من يملك الحق في السرد (3-4)
لماذا ظلت أوكرانيا بؤرة مستمرة للصراع الرمزي؟
(أنظر في الاسفل شرح عن اللوحة)
ليس من المبالغة القول إن الترويس شكل التجسيد الأوضح لعجز روسيا عن إنتاج سردية وطنية جامعة. لم تكن هذه السياسة إجراء إداريا ولا خطة لغوية فحسب، كانت محاولة لفرض المجانسة عبر اللغة. التحدث بالروسية كان يكافأ بالاندماج، أما التمسك بالأوكرانية فكان يقابل بالتهميش، أو يوضع ضمن حدود استعمال وظيفي ضيق. لم تقابل هذه السياسة بالاستسلام، انبثقت مقاومة صامتة ومتعددة الأشكال، من التعليم والثقافة إلى التاريخ، أخذت شكل صراع على المعنى لا يقل عمقًا عن النزاع على الأرض.
منذ القرن السابع عشر، لم تعامل أوكرانيا في المخيال الروسي ككيان مستقل، بل كمجال يجب تطويعه ليعيد إنتاج مركزية موسكو في الزمن واللغة والتاريخ. لم تكن "الآخر" الذي يفترض التعايش معه، بل "الذات المتمردة" التي ينبغي ترويضها بشروط غير متكافئة. ولذلك لم يكن استقلالها مجرد لحظة سياسية، بل كسرا لبنية رمزية طالما افترضت أن الكلام باسم أوكرانيا لا يصدر إلا من موسكو. لحظة الاستقلال كانت، في جوهرها، إعادة تعريف للصوت والذاكرة، لا تمردا على الماضي، بل فكا للاشتباك مع رواية أُنتجت خارجها.
عنصر وظيفي
في قراءته النقدية للتاريخ الإمبراطوري الروسي، يذهب سيرهي بلوخي إلى أن أوكرانيا لم تُعامل يوما كشريك متكافئ في بناء السردية الجامعة، بل كعنصر وظيفي يستدعى لتثبيت مركزية موسكو، ثم يقصى ما إن يطالب بالاعتراف المستقل. ويظهر هذا التفاوت بوضوح في سياسة الترويس، التي لم تكن أداة دمج ثقافي فحسب، بل وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة من داخل اللغة ذاتها.
الأوكرانية لم تقص فقط من مؤسسات الدولة، بل جردت من أهلية أن تكون لغة ذاكرة أو حاملا لهوية سياسية. حصرت في نطاق الفولكلور والموروثات الهامشية، بينما رفعت الروسية إلى مرتبة اللغة "الشرعية" للمواطنة والتعليم والإدارة.
في المقابل، لم تكن مقاومة الأوكرانيين لهذه السياسات مجرد رد ثقافي، بل سعيا لاستعادة موقع تأويلي صودر باسم وحدة مفروضة. من التعليم إلى الرموز، ومن اللغة إلى السرد، اتخذت هذه المقاومة شكل مراجعة شاملة للسردية التي صيغت عنهم دون مشاركتهم.
كل محاولة لإحياء اللغة الأوكرانية، أو لإعادة تأويل الماضي من خارج المعجم الروسي، كانت تصنف في نظر موسكو كفعل انشقاقي، لا كحق مشروع في التعبير. ولهذا، فإن مقاومة الترويس، من تأسيس مدارس وطنية إلى إزالة الرموز السوفييتية، مثلت أفعالا سردية تقوض المعمار الرمزي الذي بني عليه ادعاء "الوحدة التاريخية".
كما يكتب بلوخي: أوكرانيا لم تكن الطرف، بل "المركز الأول الذي جرى تأميمه قسرا". لم تكن "الآخر"، بل "الذات" التي أُعيد تشكيلها بما يخدم المركز، ثم أقصيت حين طالبت بصوت مستقل. ولهذا، لا تمثل مقاومة الترويس مجرد نزاع لغوي، بل تفكيكا لآلية سردية احتكرت حق الحكاية، واحتفظت لنفسها وحدها بتأريخ العالم الذي تهيمن عليه.
أوكرانيا ليست استثناء
في مقاربته البنيوية، يعالج ألكسندر إتكيند أوكرانيا لا كاستثناء، يعتبرها نموذج مكثف ما يسميه بالاستعمار الداخلي، نمط من السيطرة الرمزية يمارس داخل الفضاء الإمبراطوري ذاته، لا على هوامشه الجغرافية فقط.
والترويس، في هذا السياق، لم يكن سياسة خارجية تفرض على الآخر، بل تقنية سلطوية تفعل في الداخل، على أطراف لم تعترف يوما كأنداد في إنتاج المعنى. يرى إتكيند أن الترويس لم يكن مجرد وسيلة توحيد لغوي، بل آلية لإخماد التعدد داخل الإمبراطورية، تبدأ من اللغة، وتمتد إلى الذاكرة والتمثيل.
في أوكرانيا، لم تكن الغاية إحلال اللغة الروسية محل الأوكرانية، بل إلى تعطيل الأوكرانية بوصفها حاملا لتاريخ مستقل أو لهوية جامعة. فالمشكلة في نظر موسكو ليست أن الأوكرانيين يتكلمون لغة مختلفة، كانت أنهم يتكلمون من موقع مختلف.
ولهذا، فإن مقاومة الترويس لم تكن، بالنسبة إلى موسكو، اختلاف ثقافي، أنها تهديد لبنية السردية نفسها. أوكرانيا، كما يراها إتكيند، لم تكن مستعمرة خارجية يمكن تأديبها من مسافة، بل امتدادا داخليًا يرفض الخضوع، يجاور المركز، يشبهه في اللغة والدين، لكنه لا يذوب فيه. وهذا الجوار يجعلها مربكة لأنها لا تعارض من موقع الاختلاف الجذري، بل من موقع القرب المفكّك، تُفسد افتراض الوحدة اللسانية بوصفها وحدة في المعنى.
في هذا التوتر البنيوي، تتحول أوكرانيا إلى إلى نقطة انكشاف لحدود المخيال الروسي. وتظهر هشاشة منطق المركزية وعجزه على احتواء ذات لا تنكر التشابه، لكنها ترفض أن تُختزل فيه.
تمرد على الهوية الجامعة
لا يرى أليكسي إي. ميلر الترويس مشروعا إمبرياليا يتعمد نفي الآخر، يراه تعبيرا عن خلل بنيوي مزمن في إدارة التعدد داخل الفضاء الروسي. فالمشكلة في نظره أن موسكو عجزت عن تطوير آلية تسمح بالتفاوض على المعنى، وتوزيع الاعتراف، وتعديل السرد المشترك بمرور الزمن. الترويس، من منظور ميلر، لم يكن قهرا واعيا بقدر ما كان انعكاسا لغياب الإطار المؤسسي الذي يتيح التعايش بين المركز والأطراف واستيعاب الاختلاف.
يشير ميلر إلى أن الإمبراطورية الروسية عرفت في بعض مراحلها صيغا مرنة للتعايش، لكن سقوط الاتحاد السوفييتي أفقد العلاقة إطارها الرمزي الذي كان في حده الادنى يوفّر لغة مشتركة. لم تستطع موسكو أن تبتكر سردية جديدة تعترف بتعدد الهويات دون أن تخشى على وحدتها فتحول الاختلاف من مصدر غنى إلى بؤرة تصدع. وفي هذا السياق، وجدت أوكرانيا نفسها عالقة بين اندماج غير مكتمل واستقلال لم يُعترف به فعليًا.
من هنا، فإن مقاومة الأوكرانيين للترويس، سواء في السياسات اللغوية أو الذاكرة التاريخية، لم تفهم من داخل روسيا كحوار على شروط الانتماء، بدلا عن ذلك فسرت كتمرد على الهوية الجامعة. يلفت ميلر النظر إلى أن هذا التفسير ناتج عن غياب “المؤسسة الرمزية” التي كان يمكن لها أن تستوعب المطالب الأوكرانية دون أن تعتبرها خيانة. فحين تنعدم الآليات التي تسمح بتعديل السرد، يصبح كل اختلاف تهديدا، وكل انفصال كارثة.
بحسب ميلر، ما جعل الانفصال الأوكراني يبدو مأساويا في المخيال الروسي لم يكن وقوعه بحد ذاته، بل انكشاف الفشل في إنتاج سردية مشتركة، يتقاطع فيها الفاعلون دون أن يُطلب منهم الانصهار أو القطيعة.
وهكذا، تصبح سياسة الترويس مثالا على ما يحدث حين تستخدم اللغة كأداة دمج، دون أن تفتح كساحة تفاوض، فيتحول السرد من جسر إلى جدار.
الترويس ممارسة سردية
تكشف المقاربات الثلاث اختلافا في زوايا التحليل، لكنها تلتقي عند نقطة حاسمة: الترويس لم يكن مجرد سياسة لغوية، بل ممارسة سردية تعيد إنتاج الهرمية الرمزية بين المركز وأطرافه. وإذا كانت موسكو قد قدّمت هذا المشروع بوصفه توحيدا حضاريا، فإن أوكرانيا، في كل قراءة من القراءات الثلاث، ظهرت لا كطرف سلبي أو حالة شاذة، بل كاختبار مستمر لقدرة السردية الروسية على احتواء التعدد أو مقاومته.
بالنسبة إلى سيرهي بلوخي، الترويس هو الآلية التي حولت أوكرانيا إلى وظيفة رمزية، تستدعى لتكريس “الوحدة الحضارية”، وتقصى حين تطالب بالتكافؤ. لذا، تأتي مقاومة الأوكرنة كاستعادة لحق الحضور داخل السرد، لا خارجه.
أما لدى إتكيند، فالترويس يمثل شكلا من الاستعمار الداخلي الناعم، حيث المركز لا يكتفي بإسكات الهامش، بل يذوبه داخل لغة واحدة تفرغ الاختلاف من معناه. ورد الفعل الأوكراني، في هذه القراءة، ليس انفصالا بل تمسكا بالهامش كمنطقة توتر، لا تقبل التهذيب الرمزي الكامل.
عند ميلر، الترويس هو وجه من وجوه القصور المؤسسي، لا مشروع هيمنة واعٍ. عرض لأزمة بنيوية أعمق: غياب البنية المؤسسية التي تسمح بالتفاوض على المعنى وتعددية التمثيل. ومقاومة أوكرانيا هنا تكشف هشاشة الإطار الرمزي، لا نوايا سياسية فحسب.
يظهر الترويس كفعل رمزي ينتج تفاوتا في المواقع داخل السرد، ويقابل برد فعل رافض يسعى إلى تحرير الذاكرة من موقع التبعية، استرداد الحق في أن تكون اللغة وسيلة تمثيل، لا وسيلة إخضاع.
في الجزء الأخير سوف نتناول : كيف يمكن للمؤرخ أن يكتب تاريخا لا يخدم هوية قومية ولا يُختزل في الإدانة؟
————————-
خريطة "السهوب المعروفة بأوكرانيا" (1648)
تمثل هذه الصورة واجهة إحدى أقدم الخرائط الأوروبية التي حملت اسم "أوكرانيا" بصيغته الحديثة، وهي من إعداد المهندس والرسام العسكري الفرنسي غيوم لوفاسور دي بوبلان (Guillaume Le Vasseur de Beauplan)، ونشرت في منتصف القرن السابع عشر، تحديدا في عام 1648، في خضم التوترات الإقليمية بين الكومنولث البولندي الليتواني، والإمبراطورية العثمانية، وروسيا القيصرية.
محتوى الصورة: تتوسطها لوحة مزخرفة كتبت عليها العبارة اللاتينية:
Delineatio Generalis Camporum Desertorum vulgo Ukraina
الخريطة العامة للسهوب الخالية، المعروفة شعبيا باسم أوكرانيا.




