جيمس سي. سكوت وفن المقاومة
قال عالم السياسة الراحل إن على القرّاء ألّا يبحثوا عن مقاومة الأنظمة السلطوية في الطليعة الثورية، بل في أفعال العصيان الهادئ.
في كتابه "مديح الفيضانات" (منشورات جامعة ييل)، يقدّم عالم السياسة الراحل جيمس سي. سكوت دراسة غير تقليدية عن الأنهار، تصدر في أعقاب عام شهد فيضانات كارثية حول العالم. ففي ربيع العام الماضي، رفعت الأمطار الغزيرة منسوب نهري سان جاسينتو وترينيتي في شرق تكساس لأكثر من 12 قدمًا فوق مستوى الفيضان، ما أجبر الآلاف على إخلاء منازلهم. وفي سبتمبر، خلال إعصار "هيلين"، اجتاح نهر "فرينش برود" الممرات التجارية في آشفيل بولاية نورث كارولاينا، مدمّرًا مطاعم ومصانع جعة ومتاجر ومساكن. وفي أكتوبر، فاضت أنهار "ماغرو" و"خوكر" و"تورّيا" في منطقة فالنسيا الإسبانية، ما أسفر عن مقتل 232 شخصًا.
لكن سكوت يطلب منا أن ننظر إلى ما هو أبعد من هذه الكوارث. فالتركيز على الخسائر البشرية الناجمة عن الفيضانات، برأيه، يعكس نظرة أنثروبوسنتريّة ضيّقة (متمركزة حول الإنسان). قد تكون الفيضانات، "بالنسبة للبشر"، من أكثر الكوارث الطبيعية تدميرًا على الإطلاق، لكنها، من منظور هيدرولوجي طويل الأمد، ليست سوى "نَفَس عميق يتنفسه النهر، كما ينبغي له".
فالفيضان الموسمي، المعروف باسم "نبضة الفيضان"، يحمل مغذيات حيوية للكائنات التي تعتمد على النهر. وكما يكتب سكوت: "من دون هذا الاجتياح السنوي للسهل الفيضي، يصبح مجرى النهر – تلك الخطوط المرسومة على الخرائط – شبه ميت بيئيًا". أو كما يختصرها في موضع آخر من الكتاب: "لا فيضان، لا نهر".
يصعب تخيّل أحد الناجين من الفيضانات يقرأ هذه العبارات دون أن يعترض، تمامًا كما يصعب تصوّر نازح من "باسيفيك باليسيدز" يطالع كتابًا بعنوان مديح الحرائق. لكن جيمس سي. سكوت لا يتجاهل الأذى الذي يمكن أن تُحدثه فيضانات الأنهار لسكان ضفافها. فهو إذ يحتفي بالفَيضان الدوري، يُحذّر في الوقت نفسه من تكلفة التدخل البشري. فالسدود والجدران العازلة قد تقلّل من تكرار الفيضانات، لكن التآكل وإزالة الغابات يجعلان تلك الفيضانات، حين تحدث، أكثر تدميرًا. "كلما كنتَ أكثر تحضّرًا، كنتَ أقل قدرة على الصمود".
يُقدّم مديح الفيضانات خلاصة فكرية أخيرة لمسيرة بحثية طويلة نذرها سكوت لقلب المُسلّمات السائدة. فقد أمضى خمسةً وأربعين عامًا في قسم العلوم السياسية بجامعة ييل، وظل يُدرّس هناك حتى سنوات قليلة قبل وفاته في يوليو الماضي، عن 87 عامًا. غير أن اهتماماته تجاوزت حدود تخصّصه الأكاديمي. بدأ سكوت كخبير في شؤون جنوب شرق آسيا المعاصرة، لكن في لحظة كان يحقق فيها الاعتراف الأكاديمي، غامر بمستقبله وانتقل إلى ماليزيا لإجراء دراسة إثنوغرافية عن الحياة القروية. وهناك، بدأ يُؤسّس لبرنامج الدراسات الزراعية في ييل، منفتحًا على دراسة المجتمعات الريفية حول العالم.
ومع نهاية مسيرته، ابتعد سكوت عن العمل الميداني المباشر، وبدأ في كتابة أطروحات واسعة النطاق حول التاريخ البعيد، لكنها مع ذلك كانت تُقارب بعضًا من أعقد أسئلة السياسة في زماننا.
ورغم أن خلفيته اليسارية كانت معروفة، فإن أشهر كتبه، رؤية الدولة (Seeing Like a State)، وهو نقد لاذع للمشاريع الحكومية الضخمة المصممة لتحسين الرفاه، نال ترحيبًا حارًا من اليمين الليبرتاري. وعندما كان يُسأل عن تصنيفه الفكري، كان يراوغ أحيانًا ويقول مازحًا: "أنا ماركسي بدائي، مع التشديد على كلمة 'بدائي'". وكان يُوصف بأنه "أنثروبولوجي بالمجاملة"، نظرًا لافتقاده للتكوين الأكاديمي الرسمي في هذا الحقل. وفي سنواته الأخيرة، اقترب من الفكر الأناركي، وإن كان على طريقته الخاصة، إذ لم يمنحه أكثر من "هتافين من أصل ثلاثة".
حرص سكوت على تنمية هذا الانفتاح الفكري في طلابه. فأنشأ ورشة عمل أسماها "الحاضنة"، شجع فيها طلاب الدراسات العليا على عرض أفكارهم الخام وغير المكتملة، لتطوير نزعتهم نحو المجازفة. وكان داعمًا قويًا ومستمرًا لمشروع استمر عقودًا لتأسيس اتحاد لطلبة الدراسات العليا في ييل.
أما في حياته الشخصية، فجرّب الزراعة، رغم أنه وصف نفسه بأنه "مزارع متوسّط الكفاءة"، وكان أحيانًا يجلب البيض إلى قاعات الدرس.
كانت حياة العاملين في الزراعة محورًا مركزيًا في أعمال جيمس سي. سكوت. فصغار الفلّاحين حول العالم، خصوصًا خلال القرن العشرين، عاشوا تحوّلات هائلة، وتعرّضوا لتجارب كبرى – وغالبًا كارثية – من قِبل الدول الرأسمالية والشيوعية على حدّ سواء. في العهود الاستعمارية وما بعدها، فُرضت عليهم زراعة المحاصيل النقدية، وتكبّدوا ضرائب باهظة. أما في ظلّ حكم ستالين وماو، فقد أدّت تجارب الزراعة الجماعية إلى مجاعات مدمّرة. ما أراده سكوت هو فهم كيف استجابت هذه المجتمعات الريفية لتلك الزلازل السياسية والاجتماعية.
لطالما اعتُبر الفلاحون فئة مطيعة وساكنة. لكن سكوت رأى فيهم غير ذلك. كان يبحث عن "المعرفة المحلية الضمنية" التي تتجاهلها الدول في مشروعاتها الضخمة لإعادة تشكيل المجتمعات، وكان يرى في أفعال العصيان الصغير نمطًا مستترًا من المقاومة، قد يتطوّر – في لحظات بعينها – إلى تمرّد مفتوح.
في أعماله المتأخرة، لم يتردّد سكوت في تصوير من سمّاهم بـ"البرابرة" الذين عاشوا على هامش الدولة، متفلّتين من أنظمة العمل الإجباري، ويقودون غارات جريئة على مخازن الحبوب. وكان سكوت ذاته، من نواحٍ كثيرة، يشبه هؤلاء البرابرة، إذ لطالما وجّه ضرباته نحو الإجماع السائد بشأن قيمة الدولة، بل ومفهوم الحضارة نفسه.
بدأت علاقة سكوت بجنوب شرق آسيا في مطلع العشرينيات من عمره. وُلد في جنوب نيوجيرسي عام 1936، وتلقّى تعليمه في مدرسة كويكرية (ذات توجهات سلمية–دينية)، قبل أن يلتحق بكلية ويليامز. وهناك، شجّعه أحد الأساتذة على دراسة بورما، المعروفة اليوم باسم ميانمار. وبعد تخرّجه، حصل على منحة روتاري، وسافر إلى بورما عام 1959. تنقّل في أنحاء البلاد على دراجة نارية طراز "ترايمف 1940"، واستقر في النهاية بجامعة ماندالاي، حيث درس اللغة البورمية لمدة خمسة أشهر. تلك الرحلة كانت نقطة الانطلاق لاهتمامه العميق بجنوب شرق آسيا، والفلاحين، وتكوّن الدولة.
خلال إقامته في الخارج، كتب جيمس سي. سكوت تقارير عن السياسة الطلابية في بورما لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (C.I.A.)، كما شارك في أنشطة "الاتحاد الوطني للطلبة الأميركيين" (U.S.N.S.A)، الذي كان حينها بؤرة للنشاط الطلابي العالمي. وبحسب الباحثة السياسية كارن باجيت، فإن ارتباط سكوت بالاستخبارات كان عابرًا، لكن تجربته مع الاتحاد الطلابي الأميركي أيقظت اهتمامه بالسياسات الراديكالية. فقد كانت تلك الحقبة هي زمن "العالم الثالثوية" (Third Worldism)، حيث بدأت دول تخلّصت حديثًا من الاستعمار بالتكتّل في تكتلات سياسية، كثير منها تحت لواء الاشتراكية غير المنحازة.
رافق سكوت الاتحاد في رحلات إلى سنغافورة، حيث التقى بممثلين عن اتحاد الطلاب الاشتراكيين، وإلى إندونيسيا، حيث تعرّف على قادة اتحاد الطلاب الشيوعيين، وهم من سيتعرّض كثير من أعضائهم لاحقًا للقتل خلال مجازر التطهير المناهضة للشيوعية في البلاد عام 1965.
وفي الستينيات والسبعينيات، كانت حرب فيتنام محورًا للقلق السياسي والنقاش الأكاديمي. الدور القيادي الذي لعبه الفلّاحون الفيتناميون الفقراء في الحرب دفع سكوت للتساؤل: ما الذي يدفع الفلاحين إلى التمرّد؟ ومن هذا السؤال وُلد أول كتبه الكبرى الاقتصاد الأخلاقي للفلاح (1976)، مستلهمًا مفهوم "الاقتصاد الأخلاقي" من المؤرخ اليساري البريطاني إي. بي. تومبسون.
في هذا الكتاب، رسم سكوت عالَمًا من التعاون المتبادل، يبنيه الفلاحون – موضوعه كان جنوب شرق آسيا، لكن استنتاجاته كانت أوسع – من أجل تجنّب الجوع. كان هؤلاء يعتمدون على ما سمّاه "أخلاق الكفاف"، وهي قاعدة تقوم على مبدأ "السلامة أولًا"، حيث تحظى القدرة على الوصول إلى الطعام وضرورات الحياة بالأولوية على تعظيم الربح. وإذا ما تعرّض هذا النسيج الهشّ من العلاقات الاقتصادية للاهتزاز، فإن النتيجة قد تكون المجاعة، وانهيار الثقة الاجتماعية.
كان هذا الانهيار في نسيج الاقتصاد الفلاحي قد وقع بالفعل في فيتنام وبورما أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، عندما بدأت السلطات الاستعمارية تتدخّل في حياة الفلاحين، فخصخصت أراضي القرى والغابات ومصائد الأسماك، وفرضت ضرائب قاسية ومتعددة. هذه السياسات زعزعت التوازن الدقيق الذي مكّن الفلاحين من البقاء. وعندما ضرب الكساد الكبير هذه البلدان عام 1930، وأثقل كاهل صغار المزارعين أكثر فأكثر، انفجرت موجة من المقاومة الشعبية. خرجت جموع من الآلاف أحيانًا، وهاجمت الدولة الاستعمارية. وفي سلسلة من الانتفاضات وسط فيتنام، يكتب سكوت: "دُمّرت المكاتب الإدارية وسُجلات الضرائب، وأُحرقت مكاتب البريد ومحطات القطارات والمدارس، وتعرضت مستودعات الكحول للنهب، واغتيل مسؤولون متعاونون، ودُمرت نقاط حراسة الغابات، وسُرقت مخازن الأرز، واستُهدفت قافلة ملح واحدة على الأقل".
صدر كتاب الاقتصاد الأخلاقي للفلاح في وقت كانت فيه الأحداث السياسية تُطيح بآمال كثيرين علّقوها على الثورة في العالم الثالث. فالدول ما بعد الاستعمارية والاشتراكية التي وُلدت لمواجهة الاستبداد الكولونيالي سرعان ما أظهرت هي الأخرى ملامح من القمع والقسوة. دولة تلو أخرى تبنّت مشاريع طموحة لتحسين الرفاه، من "القفزة الكبرى للأمام" في الصين إلى مشروع "أوجاما" في تنزانيا بقيادة جوليوس نيريري، الذي سعى لإعادة توطين الفلاحين في قرى مخططة. لكن هذه المشاريع كانت تتطلب غالبًا عملًا قسريًا، وتقلّل من المشاركة الشعبية، وأدّت في بعض الأحيان إلى المجاعة.
وحين اندلعت تمردات فلاحية، جوبهت بالقمع حتى في بلدان ديمقراطية ظاهريًا، كالهند مثلًا، حيث قامت الحكومة بسحق انتفاضات "الناكساليت" في ولاية البنغال الغربية بالقوة.
وفي ما بعد، اعترف سكوت بأنه أصبح "مُحبطًا من الطريقة التي تنتج بها الثورات دولة أقوى من سابقتها، وأكثر قمعًا منها".
كتابه الرابع، أسلحة الضعفاء (1985)، شكّل انعطافة حاسمة، وعبّر عن خيبة أمل متزايدة من السياسات الثورية. ففي عام 1978، انتقل سكوت مع زوجته لويز وأطفالهما الثلاثة من كونيتيكت إلى قرية نائية في ولاية قدح، سلة أرز ماليزيا، أملًا في مراقبة الصراع الفلاحي عن قرب.
وفي ماليزيا، كما في أماكن أخرى في جنوب شرق آسيا، كان الحلم الثوري يتلاشى أمام أشكال جديدة من سلطة الدولة، لم تكن أقل تدخّلًا من الأنظمة الاستعمارية السابقة. وفي إطار ما عُرف بـ"الثورة الخضراء"، أدخلت الحكومة الماليزية آلات زراعية ومحاصيل نقدية لزيادة الإنتاج، لكنها غيّرت بنية الاقتصاد الفلاحي بطريقة أثارت استياءً كبيرًا بين الفقراء الريفيين.
ذهب جيمس سكوت إلى ماليزيا بحثًا عن التمرّد. لكنه لم يجد انتفاضات أو تمردات صريحة، بل سلسلة من الأفعال الصغيرة والمواربة: "التباطؤ، التمويه، الهروب، الطاعة الزائفة، السرقة، التظاهر بالجهل، الافتراء، الحرق، التخريب". وراء الواجهة المنضبطة والاحترام الظاهري الذي يبديه الفقراء، كان ثمة عصيان خفيّ: قرويون يستولون على أراضٍ لا يملكونها، يسرقون طعامًا أو نقودًا، يرفضون العمل أو يتعمدون العمل ببطء، ويعطبون الآلات الزراعية سرًا.
روى أحد الرجال في ولاية قدح لسكوت أنه يعرف تمامًا كيف يزرع سلكًا شائكًا ومسامير داخل مثقب لتعطيل الحصادة الآلية. كما قصّ عليه كيف أن بعض القرويين طوّقوا حصادة مملوكة لتحالف تجاري صيني، ثم سكبوا الكيروسين على محركها وغرفتها، وأشعلوا فيها النار.
أطلق سكوت على هذه الأفعال اسم "المقاومة اليومية"، واعتبرها الشكل الأكثر شيوعًا للمقاومة في وجه المجتمعات القمعية. فالتمرد المنظّم نادر. أما الخضوع العلني المقرون بالسخط الصامت، فهو القاعدة لا الاستثناء.
لكن في أسلحة الضعفاء، يتسلل شعور بالعبث أو القدرية. فقد كان الفلاحون في قدح يدركون تمامًا أنهم لا يملكون وسيلة حقيقية لهزيمة الدولة. كان أملهم الوحيد هو تأخير التهديد أو التخفيف من وطأته. ومع ذلك، بدأ سكوت يعتقد أن هذه الاحتجاجات الخافتة هي الأهم، بل الأكثر فاعلية في بعض الحالات. لاحقًا، أطلق عليها اسم "السياسة التحتية" (infrapolitics) – أي السياسة التي تجري خارج نطاق الرؤية.
على امتداد التاريخ، يكتب سكوت، لم تكن مقاومة السلطة تتم دائمًا عبر التظاهر العلني – وهو ما قد يعني الموت تحت الأنظمة الاستبدادية – بل عبر أفعال خفية تُراكم حالة من الاحتجاج الرمزي. ففي كتابه الهيمنة وفنون المقاومة (1990)، روى كيف أن الدول الأوروبية في القرن الثامن عشر بدأت بالاستحواذ على الغابات التي كانت ملكًا مشاعًا، فاستمر الفلاحون في إنجلترا وفرنسا بالدخول إليها لجمع الحطب أو رعي الحيوانات، رغم تجريم هذه الأفعال. كانوا يرون أن حقوقهم العُرفية قد سُلبت بقرار سلطوي جائر، وكانوا مستعدين للمقاومة – ولو بالصمت والتخفي – دفاعًا عما اعتبروه حقوقًا مكتسبة.
دعوة سكوت للبحث عن المقاومة في الأماكن التي لا تَظهر فيها تقلب تراتبية "الظاهر" و"الخفي" رأسًا على عقب. لا تكتفِ، كما يقول ضمناً، بمراقبة آلة الدولة القامعة، أو ملاحظة خضوع الناس الظاهري للسلطة. بل انظر إلى ما يبدو تافهًا وغير مهم. هناك، في الهامش، تجري معظم أشكال المقاومة. انظر إلى الشائعات، والنميمة، والاستعارات، والتعبيرات المواربة، والحكايات الشعبية – كل أدوات الجماعات التابعة التي تُخفي بها رفضها. فهذه ليست مجرد طرق للامتثال للسلطة، بل وسائل للنجاة، للاستمرار في الحياة… والقتال في يوم آخر.
وكان سكوت يؤمن أن هذه الديناميكية لا تخصّ الفلاحين وحدهم، بل هي سمة كونية، حاضرة في كل المجتمعات.
كان تعاطف جيمس سكوت مع مقاومة الدولة، وشكّه الفطري في أي مشروع يأتي من الأعلى، يمثلان في النهاية ما بدأ يُسمّيه بـ"الأناركية" (الفوضوية) كموقف سياسي. لكنه، بخلاف الأنثروبولوجي الراحل ديفيد غريبر – أحد مؤسسي حركة "احتلوا وول ستريت" – لم يكن ناشطًا أناركيًا. فقد ابتعد منذ وقت طويل عن الحركات الاجتماعية، ولم يقدّم أطروحات استراتيجية أو دعوات مباشرة للتنظيم. ومع ذلك، كان يشترك مع غريبر في رؤية نظرية لا تُسلّم بأن "الحضارة" هي خير طبيعي مفترض.
فجزء كبير من التاريخ البشري جرى خارج إطار الدولة، وكمٌّ لا بأس به منه – إذا نظرنا إليه من خلال ما أسماه سكوت بـ"النظرة الأناركية" – كان في الواقع مقاومة مباشرة للدولة. وهذا يعني، بحسبه، أنه عند دراسة كيفية عمل الدول، حتى عندما تسعى لتحسين حياة الناس، نجد أنها غالبًا تتجاهل ما يقوم به الناس بأنفسهم، بوسائلهم الخاصة، للبقاء على قيد الحياة أو للعيش بحرية بعيدًا عن القسر.
هذا التوجّه كان في قلب كتابه الأشهر رؤية الدولة (Seeing Like a State)، وهو سلسلة من دراسات الحالة لمشروعات هندسة اجتماعية حداثية نفّذتها دول قومية في القرن العشرين. من أبرز الأمثلة – والأقرب إلى القارئ الأميركي – مشروعات تخطيط المدن الضخمة التي عارضتها بشدة الكاتبة والناشطة الحضرية جاين جاكوبز. لكن سكوت لم يتوقف عند هذا الحد؛ فقد تناول أيضًا الغابات العلمية الألمانية، والزراعة الجماعية في الاتحاد السوفييتي وتنزانيا، والتخطيط الطوباوي لمدينتي شانديغار (الهند) وبرازيليا (البرازيل)، فضلًا عن نظريات لينين حول تشكيل الأحزاب الثورية.
رغم اختلافاتهم الإيديولوجية، اتفق مفكرون وسياسيون ومهندسو القرن العشرين على إيمان راسخ بقدرة الدولة على إحداث تحولات اجتماعية كبرى تُحسّن حياة الناس. لكن لتحقيق ذلك، كان لا بد للدولة الحديثة أن تعيد ترتيب المجتمع بطريقة تُسهّل عليها قراءته وإدارته، عبر إخضاع السكان لإدارة مركزية صارمة. فكيف تجمع الحكومة الضرائب، أو تُجنّد الجنود، أو تطبّق القانون إذا لم يكن لدى الناس أسماء عائلية ثابتة؟ الحل: أن تُعطى لهم.
في حاشية فريدة استقاها من وثيقة تاريخية، يروي سكوت قصة رجل ويلزي في القرن السادس عشر وبّخه قاضٍ إنجليزي لأنه عرّف عن نفسه على "الطريقة الويلزية" قائلاً: "توماس بن (Ap) ويليام، بن توماس، بن ريتشارد، بن هويل، بن إيفان فوغان". وبعد ذلك، أطلق الرجل على نفسه اسم "موستون"، نسبةً إلى اسم منزله الرئيسي، وورّث هذا الاسم لذريته.
كانت هذه التفاصيل، بالنسبة لسكوت، أكثر من مجرد نوادر بيروقراطية؛ كانت تعبيرًا عن الطريقة التي تُفرغ بها الدولة المجتمعات من تنوعها العضوي لتجعلها قابلة للقياس والإدارة – وهي العملية التي تفتح الباب في نظره لا للهندسة الاجتماعية فحسب، بل أيضًا للقمع باسم التنظيم.
يشعّ كتاب رؤية الدولة بجوهر منهجي رافق جيمس سكوت طوال مسيرته: قلب تراتبيات المعرفة رأسًا على عقب. ففي نظره، لم تكن مشروعات الحداثة العليا لإعادة تشكيل المجتمع أكثر تعقيدًا من المجتمعات المحلية التي حاولت إعادة تنظيمها، بل كانت – على العكس – أبسط وأشدّ اختزالًا. (فقط تأمّل كمّ المعرفة الضمني الكامن في الاسم الطويل "توماس بن ويليام، بن توماس، بن ريتشارد، بن هويل، بن إيفان فوغان"، مقارنةً بالاسم البيروقراطي "توماس موستون").
ما يراه المخطط ومؤسساته عند النظر إلى حيّ أو منطقة زراعية هو دائمًا رؤية مبسّطة ومُجمّدة، مقارنةً بالتفاصيل الغنية التي تشكل الواقع القائم بالفعل. أطلق سكوت على المعرفة العملية التي يراكمها الناس محليًا مصطلح ميتيس (Metis)، المأخوذ من اليونانية القديمة ويعني "المهارة" أو "الحكمة العملية"، وهو مفهوم يختلف عن غنوسيس (Gnosis) المرتبط بالمعرفة المجردة أو الفهم النظري.
الميتيس تعني "الحس السليم، والتجربة، والبديهة، والتمكّن العملي". كانت، مثلًا، في الطريقة التي أرشد بها السكان الأصليون بعض المستوطنين الأوروبيين في أميركا إلى زراعة الذرة "حين تصبح أوراق البلوط بحجم أذن السنجاب" – تعبير فولكلوري يخزن داخله قرونًا من ملاحظة تعاقب الفصول. لكنها أيضًا تمثّلت في "عيون الشارع" التي لاحظتها جاين جاكوبز في أحياء المدن الكثيفة، وهي شبكة من المراقبة الاجتماعية والنظام الذاتي يصعب على أي مخطط مركزي اصطناعه. والميتيس أيضًا هي تلك المتاهة من الأزقة والشوارع الضيقة، غالبًا ما كانت بقايا طرق ماشية قديمة، لكنها شكّلت فضاءً كثيفًا من العلاقات اليومية المتبادلة بين الجيران. أما الحداثة العليا، فقد كانت "الشبكة" – شبكة التخطيط الحضري: قابلة للقياس، والتجنيد، والتحصيل الضريبي، والرقابة.
نُشر كتاب رؤية الدولة عام 1998، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتراجع الاشتراكية العالمية، وفقدان الولايات المتحدة شهية التخطيط الاقتصادي على غرار "الصفقة الجديدة" (New Deal). ولعلّ هذا ما جعل الكتاب يبدو – أكثر مما قصد سكوت نفسه – وكأنه يحمل نَفَسًا محافظًا. إذ تلقّى إشادة من المفكر السياسي فرانسيس فوكوياما في مجلة فورين أفيرز، ودُعي سكوت بعد عام فقط من صدور الكتاب لإلقاء كلمة في المؤتمر السنوي لمعهد كيتو الليبرتاري، الأمر الذي أزعجه بشدة.
كثيرون من اليسار وجدوا أنفسهم، على غير العادة، متفقين مع نظرائهم الليبرتاريين: بدا أن سكوت، من حيث لا يقصد، قد قدّم حججًا ضد سلطة الدولة تروق لأنصار السوق. في مراجعة نقدية، أشار الاقتصادي الليبرالي براد دي لونغ إلى التشابه اللافت بين نقد سكوت للتخطيط، ومديح فريدريخ هايك – الاقتصادي الليبرتاري النمساوي – لـ"النظام العفوي" الذي تولّده الأسواق الحرة.
مع ذلك، فإن سكوت لم يكن من أنصار السوق الحرة. بل على العكس، أبدى شكوكًا صريحة إزاءها. وفي رؤية الدولة، وإن باقتضاب، حذّر من أن "التوحيد القائم على السوق" قابل للوقوع في العلل ذاتها التي تصيب مشاريع الهندسة الاجتماعية الحداثية. غير أن منتقديه اليساريين لم يكونوا مخطئين تمامًا في مقارنة طرحه بهايك. فسكوت بالغ في تفكيك الدولة الحديثة – نظريًا وتاريخيًا – إلى درجة تجعل من الصعب، بعد قراءة الكتاب، تخيّل أي فضيلة فعلية لفعلٍ تمارسه الدولة، حتى في أشكاله التدريجية والإصلاحية.
فبعد هذه المعرفة… هل يمكن أن يبقى للصفح مكان؟
بعد سنوات من صدوره، بات من الممكن النظر إلى كتاب جيمس سكوت رؤية الدولة ليس كمرافعة معزولة ضد الدولة، بل كنمط للرؤية، يُظهر – من خلال أمثلة قصوى – مدى خطورة تجاهل التخطيط المركزي للمعرفة المحلية. ومع ذلك، حتى في هذه الحالات، يظلّ الدرس الذي يقدّمه سكوت ملتبسًا. فهو لا يقدّم حلولًا جاهزة، بل يفتح الباب لقراءات متعددة.
خذ مثلًا الجدل المعاصر حول كيفية حلّ أزمة السكن في الولايات المتحدة: يمكن قراءة سكوت كحليف لحركات تسعى لحماية الأحياء من مشاريع التطوير العمراني الضخمة. فهو يدعو المخططين إلى أن "يفضّلوا، كلما أمكن، اتخاذ خطوة صغيرة، ثم التراجع، والملاحظة، والتخطيط للخطوة التالية"، ويُصرّ على أهمية "السياق والخصوصية".
لكن في الوقت نفسه، يطالب سكوت بإفساح المجال أمام "الابتكار البشري" و"المفاجآت" – وهي عبارات قد تُقرأ كدعوة لتقليل القيود التي تكبّل التطوير، مثل قوانين تقسيم المناطق الصارمة التي تخنق المبادرات والمبادرة الفردية. فإذا كان لا بد من البناء، فالأفضل أن تبتعد الدولة عن الطريق.
هاتان الموقفان – الحذر من التخطيط المركزي من جهة، والدعوة لمرونة تسمح بالتجديد من جهة أخرى – يندمجان في الإطار الواسع الذي يتيحه الكتاب. وربما لهذا السبب، وجد فيه الراديكاليون والمحافظون على حدّ سواء ما يدعم حججهم.
فـرؤية الدولة ليس بيانًا سياسيًا محدد المرامي، بل مرآة تكشف زوايا خفية في علاقة الإنسان بالسلطة، والمعرفة، والمكان – وكلّ قارئ سيجد فيها ما يشبهه… أو ما يختلف عنه تمامًا.
يوفّر كتاب رؤية الدولة عدسة أكثر تعقيدًا (أو ضبابية) لفهم أزمة المناخ. فدراسة جيمس سكوت لكيفية قيام الدول بإعادة تشكيل العالم الطبيعي لتعظيم العائدات تضيء جوانب من المشهد الحالي: حقول التكسير الهيدروليكي، وخطوط أنابيب النفط، وتحويل الجغرافيا إلى أدوات للإنتاج. غير أن استخراج استراتيجية واضحة لمواجهة التغيّر المناخي من هذا الكتاب أمر بالغ الصعوبة.
لمواجهة أسوأ تداعيات ارتفاع درجات الحرارة العالمية، لا بد من تدخلات جذرية تتجاوز مجرد تحرك الدول؛ نحن بحاجة إلى تعاون دولي واسع وغير مسبوق. سيتطلّب ذلك من الحكومات أن تتجاوز إرادة المدن والمناطق أحيانًا، لبناء مزارع شمسية ورياح، وإغلاق محطات الفحم والغاز، واستخراج المعادن لبناء شبكات تخزين ضخمة، وتجديد الملايين من المنازل والمكاتب والمدارس بأنظمة تبريد وتدفئة كهربائية. ومع وضع سكوت في الاعتبار، يمكننا أن نأمل في أن تنجح الدول في هذا المشروع الجماعي من دون أن تكرر عمى الماضي. لكن إذا أردنا – نحن والدول – النجاح فعلًا، فقد نضطر لتجاهل نصيحة سكوت المفضّلة: "خُذ خطوة صغيرة، ثم تراجع، وانظر، ثم خطط للخطوة التالية".
في مفارقة لافتة، فإن سكوت الذي قضى عمره يدعو لاحترام المعرفة المحلية، اتسع نطاق كتاباته المتأخرة إلى ما يشبه الإمبراطوريات المعرفية. آخر كتبه الكبرى – فن عدم الخضوع للحكم (2009) وضد الحبوب (2017) – امتدت عبر قرون ومساحات جغرافية شاسعة، تلخّص أرففًا من الأبحاث بثقة سردية واضحة.
تناول سكوت في هذه الكتب نشأة الدول القديمة على أسس الزراعة المستقرة، مثل زراعة الأرز في جنوب شرق آسيا في العصور الوسطى، والقمح في بلاد ما بين النهرين القديمة. هذه الأنماط الزراعية، بحسبه، لم تكن مفضّلة لذاتها، بل لأنها جعلت المجتمعات "مقروءة" و"قابلة للإدارة" من قِبل الدولة. أما خارج حدود "دولة الأرز" أو "دولة الحبوب"، فقد وجد سكوت أناسًا متمرّدين، يعيشون على الزراعة المتنقلة، ويحاولون الهرب من الضرائب والعمل القسري.
رأى سكوت في كل خطوة على طريق "التمدن" – من زراعة الحبوب إلى العمل على خط التجميع – فقدانًا للتعقيد، وتضييقًا على التنوع الهائل في إيقاعات الطبيعة التي اعتاد عليها البشر. وكتب: "ليس من المبالغة القول إن الصيد وجمع الثمار يختلفان من حيث التعقيد عن زراعة الحبوب بقدر ما تختلف زراعة الحبوب عن العمل التكراري في خطوط الإنتاج الحديثة. كل خطوة تمثّل تضييقًا كبيرًا في التركيز وتبسيطًا للمهام". (وإن كان، في الواقع، يقترب هنا من تلك "المبالغة" التي يحذّر منها!).
ومن هذا المنظور، فإن انهيار الحضارة – الذي يُنظر إليه عادة على أنه كارثة – قد يكون، بالنسبة لأولئك الذين يعيشون على هامش الدولة، بمثابة تحرر. فالعصور "الظلماء"، كما أقرّ سكوت، قد تفتقر إلى الآثار والنصوص التي يحبها المؤرخون، أو القطع الأثرية التي تملأ المتاحف. لكنها تمثل، في نظره، لحظات فرار نحو الحرية من قبضة الدولة، وتحسّنًا في رفاه الإنسان.
فالأنظمة الاجتماعية اللاسلطوية لا تبني نُصُبًا تذكارية، ولا تترك وراءها أطلالًا تُعفرها الرمال. لكنها تقدّم رؤى بديلة لما كان يمكن أن تكون عليه المجتمعات لو لم تُولد الدولة أصلاً، لو لم تركّز العمالة، وتُوحّد الحقول، وتُطوّع الأنهار.
وُصف جيمس سكوت من قِبل بعض النقاد بأنه "رومانسي" – لا سيّما لتساهله الظاهري مع حالة "اللادولة" والانفلات الذي يحيط بالشعوب التي تعيش خارج سلطة الدولة. ففي ضد الحبوب وفن عدم الخضوع للحكم، تبدو شخصيات البدو الرحّل، بهويتهم المتمردة ونزعتهم التساوية ورفضهم الخضوع، وكأنها مشبعة بجاذبية لا تقاوَم. في مديح الفيضانات، يوسّع سكوت من مفهوم "المقاومة" ليشمل الكائنات غير البشرية. ففي فصل مثير للجدل، يحاول أن ينقل "أصوات" كائنات الأنهار – من الرخويات ودلافين النهر، إلى سمك الكارب الثلجي وثعالب الماء ذات الأنوف الشعرية – وكأنها تحتج على التدخل البشري في مسارها الطبيعي.
ورغم أن بعض هذه الصفحات قد تبدو متكلّفة أو مثيرة للريبة، فإن مشروع سكوت بأكمله يتناغم بشكل غريب مع المزاج السياسي الراهن: خليط من القلق العميق، الأمل الخافت، والاستسلام الجزئي لمصير يبدو أنه ينفلت من أيدينا. قراءة سكوت تُشعرك بأن الحضارة ربّما كانت، منذ بدايتها، مشروعًا معيبًا. ومع ذلك، تمنحك أملًا بأن الأزمة البيئية المتسارعة، والانجراف العالمي نحو السلطوية، قد يحويان في داخلهما إمكانًا كامنًا للتحوّل السياسي… إن نحن دقّقنا بما يكفي.
في حفل تأبينه الذي أُقيم في أكتوبر الماضي، وُزّعت أكياس قماشية كُتب عليها: "كن عصيًا على الحُكم". والعصيان، بهذا المعنى، كان الشعار الخفي لأعماله كلها. في كتابه القصير هتافان للفوضوية (Two Cheers for Anarchism)، الذي نُشر عام 2012، يظهر سكوت كما لو كان هنري ديفيد ثورو جديد، يُدافع عن العصيان بوصفه مبدأ مُحرّكًا لكل تغيير اجتماعي.
يُشير سكوت إلى فرار جنود الكونفدرالية خلال الحرب الأهلية الأميركية بوصفه عنصرًا حاسمًا في انهيار نظام العبودية، ويمتدح حتى ظاهرة "فراجنغ" (fragging) التي اشتهرت في حرب فيتنام، حين يُقال إن جنودًا مشاة استخدموا قنابل يدوية حية للتخلّص من قادتهم. فالسلطوية، في نظر سكوت، لا تسقط على يد "طلائع ثورية أو حشود غاضبة"، بل تنهار عبر "مقاومة صامتة، عنيدة، ومنسحبة من قِبل ملايين الناس العاديين".
وكما "تُكوّن ملايين من بوليبات المرجان، من دون قصد، شعابًا مرجانية"، يكتب سكوت، فإن "آلافًا مؤلفة من أفعال العصيان والمراوغة تُنتج شعابًا سياسية واقتصادية بديلة، بطيئة التشكّل، لكنها حصينة وممتدة".
نُشر هذا المقال في نيويوركر بتاريخ 7أبريل 2025، بقلم نيكيل سافال.



