القومية البلقانية وتفكك الدولة العثمانية (3-4)
عندما تحول التمرد المحلي إلى مسألة سيادة دولية
يكاد المرء لا يعثر في كتب التاريخ على أمثلة على تمرد محلي أو ثورة شعبية أطاحت بإمبراطورية، والعثمانيون ليسوا استثناء، إذ تمكنوا من قمع انتفاضات أعنف من الثورة اليونانية واحتواء تمردات أشد من التمرد الصربي، واستمر حكمهم. ما يميز اضطرابات البلقان وثوراته في القرن التاسع عشر ليس مستوى العنف أو تكراره، ولا تطور الوعي القومي أو راديكالية المطالب، بل انتقالها من إطار الدولة العثمانية إلى الساحة الدولية، حيث خضعت للمصالح الدولية بعد أن كانت محكومة بالاعتبارات الداخلية. بذلك، أصبح الشأن العثماني الداخلي موضوعاً للمساومات الدولية وذريعة للتدخل.
امتدت العلاقة الروسية العثمانية عبر سلسلة من الحروب لنحو ثلاثة قرون ونصف، قلما رجحت فيها كفة العثمانيين. تبلور التفوق الروسي في عهد كاترين الثانية عندما دمر الأسطول الروسي نظيره العثماني في تشيشمه. انتهت تلك المرحلة بمعاهدة كوتشوك قينارجة عام 1774، التي شكلت نقطة تحول مهمة. أرغمت المعاهدة الباب العالي على الإقرار بالاستقلال السياسي لخانية القرم، مع بقاء صلة دينية رمزية بين السلطان ومسلميها، قبل أن تضمها روسيا نهائياً سنة 1783. أدى ذلك إلى فتح الباب أمام تدخل خارجي متزايد. كما منحت المعاهدة روسيا امتيازات دينية ودبلوماسية، منها بناء كنيسة أرثوذكسية في إسطنبول وتمثيل رعاياها الأرثوذكس عبر سفرائها، إضافة إلى بنود تتعلق بحماية المسيحيين العثمانيين. رغم أن هذه الحماية لم تُصغ كحق شامل وصريح، استخدمت لاحقاً ذريعة لتوسيع النفوذ والتدخل في الشؤون الداخلية. [1]
استغلت روسيا هذا الوضع لتوسيع وتعميق تدخلها. سمحت الصياغة الملتبسة لحماية الأرثوذكس بمرونة مستمرة في حدود التدخل، حتى أصبح هذا التدخل ممارسة دائمة داخل الدولة العثمانية. ما بدأ كذريعة دينية تحول إلى هدف استراتيجي في مآله: من يملك حق التحدث باسم رعايا دولة أخرى يمتلك مدخلاً إلى شؤونها الداخلية.
لم يقتصر دافع روسيا على إحياء حلمها القيصري بجعل موسكو «روما الثالثة»[2]، بل جاء أيضاً ضمن صراع أوروبي أوسع على توازن القوى. سعت لترسيخ مكانتها كقوة عظمى أمام منافسيها. منحتها الحماية صكاً جيوسياسياً جعل ملايين المسيحيين أداة لنفوذها وورقة تفاوض دولية. فأصبح تدخلها جزءاً من لعبة دولية معقدة بين القوى الكبرى. أسهمت قينارجه في بلورة ما سيُعرف لاحقاً بالمسألة الشرقية: تحويل مستقبل الأراضي العثمانية ومجتمعاتها إلى مشكلة دائمة في توازن القوى الأوروبي.[3].
لم يُحسم نجاح الثورات القومية في البلقان في الميدان فقط، بل تأثر بميزان القوى الأوروبية وتدخلها المباشر. منذ اندلاعها عام 1821، مرت الثورة اليونانية بمراحل معقدة من التقدم والتراجع. ارتبطت بنخب المهجر التجارية التي أسست «فيليكي إيتيريا» متأثرة بأفكار التنوير والثورة الفرنسية. بعد سنوات من الصراع والحربين الأهليتين بين الفصائل اليونانية، كادت حملة إبراهيم باشا المصري (1825–1827) أن تنهي الثورة في المورة.
مع اقتراب الثورة من الانهيار، تدخلت بريطانيا وفرنسا وروسيا واقترحت هدنة ومنح اليونان حكماً ذاتياً تحت السيادة العثمانية. بعد رفض الباب العالي، تدخلت الأساطيل الثلاثة ودمرت الأسطول العثماني المصري في خليج نافارين في أكتوبر 1827. أدى ذلك إلى فقدان الدولة قوتها البحرية وعزز موقف المتمردين. مهدت موقعة نافارين والحرب الروسية العثمانية اللاحقة للاعتراف الدولي باستقلال اليونان في بروتوكول لندن سنة 1830، قبل أن تستكمل تسويات 1832 رسم الحدود وتؤسس المملكة التي نصب عليها الأمير البافاري أوتو ملكاً عليها.
كانت اليونان أول دولة قومية تنشأ من الأراضي العثمانية الأوروبية، وقام تأسيسها على دعم القوى الأوروبية وجهود الثوار معاً. شمل التدخل الدولي رسم حدود الدولة الجديدة، وتحديد نظامها، واختيار ملكها، وليس فقط دعم الثورة. لم تكن هناك أمة جاهزة تنتظر الحماية، بل كانت الحماية جزءاً من عملية التكوين. أدى الاعتراف الدولي والدعم العسكري والدبلوماسي إلى تحويل جماعة ناشئة إلى كيان سياسي له مؤسسات وحدود وسيادة معترف بها.
كان اختيار أمير بافاري لعرش أثينا مؤشراً على أمر أعمق: الاعتراف الأوروبي لم يمنح اليونان استقلالاً مجرداً بل فرض عليها نموذجاً محدداً. إذ صاغت القوى الأوروبية الإطار الدولي والمؤسسي للدولة الجديدة، وفرضت عليها وصاية بافارية وجهازاً إدارياً وعسكرياً متأثراً بالنماذج الأوروبية، وربطتها بقروض وضمانات مرتبطة بالدول الحامية. كان تشكيل الأمة في إطار سيادة تحت الوصاية قيدت خياراتها.
كرس استقلال اليونان مبدأ جديداً في تلك المرحلة، حيث أصبح كل تدخل أوروبي باسم حماية المسيحيين مستنداً إلى وجود جماعة ذات حق سياسي. استخدمت القوى الكبرى لغة الحماية والمعاهدات والضغط الدبلوماسي لتحويل قضايا الجماعات المحلية إلى مسائل دولية. نتيجة لذلك، بدأت الجماعات التي كانت تدار بمنطق الملة ورعاية التنوع في تبني مفاهيم الحقوق الجماعية والتمثيل والضمانات الدولية والحدود والسيادة بشكل تدريجي.
لم يحل الحق القومي محل الحماية الدينية دفعة واحدة. تراكبت اللغتان طوال القرن التاسع عشر: استُخدمت الطائفة لتبرير التدخل، والقومية لتبرير الدولة، وحقوق الأقليات لضبط العلاقة بين الدولة الجديدة والسكان الذين لم يدخلوا في تعريف أمتها الغالبة. ففي قينارجة 1774، استند التدخل إلى حماية الأرثوذكس كطائفة دينية، بينما ارتبط في مؤتمر برلين 1878 بالاعتراف الدولي بكيانات سياسية ناشئة وفق معايير قانونية ودبلوماسية. أُقر استقلال صربيا ورومانيا والجبل الأسود، وأُنشئت إمارة بلغاريا ذات حكم ذاتي تحت السيادة الاسمية العثمانية. يعكس هذا التحول من حماية الطائفة إلى الحق القومي انتقال الجماعات من رعية دينية إلى أمم سيادية. وصف منظرو القانون الدولي تلك المعايير بـ«معايير التمدن»، واشترط على الكيان الراغب في الاعتراف أن يطابق نموذج الدولة الأوروبية ليُقبل في أسرة الأمم[4]. بذلك تشكلت القومية البلقانية وفق شروط الجهة المانحة للاعتراف، وحدد مسار الدخول إلى السيادة شكلها الداخلي مسبقاً.
أسهمت البنى الاجتماعية والاقتصادية في تفاوت قابلية اليونان وصربيا للتدويل. تميزت اليونان بنخب مدينية، وموانئ متوسطية، وشبكات تجارية وتعليمية خارج المجال العثماني، إضافة إلى الذاكرة البيزنطية التي لاقت صدى في أوروبا. نتيجة لذلك، كانت اليونان أكثر انفتاحاً على التدويل، وتوزعت تحالفاتها بين فرنسا وبريطانيا وروسيا حسب الظروف. في المقابل، بدأت صربيا بتمرد ريفي مسلح لم تكن دوافعه قومية في البداية، بل جاء نتيجة ظلم الانكشارية في باشوية بلغراد، من رفع الضرائب ومصادرة الأراضي وفرض السخرة وتعليق الامتيازات التي منحها سليم الثالث[5]. اتخذت انتفاضتا 1804 و1815 طابعاً اجتماعياً أقرب إلى تمرد ريفي ضد سلطة محلية قبل أن تتحول لاحقاً إلى حركة قومية. لذلك جاء تدويل الحالة الصربية أبطأ وأكثر ارتباطاً بروسيا بسبب الروابط السلافية الأرثوذكسية، التي وفرت غطاء دبلوماسياً للصرب في المحافل الأوروبية، وضغطت على الباب العالي لتوسيع امتيازاتهم. لم يكن الوعي القومي العامل الحاسم الوحيد. ما صنع الفارق هو طرق الدخول إلى الساحة الدولية، إذ دخلت اليونان عبر تحالف أوروبي متعدد، بينما سلكت صربيا مساراً أطول من المساومات مع السلطان العثماني، واستفادت من الحماية الروسية بالدرجة الأولى.
لا ينبغي اعتبار التدويل إخضاعاً لجماعات سلبية، فقد كانت النخب البلقانية فاعلة وأتقنت المناورة بين القوى المتنافسة. أتاح تعدد الأطماع الأوروبية أتاح للقومية هامشا للتحرك. استدرجت النخبة اليونانية بريطانيا خشية انفراد روسيا، ولوح الصرب بالولاء الروسي لتحقيق مكاسب، وتمت مقايضة الحماية بالنفوذ. مخاوف النمسا من القومية السلافية ومخاوف بريطانيا من التوسع الروسي منحت الفاعل المحلي مساحة للمناورة. لم يلغِ التدخل الخارجي الإرادة المحلية، بل وفر لها ساحة دولية للتحرك. يختلف التدويل عن المؤامرة لأن التدويل يفترض وجود عدة فاعلين تتقاطع مصالحهم، بينما المؤامرة تفترض وجود مدبر واحد يحرك الجميع.
تظهر آلية التدويل في ثلاث مستويات. على الصعيد البنيوي، انكمش المجال العثماني الأوروبي نتيجة سلسلة معاهدات متتالية: أدرنة 1829، لندن 1830، سان ستيفانو وبرلين 1878. كل معاهدة أنهت حرباً وكرست نمط تحويل الأزمات الداخلية إلى تسويات دولية تنتج كيانات جديدة أو استقلالاً أو حكماً ذاتياً أو ضمانات خارجية. أصبح الانفصال بذلك إجراءً دبلوماسياً معتاداً وليس حدثاً استثنائياً.
على المستوى الجيوسياسي، تنافست روسيا والنمسا وبريطانيا على إدارة تراجع الإمبراطورية العثمانية، دون السعي لإسقاطها. عملت روسيا على توسيع نفوذها بين الأرثوذكس والسلاف، بينما خشيت النمسا من تصاعد القومية السلافية والتمدد الروسي بسبب تنوع قومياتها. سعت بريطانيا إلى كبح روسيا وحماية طريقها إلى الهند، فدعمت وجود عثماني ضعيف يمكن توجيهه، لكنه قوي بما يكفي لمنع توسع روسي. تحركت القومية البلقانية ضمن تداخل الطموحات المحلية مع مصالح القوى الكبرى.
عملياً، تجسد التدويل في آليات واضحة نقلت الصراع إلى الساحة الدولية: تدخلات عسكرية مباشرة مثل نافارين، مؤتمرات لرسم الحدود مثل مؤتمر برلين، وضغوط عبر المعاهدات والضمانات. أصبحت المسألة ممارسة يومية تدار من خلال السفراء والأساطيل واللجان الدولية. تترجم المصالح إلى قرارات، وتحول الجماعات المحلية إلى ملفات تفاوض، وتفرض الحلول بتوافق القوى الكبرى وليس فقط من خلال ميزان القوى الداخلي. بهذه الآليات، انتقل التمرد من شأن عثماني داخلي إلى قضية تدار في عواصم أوروبا.
يعد مؤتمر برلين عام 1878 المثال الأبرز. اجتمعت القوى الكبرى لتعديل معاهدة سان ستيفانو، ولم تكتف بالاعتراف بالوضع القائم، بل أعادت رسم الخريطة: اعترفت باستقلال صربيا والجبل الأسود ورومانيا، وقلصت المشروع البلغاري الكبير، وأنشأت بلغاريا كإمارة ذاتية خاضعة للسلطان اسمياً، وفصلت روملي الشرقية كإقليم عثماني بإدارة خاصة. انتظرت بلغاريا حتى عام 1908 لتحقق استقلالها، وحصلت على اعتراف عثماني عام 1909.[6]
رسمت الحدود وراء الأبواب المغلقة بين دبلوماسيين لم يراعوا دائماً الهويات المحلية أو رغبات السكان، انصب اهتمامهم على توازن القوى والمصالح الاستراتيجية. نتيجة لذلك، بقيت أقليات كبيرة خارج الدول الجديدة أو ضمن كيانات لا تعكس هويتها، مما أدى إلى توترات مستمرة. استخدمت الخرائط كأداة لصياغة الواقع القومي، حيث رسمت الحدود أولاً، ثم شجعت الجماعات المحلية على ملئها بسردية وطنية ومؤسسات تعليمية وعسكرية ودينية وذاكرة جماعية. أصبح البلقان بذلك ساحة لتشابكات عرقية ودينية، وتحولت الأقليات إلى محور صراع على السيادة والانتماء، مما أدى إلى حروب متكررة، من النزاعات البلغارية الصربية إلى حروب البلقان وما بعدها. أسهمت خرائط المؤتمرات الأوروبية في القرن التاسع عشر في تأجيج نزاعات القرن العشرين.
نشأت لقومية البلقانية في منطقة وسطى بين تعبئة محلية محدودة ومؤسسات دينية وتعليمية وحروب متكررة، واعتراف دولي أعاد تعريف الجماعات بقدر ما اعترف بها. لم تكن الأمة حقيقة قديمة تنتظر الاعتراف أو خيالاً دبلوماسياً. كانت بناء حديثاً يستند إلى عناصر قديمة، ويكتسب قوته عندما يصبح موضوعاً للمعاهدات والخرائط والضمانات الدولية.
لم تخسر الدولة العثمانية البلقان في ميادين القتال وحدها، بل أيضاً من خلال اللغة التي أعادت رسم هوية رعاياها، والمعاهدات التي حولت التمردات إلى أوراق تفاوض، والخرائط التي جعلت حلم الانفصال يلوح في الأفق قبل أن يصبح واقعاً. لم تكن الدولة العثمانية مجرد متفرج بين رياح القومية وتدخل القوى الكبرى، إذ بادرت إلى إطلاق عملية إصلاح داخلي عميقة وشاملة. منح فرمان كلخانة عام 1939 إطاراً عاماً لهذا المسار التحديثي الذي اهتم بانتظام الضرائب والتجنيد والملكية. ثم جاء خط همايون عام 1856 ليسن قوانين تضمن المساواة بين الرعايا على اختلاف أديانهم، وتأسيس مجالس محلية، وتوسيع التعليم لاستيعاب المطالب وكبح التدخلات. سعت الدولة أيضاً إلى إعادة رسم الانتماء عبر سياسة «عثمنة» الرعايا وصياغة هوية عثمانية جامعة في النصف الثاني من القرن.
لكن هذه الإجراءات أشعلت صراعاً بين رغبة الإصلاح والتمسك بالامتيازات القديمة، وغالبًا لم تستطع كبح ضغوط القوى الكبرى أو موجة القومية المتصاعدة. لم تجمع الإصلاحات النخبة العثمانية، بل فجرت نقاشاً محتدماً حول مصير الدولة ومصير النظام العتيق. خاف بعض المسؤولين والعلماء من أن تطيح الإصلاحات بالامتيازات الإسلامية والتقاليد الراسخة، وبرز تيار رأى في التنظيمات خطراً على الهوية الدينية والاجتماعية. ظهرت المقاومة في تحريك الرأي العام أو في بطء تنفيذ الإصلاحات خارج إسطنبول. ل الجدل مشتعلاً بين من اعتبر الإصلاح ضرورة للبقاء ومن تشبث بالنظام القديم. وربما كانت الخطوات التي اتخذته الدولة للبقاء هي نفسها التي عجلت بنهايتها.
هوامش:
[1] توضح دراسة م. س. أندرسون (M. S. Anderson) حول المسألة الشرقية أن أهمية معاهدة كوجك قينارجه تكمن في قابليتها للتأويل أكثر من وضوح نصوصها. أتاحت صياغتها الجزئية تفسيرات لاحقة اعتُبرت تفويضًا أوسع من معناها الحرفي. لم ينص الاتفاق صراحة على التدخل الروسي بل استُنتج ذلك من لغة مرنة. لفهم أثر المعاهدة يجب مراجعة بنودها الفعلية. المادة الثالثة تتعلق باستقلال خانية القرم وليس بحماية «الأرثوذكس» عموماً، كما اقتصر البند الكنسي على إنشاء كنيسة في العاصمة ومنح تمثيل دبلوماسي لرعاياها. بينت دراسة دافيسون(Roderic H. Davison) أن الاختلافات بين النصوص الروسية والتركية والإيطالية والترجمات الفرنسية اللاحقة ساعدت على توسيع الادعاء الروسي.
[2] لا يُستدعى مفهوم «روما الثالثة» بوصفه تفسيراً وحيداً للسلوك الروسي، بل إطاراً تأويلياً له. فالعقيدة التي أورثت موسكو إرث القسطنطينية الأرثوذكسية وفرت غطاءاً رمزياً لمصالح جيوسياسية، ولغة دينية تعبوية. وإيرادها هنا يجنب قراءتين اختزاليتين: الأولى تفترض أن روسيا تتحرك بدافع عقائدي صرف، والثانية ترى أنها تتذرع بالعقيدة على نحو انتهازي. والأدق أن الرمز والمصلحة تفاعلا معاً في تشكيل هذا السلوك.
[3] ينقل مصطلح «المسألة الشرقية» التحليل من مستوى الحادثة المفردة إلى مستوى البنية، فبدل قراءة كل تدخل على حدة، يكشف عن نمط متكرر يتمثل في تنافس القوى الأوروبية على إدارة تركة إمبراطورية آخذة في التراجع. ويُفيد أندرسون في إظهار أن وصف الرجل المريض لم يكن توصيفاً محايداً، بل إطاراً دبلوماسياً يفترض سلفاً حتمية الإرث ويؤطر الصراع حول كيفية اقتسامه.
[4] يوضح مفهوم «معيار التمدن» (standard of civilization) أن الاعتراف الدولي في القرن التاسع عشر كان مشروطاً بتطابق الكيان مع نموذج الدولة الأوروبية. يعكس ذلك انتقال معيار الشرعية في الخارج من الدين إلى القومية، بالتوازي مع تحول الجماعة داخلياً من رعية إلى أمة. يفسر هذا الإطار جزئياً سبب تبني القومية البلقانية الشكل الأوروبي للدولة حتى في لحظات انتصارها، إذ كان الاعتراف الدولي مرتبطاً بهذا النموذج.
[5] تفصيل وقائعِ الثورةِ اليونانية يبين كيف بلغت حافة الانهيار قبل تدويلها. فقد تأسست «فيليكي إيتيريا» عام 1814 في أوساط نخب المهجر التجارية، ولا سيما في أوديسا، متأثرة بأفكار التنوير والثورة الفرنسية وبنماذج الجمعيات السرية كالكاربوناري. بدأت الشرارة في إمارات الدانوب بقيادة ألكسندر إبسيلانتيس عام 1821، لكنها أخفقت سريعاً، في حين نجحت انتفاضة المورة (البيلوبونيز) في التحول إلى تمرد واسع، مستفيدة من وعورة الجغرافيا ومحدودية الحضور العسكري العثماني ومن شبكات الزعماء المحليين (الكليفتس والأرماتولوي). أعلن الثوار مجالس سياسية في إبيداوروس (1822) وأستروس (1823)، وردت الدولة بعنف، فأُعدم البطريرك غريغوريوس الخامس في إسطنبول. ورافق سقوط طرابلسة (Tripolitsa) عام 1821 مذابح واسعة بحق السكان المسلمين واليهود وثقتها مصادر معاصرة، بما يعكس الطابع العنيف المتبادل للصراع. وبين عامي 1823 و1825 دخلت الثورة حربين أهليتين بين الفصائل أضعفتا تماسكها، ثم كادت حملة إبراهيم باشا المصري (1825–1827) تقضي عليها في المورة لولا التدخل الأوروبي.
[6] يفيد جيلافيتش في قراءة برلين 1878 لا حدثاً دبلوماسياً منفرداً، بل آلة لإنتاج الخرائط. القيمة في التمييز الذي يثبته القسم: بلغاريا خرجت من برلين إمارة ذاتية الحكم تحت سيادة السلطان الاسمية، لا دولة مستقلة، والاستقلال الكامل تأخر إلى 1908 باعتراف عثماني عام 1909. هذا التدقيق يمنع الخلط الشائع بين حكم 1878 الذاتي والاستقلال اللاحق، ويظهر الانفصال طوراً متدرجاً تصنعه المعاهدة لا لحظة واحدة.
المصادر:
Anderson, M. S. (1966). The Eastern question, 1774–1923: A study in international relations. Macmillan. https://archive.org/details/easternquestion10000ande
Dakin, D. (1973). The Greek struggle for independence, 1821–1833. University of California Press. https://www.ucpress.edu/books/the-greek-struggle-for-independence-1821-1833
Davison, R. H. (1976). “Russian skill and Turkish imbecility”: The Treaty of Kuchuk Kainardji reconsidered. Slavic Review, 35(3), 463–483. https://doi.org/10.2307/2495120
de Graaf, B., & de Lange, E. (2023). Introduction: Under the flag of insurgency: The Greek Revolution in international and imperial history. Journal of Modern European History, 21(2), 175–180. https://doi.org/10.1177/16118944231163226
de Lange, E. (2023). Navigating the Greek Revolution before Navarino: Imperial interventions in Aegean waters, 1821–1827. Journal of Modern European History, 21(2), 181–198. https://doi.org/10.1177/16118944231161221
Gong, G. W. (1984). The standard of “civilization” in international society. Clarendon Press. https://search.worldcat.org/title/10723539
Hatzis, A. N. (2025). The Greek War of Independence (1821–1832). Oxford Handbooks Online. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780197759523.013.0046
Hoare, M. A. (2024). The Serbian uprisings. In Serbia: A modern history. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oso/9780197769423.003.0003
Jelavich, B. (1983). History of the Balkans: Vol. 1. Eighteenth and nineteenth centuries. Cambridge University Press. https://archive.org/details/historyofbalkans0000jela
Karabıçak, Y. Z. (2024). Enlightened declarations: Ottoman and Russian proclamations in the Ottoman–Russian War of 1768–1774. Journal for Eighteenth-Century Studies, 47(3), 259–278. https://doi.org/10.1111/1754-0208.12942
Malešević, S. (2017). The mirage of Balkan Piedmont: State formation and Serbian nationalisms in the nineteenth and early twentieth centuries. Nations and Nationalism, 23(1), 129–150. https://doi.org/10.1111/nana.12267
Mazower, M. (2000). The Balkans: A short history. Modern Library. https://archive.org/details/balkansshorthist00mazo
Mazower, M. (2021). The Greek Revolution: 1821 and the making of modern Europe. Penguin Press.
Mulaj, K. (2016). War and state making at the end of empire: Ottoman collapse and the formation of the Balkan states. Peace & Change, 41(4), 539–566. https://doi.org/10.1111/pech.12205
Mylonas, H. (2012). The politics of nation-building: Making co-nationals, refugees, and minorities. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9781139104007
Ozil, A. (2021). Ottoman reform, non-Muslim subjects, and constitutive legislation: The Reform Edict of 1856 and the Greek General Regulations of 1862. In Dimensions of transformation in the Ottoman Empire from the late medieval age to modernity: In memory of Metin Kunt. Springer. https://doi.org/10.1007/978-3-030-55199-5_8
Rodogno, D. (2012). Intervention on behalf of Ottoman Greeks (1821–33). In Against massacre: Humanitarian interventions in the Ottoman Empire, 1815–1914. Princeton University Press. https://doi.org/10.23943/princeton/9780691151335.003.0004
Wick, A. (2022). Gülhane contra Islahat: A conceptual approach to the Tanzimat. Journal of the Ottoman and Turkish Studies Association, 9(1). https://doi.org/10.2979/jottturstuass.9.1.11








طرح جميل بوركت