في ظل غياب الشهود : السلطوية كاختيار بلا عواقب
تفكيك تحولات روسيا ما بعد الشيوعية
المراجعة النقدية لكتاب:
Authoritarian Russia: Analyzing Post-Soviet Regime Changes
المؤلف: فلاديمير غلمان - Vladimir Gel'man
الناشر: University of Pittsburgh Press ، 2015
ISBN: 978-0-8229-6368-4
عن الطموح المحطَّم وسلطة اللعبة
لا يفتتح فلاديمير غلمان كتابه بتأريخ أو نظريّة، بل بلحظة شخصية: عام 1990، كان ناشطا شابا في الحركة الديمقراطية الناشئة في لينينغراد، يقف أمام خيارين، أن ينخرط في الحكم المحلي بقيادة أناتولي سوبتشاك، أو أن يتجه نحو البحث العلمي. ما حسم قراره لم يكن ميلا أكاديميا خالصا، بل تعليق صادم من سوبتشاك نفسه: "نحن الآن في السلطة. وهذا هو جوهر الديمقراطية". عبارة كهذه لا تُنسى، ليس فقط لأنها تختزل مفارقة التحوّل الروسي، بل لأنها تكشف المنطق الذي سيتكرّس لاحقا، أن الديمقراطية وسيلة لا غاية، وأن السلطة حين لا تُكبح، تعيد تشكيل قواعد اللعبة على صورتها.
هذه الواقعة مدخل تعبيري لأطروحة الكتاب. فغلمان لا يكتب عن روسيا لأنّه منغمس في لحظة بوتينية، إنما لأنه يرى في مسار ما بعد الشيوعية مختبرا نموذجيا لفهم الانزلاقات السلطوية في عصر ما بعد الأوهام الليبرالية. يرفض سرديتين مهيمنتين على الأدبيات: الأولى تفسّر السلطوية بالإرث الثقافي الروسي؛ والثانية تفترض أن الديمقراطية ستنتصر تلقائيا بمجرد تحقق التنمية والانفتاح. ضدّهما معا، يقدّم تفسيرا بنيويا–استراتيجيا لمسار تَشكُّل النظام، حيث تصبح السلطة هدفا بحدّ ذاته، وتغدو المؤسسات مجرد غطاء للهيمنة.
في هذا الكتاب، لا يحلّل غلمان "شخصنة" الحكم ولا "نزعات القيصر"، بل يبني نظرية عن الكيفية التي تسمح بها اللحظات الحرجة، والقرارات الانتهازية، بتفكيك قواعد التنافس الديمقراطي من الداخل. إنه يكتب عن نظام سياسي وُلد من رحم الفراغ، وتطوّر كاستجابة لانعدام البدائل، لا كنتيجة لمنطق ثقافي أو تطوّر حتمي. وهذا ما يجعل قراءته اليوم ضرورية لفهم أن السلطوية ليست استثناء روسيا، بل احتمالا سياسيا متكرّرا، يتربّص بكل ديمقراطية لا تحمي قواعدها.
خريطة التحوّل السلطوي
يُقسَّم كتاب روسيا السلطوية: تفكيك تحوّلات ما بعد الشيوعية إلى ستة فصول مترابطة، تتبع مسار التحوّل من الانفتاح السياسي الهشّ في أوائل التسعينيات إلى ترسيخ نظام سلطوي مركزي تحت حكم بوتين. هذا المسار لا يُعرض كخريطة حتمية، بل كسلسلة من لحظات مفصلية، كلٌّ منها حملت إمكانية التقدّم أو التراجع. غلمان يلاحق تلك المنعطفات لا ليروي ما حدث فقط، بل ليحلّل كيف اختارت النخب متعمدة قواعد لعبة تضمن الهيمنة.
الفصل الأول، "طريق الخيبة"، يستعيد لحظة النشوة الديمقراطية في 1991 ويضعها في مواجهة احتجاجات 2011–2012، مشيرا إلى الانفصال العميق بين وعد التحرر وواقع الإحباط. هذه المفارقة لا تُطرح بوصفها خيبة ثقافية، بل كمدخل لفهم طبيعة النظام الذي نشأ، نظام بلا توازن تحكمه قوى لم تكن معنية ببناء ديمقراطية تنافسية، بل بصياغة منظومة حكم قابلة للسيطرة.
في الفصل الثاني، "الفرار من الحرية"، يعرض غلمان ثلاثة أنماط تفسيرية لمسار روسيا، التفسير الثقافي (الذي يرى في السلطوية جزءا من التقاليد السياسية الروسية)، التفسير التحديثي (الذي يربط الديمقراطية بالنمو والانفتاح)، وأخيرا تفسيره الخاص، القائم على تحليل الاستراتيجيات السياسية. ما يميّز هذا الطرح أنه لا يحمّل المجتمع أو التاريخ عبء الفشل، بل يُعيده إلى غياب الحوافز لتقاسم السلطة. (سأتناول هذا الفصل بمزيد من النظر في الفقرة التالية).
الفصل الثالث يعود إلى التسعينيات كمرحلة من الفوضى المقنّنة. لا يعرض انهيار الاتحاد السوفيتي كقصة تحرير، بل كمساحة صراع دون قواعد، حيث انتصرت قوة الرئاسة على البرلمان في 1993، وتحوّلت الانتخابات إلى لعبة مغلقة في 1996. ما يهم هنا ليس الأحداث بحدّ ذاتها، بل كيفية صياغة نموذج للحكم على أنقاض التعدد.
الفصل الرابع يُركّز على لحظة بوتين: ليس كقائد كاريزمي، بل كمهندس توازنات جديدة. يعرض كيف أُعيد بناء الدولة حول مركز رئاسي مسيطر، وكيف جرى تحييد القضاء والإعلام والمعارضة من خلال إعادة ترميز القانون ذاته.
أما الفصل الخامس، فيتوقف عند احتجاجات العقد الثاني، لا كأزمة، بل كاختبار لمرونة السلطوية. ويختتم في الفصل السادس بطرح سؤال مفتوح: هل الاستقرار السلطوي مستدام، أم أن التآكل الصامت يُنذر بانفجار لم تُكتب ملامحه بعد؟
ثلاث تأويلات للهروب من الحرية
يحمل الفصل الثاني من كتاب روسيا السلطوية: تفكيك تحوّلات ما بعد الشيوعية عنوانًا دالًا: "هروب روسيا من الحرية". يقدّم فيه فلاديمير غلمان ثلاث مقاربات تحليلية حاولت تفسير الانزلاق الروسي نحو السلطوية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. يصفها بسخرية لاذعة باعتبارها مدارس فكرية تتصارع بين "القدرية الثقافية"، و"التفاؤل الليبرالي"، و"الواقعية السياسية"، ليعيد صياغة السؤال المركزي: لمَ لم تصبح روسيا ديمقراطية؟
1. التفسير الثقافوي: قدر الإمبراطورية الذي لا يُكسر؟
يرى أنصار التفسير الثقافي أن روسيا محكومة بإرث تاريخي يجعلها غير قابلة للديمقراطية. ليست السلطوية، في نظرهم، خيارا أو عارضا، بل مكوّنا بنيويا متجذرا في تقاليدها السياسية والاجتماعية والدينية. يُدرج غلمان هذا التفسير ضمن ما يسميه "القدرية التاريخية والثقافية" (historical and cultural determinism)، التي تختزل الحاضر في الماضي، وتحكم على المستقبل بالجمود.
أبرز دعاة هذا الاتجاه هم المؤرخ ريتشارد بايبز، الذي يرى أن روسيا ورثت نظاما أبويا (patrimonial rule) يجعلها منفصلة عن التجربة الغربية، وكينيث جوويت، الذي صاغ مفهوم "الاستثناء الروسي" بوصفه انحرافا بنيويا عن مسار الحداثة السياسية. كما يستدعي غلمان أطروحة "الرجل السوفيتي" (Homo Sovieticus) باعتباره شخصية اجتماعية نمطية "تُفضّل القيصر الصالح على المؤسسات الديمقراطية" (ص. 21).
بل إن بعض الدراسات، كما يشير غلمان، رأت أن "التحوّل إلى مجتمع مضاد للحداثة في التسعينيات لم يكن سوى إعادة إنتاج لتقاليد الحكم التعسفي الموروثة من الإمبراطورية" (ص. 21)هذه المقاربة لا تقتصر على وصف الطابع السلطوي للنظام، بل تذهب أبعد من ذلك، حين "تصوّر المجتمع الروسي بوصفه مريضا مزمنا، لا شفاء له، ولا أمل في تخطي مصيره الوراثي" (ص. 20).
يُرجع التفسير الثقافوي عجز روسيا عن تبني الديمقراطية إلى عوامل مثل:
غياب تقاليد المشاركة السياسية قبل الحقبة السوفيتية.
هيمنة الكنيسة الأرثوذكسية بوصفها حاملة لنموذج سياسي روحاني محافظ.
ضعف المجتمع المدني، وارتباطه دائما بالحكم المركزي.
ويشير غلمان إلى أن هذه التفسيرات تُستخدم لتبرير النتائج الراهنة أكثر من تحليل أسبابها. فهو يكتب:
"يبدو أحيانا أن الروس نالوا ما يستحقونه: نظام استبدادي تعسفي، ولا قانون... فالحتمية الثقافية تصبح ذريعة للحفاظ على الوضع القائم" (ص. 21).
غلمان لا ينكر الأثر العميق للثقافة السياسية، لكنه ينتقد الطابع الاختزالي والدوغمائي لهذا التفسير. فهو يرى أن هذا النوع من التحليل:
يعجز عن تفسير التحولات المتأرجحة في تاريخ روسيا (مثل لحظات الإصلاح أو الفتح الديمقراطي المحدود).
يُعامل الثقافة ككُتلة صمّاء لا تتحوّل.
يُنتج ما يسميه "الفئة المتبقية" (residual category)، أي التبريرات التي تُستخدم لتفسير كل ما لا يمكن تفسيره (ص. 22).
ويضيف:
"لو كانت الثقافة والماضي تحددان كل شيء، لما شهدنا أي تغيرات في النُظم خلال فترة قصيرة. الحتمية الثقافية، من هذا المنظور، تفتقر إلى القدرة التفسيرية التفريقية" (ص. 22).
كما يشكّك في المنهجية التي تعتمد على استطلاعات رأي تُفسَّر بانتقائية، قائلاً:
"تشير عدة دراسات مقارنة إلى أن مواقف الروس من الديمقراطية لا تختلف كثيرًا عن شعوب أوروبا الشرقية التي نجحت في التحوّل الديمقراطي" (ص. 22).
ويصل إلى خلاصة لاذعة:
"يمكن النظر إلى القيم والمواقف الجماهيرية على أنها نتيجة للسلطوية، لا سبب لها" (ص. 22).
غلمان لا يُفوّت الإشارة إلى الخلفية الإيديولوجية لهذا النوع من التحليل، وارتباطه بالخطابات الغربية المتحيزة في حقبة الحرب الباردة. فهو يرى أن بعض المقاربات الثقافوية:
تُضمر تحقيرا ضمنيا للشعوب غير الغربية.
تُبرر تدخّلات خارجية عبر القول إن هذه المجتمعات "لا تصلح للديمقراطية" إلا بإدارة خارجية.
ينتقد غلمان هذا التفسير بوصفه استمرارا لخطاب الحرب الباردة:
"تفسيرات من هذا النوع لا تقتصر على تشويه علمي، بل تؤدي إلى توصيات سياسية متطرفة، كإلغاء الدولة أو إخضاعها لحكم خارجي" (ص. 23)
ويكتب محذرًا:
"إذا كان المسار السلطوي ناتجًا عن ثقافة غير قابلة للإصلاح، فإن الاستنتاج المنطقي هو أن على المجتمع الدولي أن يحكم هذه البلدان نيابة عنها" (ص. 22).
كما يوجه غلمان نقده لأطروحات متأخرة مثل أطروحة "الرجل السوفيتي" (Homo Sovieticus) التي صاغها يوري ليفادا، والتي وصف بها شخصية اجتماعية ممتثلة، انفعالية، ترى في "القيصر الصالح" حاميا أبديا، وتُبدي ارتيابا عميقا تجاه المؤسسات التمثيلية. بحسب غلمان، لا تخلو هذه القراءة من الوجاهة، لكنها تتحوّل بسهولة إلى سردية شمولية تختزل التحوّلات الاجتماعية في نمط واحد، وتحوّل التاريخ إلى كتلة ثابتة.
ويُصرّح في موضع دقيق:
"تشير بيانات المسوح إلى أن الروس لا يختلفون كثيرا عن شعوب أوروبا الشرقية الأخرى في مواقفهم من الديمقراطية. ما يختلف هو البنية المؤسسية التي لم تُمكّنهم من الدفاع عنها" (ص. 22).
لا يُسقط غلمان التفسير الثقافوي تماما، لكنه يُنزله من مقام "التحليل القاطع" إلى مقام "الفرضية المشروطة". فالثقافة، في نظره، ليست قيدا أبديا، بل معطى تاريخي يمكن التفاعل معه سياسيًا. والتاريخ، برأيه، ليس قدرا، بل مسار تتدخّل فيه الإرادة، والقرار، والصراع.
2. التفسير التحديثي: حين لا تكفي السوق لإنتاج السياسة
يقدّم التفسير التحديثي سردية مغايرة للتفسير الثقافوي، مستندا الى إلى فرضية مركزية في دراسات التحوّل الديمقراطي، ترى أن الديمقراطية نتيجة منطقية لمسار اجتماعي–اقتصادي طويل الأمد. فكلّما ارتفع الدخل القومي، وتوسّعت السوق، وتعزّزت طبقة وسطى مدينية، ازدادت المطالب بالتمثيل، وانفتحت النظم على التعدد.
بحسب هذا التصوّر، فإن الديمقراطية تظهر حين تنضج أدواتها من تحت، لا حين تُفرض من فوق. وهو تفسير يحيلنا إلى أدبيات الانتقال الديمقراطي الكلاسيكية، من صامويل هنتنغتون إلى آدم برزيفورسكي، ويُستحضر في الحالة الروسية بوصفه "وعدا مؤجّلا"، لا خيارا مستحيلا.
يقر غلمان بالوجاهة النظرية لهذا التفسير، لكن يشير إلى أنه مضلل في سياق ما بعد الشيوعية، و يصطدم بواقع روسي أكثر تعقيدا. فالنمو الاقتصادي، منذ مطلع الألفية، لم يُترجم إلى انفتاح سياسي، بل العكس استُخدم لتدعيم بنية الحكم المركزية، ولتمويل ائتلاف سلطوي يضم الدولة والأجهزة الأمنية والنخب الاقتصادية. لم تكن روسيا تعاني من غياب التنمية، بل من الطريقة التي أُديرت بها ثمارها.
"على الرغم من الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية في التسعينيات، لم تُصمَّم المؤسسات السياسية الروسية لتحفيز المساءلة أو تقييد السلطة التنفيذية" (ص. 18).
يرى غلمان أن الرهان على النمو الاقتصادي لإنتاج مشاركة سياسية يتجاهل منطق السلطة في النظم الانتقالية، حيث يمكن للنخب أن تلتهم العائدات الاقتصادية لتعزيز موقعها، لا لتوزيع القوة. ويضيف:
"الدولة الروسية الجديدة لم تكن نتاجا لمطالب المجتمع، بل بنيت استجابة لمصالح ضيقة، وتحوّلت إلى أداة لإعادة توزيع الريع السياسي" (ص. 20).
نجد صدى لنقد هذا التفسير التحديثي في مواضع أخرى من الكتاب، يُفرد غلمان حيزا خاصا (في الفصل الخامس) لتحليل تجربة ديميتري ميدفيديف (2008–2012)، الذي قدّم نفسه بوصفه حامل لواء "الحداثة". إلا أن هذه الحداثة لم تشمل النظام السياسي، بل اقتصرت على تحديث تقني، وإصلاحات إدارية محدودة.
ويكتب غلمان بوضوح:
"أُعيد تعريف مصطلح 'التحديث' ليعني فقط تحسين أداء قطاعات التكنولوجيا والإدارة، دون أي نية لتوسيع الحقوق أو إصلاح النظام السياسي" (ص. 108).
لم تكن أجندة ميدفيديف، بحسب غلمان، أكثر من واجهة بلاغية، تهدف إلى تهدئة القلق الداخلي وامتصاص الضغط الخارجي. ويضيف في توصيف مرير لطبيعة هذا التحديث الجزئي:
"تحوّلت أجندة التحديث إلى استعراضٍ استهلاكي فاخر، لا يحمل سوى وهم التغيير، ويهدف إلى تلميع صورة السلطة أكثر من تغييرها فعليا" (ص. 113).
ورغم الطابع التكنوقراطي للخطاب، ظل النظام السياسي يعمل بمنطق احتكار القرار، لا تفويضه. المؤسسات القائمة لم تُعد هندستها، بل حُيّدت، أو حُوّلت إلى أدوات تنفيذية، أو قنوات رمزية.
يُرجع غلمان جذور هذا الفشل إلى البنية المؤسسية ذاتها. فالنموذج الذي حاول البعض مقارنته بالصين أو سنغافورة، يفتقر في الحالة الروسية إلى الأدوات الكفيلة بتحقيقه. يكتب:
"لم تكن البيروقراطية الروسية مؤهلة لتكون أداة تحديث، إذ كانت فاسدة، بلا استقلالية، ومُخترقة من قبل جماعات المصالح" (ص. 110).
أما الحزب الحاكم، فلم يكن حزبًا بالمعنى التنظيمي، بل شبكة مصالح. والجهاز القسري، بدل أن يُضبط، أصبح جزءًا من آلية الحفاظ على الوضع القائم، لا تغييره.
لا يُسقط غلمان العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، لكنه يُعيد ترتيبها زمنيا ومؤسسيا. فالتنمية لا تولّد انفتاحا سياسيا تلقائيا، ما لم توجد مؤسسات قادرة على ترجمة المطالب الاجتماعية إلى قواعد ملزمة للسلطة. وحين تنعدم هذه المؤسسات، تصبح التنمية مجرد أداة إضافية في يد النظام، لا رافعة لتحوّله.
3. التفسير الاستراتيجي: السلطة حين لا تجد من يردعها
يمثّل التفسير الاستراتيجي حجر الزاوية في أطروحة فلاديمير غلمان، ويقع في صلب ما يسميه "الواقعية التحليلية" التي تستند إلى أدوات الاختيار العقلاني والنهج المؤسسي التاريخي. بخلاف الثقافويين الذين يرون في السلطوية قدرا، والتحديثيين الذين يرونها خللا مؤقتا، ينطلق غلمان من فرضية معاكسة.
فرضيته تفيد بأن روسيا لم تكن "محكومة" بالسلطوية، بل "وصلت" إليها عبر سلسلة من الخيارات الاستراتيجية التي اتخذها الفاعلون السياسيون عند لحظات مفصلية، حيث غابت القيود المؤسسية وندرت التكاليف والتبعات، فاختاروا ما يخدم مصالحهم المباشرة على حساب أي توازن ديمقراطي.
يركّز غلمان على تحليل ما يسميه "المنعطفات الحرجة" (critical junctures)، التي حددت مسار التحوّل السياسي في روسيا، بدءا من عام 1991، حين أُتيح للفاعلين السياسيين نافذة ضيقة لصياغة قواعد جديدة، لكنهم "فضلوا الحفاظ على ترتيبات ما قبل الانهيار، ما أدى إلى تراكب مؤسساتي لا يسمح ببناء نظام ديمقراطي" (ص. 15). هذه اللحظات، مثل صراع البرلمان والرئاسة عام 1993، وانتخابات يلتسين عام 1996، وتعيين بوتين خلفا له عام 2000، تُظهر أن الاختيارات السلطوية لم تكن حتمية، بل "نتاج لقرارات وُضعت في سياق ضعف الردع المؤسسي، وغياب الفاعلين القادرين على فرض كوابح على توسّع السلطة" (ص. 18).
وينتقد غلمان المقاربات التي تُرجع فشل الديمقراطية إلى الثقافة أو ضعف التنمية، قائلاً:
"تفتقر روسيا، في لحظات التحوّل الكبرى، إلى القيود المؤسسية الفعالة، وهذا ما يسمح للفاعلين السياسيين بالسعي إلى أقصى حد ممكن من تعظيم السلطة" (ص. 20).
ويوضّح بأن معظم الفاعلين السياسيين ليسوا "أشرارا" بالفطرة، كما تفترض سرديات "الفيلم الأسود"، بل "يبحثون عن تعظيم مصالحهم وفقا للفرص المتاحة، وهذه الفرص في روسيا ما بعد الشيوعية كانت خالية تقريبا من الضوابط المؤسسية" (ص. 9).
يتبنّى غلمان منطقًا بسيطا: في غياب التكاليف والتبعات، تصبح السلطوية الخيار العقلاني. ففي عام 1993، عندما أطلق يلتسين النار على البرلمان، لم تواجهه مقاومة حقيقية، ففرض دستورا يمنحه سلطات واسعة؛ وفي 2004، ألغى بوتين الانتخابات المباشرة للمحافظين بعد أزمة بسلان دون ردّ يُذكر. يكتب:
"تمكّن يلتسين وبوتين من فرض إرادتهما لأن غياب القيود جعل تكاليف تصرّفاتهما منخفضة ومكاسبهما مرتفعة" (ص. 11).
ويرى أن لحظات النجاح الديمقراطي النادرة في العالم لم تكن نتيجة نوايا حسنة، بل بسبب "قيود واجهت الفاعلين الأقوياء: من النخب، أو المجتمع، أو المؤسسات"، وهذه كلها كانت غائبة في روسيا (ص. 12).
ويذهب أبعد من ذلك، في إعادة توصيف مفهوم "الحكم الرشيد" ذاته، حين يكتب:
"الديمقراطية لا تظهر لأن الفاعلين طيبون، بل لأنهم مجبرون على تقاسم السلطة تحت ضغط مؤسسي أو اجتماعي" (ص. 10).
ولهذا، يركّز غلمان على أهمية "الهياكل التحفيزية" (incentive structures)، معتبرا أن النظام السياسي الروسي أنتج توازنا سلطويا هشا لكنه قابل للاستمرار، لأنه يخدم مصالح من في السلطة، بينما يفتقر الآخرون لأدوات التحدي أو كلفة الخروج منه مرتفعة للغاية. في هذا السياق، يقارن بين التجربة الروسية وتحوّلات أوروبا الشرقية، مشيرًا إلى أن غياب "روافع الإكراه" الدولية (كالتي استخدمها الاتحاد الأوروبي) جعل روسيا معزولة عن أي ضغط خارجي ذي معنى (ص. 13).
يخلص غلمان إلى أن المشكلة لم تكن في الإرث، ولا في النوايا، بل في غياب الشروط المؤسسية التي تردع التوسّع السلطوي. فالنظام في روسيا، كما يراه، هو نتيجة خيارات استراتيجية عقلانية في بيئة تفتقر إلى كوابح. ولهذا، يُفضّل وصف الحالة الروسية بأنها "انزلاق سلطوي عقلاني" لا "قدرية ثقافية ولا فشل تحديثي".
ما قاله غلمان وما سكت عنه
يتميّز كتاب “روسيا السلطوية” بحجّة واضحة تُبنى بلا مواربة: فشل التحوّل الديمقراطي في روسيا لم يكن نتيجة "ثقافة سياسية شاذّة" ولا "نقص في التنمية"، بل سلسلة من الخيارات الاستراتيجية التي اتخذتها النخب عند لحظات مفصلية، حين كانت التكلفة السياسية منخفضة، والمكاسب السلطوية مضمونة. هذه الحجة، وإن بدت مألوفة في أدبيات التحوّل السياسي، تُقدَّم في الكتاب بمنهجية صلبة، ونزعة تحليلية تحترم القارئ ولا تفرض عليه خلاصة جاهزة.
في قلب هذا البناء يقع مفهوم "المنعطفات الحرجة" (critical junctures)، الذي يستخدمه غلمان ليعيد قراءة التسعينيات الروسية من زاوية غير أخلاقية: لا كبداية خيانة ديمقراطية، ولا كلحظة انحراف كارثية، بل كمرحلة قرر فيها الفاعلون السياسيون بعقلانية محسوبة تفكيك المنافسة السياسية لصالح تركيز السلطة. المفارقة أن هذا التفسير الواقعي، الذى يتجنّب السرديات البطولية والمأساوية، هو ما يمنح الكتاب صدقيته، لكنه أيضًا يحدّ من طموحه التأويلي.
فغلمان يرفض الأحكام الكلّية، لكنه يقع أحيانا في اختزال مفرط لبنية القرار السياسي، كما في قوله:
"السياسيون الروس لم يسعوا إلى بناء مؤسسات ديمقراطية، بل إلى هندسة منظومة سلطة قابلة للسيطرة" (ص. 19).
هذا التشخيص دقيق، لكنه يفترض أن الفاعلين فهموا قواعد اللعبة الجديدة منذ البداية، وهو افتراض لا يخلو من تعميم. فالتجربة الروسية لم تكن خطية، بل شهدت لحظات صراع واضطراب داخلي، لم يُفكّكها الكتاب بما يكفي، خصوصا في حالة الانتخابات التشريعية الأولى أو محاولة إصلاح مجلس الاتحاد. يغيب عن هذا التحليل الحسّ الزمني للتردد، والتجريب، والتراجع.
على مستوى المنهج، يختار غلمان مزيجا من التحليل المؤسسي التاريخي (historical institutionalism) ومقاربة "الاختيار العقلاني"، لكنه لا يشرح العلاقة بينهما بما يكفي. صحيح أنه يستخدم مصطلحات مثل "تعظيم المصلحة" و"غياب القيود"، لكنّه لا يوضح كيف يتفاعل هذا النموذج مع البُنى الاجتماعية أو الرمزية. مثلا، لا يحضر في الكتاب إلا بشكل هامشي تحليل الأدوار الرمزية التي لعبها الإعلام، أو الخطاب القومي، أو النزعة السيادية التي مثّلت رافعة لشرعنة السلطوية بعد 1999.
كذلك، لا يعير غلمان اهتماما يُذكر لخيارات الفاعلين من خارج النخبة، ولا للمجتمع بوصفه ساحة تفاوض. فالمجتمع الروسي، في تحليله، إما غائب أو هامد أو مُجرّد من أدوات التأثير. وهذا ما يجعله يكتب:
"غياب تلك القيود ، لا الثقافة ولا الاقتصاد، هو ما سهّل على السياسيين في روسيا بناء نظام سلطوي دون معوّقات حقيقية" (ص. 36).
غير أن هذا الغياب لا يطرح عليه أي سؤال منهجي: لماذا لم تتكوّن معارضة اجتماعية ذات أثر؟ ما موقع النقابات، أو الكنيسة، أو الشركات الكبرى؟ هل كان الصمت الشعبي اختيارا عقلانيا هو الآخر؟ لا يقدّم الكتاب إجابات، بل يلتزم بتفسير أعلى–أسفل (top-down) يتجاهل الطبقات المتوسطة والبُنى التحتية السياسية الناشئة.
من جهة أخرى، لا يُخفي الكتاب قوته الاستدلالية حين يتناول قضايا محددة مثل "إلغاء الانتخابات المباشرة لحكام الأقاليم" بعد أزمة بسلان، أو "هندسة البرلمان ليصير أداة طيّعة"، أو "تطويع القضاء عبر تشريعات ضبابية". هذه الأمثلة لا تُعرض بوصفها وقائع فقط، بل تُفكّك كاستراتيجيات ممنهجة لإغلاق الحقل السياسي. تتجلى قوة غلمان في قدرته على "قراءة النية السياسية من بنية القانون".
ومقارنةً بكتبٍ أخرى في حقل الدراسات الروسية مثل طريق روسيا إلى الحكم التسلّطي (Russia’s Path to Autocracy) لدانيل تريسمان، أو منطق البقاء السياسي (The Logic of Political Survival) لبريزيفورسكي وآخرين، يتميّز غلمان بانحيازه للتحليل المؤسسي الصارم على حساب التفسيرات النفسية أو الجيوسياسية. لا يبحث عن "نفسية بوتين"، ولا عن "الصدمة السوفيتية"، بل عن القواعد، والخيارات، والمكافآت.
لا يعقد غلمان مقارنات تفصيلية مع حالات انتقالية مشابهة، ككازاخستان أو أوكرانيا، أو حتى تجارب أوروبا الشرقية. يكتب:
"روسيا ليست حالة شاذّة بحد ذاتها، لكنها تمثّل نموذجا لسلطوية انتخابية مزمنة تفتقر إلى آليات التصحيح الذاتي" (ص. 41).
ما يجعل هذا الطرح معلقا في الفراغ المقارن. لا يخبرنا لماذا حدثت انقطاعات ديمقراطية مؤقتة في أماكن، واستقرت السلطوية في روسيا. هل السياق الدولي؟ هل إرث الأمن السوفيتي؟ هل غياب المجتمع المدني؟ الأسئلة تظل على هامش التحليل.
ورغم كل ذلك، تظل فضيلة الكتاب الكبرى أنه لا يبرّر السلطوية، ولا يُعيد إنتاجها نظريا، بل يعرّي هشاشتها البنيوية: سلطة بلا قيد، لا تعني الاستقرار، بل قابلية دائمة لإعادة التأسيس بالقوة. وهذا التوتّر، بين البناء الظاهري والاستقرار الزائف، هو ما يجعل قراءة كتاب “روسيا السلطوية” ضرورية في عصر تُعاد فيه صياغة مفاهيم الحُكم، لا فقط في موسكو، بل ربما في عواصم أخرى، أقرب إلينا مما نُحب أن نعتقد.




