النظرية النقدية ومسألة التكنولوجيا: إعادة النظر في مدرسة فرانكفورت (3-5)
ما بعد نقد مدرسة فرانكفورت للتقنية
عرض القسم السابق خطا ممكنا للدفاع عن نظرية مدرسة فرانكفورت في التقنية. فرغم الفارق الجذري بين نمط التقنية الذي كان الجيل الأول يستحضره والتقنيات الرقمية الجديدة في الحاضر، ما زال مفهوم العقلانية الأداتية يحتفظ بطاقة تفسيرية واضحة. فصعود أشكال واسعة من السيطرة التكنوقراطية يحتاج إلى تفسير يضع المسألة داخل أفق معياري، لا داخل وصف تقني محض. غير أن هذا الدفاع لا يكفي. فخارج هذا الإطار العام، ظل انخراط النظرية النقدية في سؤال التقنية محدود العطاء، وتتضح هذه المحدودية أكثر حين ننظر إلى صيغ حديثة من النظرية النقدية تعجز عن تقديم تصور فعلي للحياة الاجتماعية وشروط وجودها المادية.
تظهر إحدى محدوديات هذا التصور في اعتماده فهما للتقنية كـ Technik، أي كأداة أو نسق وسائلي. هذا الفهم الأداتي لا ينسجم مع الأنطولوجيا الاجتماعية للتقنية، لأن التقنية المعاصرة لم تعد تستقيم داخل التصورات الأقدم عن الأتمتة ونزع الطابع الإنساني. كتب هابرماس عن التعارض بين العقلانية التواصلية والعقلانية الأداتية، وميز بين منطق النسق ومنطق عالم العيش، غير أن نسيج الحياة الاجتماعية اليوم صار متداخلا بالكامل مع العمليات التقنية. يصعب الحفاظ على تصور يجعل التقنية مقيمة داخل مجال اجتماعي منفصل، ومتمايز عن التواصل أو عن غيره من أشكال التفاعل الاجتماعي. فنحن نتواصل يوميا عبر واتساب وإنستغرام وهانغ آوتس وسكايب. والتقنيات الجديدة للحداثة الرقمية لا تشبه النمط الفوردي الساكنK إنها محمولة، مشخصنة، وتزداد لا مادية. ندفع ثمن مشروباتنا عبر المحافظ الرقمية، وربما نخزن رأس مالنا في عملات مشفرة. تسجل التقنيات الرقمية قابلية جديدة ومتغيرة للفعل، وتنتج خطابات جديدة عن الواقع الاجتماعي.
يرى فيشر (2010: 235) أن فهم التقنية كخطاب منتج لأنه يلتقط قدرتها على إعطاء عوالمنا الاجتماعية شكلا محددا وصوغها من الداخل. لم يعد في وسعنا الوجود خارج التقنية، ونتعذر أكثر فأكثر على فهم الحياة الاجتماعية من دونها. يفسر هذا جزئيا صدمة اكتشاف أن يوتيوب لم يتجاوز عمره أكثر من عقد بقليل: لقد أعادت التقنيات الرقمية تشكيل تصورنا للواقع الاجتماعي إلى درجة صار معها تخيل عالم من دونها أمرا بالغ الصعوبة. يدفع بيونغ-تشول هان (2017a, 2017b) هذا المنحى أبعد، مجادلا بأن تشابكنا الكامل مع العقلانيات التقنية-الاستهلاكية أعاد، بطرائق متعددة، تشكيل قدرتنا على إدراك الجمال والحب معا. لذلك لم يعد فهم التقنية أساسا كأداة لنشر العقلانية الأداتية، كما يظهر عند لوكاتش وفيبر، كافيا لإدراك دورها التكويني في الحياة الاجتماعية المعاصرة.
أدت محدوديات تصور النظرية النقدية للتقنية إلى ظهور مقاربات أخرى داخل النظرية الاجتماعية.⁸ لن تناقش هذه المقاربات بتفصيل، ويكفي تحديد خطوطها النظرية الكبرى عبر ستيغلر وفينبرغ كاسمين أساسيين في بناء نظرية نقدية للتقنية.
يقدم عمل برنار ستيغلر إطارا واسعا لمقاربة جديدة للتقنية. ففي التقنية والزمن، جادل بأن قدرة الذات على التعالي، ومخيلتها عن التعالي أيضا، متشابكتان بالكامل مع عالم التقنية (1998؛ وانظر أيضا Stiegler, 2008, 2011). فكرته المركزية أن التقنية تقع في قلب الخبرة الإنسانية والزمن. فالوجود الإنساني منغرس بالضرورة في الزمنية، غير أننا لا نصل إلى زمانيتنا الماضية إلا عبر التقنية، وهي لا تختزل في الأداتية كما اعتقد هايدغر. يحتاج الفعل إلى التقنية، والتقنية تفتح إمكانا نحو المستقبل.
تطورت هذه الأفكار عبر حوار نقدي مع هايدغر وعدد من الفلاسفة الفرنسيين، ثم جرى توظيفها لاحقا في بناء فلسفة نقدية للإنترنت. تظل هذه الفلسفة قريبة من نظرية مدرسة فرانكفورت في التقنية، لكنها تضيف حجة أقوى دفاعا عن تقنية بديلة. ففي النيغانثروبوسين (2018)، وفي المجموعة التي حررها بعنوان النسيج الذي نريده، أو الإنترنت الذي نريده (2017)، دافع ستيغلر عن تقنية تقوم بدرجة أقل على الإنتروبيا، أي الحركة نحو التفكك والزعزعة والاضطراب، وبدرجة أكبر على النيغانتروبيا، وهي مفهوم يشير إلى شكل من التكامل يتيح الازدهار الإنساني والعناية (Stiegler, 2017, 2018). تدفع التقنية اليوم، وعلى رأسها التقنية الرقمية، العالم نحو الإنتروبيا، غير أن هذا المسار قابل للمقاومة. فالإنترنت الذي نريده شبكة اجتماعية تخدم حاجات البشر، لا حاجات الرأسمالية.
رغم نقد ستيغلر لانحدار العالم نحو إنتروبيا عدمية بفعل هيمنة المراقبة الخوارزمية والأتمتة وسيادة الرأسمالية الرقمية، فإنه يظل متفائلا بإمكان تحويل الإنترنت جذريا والبحث عن علاج لحضارة أصابها المرض. وتتوسع هذه الأفكار في عصر الاضطراب (Stiegler, 2019 [2016])، كاشفة أيضا عن دينه الفكري لحجة جدل التنوير حول بربرية العقل. غير أن المآل الأخير يبدو أقل تفاؤلا: فالقوى المضادة التي تحملها النيغانتروبيا تتعرض للغمر أمام اندفاع العالم نحو الإنتروبيا.
تتقاطع فلسفة ستيغلر في التقنية، إلى حد واسع، مع عمل أندرو فينبرغ، الذي يتعاطف بدوره مع نظرية مدرسة فرانكفورت في التقنية مع إقراره بضرورة تجاوزها. يجمع المنظرين أكثر من خيط: مقاربة نقدية لهايدغر، أثر دائم لـجدل التنوير، وتقدير واضح لكتابات سيموندون. يستند فينبرغ، الذي يحيل إلى عمل ستيغلر، إلى تركيب يجمع النظرية النقدية بالمقاربات البنائية المميزة لدراسات العلم والتكنولوجيا. وتعد هذه الأخيرة، بلا شك، المقاربة الأكثر تأثيرا في نظرية التقنية كما في البحث التجريبي المتصل بها.
تشترك دراسات العلم والتكنولوجيا مع النظرية النقدية في مناهضة النزعة التكنوقراطية، وفي انتمائها إلى أفق فكري جذري، غير أن إلهامها النظري يأتي من فكر ما بعد الحداثة لا من الفكر الحديث. وربما يكمن أحد الفروق الأساسية في أنها أكثر وضوحا في رفض الحتمية التقنية مقارنة بما يمكن استخلاصه من كتابات مدرسة فرانكفورت. فرغم معارضة منظري المدرسة للحتمية التقنية، لم يمتلكوا تصورا فعليا لما يسميه فينبرغ التدخلات الديمقراطية، وهو تصور ينسجم مع نداءات ستيغلر النيغانتروبية من أجل إنترنت جديد (Feenberg, 2017a, 2017b).
تدخل دراسات العلم والتكنولوجيا منظور الفاعل الاجتماعي بقوة أكبر في فهم نشوء الأنظمة التقنية، فهذه الأنظمة لا تخلق نفسها بذاتها، وإنما تتشكل تبعا للسياقات التي تظهر داخلها.⁹ وعبر تبني موقف بنائي قوي، كما في ما يسمى البرنامج القوي، يميل منظرو دراسات العلم والتكنولوجيا إلى رؤية الأنظمة التقنية كنتاج للصنع البشري والمصالح، لا كبنى موضوعية قائمة بذاتها. وفي صيغ أخرى، كما في نظرية الفاعل-الشبكة لدى لاتور وجون لو وسواهما، تظهر الأنظمة التقنية كمركبات تجمع الأشياء والفاعلين الاجتماعيين.
لا يتسع هذا الموضع لتقييم دراسات العلم والتكنولوجيا، ولا المدارس البنائية الأخرى في النظرية، بما فيها التطبيقات الفوكوية (انظر Berns & Rouvroy, 2013). يكفي التشديد، ضمن هذا النقاش، على ضرورة الاعتراف بدور الفاعل الفردي في تشكيل الأنظمة التقنية، بدل التعامل معها كأنظمة سيطرة كلية. تمتلك مقاربات دراسات العلم والتكنولوجيا، وخصوصا تلك القريبة من نظرية الفاعل-الشبكة، ميزة إضافية: إنها تتجاوز نموذج Technik الذي قيد أفق التقليد الألماني في تنظير التقنية.
أنتج هذا المسار أبحاثا مثمرة حول التقنية، غير أن ما يمكن أن يفضي إليه تركيب يجمع دراسات العلم والتكنولوجيا بالنظرية النقدية ما زال غير واضح. تزعم أطروحة فينبرغ الأساسية أن هذا التركيب يسمح لنا برؤية التقنية منغرسة في سياقها الاجتماعي. هذه ملاحظة مهمة، لكنها لا تبلغ مستوى الأصالة النظرية، كما أشار سوزن (2019). أما نزعة نظرية الفاعل-الشبكة فتتجه بوضوح نحو ما بعد الإنسانية، عبر سعيها إلى تجاوز التمييز بين البشر وغير البشر. ومهما تكن قيمة هذا المسعى، يصعب التوفيق بين ما بعد الإنسانية في دراسات العلم والتكنولوجيا والنزعة الإنسانية الجوهرية في النظرية النقدية. وهذه نقطة اختلاف محدودة مع فينبرغ.
يبقى هدف فينبرغ الأوسع تطوير تصور للتدخلات الديمقراطية داخل ما يسميه «النظام التقني»، أي إخضاع السلطة التكنوقراطية لرقابة الهيئات الديمقراطية. ويصيب فينبرغ حين يبين أن مقاربات دراسات العلم والتكنولوجيا تصحح ميل النظرية النقدية إلى رؤية التقنية أساسا كقوة للسيطرة والتشييء. فالأشكال التواصلية للعقلانية، باتباع هابرماس، تستطيع أن توجد إلى جانب العقلانية الأداتية. غير أن الثقافة والسلطة لا تعملان كقوتين منفصلتين. تتمثل مساهمة فينبرغ الكبرى في أعماله الأخيرة في إظهاره أن التقني ثقافي سلفا (2017a: 153). فالنظام التقني عنده يتكون من عناصر متعددة لا تختزل في التقنية وحدها، إنه يتضمن الأسواق والأنظمة الإدارية والقانونية مثلا، ويتشكل داخل نظم أخلاقية وأشكال حياة بعينها. لذلك يمكن للتدخلات الديمقراطية أن تقع على مستويات مختلفة. المسألة لا تتعلق ببناء أحادي صلب يقف في مواجهة خصوم خارجيين.
في مقال حديث وعميق، يتخذ فينبرغ الإنترنت مثالا ليبين كيف تستطيع التقنية، كمصطلح بات قادرا على استيعاب معنى Technics، أن تحمل وعدا كبيرا للديمقراطية من غير الانزلاق إلى التكنوقراطية (Feenberg, 2019). تقوم حجته على أن الإنترنت، لأنه ليس كيانا موحدا، يعيد تشكيل المشاركة السياسية عبر عمليات الوساطة، ويفتح إمكان رفع الوعي بما يقود إلى وعي ذاتي وفعل. ورغم أن النواة التحررية للعقد الأول من عمر الإنترنت تراجعت تحت هيمنة رأسمالية رقمية أداتية، فإن الإنترنت ما يزال قادرا على استثمار إرث اليسار الجديد ودفع الاشتراكية الديمقراطية، وهو أمر يتطلب نمطا جديدا من الحوكمة لا يستطيع الاستغناء عن الخبرة التقنية. والسبب الحاسم أن الإنترنت وسيط تواصل، ولا يمكن احتواؤه داخل حدود الاقتصاد (Feenberg, 2019: 238).
بدل أن ينحصر الجهد في إنقاذ نظرية مدرسة فرانكفورت في التقنية، تتوافر مقاربات بديلة قادرة على دفعها أبعد. وإذا أخذت هذه المقاربات معا، ظهرت قيمة ممكنة لتركيب جديد بين هذه النظريات النقدية للتقنية. لا تسعى هذه الورقة إلى الاعتراض على تلك الاستراتيجية، ولا إلى تفنيد مقاربات دراسات العلم والتكنولوجيا أو المقاربات البنائية، وهي في واقع الأمر أقرب إلى مناهج منها إلى نظريات.
تتمثل مساهمة هذه الورقة في بيان أن تجاوز نظرية مدرسة فرانكفورت الخاصة بالتقنية، والاقتراب من سؤال التقنية عبر الإطار الأوسع للنظرية النقدية، يتيحان فهما مميزا لها. تفتح كتابات ستيغلر وفينبرغ اتجاهات مهمة في هذا المسعى. وما يستوقف في أعمالهما، خاصة في ما يتعلق بالإنترنت، هو الإيحاء الضمني بأن الإنترنت يفتح إمكان تقنية جديدة، بما يستعيد رؤية ماركوزه عن علم جديد. لا نختلف مع هذه الحجج، نسعى إلى وضع الرؤية التقنية التي تدافع عنها داخل الإطار النظري الأوسع للنظرية النقدية، لا داخل نظريتها الخاصة في التقنية وحدها.
لفهم الإمكان التحويلي للتقنية، يجب وضعها داخل أفق يتجاوز التقنية نفسها. وبإشارة ساخرة إلى هايدغر، يمكن القول إن جوهر التقنية لا يفهم إلا عبر فهم العالم الاجتماعي الذي تنتمي إليه. ودفع هذا التحليل خطوة أبعد يتطلب إطارا نظريا أوسع. يعيدنا ذلك إلى الانشغالات المركزية للنظرية النقدية.
هوامش:
8. For a useful survey, see Matthewman (2011).
9. See, for example, Pinch and Bijker (1987), and for an overview Fuller (2006).
المصادر:
Fischer E (2010) Contemporary technology discourse and the legitimation of capitalism. European Journal of Social Theory 13(2): 229–252.
Han BC (2017a) Saving Beauty. Cambridge: Polity Press.
Han BC (2017b) The Agony of Eros. Cambridge, MA: MIT Press.
Stiegler B (2008) Technics and Time, 2: Disorientation. Stanford: Stanford University Press.
Stiegler B (2011) Technics and Time, 3: Cinematic Time and the Question of Malaise. Stanford: Stanford University Press.
Stiegler B (2018) The Neganthropocene. London: Open Humanities Press.
Stiegler B (2019) Age of Disruption: Technology and Madness in Computational Capitalism. Cambridge: Polity Press.
Feenberg A (2017b) Technosystem: The Social Life of Reason. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Feenberg A (2019) The internet as network, world, co-construction, and mode of governance. The Information Society 35(4): 229–43.
Susen S (2019) No escape from the technosystem? Philosophy and Social Criticism 46(6): 734–782.
Berns T, Rouvroy A (2013) Algorithmic governmentality and prospects of emancipation: Disparateness as a precondition for individuation through relationships? Reseaux 177: 163–196.



