المدرسة الروسية في زمن الحرب: مختبر لبناء ديكتاتورية أيديولوجية
كيف تغير التعليم المدرسي الروسي خلال الحرب
الحرب على أوكرانيا لم تغير فقط مكانة روسيا في النظام الدولي، بل أعادت ترتيب وظيفة المدرسة داخل النظام السياسي نفسه، كما يوثقه تقرير بحثي موسع عن «التعليم في المدارس الروسية 2022–2025» أعده خبراء روس اعتمادا على مقابلات معمقة مع المعلمين، واستبيانات، وتحليل آلي لمحتوى شبكات التواصل، وقراءة منهجية للبيانات الإحصائية والتشريعات الفيدرالية. هذا التقرير يبين أن المدرسة تحولت خلال عامي 2022–2023 من فضاء متأثر بالحرب إلى أحد الميادين المركزية في مشروع إعادة بناء النظام كديكتاتورية أيديولوجية، لا يكتفي بالقمع الأمني، بل يعمل على إعادة تشكيل الوعي والذاكرة و«نظام الحقيقة» لدى الأجيال الجديدة.
في كتابه «المراقبة والمعاقبة» يضع فوكو المدرسة الحديثة في فئة واحدة مع السجن، والثكنة، والمستشفى، والمصنع. فوكو يصف كل هذه مؤسسات بأنها «تأديبية» ويرى أن مهمتها الأساسية لا تقتصر على نقل المعرفة فقط، بل إنتاج «العقول الطيعة». ويتم ذلك عبر تطبيق عدة تقنيات تأديبية مثل تقسيم الزمن إلى وحدات صغيرة (الحصص، الجرس، الاستراحة، الامتحانات)، ويُلزم التلميذ بإيقاع خارجي صارم. تنظيم فضاء الوجود بشكل سلطوي (صفوف، مقاعد، ترتيب هرمي حيث السبورة في الأمام، المعلم في الأعلى، التلميذ في الأسفل)، يضبط هذا التنظيم الحركة، يحدد كيف يجلس التلميذ، متى يتكلم، كيف يرفع يده، كيف يكتب. الجسد يتعلم أن يتحرك ضمن قالب مقبول لا تلقائي.
هكذا تصبح المدرسة تدريبا مبكرا على تطويع الذات وتطبيعها لوجود السلطة، عبر القبول بأن الحياة اليومية يمكن أن تُدار بدقة وفق معايير خارجية. تسهم المدرسة في تكوين ذات معتادة على مراقبة نفسها وقراءة ذاتها من خلال عيون السلطة (المعلم، الإدارة، النظام). في الحالة الروسية بعد 2022، تُضاف إلى هذه الوظيفة التأديبية الكلاسيكية طبقة أيديولوجية متكاملة: المدرسة لا تُستخدم فقط لإنتاج أجساد منضبطة صالحة لسوق العمل، بل لتكوين ذات وطنية منسجمة مع خطاب «السيادة» والحصار، ترى العالم والعلاقات الدولية من منظور «روسيا المحاطة بالأعداء» و«الجيش الحامي للهوية».
تتحول المدرسة في نظام سلطوي من فضاء انضباطي–وظيفي إلى فضاء انضباطي–أيديولوجي: ليست فقط لتكوين أجساد منتجة، بل أيضا لتكوين عقول مطيعة وخيال سياسي ضيق. وكل تعديل في المنهج، كل طقس جديد، كل ربط بين «الوطنية» و«القائد» و«الجيش» هو في لغة فوكو تعديل في «نظام الحقيقة» الذي تنتجه المؤسسة. ما يلتقطه التقرير أن هذا التحول لم يعد عرضيا أو ظرفيا، بل جرى تقنينه عبر قوانين اتحادية (مثل 371-ФЗ) وخطط تربوية فيدرالية وبرامج موحدة، بحيث أصبح التلقين الأيديولوجي شرطا بنيويا للعملية التعليمية لا هامشا فوقها.
من رد فعل متسرع إلى هندسة طويلة الأمد للعقول
تحويل هذه الرؤية الفوكوية إلى الحالة الروسية بعد 2022 يكشف أن ما جرى في المدرسة ليس مجرد «تحديث مناهج» بل إعادة تصميم شاملة لجهاز إنتاج الطاعة. كل خطوة وصفها التقرير – من «الدرس الموحد» حول الحرب، إلى رفع العلم والنشيد، إلى «أحاديث حول الأمور المهمة»، إلى إعادة تعريف «التربية» في القانون – يمكن قراءتها كتوسيع ممنهج لترسانة التقنيات التأديبية بحيث تشمل مضمون الوعي نفسه لا فقط سلوك الجسد في الصف.
في الأسابيع الأولى من الحرب، بدا أن السلطة تتصرف بانفعال: درس موحد على مستوى روسيا يشرح «أسباب العملية العسكرية الخاصة»، صور جاهزة، سردية واحدة، مشهد تعبئة فج. ضمن منطق فوكو، هذا يشبه تدخلا قمعيا مباشرا في خطاب التلاميذ، لا يزال قريبا من منطق «السيادة» التي تعاقب وتقمع. لكن ما يرصده التقرير خلال 2022–2023 هو انتقال من هذه اللحظة السيادية إلى لحظة تأديبية أعمق: بدل أن يقتصر الأمر على درس استثنائي، جرى تثبيت طقوس أسبوعية (رفع العلم، أداء النشيد، «أحاديث عن المهم») كجزء ثابت من جدول المدرسة، وإدخال خطط تربوية سنوية مبرمجة، وتعديل القوانين والمناهج بما يحول الاستثناء إلى قاعدة.
التقرير يوضح أن هذه الطقوس لا تأتي في فراغ، بل تُسند بخطاب سياسي مباشر في أعلى الهرم. عندما يفتتح بوتين عام 2023 بوصفه «عام المعلم» بإعلان هدف بناء «نظام تعليمي سيادي من المدرسة إلى الجامعة»، فهو يعطي الإشارة السياسية لتكثيف عملية الأدلجة، ويحول ما كان رد فعل على الحرب إلى استراتيجية دولة طويلة الأمد. بهذا المعنى، تصبح المدرسة المكان الذي يُعاد فيه ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع تحت عنوان «السيادة»: ضبط الزمن، إعادة تعريف «الوطنية»، وتحويل الحرب إلى إطار تفسير شامل لكل ما يجري في الداخل والخارج.
التحول الحاسم هنا أن الحرب لم تعد موضوعا لهذه الطقوس فحسب، بل أصبحت الإطار الذي يعاد من خلاله تعريف علاقة التلميذ بالدولة والعالم. ما يسميه النظام «السيادة الشاملة» يظهر في المدرسة كمنظومة متكاملة: تقسيم الزمن المدرسي، ضبط الفضاء، تنظيم الخطاب، وتحديد من يتكلم عن ماذا وبأي مفردات. كل ذلك يعيد إنتاج ما يسميه فوكو «نظام الحقيقة»؛ أي القواعد التي تحدد ما يمكن أن يُقال، وما يُحسب معرفة، وما يُعتبر انحرافا أو «كذبا عن الجيش».
شعار بوتين عن «نظام تعليمي سيادي» لا يقتصر على مضمون الدروس الوطنية، بل يتعلق ببنية الحقل المعرفي ذاته. منع البكالوريا الدولية وشهادات اللغات الأجنبية، والانسحاب من PISA وTIMSS، لا يعني فقط عزل التلميذ عن الجامعات الغربية، بل قطع إمكانية قياس الذات عبر الآخر. في منطق السلطة المعاصرة، أدوات التقييم الدولية تمثل مرآة خارجية تُظهر الفجوات والتخلف وتفرض مقارنة محرجة مع «المعايير العالمية». تكسير هذه المرايا جزء من بناء «نظام حقيقة» مغلق، لا يحتكم إلا إلى أدوات قياس وطنية مصممة داخل الأفق الأيديولوجي نفسه.
في لغة فوكو، ما يحدث هنا هو إعادة رسم خريطة العلاقة بين السلطة والمعرفة. الدولة لا تراقب فقط محتوى التعليم، بل تتحكم أيضا في مؤشرات «الجودة» وطرائق القياس. عندما تصبح اختبارات «سيادية» بديلة عن PISA، تُنتَج الحقيقة التعليمية داخل الفقاعة الأيديولوجية ذاتها التي تنظم الخطاب السياسي والإعلامي. التلميذ لا يُحرم من السفر فحسب، بل يُحرَم من معيار خارجي يقيس من خلاله موقعه في العالم. وفي الخلفية تواصل البنية المادية للمدرسة تدهورها: تراجع عدد المدارس الحكومية، خصوصا في الأرياف، ازدياد نسبة التلاميذ في «الدوام الثاني»، وارتفاع عدد المدارس التي تحتاج إلى ترميم شامل. هذا كله يجعل «السيادة التعليمية» مشروعا يُقام على أرضية مدرسية متعبة وغير متكافئة، ويزيد اعتماد السلطة على التعويض الرمزي والأيديولوجي عن العجز المادي.
المناهج الموحدة: من نقل المعرفة إلى تصنيع الذاكرة
إدخال البرامج التعليمية الفيدرالية الموحدة (ФООП) هو التجسيد الأكثر وضوحا لفكرة أن المنهج لم يعد إطارا عاما بل سيناريو تفصيلي للسلوك المعرفي. القانون الذي ألغى تعددية البرامج لا يهدف فقط إلى «تسهيل انتقال التلاميذ»، كما تقول الصيغة الرسمية، بل إلى تقليص هامش اجتهاد المعلم وتحويله إلى منفذ. عندما تحدد السلطة، بدقة متناهية، ما الذي يجب أن يُقرأ، وبأي ترتيب، وبأي مصطلحات تُشرح أحداث 2014 و2022، فهي لا «توحد» التعليم بل تعيد كتابة الذاكرة الجمعية على مستوى جيل كامل.
التقرير يبين أن هذا التوحيد لا يمس التاريخ والسياسة فقط، بل يمتد إلى الأدب، والدراسات الاجتماعية، ومقررات الأمن والدفاع، وحتى طرق تناول «القيم». في المراحل العليا، يصبح التاريخ منصة لتثبيت سردية رسمية: انقلاب 2014 في أوكرانيا، «إعادة توحيد» القرم، «العملية العسكرية الخاصة»، العقوبات بوصفها عدوانا خارجيا… مع إلزام التلميذ بأن يكون قادرا على «التصدي لمحاولات تزوير التاريخ الروسي» و«اختيار مصادر موثوقة للمعلومات» وفق تعريف الدولة للمصداقية. كما يجري تقليص تعدد الكتب المدرسية إلى كتابين لكل مادة، أحدهما أساسي والآخر متقدم، تحت إشراف مباشر من الدولة على لجان التأليف.
هذا التوحيد ينسجم بالكامل مع التحليل الفوكوي للامتحان بوصفه أداة تجمع بين المراقبة والمعرفة. ما يحدث في روسيا هو توسيع الامتحان من كونه لحظة تقييم إلى كونه منطقا بنيويا: كل المنظومة مصممة بحيث تصبح الإجابة «الصحيحة» في التاريخ والأخلاق والسياسة هي الإجابة التي تعيد إنتاج سردية الدولة عن نفسها. التلميذ يُقاس على أساس مدى استيعابه لهذه الرواية، والمعلم يُقيم على أساس درجة تطابقه معها. هنا تتحول المناهج إلى آلة لتصنيع الذاكرة، لا لتدريس الوقائع فحسب، وتتحول العلامات المدرسية إلى مؤشر ولاء بقدر ما هي مؤشر تحصيل.
حصص «أحاديث حول الأمور المهمة» تمثل طبقة مختلفة من الممارسة التأديبية، أقرب إلى ما يحلله فوكو في سياق الاعتراف (confession). صحيح أن هذه الحصص تُقدم بوصفها نشاطا «لاصفيا»، لكن جهاز التعليم يعاملها كطقس أسبوعي إلزامي ينتج فيه التلميذ نوعا معينا من الخطاب عن الوطن، والجيش، والتضحيات، والعدو الخارجي. المعلم هنا ليس ناقلا للمعرفة فقط، بل وسيطا بين التلميذ والسلطة، يلقنه ما ينبغي أن يشعر به تجاه الحرب، وما هي العواطف المقبولة (الفخر، الامتنان، الاعتزاز) وما هي المشاعر المحظورة (الشك، الخوف، التعاطف مع «الآخر»).
المنطقة القانونية الرمادية لهذه الحصص جزء من قوتها. فهي ليست منصوصا عليها بشكل صريح في البرامج الإلزامية، لكنها تُفرض عبر سلسلة الضغط العمودية، ما يجعل رفضها صعبا ومكلفا. هذا الوضع يخلق شكلا متطورا من «الطاعة الطوعية»؛ حيث يظهر الامتثال وكأنه خيار المدرسة أو الأهل، بينما هو في الحقيقة استجابة لتوازن قوى مختل. النتيجة أن الاعتراف الجماعي بالموقف الرسمي من الحرب يُعاد إنتاجه كل أسبوع في آلاف الصفوف، دون أن يمر بالضرورة عبر قناعة حقيقية، بل كعادة طقسية مستقرة، كثيرا ما تتحول – كما يلاحظ المعلمون – إلى «صح في الجدول» وصورة للتقرير وخبر قصير على موقع المدرسة.
القانون كميكانيزم لإنتاج الذات الوطنية
التعديلات على قانون التعليم التي أعادت تعريف «التربية» بوصفها تنشئة على «القيم الروحية والأخلاقية الروسية التقليدية» تمثل لحظة تبلور نظري للمشروع كله. القانون لم يعد يتحدث عن قيم عامة أو إنسانية، بل يحصر الأفق الأخلاقي في إطار قومي–حضاري محدد. «التربية» لم تعد مجرد مجال إضافي مكمل للتعليم، بل صارت عنصرا إلزاميا في كل برنامج، مع خطة فيدرالية تحدد 42 مناسبة وفعالية على مدار العام، والجهات المسؤولة عن تنظيمها، والنصوص النموذجية المقترحة لكل حدث.
هذا التحديد يقر بتوجه النظام نحو تصنيع نمط ذات معين: مواطن وطني، ممتن، يرى في الجيش حارسا للهوية، ويقرأ تاريخه من خلال سلسلة من البطولات والتضحيات، لا من خلال صراعات اجتماعية أو بنى سلطوية. هنا يتقاطع فوكو مع ألتوسير: المدرسة تعمل كـ«جهاز أيديولوجي للدولة» يمر عبره كل طفل، ويتكرر فيه خطاب الدولة بوصفه الحقيقة الوحيدة الممكنة عن الذات والجماعة. لكن الفارق أن السلطة الروسية لا تكتفي بالهيمنة الناعمة، بل تحيط هذه العملية بإمكانيات عقابية قاسية: فصل، ملاحقة جنائية، تشهير، تهديد بفقدان العمل أو الحضانة، كما تظهر في قضايا معلمات حوكمْن بسبب تعليقات ناقدة للحرب، وأهال عوقبوا على مواقف أو رسومات لأطفالهم.
مناخ الوشاية الذي يرصده التقرير – تلميذ يسجل معلمته سرا، ولي أمر يُلاحق بسبب لوحة ابنته، تهديد المعلمين بعقوبات إذا عبروا عن رأي مخالف – يبين أن تقنيات المراقبة لم تعد محصورة في جهاز الدولة، بل جرى توزيعها أفقيا داخل المجتمع المدرسي. كل فرد يمكن أن يتحول إلى عين للسلطة: التلميذ على معلمه، الأهل على المدرسة، الإدارة على المعلم، وهكذا. هذا ما يسميه فوكو «المراقبة اللامركزية»؛ حيث لا تحتاج السلطة إلى وجود شرطي داخل كل صف، لأن شبكة العلاقات نفسها تنتج الخوف والرقابة الذاتية.
في مثل هذه البيئة، يتعلم التلميذ مبكرا أن يزن كلماته، وأن يميز بين ما يمكن أن يقال في البيت وما يقال في الصف، وأن يقرأ إشارات الولاء أو المعارضة في سلوك المعلمين. المدرسة تنتج هنا ذاتا مزدوجة: واحدة رسمية، مطابقة للنموذج الوطني المطلوب، وأخرى صامتة أو سرية، تحمل شكوكها وأسئلتها بعيدا عن الفضاء العام. وهذه الازدواجية ليست عرضا جانبيا، بل جزءا من النتيجة البنيوية لنظام يطالب بالولاء الكلي ويعاقب الشذوذ بقسوة.
عبء الأيديولوجيا فوق عبء العمل: تأديب المعلم عبر الإرهاق
المعلم، في هذه المنظومة، ليس مجرد منفذ للسياسات بل هدف للتأديب هو أيضا. زيادة أعداد التلاميذ لكل معلم، ارتفاع متوسط عدد الحصص أو «الوظائف» من 1,43 إلى 1,53، نقص الكوادر، ثم إضافة أعباء «التربية الأيديولوجية» – كلها تشكل ما يمكن تسميته «سياسة إدارة الإرهاق». المعلم المرهق، المشغول باستكمال التقارير، وتجهيز الفعاليات، والبحث عن صور للنشر في المنصات الرسمية، أقل قدرة على التفكير النقدي، وأقل ميلا للمقاومة المنظمة.
الإشراف على الصف، المفترض أن يكون مهمة اختيارية، يتحول في الممارسة إلى التزام شبه قسري، لأنه لا توجد بدائل بشرية. النشاطات اللاصفية، التي كانت في السابق مجالا لمبادرات تربوية مفيدة (نواد، رحلات، مسابقات)، تستوعَب في منطق الولاء: زيارة جنود «العملية الخاصة»، كتابة رسائل إلى الجبهة، جمع المساعدات. هذه «الوظائف الإضافية» تمد سلطة الدولة إلى ما وراء جدران المدرسة؛ إذ يستدعى المعلم أحيانا للمساعدة في حشد الناخبين أو توزيع أوامر الاستدعاء. هنا يصبح جسد المعلم نفسه جزءا من ماكينة الحرب، لا فقط كوسيط رمزي.
مع ذلك، لا تعمل هذه المنظومة كآلة مغلقة. المقابلات التي يستند إليها التقرير تكشف عن مجموعة من «المقاومات الصغرى» التي تتسلل من بين شقوق الجهاز التأديبي. مدير يؤجل تنفيذ تعميم ما، معلم يحول «حديثا عن المهم» إلى نقاش عام عن القيم بدل ترديد الخطاب الرسمي، آخر يلتزم بالحد الأدنى المطلوب من الطقس ويرفض شحنه بالعواطف المطلوبة، مدرسة خاصة تمتنع عن تطبيق بعض الأنشطة أصلا. هذه الأشكال من المقاومة لا تقلب النظام، لكنها تخلخل افتراضه بأن العملية الأيديولوجية سلسة وناجحة بالكامل.
خاتمة
ما يحدث في المدرسة الروسية اليوم هو صراع يومي منخفض الحدة على تعريف ما هو «تربوي» وما هو «وطني» وما هو «محظور». التلاميذ، بدورهم، ليسوا مجرد أوعية؛ فهم يطورون طرائقهم في الإزاحة والسخرية واللامبالاة والامتثال الشكلي. لا أحد يضمن أن سردية «السيادة» الملقنة اليوم ستصبح، بعد سنوات، الذاكرة التي يحملونها عن تلك المرحلة. لكن المؤكد أن هذا الجيل يتعلم السياسة لا فقط من الكتب والطقوس، بل من التوتر الدائم بين خطاب الدولة وتجربته اليومية في مدرسة مطوقة بخطاب الحرب، ومثقوبة في آن واحد بواقع مادي هش ومقاومات صامتة لا تتوقف.
تظهر المدرسة الروسية بعد 2022 كنسخة مكثفة من تحول النظام نفسه: من حكم شخصاني فاسد إلى مشروع سلطوي يسعى إلى امتلاك جهاز إنتاج المعنى، لا جهاز القسر فقط. لا تكتفي السلطة بإعادة تنظيم الزمن والفضاء والانضباط الجسدي، بل تتحرك نحو إعادة تعريف «الحقيقة» التي يُسمح للأجيال الجديدة أن تفكر من داخلها، عبر توحيد المناهج، وأسطرة الحرب بوصفها لحظة تأسيسية، وتقنين «القيم الروحية الروسية» قانونيا بوصفها أفقا أخلاقيا وحيدا ممكنًا. في المقابل، يكشف التقرير أن هذا الطموح الكلي يصطدم ببنية مدرسية متصدعة، وجسد تعليمي مرهق، ومقاومات صغرى موزعة بين المعلمين والتلاميذ والإدارات، ما يحول جزءا من الجهاز الأيديولوجي إلى ممارسة شكلية وفجوات صامتة أكثر منه آلة متجانسة.
المدرسة ليست فقط أداة في يد الدولة، بل أيضا أرشيف حي للتوتر بين مشروع السلطة في تصنيع مواطن مطيع، وتجربة يومية تنتج ذاتا مزدوجة، تحفظ في ذاكرتها في الوقت نفسه خطاب «السيادة» وإحساسا عميقا باللاوثوق، وبأن الحياة السياسية تدار خارج الصفوف التي يطلب من التلاميذ فيها أن يقفوا مستقيمين أمام النشيد والعلم.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
الاستنتاجات الرئيسية
المدرسة كساحة للحرب الأيديولوجية: تتحول المدرسة إلى فضاء لـ”تصنيع الذاكرة” وإنتاج “الذات الوطنية” المطيعة، عبر توحيد المناهج وإدخال طقوس يومية.
الدولة كمنتج لنظام الحقيقة: تسعى الدولة إلى خلق “نظام حقيقة” مغلق، من خلال قطع الاتصال بالمعايير الدولية (مثل انسحاب روسيا من اختبارات PISA) وتعويض العجز المادي بالتعويض الأيديولوجي.
التناقض بين الطموح والواقع: رغم الطموح الكلي للنظام، فإن البنية المدرسية المتدهورة والمقاومات اليومية (السخرية، اللامبالاة، الامتثال الشكلي) تخلق فجوات في المشروع الأيديولوجي.





