمها وتذويبها، ولا يبني الهوية عبر التشارك، بل عبر نفي استقلالية الاخر وتدمير قدرته على ان يكون ذاتًا سردية قائمة بذاتها.
الاستعمار الداخلي
اما الكسندر اتكيند فيقدم مقاربة بنيوية تعيد تفكيك الدولة الروسية من الداخل، بوصفها سلطة تمارس استعمارا داخليا لا على الاطراف فقط، بل على ذاتها ايضا. ففشل روسيا في انتاج سردية جامعة لا يبدو، في هذا المنظور، عرضا طارئا، بل نتيجة لنمط سيطرة حول الامبراطورية الى جهاز اداري مغلق يحتكر المعنى والقرار.
المشكلة هنا لا تختزل في اقصاء “الآخر”، بل في تحويل الجميع، بما في ذلك الريف الروسي، الى هوامش تخضع لمركز بيروقراطي مغلق. يكتب إتكيند ان “المفارقة في التجربة الروسية انها استعمرت الريف الروسي بقدر ما استعمرت القوقاز واوكرانيا... لم تكن الامبراطورية ضد الآخرين فقط، بل ضد ذاتها ايضا”.
بهذا المعنى، لا يقصى غير الروس فحسب، بل يعاد تشكيل الفضاء الامبراطوري برمته بوصفه هامشا كبيرا تحكمه نخبة مركزية تحتكر تعريف الهوية وحق الحكي عن الماضي. السردية الجامعة تصبح هنا مستحيلة تقريبا، لان منطق السيطرة ذاته يمنع نشوء فضاء يسمح بتعدد الاصوات والتفاوض على المعنى.
فشل مؤسسي
في المقابل، يتبنى الكسي اي. ميلر مقاربة تحليلية اكثر حذرا ايديولوجيا، تعيد تأطير الازمة بوصفها فشلا مؤسسيا قبل ان تكون قمعا سرديا متعمدا. ففشل روسيا في انتاج سردية جامعة، من منظوره، لا ينبع اساسا من نزعة امبراطورية واعية بنفسها، بل من تراكم طويل لقصور آليات التفاوض الرمزي بين المركز والاطراف.
لا ينكر ميلر وجود التوتر الهيمني، لكنه يراه اثرا لفراغ مؤسسي، لا نتاجا مباشرا لمشروع استيعابي محكم. يكتب ميلر ان “الخطر لا يأتي من سردية وطنية واحدة، بل من غياب التعدد المؤسسي في انتاج السرد، وتحويل التأريخ الى اداة للشرعية بدل ان يكون ساحة للنقاش”.
من هذا المنطلق، يدعو الى تجاوز الثنائيات المغلقة مثل “الضحية والجلاد” و”الهوية واللاهوية”، عبر مقاربة تعيد ادماج الذاكرة التاريخية في المجال العام من دون اختزالها في خطاب ادانة او تمجيد. وظيفة المؤرخ كما يراها لا تنحصر في انتزاع اعتراف رمزي، بل في بناء فضاء سردي يسمح بتداول المعنى وتقاطع القراءات، من دون السقوط في منطق الاستقطاب او اعادة انتاج “مظلومية معكوسة”.
لست جزء من النص
ما يجمع بين هذه المقاربات الثلاث هو الاقرار بان السردية الروسية ليست محايدة، بل مشحونة بموقع المتكلم، وتقرأ دائما من داخل حقل صراع لا من افق اجماع. فحين تبنى الامة من خلال التاريخ، تصبح اللحظة المؤسسة نفسها موضع نزاع دائم: هل هي لحظة وراثة طوعية؟ ام مصادرة رمزية؟ ام استمرارية مهددة تحاول الدفاع عن ذاتها؟
هنا يصبح تصور بول ريكور للسرد اداة مفيدة للفهم. فالسرد، في نظره، ليس ترتيبا للاحداث فحسب، بل فعلا تاويليا مركبا يقوم على ثلاث لحظات مترابطة: سابق سردي من تجارب وزمن وفاعلين، وصياغة حبكة تمنح هذه العناصر معنى، ثم اعادة تملك للحكاية من موقع التلقي، حيث يعاد تفسير ما روي.
في ضوء ذلك، تكشف المقاربات الثلاث ان مأزق السردية الروسية لا يقتصر على مضمون الحكاية، بل يمس بنيتها التاويلية ذاتها، اي الشرط الذي يسمح بتحول التاريخ الى مجال تشاركي للمعنى. عند بلوخي، يظهر الكرملين سلطة تزيح الاخر من لحظة التأسيس وتمنعه من امتلاك دور فاعل في تشكيل الحكاية، فـ”كييف روس” لا تروى كجذر مشترك، بل بوصفها ميراثا حصريا يعاد تأميمه لصالح المركز. عند اتكيند، تغلق الحبكة من الداخل: لا مكان لاصوات متعددة ولا لمرونة في اعادة تفسير الماضي، لان المركز يحتكر موقع المرسل والمفسر في آن. اما عند ميلر، فالعطب يتمثل في غياب بنية مؤسسية تتيح للمتلقين المتعددين اعادة تأويل السرد، وتحويل التاريخ من خطاب سيادي الى فضاء للتفاوض الرمزي.
فشل روسيا في انتاج سردية جامعة يتجاوز، في هذا السياق، مستوى الانحيازات الخطابية او بُنى الهيمنة، الى تعطيل شرط التشاركية في السرد ذاته. فمن دون تعدد في الاصوات، ومن دون امكان للاعتراف المتبادل، تنقطع صلة السرد بالتفاوض التاويلي فلا يتحقق المعنى المشترك، وتستبدل سردية حية قابلة للفهم المتبادل بسلطة خطابية مفروضة من الاعلى.
التاريخ بوصفه معطى نهائي
هذا الخلل البنيوي لا يبقى حبيس الكتب، بل يتجلى بوضوح في الممارسة الروسية الراهنة. فالتاريخ يقدم في خطاب الكرملين بوصفه معطى نهائيا لا نصا مفتوحا، وتصاغ المناهج التعليمية وفق رواية مركزية تجسد “الوحدة الحضارية”، وتقدم الحرب على اوكرانيا باعتبارها تصحيحا لمسار سردي منحرف.
في هذا الاطار، لا يسمح لاوكرانيا ولا لغيرها بان يعيدوا تأويل الحكاية من موقع ذاتي، لانهم لا يعترفون اصلا بوصفهم جزءا من النص. فالنزاع لا يدور فقط حول مضمون الماضي، بل حول من يملك الحق في روايته، ومن يحتسب فاعلا في قصة الجماعة، ومن يحذف مسبقا من هوامشها.
في الجزء الثالث سوف نتناول : لماذا ظلت أوكرانيا بؤرة مستمرة للصراع الرمزي؟
*في هذه اللوحة التي رسمها البولندي يوليوس كوسّاك في القرن التاسع عشر، لا تظهر أوكرانيا ككيان سياسي أو مجتمع متمايز، بل كفضاء ريفي مترف، يُعاد تخيّله ضمن سردية أرستقراطية رومانسية. مشهد الصيد النبيل، بالخيل والكلاب والفرسان، لا يُظهر السكان المحليين بل يُلبس الأرض زينة طبقية تُخفي علاقات الهيمنة خلف طبيعة خلابة.
تتحوّل أوكرانيا إلى مشهد خلفي للترف الإمبراطوري، وإلى "ريف متخيَّل" يُستعرض فيه الامتياز لا المقاومة.
في هذا التمثيل، لا تُرى أوكرانيا كفاعل، بل كمنظر؛ لا ككيان تاريخي، بل كحقل رمزي تسرح فيه مخيلة المركز، ما بين الحنين والاحتواء. هكذا تتجلى أوكرانيا في المخيال الإمبراطوري: أرضا تُروّض، لا شريكا يُفاوض.




