القومية البلقانية وتفكك الدولة العثمانية (2-4)
من الملة إلى الأمة
الإمبراطوريات التي تخشى التنوع تسعى إلى محوه، بينما الإمبراطوريات الواثقة تديره بفعالية. عندما أقر العثمانيون للجماعات الدينية كنائسها ولغاتها الطقسية ومدارسها وذاكراتها، لم يبذروا عمداً بذور تفككهم، بل كان ذلك سعياً منهم لتحقيق الاستقرار. ومع ذلك، فإن الأدوات التي حافظت على تمايز الجماعات وخضوعها تصلح، مع تغير لغة الشرعية، لأن تتحول إلى بنية تحتية لمطالب سياسية جديدة. إن ما حافظ على الملة هو ذاته ما أتاح بناء الأمة.
لم تتم عملية بناء الأمة دفعة واحدة ولا كانت شعبية في بدايتها. إذ تشكلت الأمم ببطء عبر وسائط قائمة في العالم العثماني نفسه: الكنيسة واللغة والمدرسة والذاكرة والنخب الوسيطة. في أصلها لم تكن هذه الوسائط قومية، بل أدوات إدارة واستقرار تحفظ للجماعات تمايزها ضمن بنية تراتبية. فلما أمكن تعريف الجماعة أمة لا رعية دينية، أُعيد تأويل هذه الوسائط ضمن أفق جديد، غدت الكنيسة تمثيلاً، واللغة حداً للانتماء، والمدرسة جهاز تخيل، والذاكرة سنداً لمطالبة بالأرض والسيادة.
مثلت الكنيسة المؤسسة الأبرز التي شهدت مسار التحول. لم تكن البطريركية المسكونية في القسطنطينية مجرد مؤسسة دينية أو ذراعًا عثمانية لإدارة التنوع، بل أدت دورًا وسيطًا داخل النظام الإمبراطوري؛ إذ اعتمدت الدولة عليها في تنظيم شؤون الأرثوذكس، بينما اعتمدت البطريركية على اعتراف الدولة لضمان سلطتها. امتدت ولايتها إلى جماعات أرثوذكسية متعددة، مثل اليونان والصرب والبلغار وغيرهم، ضمن هرم كنسي منح النخب اليونانية الفنارية نفوذاً مؤثراً في الأرثوذكسية العثمانية. تجاوز الدين وظيفته الروحية ليصبح قناة للإدارة والتمثيل والوساطة، ومن خلال هذه القناة بدأ يتشكل الصراع القومي [1].
توضح الحالة البلغارية بدقة طبيعة هذا التحول. عندما طالب البلغار بكنيسة تستخدم لغتهم وتتحرر من هيمنة البطريركية المسكونية في التعيين والطقوس والتعليم، لم يكن النزاع ذا طابع لاهوتي بحت، كان صراعاً حول حق التمثيل باسم جماعة أرثوذكسية: هل تبقى جزءاً من أرثوذكسية جامعة تقودها القسطنطينية، أم تعاد صياغتها كجماعة متميزة لها مؤسساتها ولغتها ورجال دينها؟ لذلك جاء فرمان السلطان عبد العزيز عام 1870، الذي أنشأ الإكسرخسية البلغارية، كتسوية تتجاوز البعد الكنسي. فقد منح البلغار إطاراً مؤسسياً مستقلاً نسبياً، وخلق حدوداً رمزية وتنظيمية قابلة للدفاع عنها وترجمتها سياسياً. لم تنشئ الإكسرخسية الأمة البلغارية من العدم، لكنها وفرت لها جهازاً تنظيمياً ولغة ومجالاً للتمثيل.[2]
جاء رد البطريركية المسكونية ليكشف أبعاد التحول. ففي مجمع القسطنطينية عام 1872، أُدينت “الإثنوفيلية”، أي تنظيم الكنيسة على أساس العرق أو القومية، باعتبارها انحرافاً عن كونية الكنيسة. اكتسب التشخيص الكنسي مصداقيته من التطورات اللاحقة، إذ أصبحت القومية جزءاً من التنظيم الديني. لم تنفصل الإدانة عن صراع السلطة داخل الأرثوذكسية، حيث دافعت البطريركية عن كونية كنسية تداخلت عملياً مع نفوذ يوناني واضح. صورة الانقسام الحقيقية ليست بين كنيسة نقية وقومية طارئة، وإنما بين تصورين متنافسين لوراثة مؤسسة دينية إمبراطورية، سعى أحدهما للحفاظ على الأرثوذكسية تحت مركز يوناني، بينما حولها الآخر إلى إطار قومي بلغاري. اعتبر كل طرف الآخر مسيّساً للدين، في حين أن المؤسسة بأكملها دخلت مرحلة لم يعد فيها ممكناً فصل الدين عن التمثيل.
انطوى مسار التحول على مفارقة مثيرة، إذ تجاور فيه الديني الكنسي والقومي العلماني. فإلى جانب الكنيسة عملت آلة أهدأ وأبطأ أثراً هي اللغة. في القرن التاسع عشر اتسعت أدوار اللغة من وسيلة تواصل أو عبادة فقط لتصبح أيضاً معياراً للانتماء وفاصلاً سياسياً متحركاً. برز ذلك بوضوح في الحالة اليونانية، إذ لم يكن النهوض اللغوي مجرد إصلاح ثقافي، بل كان قلب التحول القومي ذاته. سعى آدمانتيوس كورايس وجيل التنوير اليوناني إلى وصل اليونانية الحديثة بميراثها الكلاسيكي، كوسيلة لإعادة تأسيس هوية جماعية تستند إلى استمرارية تاريخية تمتد من اليونان القديمة إلى الحاضر. وتجسد هذا المسعى في مشروع “الكاثاريفوسا”، وهي لغة مصقولة تهدف إلى تنقية اليونانية من التأثيرات العثمانية والعامية، وتقديمها لغة راقية تصلح للإدارة والتعليم والكتابة الرسمية. لم يخلُ المشروع من توتر، إذ نشأ صراع بين الكاثاريفوسا واللغة الديموطيقية (العامية)، وهو صراع لم يقتصر على الجانب اللغوي، إذ أخذ بعداً اجتماعياً وسياسياً أيضاً، عكس الانقسام بين النخب المثقفة المتعلّمنة التي تبنت اللغة المصقولة، والجماهير التي استمرت في استخدام العامية. ساهم هذا التوتر في تعميق الجدل حول ماهية الأمة اليونانية، ومن يملك حق تمثيلها لغوياً وثقافياً.
لعبت الطباعة والتعليم دوراً محورياً في نشر هذا المشروع اللغوي، إذ انتشرت الكتب المدرسية والصحف والنصوص الأدبية التي أعادت صياغة التاريخ اليوناني ضمن سردية قومية حديثة تُبنى اجتماعياً وتُعاد صياغتها باستمرار. لم تعد اللغة مجرد أداة تواصل، بل وسيلة لإنتاج ذاكرة جماعية، وتحديد حدود الانتماء، وربط الأفراد بجماعة متخيلة تتجاوز الانتماء الديني الأرثوذكسي. لم يكن النهوض اللغوي في الحالة اليونانية مجرد تحديث لغوي، بل إعادة تعريف شاملة للجماعة: من أرثوذكسية عثمانية واسعة إلى أمة يونانية ذات نسب لغوي وتاريخي معين. ساعدت اللغة بفعالية على تخيل الأمة وصياغتها.[3]
سلك الصرب مساراً مشابهاً في الوظيفة، مختلفاً في التوقيت والبنية، إذ تشكل موقعهم الفكري والسياسي عند تقاطع التأثيرات الأوروبية العامة مع خصوصيتهم المحلية. تفاعلت النخب الصربية مع أفكار القومية والحرية التي انتشرت في أوروبا بعد الثورة الفرنسية، واستلهمت نماذج بناء الدولة الحديثة، مما أعاد تشكيل تصورهم لهويتهم الجماعية ضمن أفق أوروبي أوسع. وفر الإرث الكنسي الصربي وذكرى بطريركية بيتش ومركزية اللغة والطقس عناصر قابلة لإعادة التعبئة في هذا السياق. مع انتفاضتي 1804 و1815، اضطرت الدولة العثمانية إلى الاعتراف التدريجي بالحكم الذاتي للصرب. لا يمكن اختزال هذه التحركات في تدخل خارجي فقط، إذ كانت أيضًا نتيجة لطموح محلي لبناء كيان مستقل وتأثر النخب بصعود الفكر القومي الأوروبي. ومع ذلك، لم يبق هذا المسار محلياً بحتاً، بل تداخل تدريجياً مع حسابات القوى الكبرى التي رأت في المسألة الصربية مدخلاً لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. بذلك أصبحت الكنيسة جزءاً من مشروع دولة ناشئة، وتحول الصراع إلى تعبير عن تطلع قومي متأثر بالاتجاهات الأوروبية نحو السيادة، وفي الوقت ذاته إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الدولية، مما نقل القضية من إطارها العثماني الداخلي إلى فضاء التنافس الأوروبي.
تعد الحالة الألبانية الأكثر تعقيداً، وتكمن أهميتها عدم اختزال النموذج البلقاني في الصيغة الأرثوذكسية فقط. لم يمتلك الألبان كنيسة وطنية موحدة كما هو الحال لدى الصرب أو البلغار، ولم يعتمدوا على تقليد كتابي مستقر باللغة الألبانية. توزع الألبان بين الإسلام السني والبكتاشية والكاثوليكية والأرثوذكسية، وارتبط كل انتماء ديني بشبكات تتجاوز المجال الألباني. نتيجة لذلك، لم تصلح الملة في حالتهم أساسًا كافيًا لهوية جامعة؛ وما توفر للبلغار والصرب عبر الكنيسة كان على الألبان أن يبحثوا عنه في اللغة والجمعيات والمدارس وشبكات المهاجرين والتجار.[4]
أصبحت اللغة الألبانية المشترك الأدنى الذي يمكن البناء عليه، لكنها لم تكن مهيأة بعد. حتى مطلع القرن العشرين، كُتبت الألبانية بأبجديات متعددة: لاتينية ويونانية وعربية، ما يعكس الانقسام الديني والثقافي ذاته. لذلك اكتسبت محاولات التقعيد والتوحيد، وصولًا إلى مؤتمر مناستير عام 1908، أهمية تتجاوز الإصلاح اللغوي. لم يكن توحيد الأبجدية مسألة تقنية فقط، بل كان يهدف إلى خلق وسيط مشترك تقرأ الجماعة عبره نفسها كأمة واحدة، رغم اختلاف الدين والمناطق والولاءات المحلية. شكلت رابطة بريزرن عام 1878 نقطة تحول في هذا المسار. تداخل الدفاع عن الأراضي ذات الغالبية الألبانية بعد مؤتمر برلين مع خطاب يؤكد وحدة الألبان بغض النظر عن الدين. لم يكن هذا الخطاب وصفًا لواقع مستقر، بل كان برنامجاً سياسياً لإعادة ترتيب الولاءات؛ لذلك بقي في بداياته نخبوياً محدود الانتشار، لكنه كشف عن صيغة قومية مختلفة: لا تقوم على كنيسة جامعة ولا على تطابق بسيط بين الدين والأمة، بل على جعل اللغة والتاريخ المشترك بديلاً للانقسام الملي. لا تجعل هذه الخصوصية القومية الألبانية مدنية مكتملة بالمعنى الحديث، لكنها تجعلها أقل قابلية للاختزال في البنية الدينية مقارنة بجاراتها الأرثوذكسية.
لم تنتقل القومية من الكتب إلى الجماهير مباشرة. بقيت صناعتها في مراحلها الأولى نخبوية إلى حد كبير، حيث حملها مثقفون ورجال دين وتجار وموظفون وشرائح مدينية. وسع التعليم الأفق، لكنه لم يخلق جماهير قومية بشكل فوري. لم تكن المدرسة الإكسرخسية، ولا المدرسة اليونانية، ولا الجمعيات الألبانية، مصانع آلية للأمة، بل كانت قنوات بطيئة لنشر القراءة واللغة المعيارية والخرائط والكتب التاريخية وأسماء الأبطال وسرديات الأصل والمصير. في مجتمعات واسعة الأمية، كان أثرها محدوداً على المدى القصير، لكنه بالغ الأهمية على المدى الطويل: كل قارئ جديد يدخل عالماً رمزياً مختلفاً، يتضمن تاريخاً مشتركاً وحدوداً متخيلة واسماً جماعياً يخبره أن جماعته ليست طائفة دينية فقط، بل أمة تطلب الاعتراف.[5]
لم يبق العامة خارج العملية بالكامل. في العديد من المناطق، واجهت مشاريع البناء القومي مقاومة أو تردداً عندما بدت مهددة للعادات والأعراف المحلية أو الولاءات الملية أو مصالح الفلاحين اليومية. في مناطق أخرى، شارك الفلاحون والحرفيون والنساء بوسائل غير مباشرة، مثل دعم المدارس، وتمويل الجمعيات، وحماية رجال الدين المحليين، وتداول الأغاني والسير، أو المشاركة في انتفاضات بدأت اقتصادية ومحلية ثم اكتسبت معنى قومياً مع مرور الوقت. كان التحول في القاعدة بطيئاً ومتفاوتاً، لكنه كان شرطاً أساسياً لانتقال القومية من مشروع نخبوي إلى واقع اجتماعي أوسع.
أدت الذاكرة التاريخية دوراً فاعلاً، فلم تكن مجرد مخزن محايد للوقائع، بل ساحة صراع على المعنى. استدعاء اليونان القديمة وبيزنطة، أو الدولة الصربية الوسيطة ومعركة كوسوفو، أو بناء ذاكرة بلغارية حول النهضة والشهادة والثورة، لم يكن تذكراً بريئاً، بل كان ترتيباً انتقائياً للزمن: تضخم لحظات وتهمش أخرى، وتربط أحداث متباعدة في سردية واحدة تمنح الجماعة إحساساً بالاستمرارية والحق. الأمة لا تجد ماضيها كما هو، بل تعيد تأليفه؛ لا تخترعه من العدم، لكنها تنتقي منه ما يصلح حجة سياسية.[6]
تبرز هنا أهمية التصحيح الإثنو-رمزي ضمن إطار بنائي حديث. لم تكن الأمة كياناً قديماً مكتملاً استعاد وعيه فجأة تحت الحكم العثماني، ولا اختراعاً اعتباطياً بلا جذور. ما حدث في البلقان كان إعادة تصنيع سياسي لمواد أقدم مثل الطقوس واللغات والذاكرات والمؤسسات والنخب والأقاليم وسير القديسين والأبطال، حيث أعادت القومية تفسيرها ضمن مفاهيم الأمة والتمثيل والسيادة والحق في الأرض. لذلك يجب الحذر من تصورين: الأول يرى الأمة جوهراً قديماً ينتظر الصحوة ويمنح الماضي استمرارية مبالغاً فيها، والثاني يعتبرها اختراعاً نخبوياً بلا أساس، فيعجز عن تفسير قوة الرموز القديمة في التعبئة الحديثة. لم تبق الكنيسة مجرد مؤسسة دينية، ولم تبق اللغة مجرد وسيلة تواصل، ولم تبق الذاكرة مجرد تراث. تغيرت وظائفها ضمن أفق سياسي جديد: أصبحت الكنيسة ساحة للتمثيل، واللغة فاصلاً بين نحن و هم، والمدرسة جهازاً إنتاج قارئ قومي، والذاكرة سنداً أخلاقياً وتاريخياً للمطالبة بالأرض.
لم تكن أدوات الملة محايدة بالكامل، لكنها لم تكن قومية في الأصل، بل كانت بنى وسيطة قابلة لإعادة التوظيف. اعتمدت عليها الإمبراطورية لضبط التعدد، لكنها لم تتحكم في المعاني التي ستستخرج منها لاحقاً. عندما تغير أفق الشرعية، أعادت القومية ترتيب وظائف هذه الأدوات: ما كان يحفظ الجماعة داخل النظام أصبح يمكنها من تخيل نفسها خارجه، وما كان يضمن الاستقرار أصبح يبرر الانفصال. لا يعني ذلك أن الدولة سلحت رعاياها عمداً ولا أن التفكك كان نتيجة آلية لتعدد الكنائس واللغات، بل إن بنية التمايز التي صانتها الإمبراطورية أصبحت، في لحظة تاريخية محددة، قابلة لأن تقرأ أصلاً لحق سياسي مستقل.
لم تكن صناعة الأمة عملية داخلية خالصة. لم تُبن الأمة البلقانية في الكنيسة والمدرسة واللغة والذاكرة فقط، بل نشأت أيضًا تحت ضغط بيئة دولية أعادت تعريف «المسألة البلقانية» باستمرار. لم تكن القوى الأوروبية مجرد مراقب خارجي، بل كانت فاعلاً يشارك في الصراعات المحلية ويعيد ترميزها: دعمت روسيا القيصرية الحركات السلافية والأرثوذكسية في لحظات حاسمة، وارتبطت فرنسا وبريطانيا بمنطق حماية المسيحيين وموازنة النفوذ الروسي، بينما اعتبرت النمسا-المجر البوسنة وصربيا والأدرياتيك مجالات حيوية لأمنها الإمبراطوري. بذلك أصبحت كل كنيسة منشقة، وكل مدرسة قومية، وكل مطالبة بالاعتراف، مدخلاً محتملاً لتدخل خارجي، سواء عبر الحماية الدبلوماسية أو الدعم الثقافي أو الضغط السياسي أو حتى الحرب.[6]
بنيت الأمة إذاً من داخل الإمبراطورية وضدها في الوقت ذاته. استمدت عناصرها من عالم الملة دون أن تبقى ضمن لغته، استعارت الكنيسة واللغة والمدرسة والذاكرة، ثم أعادت تركيبها ضمن خطاب السيادة. عندما أصبح هذا الخطاب مفهوماً لدى العواصم الأوروبية، لم تعد المسألة البلقانية شأناً عثمانياً داخلياً، بل خرجت الأمة المصنوعة حديثاً من حدود الجماعة المحلية إلى ساحة التوازن الدولي. ومن صناعة الأمة ينتقل السؤال إلى تدويلها.
=
الهوامش
[1] تفيد أعمال رودوميتوف وكيتروميليديس وكرامبتون في الإجابة، إذ تقرأ الكنيسة الأرثوذكسية داخل العالم العثماني جهازاً وسيطاً لإدارة الجماعات وتمثيلها، أنتج هرماً منح اليونانية الفنارية موقع الوكيل عن الأرثوذكسية كلها. وداخل هذا الجهاز نفسه تفجر الجدل حول «الإثنوفيلية» مع تصاعد المطالب البلغارية بالاستقلال الكنسي: انقسم رجال الدين بين من رأى في تنظيم الكنيسة على أساس قومي استجابة لواقع اجتماعي جديد، ومن اعتبره تهديداً لكونية الكنيسة العابرة للأعراق. وبلغ الجدل ذروته في مجمع القسطنطينية عام 1872، حين صيغت الإدانة الرسمية للإثنوفيلية بدعة تخضع الكنيسة لمعيار قومي ضيق. لكن النزاع لم يحسم عملياً بقرار لاهوتي، إذ استمرت الإكسرخسية البلغارية ككيان مستقل، فحسم الجدل نظرياً لصالح كونية الكنيسة، وبقي مفتوحاً في الواقع، إذ فرضت القومية نفسها قوة تنظيمية جديدة داخل البنية الدينية. أي إن بنية الامتياز داخل الكنيسة هي التي أنتجت، بصورة معكوسة، مطلب الانفصال الكنسي القومي.
[2] تبين أعمال ماكريدج وكيتروميليديس أن اللغة لم تكن مجرد أداة تواصل أو عبادة، بل تحولت في القرن التاسع عشر إلى معيار للانتماء القومي، غير أن مسارها اختلف بوضوح بين المشروعين اليوناني. ففي الحالة اليونانية ارتبطت اللغة بمشروع ثقافي-نخبوي يسعى إلى إعادة وصل الحاضر بالميراث الكلاسيكي، حيث عمل مفكرو التنوير مثل كورايس على تنقية اللغة وإعادة صياغتها في شكل وسيط (الكاثاريفوسا) يقرّبها من اليونانية القديمة، بهدف إضفاء شرعية تاريخية وثقافية على الأمة الناشئة وربطها مباشرة بإرث أثينا وبيزنطة. كان هذا المشروع موجهاً أساساً إلى النخب المتعلمة، وسعى إلى خلق لغة معيارية تعكس هوية قومية متخيلة ذات جذور عميقة في الماضي الكلاسيكي، حتى لو أدى ذلك إلى فجوة بين اللغة المكتوبة واللغة المحكية. أما في الحالة الصربية فاتخذ المشروع اللغوي مساراً أكثر ارتباطاً بالواقع الاجتماعي: لا إحياء لغة كلاسيكية ولا تنقيتها وفق نموذج قديم، بل تقعيد اللغة المحكية نفسها وجعلها أساساً للهوية، وجمع الأدب الشعبي والأغاني الشفوية تعبيراً عن روح الأمة. وتداخلت اللغة الصربية مع الكنيسة والتراث الديني، لكنها استخدمت لتثبيت هوية حديثة تستند إلى الشعب مصدراً للشرعية، لا لإعادة إنتاج ماض كلاسيكي. يكشف هذا الفارق أن المشروع اليوناني كان بناء للأمة من الأعلى، عبر استحضار الماضي الكلاسيكي وصياغة لغة معيارية نخبوية، بينما كان المشروع الصربي بناء لها من الأسفل، عبر تقعيد اللغة الشعبية وربطها بالذاكرة الشفوية والتجربة التاريخية المباشرة.
[3] تشرح أعمال كلاير وسكندي وإلسي وتريكس خصوصية الحالة الألبانية: غياب كنيسة وطنية جامعة، وتعدد الانتماءات الدينية، وتشتت الكتابة الألبانية بين أبجديات مختلفة. لذلك اكتسبت اللغة، ثم توحيد الأبجدية في مؤتمر مناستير عام 1908، ورابطة بريزرن عام 1878، معنى سياسياً يتجاوز الإصلاح الثقافي إلى بناء وسيط قومي مشترك. ويمكن إضافة أن هذه الخصوصية جعلت المشروع القومي الألباني يعتمد بدرجة أكبر على شبكات غير رسمية وعابرة للحدود، مثل الجاليات في إسطنبول وبوخارست والقاهرة، حيث نشطت الطباعة والنشر والتعليم خارج رقابة الدولة المباشرة. كما أن غياب مؤسسة دينية مركزية أتاح مرونة في تعريف الهوية، لكنه في الوقت نفسه فرض تحدياً في خلق سلطة رمزية موحدة، فلجأت النخب إلى اللغة كأداة توحيد بديلة قادرة على تجاوز الانقسامات الطائفية. لم يكن توحيد الأبجدية خطوة تقنية، بل محاولة لإنتاج معيار ثقافي مشترك يضبط المجال العام الناشئ، ويمنح الخطاب القومي قابلية للانتشار والتداول بين فئات اجتماعية متباينة.
[4] يقدم ميروسلاف هروش نموذجاً ثلاثي المراحل لفهم انتقال القومية في الأمم الصغيرة: يبدأ بمرحلة الاهتمام العلمي والثقافي حيث تنشغل نخبة محدودة بجمع اللغة والتاريخ والتراث (المرحلة أ)، ثم ينتقل إلى مرحلة النشاط الوطني حين تسعى هذه النخبة إلى نشر الوعي القومي وتنظيمه (المرحلة ب)، وأخيراً يصل إلى مرحلة التعبئة الجماهيرية حيث تتسع القومية لتشمل قطاعات أوسع من المجتمع وتتحول إلى حركة سياسية (المرحلة ج)، بينما تساعد مقاربة أندرسون في تفسير أثر المدرسة والطباعة والخرائط والقراءة في تخيل الجماعة القومية. بهذا المعنى المدرسة والصحافة قنوات لتوسيع الخيال القومي.
[5] تنبثق المقاربة الإثنو-رمزية من نقد نظريات الحداثة، وتفسر نشأة الأمة عبر التركيز على العوامل الثقافية والرمزية المتجذرة في الجماعات الإثنية—كالأساطير والذكريات والقيم والتقاليد—بوصفها ركائز أساسية في تكوين الهوية القومية واستمرارها. ترى أن هذه العناصر لا تقتصر على توجيه تصورات النخب واستراتيجياتها، بل تسهم أيضاً في صياغة النموذج المثالي للأمة كما تتبنّاه الأيديولوجيات القومية الحديثة. وتعتمد هذه المقاربة على تحليل طويل الأمد للهويات الجمعية لفهم أنماط الاستمرارية والتحول، وربط الماضي بالحاضر في مسار تشكل الأمم. وفي هذا السياق، يعد أنتوني سميث هذه المقاربة تصحيحاً إثنو-رمزياً داخل الإطار البنائي الحداثي، مؤكداً أن القومية لا تبنى من فراغ، بل تعيد تعبئة رموز وذكريات ومؤسسات موروثة. وتدعم أعمال كاربات وميلوناس هذا الفهم في السياق العثماني والبلقاني، إذ توضح أن الانتقال من الملل إلى الأمم لم يكن صحوة جوهر قديم ولا اختراعاً اعتباطياً، بل إعادة توظيف مواد موروثة ضمن منطق الدولة القومية الحديثة.
[6] تضيء أعمال جيلافيتش ويوسماأوغلو البعد الدولي لصناعة الأمة البلقانية دون أن تجعل التدخل الأوروبي سبباً أوحد. ويوسماأوغلو خصوصاً، في دراسته لمقدونيا، يبين كيف تتحول المدرسة والكنيسة المحلية إلى رهانٍ في صراع القوى، فيغدو كل اعتراف ثقافي مدخلاً لتدخل سياسي عبر الحماية والدعم الدبلوماسي والضغط والحرب. وبذلك خرجت صناعة الأمة من نطاق الجماعة المحلية إلى بنية التوازن الدولي، وهو ما يمهد للقسم التالي: التدويل ليس طارئاً على صناعة الأمة، بل طورها الذي يحولها من مطلب محلي إلى ملف سيادة.
=
المصادر
Clayer, N. (2007). Aux origines du nationalisme albanais: La naissance d’une nation majoritairement musulmane en Europe. Karthala.
Crampton, R. J. (2005). A concise history of Bulgaria (2nd ed.). Cambridge University Press.
Elsie, R. (2005). Albanian literature: A short history. I. B. Tauris.
Hroch, M. (1985). Social preconditions of national revival in Europe: A comparative analysis of the social composition of patriotic groups among the smaller European nations. Cambridge University Press.
Jelavich, B. (1983). History of the Balkans: Eighteenth and nineteenth centuries. Cambridge University Press.
Karpat, K. H. (1973). An inquiry into the social foundations of nationalism in the Ottoman state: From social estates to classes, from millets to nations (Research Monograph No. 39). Center of International Studies, Woodrow Wilson School of Public and International Affairs, Princeton University.
Kitromilides, P. M. (1994). Enlightenment, nationalism, orthodoxy: Studies in the culture and political thought of south-eastern Europe. Variorum.
Kitromilides, P. M. (2013). Enlightenment and revolution: The making of modern Greece. Harvard University Press.
Mackridge, P. (2009). Language and national identity in Greece, 1766–1976. Oxford University Press.
Mylonas, H. (2019). Nation-building policies in the Balkans: An Ottoman or a manufactured legacy? Nations and Nationalism, 25(3), 866–887.
Roudometof, V. (2001). Nationalism, globalization, and orthodoxy: The social origins of ethnic conflict in the Balkans. Greenwood Press.
Smith, A. D. (1986). The ethnic origins of nations. Blackwell.
Yosmaoğlu, İ. K. (2014). Blood ties: Religion, violence, and the politics of nationhood in Ottoman Macedonia, 1878–1908. Cornell University Press.






عجبني الموضوع دا من بعد قرائه كتاب في سبيل التاج لمصطفى لطفي المنفلوطي