النظرية النقدية ومسألة التكنولوجيا: إعادة النظر في مدرسة فرانكفورت (2-5)
إعادة التفكير في التقنية: هل أصابت مدرسة فرانكفورت؟
تحتاج النظرية النقدية إلى إعادة نظر جدية في التقنية، لا كعنصر خارجي يضاف إلى الحياة الاجتماعية، وإنما كجزء من نسيجها، وعنصر يدخل في تكوين أنطولوجيا الاجتماعي ذاته (Lawson, 2018). قبل الانتقال إلى بديل آخر، يبرز خياران أساسيان. يقوم الأول على استعادة نظرية التقنية كما صاغها الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، ثم اختبار قدرتها على فهم تحولات الحاضر. أما الخيار الثاني فسيتضح في القسم التالي.
رغم الإشكالات التي كشفها النقاش السابق، لا يصح إسقاط أفكار مدرسة فرانكفورت الأولى بدعوى أنها فقدت راهنيتها. فالأدبيات الحديثة حول السلطة التكنوقراطية تؤكد، من زوايا متعددة، تصورهم للتقنية كتمدد شامل للعقلانية الأداتية. صحيح أن اهتمامهم انصب أساسا على توسع النزعة الصناعية، بينما تغيرت طبيعة التقنية جذريا في العصر الرقمي ما بعد الصناعي. وتكشف التحولات الهائلة في الأسس التقنية للمجتمع المعاصر أن التقنية لا تستقر على صورة واحدة، وأنها تتحرك داخل تبدل دائم. غير أن هذا التبدل نفسه يفسر قدرتها على التحول إلى شكل رئيسي من أشكال السيطرة.
استمد نقد مدرسة فرانكفورت للتقنية جاذبية واسعة في الدراسات المعاصرة، لأن مركزه كان العقلانية الأداتية وما يتصل بها من أنماط السلطة التكنوقراطية. تظهر هذه الجاذبية بوضوح في أطروحة بيري (2014) عن الانتقال من “صناعة الثقافة” إلى “الصناعات الحاسوبية”. يسعى بيري إلى نقل النظرية النقدية إلى العصر الرقمي لفهم جدل التقنية بين طاقتها على الدمقرطة وميلها إلى الكلية والاحتواء. يلتقط عمله ازدواجية مدرسة فرانكفورت نفسها: تظهر التقنيات الرقمية كعقلانيات حسابية، لكنها تجاوزت الاستخدام الأداتي المحض في الإنتاج وتخزين المعلومات. فهي تمنح قدرة وتمكينا، وفي الوقت نفسه يمكن أن تتحول إلى أدوات للتشييء، وإلى قاعدة لأنماط جديدة من الحكم وإدارة السلوك (Berns & Rouvroy, 2013).
يحضر هذا المنظور أيضا في أدبيات معاصرة تستعيد نقد مدرسة فرانكفورت للتقنية. يرى سيمور (2019) أن العالم الديستوبي لرأسمالية المنصات يقوم على انتزاع الخصوصيات الوجدانية والفردية لمستخدمي المنصات، ثم إعادة تغليف رغباتهم وآمالهم وتعبيراتهم التواصلية في هيئة خبرة سلعية. يظهر تويتر لديه قريبا من «آلة التغريد» في لوحة بول كليه: تركيب يمزج الإنسان بالآلة داخل اصطناع يعيد إنتاج التسليع والأداتية والاستخراج من تلقاء نفسه.
على نحو قريب، يعيد جيمس برايدل في العصر المظلم الجديد(2018) بناء مقاربة التقنية في جدل التنوير داخل العالم الرقمي الراهن. المفارقة الساخرة في قراءته أن اتساع تعرضنا للمعلومات يضعف، بالقدر نفسه، قدرتنا على التمييز بين الحقيقة وما بعد الحقيقة. فالمنطق الذي يجعل انتشار المعلومات بالغ السهولة يقطع صلتنا بالاستقصاء النقدي. وما بدا دمقرطة لتبادل المعلومات يتحول، في قراءته، إلى تسريع لاستحواذ النخب على عمليات هذا التبادل. فإجراءات نشر الكتب والمقالات، رغم صعوبة الوصول إليها بالنسبة إلى كثيرين، تبقى مفهومة في مبدئها، أما الخوارزميات التي تسند المنصات الرقمية فلا يفهمها ولا يحدد مسارها إلا نطاق ضيق من الخبراء.
يدفع عرض برايدل ثيمتين مركزيتين أخريين في مدرسة فرانكفورت إلى داخل العصر الرقمي. فعند أدورنو، تمثل العطب المؤسس في فكر التنوير في صعود تفكير الهوية، ذلك النمط الذي أخضع الجزئي لهيمنة المفهوم. أما في قراءة برايدل، فقد أطلق عصر المعلومات صعود التفكير المعلوماتي: الاعتقاد الخاطئ بأن كل مشكلة قابلة للحل عبر أنظمة حاسوبية متى أمكن جمع ما يكفي من البيانات.
كتب هوركهايمر أن التنوير اختزل الطبيعة إلى كومة من الأشياء (1993: 81)، ورأى ماركوزه أن الحداثة التقنية أفضت إلى صعود القبلي التقني (Marcuse, 1964) . وعلى الخط نفسه، يجادل برايدل بأن عصر المعلومات ينتج ذواتا ترى العالم في صورة قابلية حاسوبية وبيانات خام. وبما أن البيانات تمثيل مجرد وهش لثراء الواقع الاجتماعي، فإن خبرتنا الفينومينولوجية بالعالم الاجتماعي، ومعها قدرتنا على إدراك كثافته وقيمته، تنكمش تدريجيا (Bridle, 2018: 43).
حين تقرأ هذه المقاربات لتحول التقنية وامتدادها إلى الطبقات الداخلية للذاتية، يتبدى إحساس قدري بحتمية تقنية تعمل في العمق، قريب من “القفص الحديدي” للعقلنة عند فيبر. غير أن النظرية النقدية لا تفسر تحول المجتمع بفعل التقنية عبر التقنية وحدها. فالعصر الرقمي يفهم أساسا كنتاج للرأسمالية، مع انشداده أيضا إلى قوى مضادة. ومع أن أصول الإنترنت لا تنبع تحديدا من الرأسمالية، فإن تطوره جرى داخل بناها، وصار مدفوعا، إلى حد بعيد، بإكراهات التراكم الرأسمالي.
يساعد تحليل زوبوف لرأسمالية المراقبة على إبراز خصوصية هذه العلاقة. فهي تجادل بأن الاقتصاد الرقمي أنتج شكلا جديدا من الرأسمالية قائما على المراقبة. تراكم البيانات الضخمة، في قراءتها، يولد فائضا سلوكيا لا يستخدم للتنبؤ بالسلوك الإنساني وحده، وإنما لتعديله أيضا (Zuboff, 2019: 8). والنتيجة سلعة من نوع جديد: يقدم المستخدم مادتها الأولية في صورة بيانات سلوكية، ثم تعاد هذه البيانات إلى النظام كي يتوقع سلوك المستخدم نفسه ويوجهه.
تستعيد أطروحة زوبوف أحد المحاور الأساسية في النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: تحويل السلطة التكنوقراطية إلى سلعة. فرأسمالية المراقبة تنتج نمطا جديدا من السلطة تسميه زوبوف “الأداتوية”. وتمارس هذه السلطة قبضتها على المجتمع عبر منظومة معقدة من الأجهزة الذكية المتصلة شبكيا. تبدو الرأسمالية الجديدة ما بعد صناعية في شكلها، لكنها تظل رأسمالية في منطقها. فالسكان بأكملهم، مستخدمو غوغل وفيسبوك وأمازون وسواها، يقدمون المادة الخام، وهذه المادة في واقع الأمر، هي حياتهم نفسها. ولا يبتعد ذلك كثيرا عن تصور ماركوزه لـ”المجتمع ذي البعد الواحد”، وفيه يواصل العمال خدمة الرأسمالية عبر الاستيلاء على وقتهم الحر، حين تتحول أوقات الفراغ إلى امتداد للعمل.
يعد كريستيان فوكس منظرا آخر نجح في توظيف ثيمات مدرسة فرانكفورت لمواجهة تحديات المجتمعات التقنية المعاصرة. ففي النظرية النقدية للتواصل (2016)، يشدد فوكس على أن نظرية هابرماس في الفعل التواصلي (Habermas, 1986, 1988) عاجزة عن تفسير القوى المتشابكة الكثيرة التي تؤثر في المجال التواصلي داخل عصر المعلومات الرقمي. لذلك يعود فوكس إلى ماركوزه وأدورنو ولوكاتش كي يبني نظرية جدلية في التواصل.
مع ذلك، لا يكتفي فوكس باستعادة الفهم التقليدي للتقنية داخل مدرسة فرانكفورت، وإنما يسعى إلى تجاوزه. فهو يلح على ضرورة الانخراط مع أعمال أقل شهرة للوكاتش، مثل أنطولوجيا الوجود الاجتماعي (1978)، ومع طيف من المفكرين الذين لا يدرجون عادة ضمن تقليد مدرسة فرانكفورت: فيغوتسكي، بودريار، وويليامز. هكذا يحافظ فوكس على رهان واضح على الجهاز النظري النقدي في مقاربة التقنية، لكنه يوسع هذا الجهاز خارج حدوده الكانونية وأسمائه المألوفة.
تبين الأدبيات المتعددة التي نوقشت في الصفحات السابقة أن كتابات مدرسة فرانكفورت عن التقنية ما زالت وثيقة الصلة بأوضاع الحاضر المختلفة. فقد أظهرت تلك الكتابات أن التقنية غير محايدة؛ فهي تتشكل داخل المجتمع وتتحرك تحت دفع الرأسمالية. فالشركات الرقمية الكبرى جميعها مؤسسات رأسمالية، والقوة التي تحركها هي إلزام الربح.
غير أن الاعتراف بقوة التقنيات الرقمية الواسعة لا يبيح التعامل معها كأنظمة كلية للسيطرة. عند هذه المسألة تظهر ثغرة في النظرية النقدية؛ فهي لا تقدم ما يكفي لفهم الكيفية التي يمكن عبرها ضبط السلطة التكنوقراطية، ومقاومتها، وإعادة توظيفها من طرف عموم نقدي فاعل. ومع ذلك، تحتفظ النظرية النقدية بسمتها الخاصة: إدخال منظور معياري إلى تحليل السيطرة، حتى إن ظل غامضا كيف يستطيع النظام المعياري للمجتمع أن يفرض نفسه على رأسمالية المراقبة وأشكال التقنية التي أنشأتها.
تزداد الصعوبة لأن أي بدائل ستضطر إلى استعمال أشكال تقنية قريبة من تلك التي تسعى إلى نقدها أو تقييدها. فمحاولة إخضاع عمالقة رقميين مثل فيسبوك لرقابة ديمقراطية تمارسها الدولة الدستورية، عبر تشريعات تتعلق بالخصوصية والجريمة والاستخدام السياسي للبيانات، تصطدم بحقيقة أن الدولة نفسها تتعرض للتقويض على يد القوى التي تريد ضبطها. وكما جادل ماركوزه في الإنسان ذو البعد الواحد، فالتقنية لا تقف خارج المجتمع؛ إنها متموضعة داخل شروط اجتماعية محددة، وضمن علاقة تربط العلم والتقنية ونمط الإنتاج.
لذلك دعا ماركوزه إلى حساسية جديدة: طريقة مغايرة في التعامل مع العالم عموما، ومع الأشياء التقنية التي تتكاثر داخل المجال الاجتماعي خصوصا. فالتقنية عنده لا تملك حيادا تجاه النظام الاجتماعي، ولا تحمل خيرا أو شرا في ذاتها. وما تزال التقنيات الرقمية تختزن إمكانا تحرريا ملموسا: توسيع التبادل التواصلي، وتقليص العمل الشاق غير الضروري، والحد من المعاناة. مهمة النظرية النقدية أن تنتزع هذه الإمكانات من منطق السيطرة الذي تتموضع داخله، والذي تعمل الآن، بدرجة كبيرة، على إدامته.
يمكن توظيف التطبيقات الرقمية، كتلك التي تعتمدها أمازون وأوبر وفيسبوك، في أغراض نافعة وضارة معا. فرأسمالية المراقبة قادرة، بلا شك، على التلاعب بسلوك المستخدمين عبر ممارسات خفية، كثيرا ما تخالف القانون. وحين يمتد هذا التلاعب إلى سلوك الناخبين، كما في شراء الأحزاب السياسية إعلانات على فيسبوك، ينفتح مجال جديد يفرض تحديات ثقيلة على الديمقراطية.⁷
ورغم قابلية التقنية الرقمية للتحول إلى أداة سيطرة، فإن تطبيقاتها متعددة، فهي تستطيع أيضا أن تيسر عقلانية نقدية بالقدر ذاته الذي تستطيع فيه تمكين عقلانية تقنية شاملة. لذلك تحتاج النظرية النقدية إلى إعادة بناء نظريتها في التقنية، لأن تحليلها القائم لا ينسجم تماما مع فكرتها الأساسية عن النقد المحايث، كما سيتضح في القسم الخامس.
هامش :
7. See Chun (2006), Fuchs (2018), Frischmann and Selinger (2018).
المصادر
Lawson C (2018) Technology and Isolation. Cambridge: Cambridge University Press.
Berry D (2014) Critical Theory and the Digital. London: Bloomsbury.
Berns T, Rouvroy A (2013) Algorithmic governmentality and prospects of emancipation: Disparateness as a precondition for individuation through relationships? Reseaux 177: 163–196.
Seymour R (2019) The Twittering Machine. London: Indigo Press.
Horkheimer M (1993) Reason against itself: Some remarks on Enlightenment. Theory, Culture & Society 10(2): 79–88.
Marcuse H (1964) One-Dimensional Man. London: Routledge & Kegan Paul.
Bridle J (2018) The New Dark Age: Technology and the End of the Future. London: Verso.
Zuboff S (2019) The Age of Surveillance Capitalism. London: Profile Books.
Fuchs C (2016) Critical Theory of Communication. London: Westminster University Press.
Habermas J (1986) The Theory of Communicative Action, Vol. 1: Reason and the Rationalization of Society. London: Polity Press.
Habermas J (1988) The Theory of Communicative Action, Vol. 2: Critique of Functionalist Reason. London: Polity Press.
Lukács G (1978) Ontology of Social Being. London: The Merlin Press.



