حين تصبح السياسة مرآة للهويات المغلقة
قراءة في كتاب الاتفاق غير المدني: كيف أصبحت السياسة هويتنا
الاتفاق غير المدني: كيف أصبحت السياسة هويتنا
ليليانا ماسون
الناشر: مطبعة جامعة شيكاغو، 2018
في كتابها الاتفاق غير المدني (Uncivil Agreement), تقدّم أستاذة العلوم السياسية ليليانا ماسون تحليلاً بارعاً للكيفية التي تحوّلت بها السياسة الأميركية من خلاف حول السياسات إلى صراع بين الهويات. تستند ماسون إلى دراسات في علم النفس الاجتماعي، وتحليلات إحصائية معمّقة، لتطرح أطروحة جوهرية: لم يعد الانقسام السياسي في الولايات المتحدة قائماً فقط على الاختلاف الأيديولوجي، بل أصبح امتداداً للانتماءات الاجتماعية العميقة.
من الصعب اليوم الحديث عن السياسة الأميركية دون الاصطدام بشيء يشبه الحرب الأهلية الثقافية الباردة: يسار وليبراليون يشعرون أنهم يواجهون خطراً وجودياً، ويمين محافظ يرى في الآخر تهديداً لهويته وتاريخه. كتاب “الاتفاق غير المدني” لا يقدم سرداً لهذه القطيعة، بل يضع المجهر على السبب النفسي–الاجتماعي الذي حوّل الخلاف السياسي إلى صراع هوياتي. ماسون لا تسأل لماذا نختلف، بل تسأل لماذا نبدأ بالاختلاف حتى قبل أن نفكّر؟
ما تطرحه ماسون ليس مجرد نقد للاستقطاب السياسي، تتجاوزه إلى تحليل دقيق لما تسميه "الفرز الاجتماعي" (social sorting)، أي حين تصطف الهويات الدينية والعرقية والطبقية والجغرافية خلف الانتماء الحزبي، ويصبح التصويت بمثابة إعلان ولاء لأسلوب حياة لا لرأي سياسي. ليس المهم ما السياسة التي تدعمها، بل من أنت حين تدعمها. في هذا التحول، كما تجادل ماسون، تتوارى السياسات خلف الرموز، ويُستبدَل النقاش بالمواقف القبلية، ويصبح الحزب هوية لا موقفاً.
الانطلاقة السردية للكتاب ذكية. تعود ماسون إلى تجربة "كهف اللصوص" الشهيرة في علم النفس الاجتماعي عام 1954، حين تحول 22 طفلاً متشابهين في الخلفية والعرق والمستوى إلى قبيلتين متعاديتين خلال أيام، لمجرد تقسيمهم إلى مجموعتين. لا اختلاف أيديولوجياً، لا خلاف على موارد. فقط "نحن" و"هم". هذه التجربة، كما ترى ماسون، تقدم النموذج الأولي لتفسير ما يجري اليوم بين الديمقراطيين والجمهوريين “نعيش في أمريكا منقسمة لا بسبب حجم الخلاف، بل بسبب نوعه. الخلاف لم يعد حول الأفكار، بل حول من نحن”.
ما يجعل أطروحة ماسون مؤثرة ليس جديدها المفاهيمي، بل قدرتها على توثيق هذا التحول بلغة تجريبية، تستند إلى بيانات واستطلاعات وآليات تحليل في علم النفس السياسي. تشير إلى أن التحيّز الحزبي المتبادل تضاعف بنسبة 50% بين 1960 و2010، وأن نسبة من يرفضون السكن في حيّ فيه أنصار للحزب الآخر في ازدياد، بل ويشعرون بعدم الارتياح تجاه زملاء أو أصهار من "الفريق المعادي". تصبح السياسة هنا ليست معركة حول قوانين الضرائب أو الرعاية الصحية، بل معركة وجود، معركة "فوز أو خسارة"، تماماً كما قال ترامب لجمهوره "سننتصر كثيراً لدرجة أنكم ستملّون من الانتصار".
غير أن المقلق في تحليل ماسون ليس ما تقول، بل ما لا تستطيع تجاوزه، إذا كانت الحزبية أصبحت هوية، فكيف يمكن الخروج من هذا القيد دون نزع الهوية؟ وإذا كانت مشاعر الانتماء الاجتماعي هي ما يقود السلوك السياسي، فهل يُمكن إصلاح الديمقراطية من داخل هذا الإطار الهوياتي، أم أن كل إصلاح سيكون مجرد إعادة تموضع داخل الخندق؟
تتابع ماسون في فصول لاحقة تحليل ثلاثي الأبعاد للاستقطاب الاجتماعي، التحيز (bias)، النشاط السياسي المتعصب، ورد الفعل العاطفي تجاه الخسارة أو الانتصار. تُظهر كيف أن الديمقراطية، بآلياتها التمثيلية التقليدية، لم تعد قادرة على استيعاب هذا النوع من "الهويات المتراكبة"، حيث تصويتك للحزب هو أيضاً تصويت لدينك، لموقعك الطبقي، لعرقك، لأسلوبك في الحياة، بل لنوع القهوة التي تفضّلها. تختلط كل هذه الانتماءات داخل ما تسميه "الميغا-هوية الحزبية"، وتصبح كل انتخابات معركة صفرية تتجاوز السياسة إلى الهوية الجمعية.
بين "الفرز" و"الاستقطاب": عندما تتداخل الهويات بدل أن تتصادم الأفكار
في واحدة من أكثر لحظات الكتاب لفتاً للانتباه، تميّز ماسون بين مفهومين غالباً ما يُستخدمان بشكل تبادلي، الاستقطاب (polarization) والفرز الاجتماعي (social sorting). الأول يشير إلى ابتعاد الحزبين عن بعضهما من حيث المواقف السياسية، يصبح الديمقراطيون أكثر ليبرالية، والجمهوريون أكثر محافظة. أما الفرز، فهو ما يحدث عندما لا يعود الانتماء الحزبي مجرد نتيجة لاختيارات سياسية، بل يصبح مرآة لانتماءات اجتماعية أوسع—الدين والعرق والطبقة والجغرافيا، وحتى أسلوب الحياة. وبذلك، يصبح من الممكن أن تزداد "المسافة النفسية" بين الحزبين حتى لو بقيت مواقفهما من بعض القضايا متقاربة.
هذا التفريق حاسم لفهم ما حدث للديمقراطية الأميركية في العقود الأخيرة. فبينما يجادل البعض، مثل آلان أبروماويتز، بأن الناخبين أصبحوا أكثر تطرفاً سياسياً، ترى ماسون أن ما تغيّر بشكل أعمق هو التركيب الاجتماعي لكل حزب. لم يعد الناخب يختار حزبه بناء على سياسات الضرائب أو الرعاية الصحية، بل بناءً على ما إذا كان هذا الحزب يمثّل "قومه". ولهذا السبب تحديداً، تشير إلى أن الديمقراطيين والجمهوريين قد يختلفون بدرجة معتدلة حول السياسات، لكنهم يتعاملون مع بعضهم كما لو كانوا أعداء في حرب ثقافية.
لكنّ هذا التحليل النفسي–الاجتماعي، رغم قوته، يطرح أسئلة منهجية عميقة. فهل يمكن قراءة هذه الانقسامات باعتبارها فقط نتاجاً لميول بشرية طبيعية نحو تشكيل الجماعات والتمييز بينها؟ أليس في هذا التفسير خطر التعميم النفسي الذي يختزل البنى السياسية المعقّدة إلى آليات إدراكية؟ أين موقع الإعلام، وتمويل الحملات، والتلاعب بالقوانين الانتخابية، في هذا السرد؟ وهل الاستقطاب الهوياتي الذي تصفه ماسون نتاج تفاعل تلقائي بين أفراد وجماعات، أم نتيجة لسياسات واعية غذّتها مؤسسات وأحزاب وقنوات إعلامية؟
هنا تظهر حدود المقاربة السيكولوجية للكتاب. فبينما تقنعنا ماسون بأن الميل إلى الانحياز الفئوي متجذّر في بنية الدماغ البشري، فإنها تميل أحياناً إلى تغييب البُعد السياسي–الاقتصادي الذي يجعل بعض هذه الانقسامات أكثر خطورة من غيرها. لا تكفي الإشارة إلى أن "الناس يفضّلون من يشبهونهم"، دون التساؤل من الذي قرّر أن يشبهك هو الأبيض المسيحي الريفي أو الحضري، الملون الليبرالي؟ ومن الذي يستثمر هذا "الشبه" سياسياً؟ هل هو أمر عفوي، أم مشروع سياسي فعّال؟
ثمّة إغفال آخر لا يقلّ أهمية هو التاريخ. فالكتاب يُقدّم أميركا ككيان ديمقراطي يعاني "حديثاً" من التصدّع الهوياتي، لكن أين موقع العبودية، والعزل العنصري، وقمع الحركات العمالية، والإقصاء المؤسسي للمسلمين والملونين، من هذا التحليل؟ هل كانت الديمقراطية الأميركية يوماً "غير مصنّفة اجتماعياً"؟ أم أن الجديد فقط هو أن الانقسام أصبح أكثر وضوحاً وصخباً في الإعلام، وأكثر تهديداً للنخبة البيضاء التي كانت ترى نفسها "الوسط"؟
رغم هذه الثغرات، إلا أن الكتاب يسهم بذكاء في فهم تحوّل السياسة الأميركية إلى حرب هويات. إنه ليس كتاباً عن ترامب، بل عن البنية النفسية–الاجتماعية التي جعلت من ترامب ممكناً. لكن هل تكفي إعادة ضبط الوعي الجمعي لتجاوز هذا الشرخ؟ أم أن الحل السياسي لا يكمن فقط في "تفكيك الهوية"، بل في إعادة تشكيل النظام الذي جعل من كل اختلاف اجتماعي تهديداً وجودياً؟
نهاية الهوية أم إصلاح الديمقراطية؟
في خاتمة كتابها، لا تصطنع ليليانا ماسون القارئ تفاؤلاً أخلاقياً. تعترف صراحة أن كثيراً من مظاهر "الفرز الاجتماعي" هي نتيجة آليات إدراكية يصعب كبحها، وأنّ الميل إلى التحيّز الجماعي ليس مرضاً أخلاقياً بل خاصية نفسية تطورية. وفي هذا الإطار، قد يبدو أن الكتاب ينتهي حيث بدأ، البشر كائنات "مُفرزة" بطبيعتها، والسياسة ليست سوى ساحة جديدة لإعادة إنتاج هذا الاصطفاف.
لكن ماسون لا تستسلم تماماً للحتمية النفسية. فهي في أكثر لحظاتها قلقاً، تلمّح إلى أن الاعتراف بالمشكلة هو أول خطوة نحو معالجتها. إذا أدركنا أن الانقسام الحزبي الحالي ليس مجرد خلاف في الرأي، بل انقسام في الشعور والانتماء، فقد نُعيد التفكير في آليات التعبئة السياسية، والتصميم المؤسسي، وحتى في نوع الخطاب الذي نعتبره "مقبولاً" في الفضاء العام.
بالرغم من ذلك، فأن هذه الدعوة للوعي لا تتطور في الكتاب إلى رؤية سياسية متماسكة. لا تقدم ماسون تصوّراً مؤسسياً بديلاً، ولا تقترح إصلاحاً في نظام التمثيل، أو في مناهج الإعلام والتعليم، أو حتى في شكل الحزبين الكبيرين اللذين يختزلان التعقيد الأميركي إلى ثنائية فجة. إن بقي شيء من الأمل في خاتمة الكتاب، فهو أمل على مستوى الفرد: أن يدرك الناخب أنه ليس فقط "ديمقراطياً" أو "جمهورياً"، بل هو أيضاً عامل ومهاجر ومؤمن، وربما كل ذلك معاً. لكن كيف يمكن لهذا الوعي المعقّد أن يتجسّد سياسياً في ظل نظام انتخابي ثنائي حاد، وإعلام مستقطب، وأحزاب لم تعد تمثل مصالح بل هويات؟
هذه الأسئلة لا يجيب عنها الكتاب، ولا يدّعي الإجابة. لكنه يفتح بابًا نادرًا في تحليل الحياة السياسية: باب الهوية كعامل بنيوي، لا مجرد متغيّر تابع للمصالح. يمكن قراءة ”الاتفاق غير المدني” بوصفه نداءً لكسر الثنائية السائدة بين التفسير العقلاني للأفعال السياسية، وبين التفسير الأخلاقي المعياري. تقول ماسون ضمنًا “لسنا عقلانيين كما نظن، ولسنا أخلاقيين كما ندّعي، لكن يمكننا ببعض الوعي أن نكون أقل عدوانية، وأكثر انفتاحاً”.
وإذا كانت هذه الخلاصة تبدو باهتة في زمن يُعيد فيه التطرّف تعريف ما هو "طبيعي"، فربما تكمن قيمتها في التذكير بما فقدناه: تقاليد النقاش، والخلاف المدني، والمساحات الرمادية. وما تحاول ماسون أن توثّقه بلغة علم النفس، هو في حقيقته مأساة سياسية أعمق: الديمقراطية الأميركية، التي بُنيت على افتراض التعدد والتمثيل، باتت اليوم سجينة ثنائية هوياتية اختزلت الناس إلى "نحن" و"هم"، وأفرغت السياسة من مضمونها لصالح شعور دائم بالولاء والخوف.
كتاب “الاتفاق غير المدني” ليس فقط كتاباً عن أميركا، بل عن هشاشة السياسة حين تفقد بعدها العام، وتُختزل إلى مرآة لهويات متأججة تبحث عن نصر رمزي لا عن حلول واقعية. وحين يحدث ذلك، لا يبقى شيء من "الاتفاق"، حتى لو ظل "الاختلاف" ضمن المؤسسات.




