أستمتع بالاستماع إلى شارل الحايك. تجذبني موهبته في السرد والأرضية التاريخية التي يستند إليها، تمنحانه قدرة نادرة على تقديم التاريخ قصة ممتعة من دون ابتذال أو وعظ نوستالجي. شاهدت له الأسبوع الماضي حواراً طويلاً انتهى بلعبة من المقارنات السريعة بين شخصيات تاريخية. أفسد حس المؤرخ عند الحايك اللعبة عندما يتوقف عند بعض المقارنات ليسأل: بأي معيار نقارن؟
لفتتني إجابته عن صلاح الدين. وصف مكانته بأنها إلى حد بعيد اختراع غربي، بينما رأى أن الظاهر بيبرس أحق منه بموقع البطولة لأنه قطع شوطاً أبعد في إنهاء الوجود الصليبي في المشرق. وراء هذا الحكم حذر مفهوم من الطريقة التي أعادت بها الكتابات الأوروبية تشكيل تاريخ المنطقة، ومن الاستخدامات السياسية اللاحقة لصور أبطالها.
لكن الحكم يجمع معيارين مختلفين: نقداً لصورة صنعتها الذاكرة، ومفاضلة تستند إلى الإنجاز. إحلال بيبرس محل صلاح الدين يترك سؤالاً أسبق بلا جواب. إذا كانت صورة البطل نفسها نتاجاً لتاريخ طويل من التذكر وإعادة التفسير، فما الذي يجعل شخصية تاريخية أقدر من أخرى على حمل معنى البطولة؟ ولماذا تبقى بعض الوقائع في الذاكرة، وتتراجع أخرى، ثم تعود الشخصية نفسها في زمن لاحق بصورة لم يعرفها أصحاب عصرها؟
من هنا تبدو المفاضلة بين صلاح الدين وبيبرس أقل إثارة من التاريخ الذي صنع مكانة كل منهما.
بين ما حدث وما نتذكره
يغيب الفاعل التاريخي وتظل صورته حية. وما يتراكم بعد الغياب ليس سجلاً يحفظ ما فعله فحسب، بل طبقات من السرد والتفسير والانتقاء تصنع له سيرة ثانية لا تطابق بالضرورة سيرته الأولى. الأهمية التاريخية شيء، والحضور في الذاكرة شيء آخر. وبينهما تراكم من التأريخ والحكاية والترجمة والأدب والتعليم والسينما والسياسة.
الذاكرة ليست حرة في أن تصنع من الماضي ما تشاء، لأنها تعمل داخل حدود ما يتيحه الماضي. تمنحها الوقائع مادتها، من دون أن تكون مجرد مرآة لها. تنتقي عناصر من السيرة وتدفع بأخرى إلى الهامش، ثم تصلها بأسئلة وإشكاليات لم تكن مطروحة في زمن صاحبها، بل تخص أزمنة لاحقة. وهكذا تدخل الأهمية التاريخية إلى الذاكرة بعد أن يعاد ترتيب عناصرها ومعانيها.
عندما توضع شخصيتان تاريخيتان في مفاضلة بحثاً عن البطل الحقيقي، تختلط مهمتان مختلفتان. يستطيع المؤرخ أن يصحح رواية معركة، وأن يميز بين دور قطز ودور بيبرس في عين جالوت، وأن يفصل صلاح الدين التاريخي عن الصور التي أعاد الأدب والمسرح والسينما تشكيلها. أما تحويل هذه الوقائع إلى ترتيب نهائي للأبطال فشيء آخر. فالوقائع تخبرنا بما حدث وبما فعله الفاعلون، لكنها لا تمنحنا مقياساً تاريخياً اسمه البطولة. وحين يغيب هذا المقياس، تصبح كل مفاضلة بين الأبطال حكماً من أحكام الذاكرة يتقدم في ثوب حكم تاريخي.
جرد إنجازات الشخصية التاريخية لا يفسر مكانتها اللاحقة. لفهم هذه المكانة، ينبغي تتبع ما جرى لسيرتها بعد غيابها: ما الذي بقي منها وما الذي تبدل، وأي عناصر منها غدت بفعل الانتقاء وإعادة التفسير قادرة على حمل معاني البطولة في أزمنة لم يعرفها صاحبها.
ما يبقى من البطل
في صيغها الشائعة، تستند أطروحة الاختراع الغربي إلى فرضية ضمنية: أن صلاح الدين غاب عن الذاكرة الإسلامية قروناً حتى أعاد الأوروبيون اكتشافه في القرن التاسع عشر. وكثيراً ما تُستحضر زيارة القيصر الألماني فيلهلم الثاني لقبره في دمشق سنة 1898 علامة على هذه العودة. لكن الأدلة لا تسمح بفرضية الغياب الكامل. تكشف دراسة دانيال بيبن للتأريخ العام المكتوب بالفارسية استمرار حضوره في تقاليد تأريخية إسلامية لم تجعل الحروب الصليبية والقدس دائماً مركز سيرته.
يبدأ بيبن بمؤلفات فارسية سبقت الغزو المغولي. لم تكن الحروب الصليبية الحدث الذي انتظم حوله ذكر صلاح الدين فيها، على الرغم من قرب مؤلفيها الزمني منها. ففي «عجائب نامه» لمحمد الهمذاني يحضر خصوصاً بوصفه الرجل الذي أنهى الدولة الفاطمية الإسماعيلية في مصر سنة 1171 وأعاد الخطبة للخليفة العباسي. أما حطين واستعادة القدس والصراع اللاحق مع الصليبيين فلا تحتل الموقع الذي ستمنحه لها صورته الحديثة.
أعاد الغزو المغولي ترتيب الزاوية التي قرأ منها مؤرخو المشرق الماضي. فقد رفع سقوط الخلافة العباسية والقضاء على دولة الإسماعيليين في ألموت مكانة الصراع مع الإسماعيلية داخل تفسير أوسع للتحولات التي أصابت العالم الإسلامي. وفي كتابات عطا ملك الجويني، ثم رشيد الدين ومؤرخين فرس لاحقين مثل حمد الله المستوفي وحافظ أبرو وميرخواند وخواندمير، اكتسب صلاح الدين معنى إضافياً، لأنه سبق المغول إلى إنهاء سلطة إسماعيلية كبرى في مصر وأعاد وصلها بالخلافة العباسية.
لا يعني ذلك أن القدس غابت عن ذاكرته الإسلامية. فالتأريخ العربي الذي كتبه رجال من حاشيته، مثل بهاء الدين بن شداد والعماد الأصفهاني، جعل الجهاد وفتح القدس في قلب سيرته. ما يكشفه المسار الفارسي هو أن التقاليد المختلفة لم تتذكر صلاح الدين للسبب نفسه.
ينقض هذا التعدد فرضية الغياب الكامل، ويكشف أمراً آخر أدق: بقاء الشخصية في الذاكرة لا يعني بقاء السبب نفسه لتذكرها. بقي الاسم، وتغيرت الواقعة التي تمنحه أهميته. وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يوجَّه إلى بيبرس أيضاً. لا يكفي أن نسأل هل بقي، بل ماذا بقي منه، وأي معنى حمله.
لم يكن بيبرس أقل تعرضاً لإعادة التشكيل. في السيرة الرسمية «الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر» التي كتبها القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، أحد رجال ديوانه والمقربين منه، يظهر السلطان قوياً يحمي بيضة الإسلام ويقيم العدل ويواجه المغول والصليبيين ويعيد الخلافة العباسية في القاهرة. ارتبطت صورته منذ البداية بمشكلة سياسية، هي تثبيت شرعية دولة مملوكية جديدة وصلت إلى الحكم بعد انهيار النظام الأيوبي، فيما الخطر المغولي لم يكن قد زال.
بعد وفاته تحررت صورة بيبرس جزئياً من حاجة البلاط. فقد قدم مؤرخون من القرن الرابع عشر، مثل شافع بن علي وبيبرس المنصوري الدوادار والنويري وابن الدواداري، صورة أقل احتفاء من السيرة الرسمية. أبرزوا جوانب من شدته في الحكم، وطريقة وصوله إلى السلطنة، ومراقبته كبار الأمراء ومعاقبة من اشتبه فيهم. ولم تختفِ إنجازاته من هذه الروايات، لكن العنف الذي صاحب بناء سلطته لم يعد يحتاج إلى التبرير الذي ربما فرضته كتابة البلاط. أما مؤرخون مملوكيون متأخرون، مثل المقريزي والعيني وابن تغري بردي، فقدموا صورة أكثر توازناً، احتفظت بإنجازاته من دون حجب قسوته وتجاوزاته. وهكذا أصبح بيبرس قادراً على حمل أكثر من صورة في الوقت نفسه: مؤسساً للدولة، ومدافعاً عنها، وحاكماً شديداً استخدم العنف لتثبيت سلطته.
في «سيرة الظاهر بيبرس» انتقلت صورته إلى عالم آخر. تراجع السلطان الذي يبني الدولة ويثبت الحكم، وتقدم البطل الشعبي الذي يخوض المغامرات، وينصر المظلوم، ويكشف الخونة، ويهزم الأعداء، ويدافع عن ديار المسلمين. احتفظت السيرة باسم بيبرس وبشيء من مادة عصره، لكنها أعادت تركيبها وفق منطق الحكاية الشعبية، حيث تختلط الوقائع بالخيال وتُقاس قيمة البطل بما يفعله لا بما يحكمه. ولم تكن هذه الحكاية هامشية. تشير أمينة البنداري، اعتماداً على وصف إدوارد لين للقاهرة في القرن التاسع عشر، إلى وجود عشرات الرواة المتخصصين في سيرة الظاهر بيبرس. لم يكن الرجل غائباً عن الذاكرة الشعبية بانتظار من يعيد اكتشافه.
لم يقطع الانتقال مع الصورة التي صنعتها حوله الكتابة السلطانية. فالصفات نفسها بقيت مع تبدل وظائفها. صار العدل الذي كان يثبت أهلية السلطان للحكم انتصاراً للمظلوم. وصار الدفاع عن الإسلام، الذي أسهم في شرعنة السلطنة المملوكية، المجال الذي تتحرك فيه مغامرات البطل ويتحدد داخله أنصاره وأعداؤه. بقيت المادة الرمزية، فيما تغير النظام الذي يمنحها معناها.
دخل صلاح الدين وبيبرس العصر الحديث وفي حوزة كل منهما رصيد سابق من السمعة. لكن ما وصل لم يكن صورة ثابتة لأي منهما، بل مادة أعيد انتقاؤها وتفسيرها مرات عدة قبل أن تصل إلى زمن القومية والدولة الحديثة.
صلاح الدين في العصر الحديث
وإذا لم يكن صلاح الدين منسياً قبل العصر الحديث، فإن صورته الحديثة نفسها يصعب اختزالها في اختراع أوروبي أعيد تصديره إلى العرب. لا شك أن الأدب الأوروبي أسهم بقوة في إعادة تشكيل صورته، لكنه تعامل مع شخصية كانت لها حياة تذكارية سابقة خارج أوروبا.
قبل صعود القومية العربية الحديثة أعاد والتر سكوت، في «الطلسم»، تقديم صلاح الدين في صورة السلطان المسلم الفارس والمتزن، ووضعه أخلاقياً، في مواضع كثيرة، فوق بعض خصومه الصليبيين. لكن انتقال هذه الصورة إلى العربية لم يكن نقلاً سلبياً لذاكرة أوروبية مكتملة.
عندما ترجم يعقوب صروف الرواية في أواخر القرن التاسع عشر، حذف وأضاف وعدل بما يلائم جمهوره. ثم انتقلت المادة إلى المسرح وأشكال جديدة من الأدب العربي. ويتتبع صموئيل إنجلاند أعمال صروف ونجيب الحداد وفرح أنطون ليرصد تحول رواية أوروبية عن الحروب الصليبية إلى مادة أخلاقية وسياسية داخل مجال عربي حديث آخذ في التشكل.
يظهر مقدار هذا التحول في مسرحية فرح أنطون «السلطان صلاح الدين ومملكة أورشليم» سنة 1914 . يبين لوك-ويلي دويهفيلز أن أنطون صاغ صلاح الدين قائداً فاضلاً ومحرراً وموحداً قبل ظهور الناصرية بعقود. وفي هذه الصيغة تجتمع، داخل شخصية واحدة ذات وظيفة سياسية، صفات كانت متفرقة في الموروث السابق.
لا تتيح الأدلة توزيع نسب محددة من التأثير بين هذه المسارات، ولا افتراض تساويها. لكنها تكشف أن أياً منها لم يعمل قناة نقل محايدة. سكوت أعاد الكتابة، وصروف أعاد الترجمة والاختيار، وأنطون أدخل الشخصية في لغة سياسية وأخلاقية جديدة. ولا تتيح المصادر التي يعتمد عليها هذا المقال تتبع مسار أدبي حديث مماثل لبيبرس في هذه المرحلة؛ فقد بقي رصيده الأوسع في السيرة الشعبية.
لذلك لا يصلح الرد على أطروحة الاختراع الغربي برواية معاكسة عن استمرار عربي أو إسلامي صافٍ. تكونت صورة صلاح الدين الحديثة من مسارات متداخلة وغير متكافئة، أعاد كل منها انتقاء ما ورثه وتحويله. الذي استمر لم يكن معنى واحداً لصلاح الدين، بل قابلية الاسم لأن يعود مرة بعد مرة محملاً بمعنى جديد.
من إعادة الترميز إلى التكثيف
انتقلت الصورتان عبر الأزمنة عبر إعادة ترميز متعاقبة: وقائع وصفات قديمة تكتسب معاني جديدة. لا تفسر إعادة الترميز وحدها اختلاف المسارين الحديثين للشخصيتين، فقد خضعت لها كلتاهما. وما تتيحه المادة هنا هو فرق في شكل التداول: عبرت صورة صلاح الدين الترجمة والمسرح والأدب ثم السينما، فيما ظل حضور بيبرس موزعاً بصورة أكبر بين السيرة الشعبية والتأريخ والتعليم. تفسير هذا الاختلاف يحتاج إلى عملية ثانية هي التكثيف.
إعادة الترميز تمنح واقعة أو صفة قديمة معنى جديداً. أما التكثيف فيجمع عدداً محدوداً من عناصر السيرة داخل بناء يسهل نقله بين وسائط وجماهير مختلفة. وليس التكثيف شرطاً لكل بطولة تذكارية؛ بعض الرموز تكتسب قوتها من تعدد معانيها أو الصراع عليها. لكنه يستطيع، في ظروف معينة، أن يخفض كلفة تداول الرمز ويزيد قابليته للانتشار.
في حالة صلاح الدين أمكن جمع توحيد قوى متفرقة، ومواجهة قوة أجنبية، واستعادة القدس، والفروسية، والتسامح مع الخصم داخل قصة شديدة الوضوح. وكانت مسرحية فرح أنطون من أوائل المواضع التي ظهر فيها هذا الجمع. هذه العناصر ليست اختراعاً حديثاً بالكامل، لكنها لم تكن دائماً العناصر التي منحت صلاح الدين أهميته. الجديد هو جمعها وترتيبها بحيث صار كل عنصر يعزز الآخر.
غير أن التكثيف وحده لم يمنح هذه الصورة قوتها، بل تطابق العناصر المكثفة مع الأسئلة التي نظمت السياسة العربية في القرن العشرين. فاستعادة القدس سنة 1187 ليست مجرد واقعة مجيدة؛ إنها واقعة قابلة للتحول إلى هدف سياسي حاضر حين تصبح فلسطين في مركز الصراع. والوحدة تتغير دلالتها حين تدخل لغة قومية تجعل التجزئة نفسها مشكلة سياسية. لا يقدم الماضي معنى جاهزاً؛ تتغير قيمة مواده بتغير الأسئلة التي يوجهها الحاضر إليه.
وتختبر حالة بيبرس هذا التفسير من الجهة المعاكسة. فالسيرة الشعبية هي نفسها شكلاً من التكثيف، وقد تداولها عشرات الرواة. لو كان التكثيف كافياً، لكان بيبرس مرشحاً قوياً للرمز الحديث. لكن تكثيف السيرة انتظم حول منطق الحكاية: البطل الذي ينصر المظلوم ويكشف الخونة ويخوض المغامرات. وهو منطق قابل للتداول الواسع، لكنه لا يقدم واقعة يمكن أن تتحول إلى هدف في سياسة الحاضر. التكثيف يسهّل التداول، أما تحويل الصورة إلى رمز سياسي حديث فيمر بشرط آخر: أن تكون العناصر المكثفة قابلة للترجمة إلى أسئلة السياسة الحديثة.
وهنا يظهر القيد الذي يفرضه الماضي على الذاكرة. فحتى أشهر موارد بيبرس التاريخية تحتاج إلى انتقاء. عين جالوت لا تخصه وحده؛ قطز كان السلطان وقائد الجيش الأعلى، وبيبرس من أبرز قادته. وسجله في الصراع مع الصليبيين واسع، لكنه موزع على حصون ومدن ومواجهات متتابعة، ولا ينضغط في واقعة واحدة تختزل هذا الصراع بالطريقة التي تستطيع بها استعادة القدس أن تختزل جانباً كبيراً من صورة صلاح الدين. بيبرس السيرة الشعبية ليس بيبرس كتب التاريخ، وبطل عين جالوت ومحارب الصليبيين ومؤسس الدولة والمملوك الذي انتهى إلى السلطنة ليست وجوهاً متطابقة لشخصية جاهزة يمكن نقلها كما هي.
لا يجعل ذلك صلاح الدين بطلاً أفضل، ولا بيبرس أقل أهمية تاريخياً. إنه يكشف أن بعض عناصر سيرة صلاح الدين كانت، في ظل حاجات سياسية معينة، أسهل جمعاً في بناء شديد القابلية للتداول والاستدعاء.
الأفضلية نفسها مشروطة بزمنها. إذا تغير السؤال الذي يوجهه الحاضر إلى الماضي، تغيرت قيمة الموارد القديمة. يستطيع بيبرس أن يصبح أكثر قابلية للاستدعاء في سياق يركز على صد الغزو المغولي، أو الصعود من الهامش إلى قمة السلطة، أو إعادة بناء الدولة بعد انهيار سياسي. قابلية الشخصية لحمل البطولة ليست خاصية كامنة فيها، ولا اختياراً حراً للحاضر، بل علاقة بين ما يسمح به موروثها وما يطلبه الحاضر منها.
عندما تصنع المؤسسات صورتها من الماضي
المؤسسات الحديثة لا تأتي دائماً في نهاية العملية لتضخيم صورة اكتملت في مكان آخر. المدرسة والمسرح والصحافة والسينما وأجهزة الدولة تنتقي من الماضي، وتعيد ترتيب الوقائع، وتصل بينها، وتمنحها أسماء سياسية جديدة. قد تنقل الرمز، وقد تكون أحد المواقع التي يُصنع فيها.
يتضح ذلك في فيلم «الناصر صلاح الدين» سنة 1963. ظهر الفيلم في لحظة كانت الوحدة العربية وفلسطين ومقاومة التدخل الأجنبي في قلب اللغة السياسية. وجد في صلاح الدين مادة مكثفة سلفاً وقابلة للوصل بهذه المفردات، ثم أعاد تنظيمها داخل مشروع قومي معاصر.
تظهر دراسة مالك خوري كيف أعاد الفيلم بناء الشخصية داخل خيال قومي عربي: قائد للوحدة والتحرير، وصراع مع قوة وافدة، وفلسطين في مركز المعنى السياسي. لكن تحليل الفيلم وشروط إنتاجه يثبت إنتاج هذه الصورة وتمريرها عبر وسيط جماهيري واسع، ولا يثبت وحده مقدار ما غيرته في ذاكرة الجمهور. قياس الاستقبال يحتاج إلى أدلة مستقلة عن مضمون العمل وشروط إنتاجه.
تمنع حالة بيبرس اختزال المسألة في اختيار مؤسسي لشخصية وإهمال أخرى. يبين إيل-كوانغ سونغ أن كتب التاريخ المدرسية المصرية بين 1954 و1970 أعادت تفسير الماضي المملوكي داخل سردية مصرية وعربية، وقدمت الانتصارات على المغول والصليبيين بوصفها انتصارات لمصر أو للعرب، ورفعت قادة مماليك، من بينهم بيبرس، إلى موقع الأبطال القوميين.
لا تتيح هذه الأدلة القول إن الاستثمار في الشخصيتين كان متساوياً، أو إن أثره الجماهيري كان واحداً. غير أنها تستبعد تفسير اختلاف مساريهما بمجرد اختيار المؤسسات صلاح الدين واستبعاد بيبرس. لقد دخل الاثنان المجال المؤسسي الحديث. لذلك لا يكفي الاختيار المؤسسي وحده لتفسير اختلاف مساريهما، وتعيدنا المقارنة إلى بنية المادة التي عملت عليها هذه المؤسسات، وإلى مقدار ما أمكن وصل عناصرها بأسئلة السياسة الحديثة.
ما يسمح به الماضي
لم يكن الحايك مخطئاً في حذره من الصورة التي صنعتها الكتابة الأوروبية. لكن إحلال بيبرس محل صلاح الدين ينقل المسألة من نقد الذاكرة إلى مفاضلة لا تملك معياراً. ولا تعيد المقارنة بين الرجلين ترتيبهما داخل قائمة أكثر إنصافاً للأبطال، بل تكشف لماذا تكون القائمة نفسها مضللة.
لم يحتج صلاح الدين إلى أن يكون أعظم رجال عصره كي تتخذ صورته هذا المسار الحديث، ولم يحتج بيبرس إلى أن يكون ضحية نسيان كي تسلك صورته طريقاً مختلفاً. ما ورثه كل منهما من السمعة لم يحدد مصيره التذكاري، لكنه وضع المواد التي ستعمل عليها أزمنة لاحقة.
تغير معنى صلاح الدين حين تغيرت الوقائع التي اختيرت من سيرته: من إنهاء الدولة الفاطمية، إلى الفارس المسلم، إلى القائد المحرر والموحد، ثم الرمز القومي. وتغير بيبرس بدوره من سلطان شرعي في كتابة البلاط، إلى حاكم شديد في بعض المدونات، إلى بطل شعبي في السيرة، ثم بطل قومي في الكتاب المدرسي. والفارق بين المسارين لا يمكن رده إلى أن أحدهما كان حاضراً والآخر منسياً. أمكن تكثيف عناصر من سيرة صلاح الدين في قصة واحدة تطابقت مع أسئلة القرن العشرين، فيما بقي رصيد بيبرس، على غناه، موزعاً بين صور لا تجتمع بالسهولة نفسها داخل بناء سياسي واحد.
هذه التحولات لا تصدر عن الماضي وحده ولا عن الحاضر وحده. الماضي يضع رصيداً من الوقائع والصور والسمعة، والحاضر ينتقي منه ما يستطيع أن يجيب عن أسئلته، ثم يعيد الأدب والسياسة والتعليم والسينما والمؤسسات تنظيم هذا الموروث وتداوله. وما يستقر من صورة في زمن يصبح مادة قابلة لإعادة التشكيل في الزمن الذي يليه.
لهذا لا تكشف المقارنة بين صلاح الدين وبيبرس البطل الحقيقي. إنها تكشف كيف يختار الحاضر أبطاله من بين ما يسمح به الماضي.
المراجع
إسماعيل، س. ع. (2003). مسيرة المسرح في مصر 1900–1935: فرق المسرح الغنائي (ج. 1). الهيئة المصرية العامة للكتاب.
ابن عبد الظاهر، م. ا. (1976). الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر (ع. الخويطر، محقق).
خوري، م. (2013). المشروع القومي العربي في سينما يوسف شاهين (ح. بيومي، مترجم). المركز القومي للترجمة.
Beben, D. (2018). Remembering Saladin: The Crusades and the politics of heresy in Persian historiography. Journal of the Royal Asiatic Society, 28(2), 231–253. https://doi.org/10.1017/S1356186317000529 Cambridge University Press
Deheuvels, L.-W. (2000). Le Saladin de Farah Antūn: Du mythe littéraire arabe au mythe politique. Revue des Mondes Musulmans et de la Méditerranée, 89–90, 189–203. https://doi.org/10.4000/remmm.280 Directory of Open Access Journals
Elbendary, A. A. (2001). The Sultan, the Tyrant, and the Hero: Changing medieval perceptions of al-Ẓāhir Baybars. Mamlūk Studies Review, 5, 141–157. https://doi.org/10.6082/M1Q81B69 mamluk.lib.uchicago.edu
England, S. (2018). An Ayyubid Renaissance: Saladin, from knighthood to Nahḍa. Alif: Journal of Comparative Poetics, 38, 37–61. JSTOR
Sung, I.-K. (2023). Revolutionizing the past: Representations of the Mamluks in Egyptian school textbooks, 1954–1970. Middle Eastern Studies, 59(3), 456–477. https://doi.org/10.1080/00263206.2022.2121709 Taylor & Francis Online






صدك يخبلل الكلام والمعلومات استمري
يجنننن