عندما يصبح عبء الدين أكبر من عبء الجندي
قراءة نقدية في أطروحة نيال فيرغسون عن الدين والقوة وتآكل الهيمنة
في عام 2024، تجاوزت مدفوعات الفائدة على الدين الفيدرالي الأمريكي الإنفاق العسكري لأول مرة. الفارق الرقمي ضئيل، لا يتجاوز عُشر نقطة مئوية. الدلالة تتجاوز الحجم. في ذروة الحرب الباردة، كان الإنفاق الدفاعي يعادل ثلاثة أضعاف مدفوعات الفائدة كنسبة من الناتج المحلي، أما اليوم فقد تساويا. تشير الاتجاهات الحالية إلى أن عبء الدين مرشح للتفوق المستدام على الدفاع، ما يعكس تحولا هيكليا في أولويات الدولة.
تنطلق دراسة نيال فيرغسون الأخيرة، من هذا التحول لتعيد فحص العلاقة بين خدمة الدين، والإنفاق العسكري، والحدود المالية للقوة. فيرغسون يواصل مشروعه في مساءلة الافتراضات الليبرالية حول مرونة الديمقراطيات الغربية وقدرتها على التصحيح الذاتي. أعماله السابقة حول تمويل الحروب وتاريخ الأنظمة المالية تشكل خلفية تحليلية لهذا الطرح الجديد، الذي يتعامل مع التحول المالي كعامل بنيوي في تآكل الهيمنة.
تتمحور الدراسة حول مفهوم «حد فيرغسون»، الذي يُعرف كلحظة تتجاوز فيها أعباء خدمة الدين الإنفاق الدفاعي لدى قوة عظمى. فيرغسون لا يعتبر هذا الحد مجرد خلل مالي، بل مؤشراً بنيوياً على بداية تآكل القدرات الاستراتيجية. جوهر أطروحته أن تفوق كلفة الدين على الدفاع يمثل نقطة انعطاف في مسار القوة. الدراسة مدعومة بسلسلة من الحالات التاريخية الممتدة من إسبانيا الهابسبورغية إلى بريطانيا بين الحربين. في منظور فيرغسون، يتجاوز هذا المؤشر التقلبات الظرفية ليعكس حدوداً هيكلية.
مقياس جديد لمعضلة قديمة
عادة ما يقيس الاقتصاديون عبء الدين بنسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي. فيرغسون يرى أن هذا المقياس يخبرك بحجم المشكلة لكنه لا يخبرك متى تصبح المشكلة استراتيجية. مقياسه مختلف: ما نسبة ما تدفعه الدولة على ديونها مقارنة بما تنفقه على قوتها العسكرية؟ حين تتجاوز الأولى الثانية هذه هي اللحظة التي يسميها «حدّ فيرغسون».
وراء بساطة الفكرة منطق يرتكز على تمايز الالتزامات المالية. خدمة الدين التزام فوري لا يقبل التأجيل بينما يظل الإنفاق العسكري بنداً تقديرياً يخضع للمناورة السياسية. في الأنظمة الديمقراطية، تفرض الحوافز السياسية صعوبة أكبر في تقليص الرواتب والمعاشات مقارنة بتخفيض ميزانية الدفاع. ومع تصاعد عبء الدين، لا تتوزع الأعباء بالتساوي، بل تميل إلى الضغط على الإنفاق العسكري باعتباره الخيار الأقل تكلفة سياسياً.
تتجلى آثار هذا التحول تدريجياً. على المدى القصير، تظهر في تأجيل صفقات التسليح، تعثر برامج التحديث، وتخفيض أعداد القوات. على المدى الطويل، يؤدي ذلك إلى تآكل القاعدة الصناعية العسكرية، تراجع مصداقية الردع، وزيادة شهية الخصوم لاختبار حدود الدولة. التآكل المؤسسي يسبق غالباً لحظة الاختبار العسكري المباشر.
يستلهم فيرغسون مفهومه من الميكانيكا الفلكية. صاغ الفلكي الفرنسي إدوار روش في القرن التاسع عشر مفهوم «حد روش» الذي ينص على أن المسافة الدنيا التي يستطيع عندها جرم تابع أن يظل متماسكاً في مداره حول جرم أكبر. تجاوز هذه المسافة يعني أن قوى الجذب تتغلب على تماسك الجرم الأصغر فيبدأ في التفكك. فيرغسون يرى في حده الخاص شيئاً مماثلاً: أعباء خدمة الدين تسحب الموارد نحوها بقوة تتزايد مع الوقت. لكنه بخلاف روش لا يرى التفكك حتمياً. فالدول تملك إرادة سياسية ومؤسسات قادرة على التصحيح. غير أن هذا التصحيح نادر، ومكلف، ويستلزم وقتاً لا تملكه دائماً القوة التي تجد نفسها فوق الحد.
الأنماط التاريخية
لا يُقدّم التاريخ هذا النمط مرة واحدة. إسبانيا الهابسبورغية كانت أولى القوى العظمى التي تجاوزت حد فيرغسون، في النصف الثاني من القرن السادس عشر، ألتهمت فوائد الدين أكثر من 40 في المئة من إيرادات التاج. المفارقة أن إسبانيا كانت تملك فضة العالم الجديد، لكن الثروة الخام لم تعوض ضعف البنية المالية. تكرر التخلف عن السداد ثماني مرات بين 1557 و1662، في كل مرة كانت إعادة الهيكلة تشتري وقتاً وتراكم المشكلة. لم تنزل هزيمة الأرمادا عام 1588 من فراغ، جاءت في سياق منظومة مالية فقدت قدرتها على تمويل الجاهزية قبل أن تُختبر في المعركة.
الجمهورية الهولندية قدمت الدرس المضاد. إذ حافظت على إنفاق عسكري يتجاوز أعباء خدمة الدين طوال صراعها مع إسبانيا، وانتصرت في النهاية. لكن النجاح نفسه أنتج مشكلة مختلفة، شبكة الدائنين التي مولت الاستقلال خلقت لاحقاً طبقة ريعية آثرت الفائدة المضمونة على المجازفة الاستراتيجية. الانضباط المالي أنقذ هولندا، لكنه لم يُنتج إرادة استراتيجية مستدامة.
الإمبراطورية العثمانية والنمسا-المجر كررتا النمط من زاويتين مختلفتين. العثمانيون اعتمدوا على الدين الخارجي إلى أن صارت إيراداتهم الرئيسية تحت إشراف دائنين أوروبيين بعد 1881. لم يكن هذا مجرد إذلال رمزي، بل تقييد فعلي لقدرة الدولة على توجيه مواردها نحو التحديث العسكري في عصر كانت فيه الجيوش الأوروبية تُعيد تسليح نفسها بسرعة. أما النمسا-المجر فكانت حالتها أكثر تعقيداً، فقد أدت بنية دستورية معقدة أنتجتها تسوية 1867 إلى جعل الموازنة العسكرية المشتركة أضعف مما تحتاجه قوة عظمى منخرطة في لعبة المنافسة. أربع حالات، أربعة سياقات لكن النمط واحد.
الحالة التي تمنح أطروحة فيرغسون ثقلها المعاصر ليست إسبانيا ولا العثمانيين، بل بريطانيا بين الحربين، لأنها الأقرب تشابهاً مع ما تواجهه واشنطن اليوم.
في عام 1933، تجاوزت أعباء خدمة الدين ضعف الإنفاق العسكري البريطاني (5.5% مقابل 2.4% من الناتج المحلي). قاعدة «السنوات العشر» جمدت الإنفاق الدفاعي استناداً إلى افتراض غياب حرب كبرى وشيكة، واستمرت حتى صعود هتلر. سياسة الاسترضاء لم تكن فقط خطأ في تقدير النوايا، بل انعكاساً لقيود مالية بنيوية. لم تنخفض بريطانيا دون حد فيرغسون إلا عام 1937، متأخرة بما يكفي لإضعاف الردع، ومبكرة بما يكفي لتجنب الهزيمة. الفارق بين التأخر المكلف والتأخر القاتل كان هامشياً.
ثلاث اعتراضات من زوايا مختلفة
رغم نجاح الدراسة في تتبع النمط التاريخي الذي تطرحه، إلا أن حجتها تواجه ثلاث اعتراضات مركزية: امتياز الدولار الأمريكي، فرضيات أسعار الفائدة المستقبلية، وملاءمة مقياس الإنفاق العسكري كمؤشر وحيد للقوة في القرن الحادي والعشرين.
الاعتراض الأول: الدولار... هل هو حصانة مطلقة؟
فيرغسون يُقر بامتياز الدولار الاحتياطي ثم يُبقيه في الهامش. باري إيكنغرين يظهر في كتابه «الامتياز الفاحش» أن هذا الوضع يمنح الولايات المتحدة قدرة اقتراض لا تشبهها أي من الحالات التاريخية المدروسة. وذهب أبعد من ذلك باحثون في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في دراسة صادرة عام 2024، إذ قدروا أن هذا الامتياز يرفع سقف الدين الأمريكي القابل للاستدامة بما يعادل 22 إلى 30 في المئة من الناتج. إسبانيا اقترضت بالذهب. فرنسا اقترضت بشروط حددها دائنوها. أما الولايات المتحدة فتقترض بعملتها، وفي أوقات الأزمات يشتري العالم سنداتها لا يبيعها. هذا امتياز هيكلي يغير شروط المقارنة. لا يلغي الخطر، لكنه يُعيد تحديد توقيته وهامشه.
كما أن امتياز الدولار ليس مطلقاً. تجميد الغرب نحو 300 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الروسي أرسل رسالة تفيد بأن الاحتفاظ بسندات الخزانة الأمريكية لا يضمن أمن الأصول إذا لم تتقاطع المصالح مع واشنطن. خفضت الصين حيازاتها من سندات الخزانة بأكثر من 53 مليار دولار في الربع الأول من 2024. انخفضت حصة المستثمرين الأجانب في سوق الخزانة من أكثر من 50 في المئة إبان الأزمة المالية العالمية إلى 30 في المئة مطلع 2025. هذه ليست إشارات انهيار لكنها إشارات تحول. ما يُسقطه فيرغسون من حسابه ليس قوة إضافية تطمئن بل أن النافذة التي يصف فيها الخطر أوسع مما يُقدرها. كل توظيف سياسي للدولار يُضيق نافذة المخاطر.
الاعتراض الثاني: أسعار الفائدة ورهانات المستقبل
يبني فيرغسون جزءاً جوهرياً من حجته على افتراض أن أسعار الفائدة الحقيقية ستظل مرتفعة. أثبت أوليفييه بلانشار في محاضرته الرئاسية أمام الرابطة الاقتصادية الأمريكية عام 2019 أن الفترة التي تكون فيها أسعار الفائدة الحقيقية أدنى من معدل النمو هي الأكثر شيوعاً في التاريخ الأمريكي لا الاستثناء. غير أن معهد ستانفورد للسياسة الاقتصادية نشر عام 2025 تحديثاً للبيانات يُظهر أن سعر الفائدة الحقيقي صعد بحدة حتى بات يعادل معدل النمو. المفارقة أن بلانشار قدم حجته استناداً إلى بيانات انتهت بصدمة معدلات الفائدة ما بعد الجائحة. الأسعار ارتفعت فعلاً ويمكنها أن تنخفض بالسرعة ذاتها. هذه الهشاشة في التوقع هي بحد ذاتها مشكلة تستوجب لغة أكثر تحفظاً مما تحمله الدراسة.
الاعتراض الثالث: تبدل معايير القوة عصر السليكون
أما الاعتراض الأعمق فهو أن مقياس فيرغسون نفسه قد يكون أقل قدرة على التقاط طبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين. فيرغسون يستخدم الإنفاق العسكري كمؤشر للقوة الصلبة وهو معيار كان صادقًا حين كانت الحروب تُحسم بعدد الثيرثيوس أو حاملات الطائرات. لكن معايير القوة اليوم تتغير بسرعة. هناك مؤشرات جديدة للصعود أو التراجع من أبرزها حصة الدول من إنتاج أشباه الموصلات المتقدمة والقدرة الحاسوبية لتطوير الذكاء الاصطناعي إضافة إلى موقع الدولة في سلاسل التوريد التقنية ومدى سيطرتها على بنيتها الرقمية والفضاء السيبراني. في عالم تُحدد فيه رقاقات السيليكون قدرة الدول على تطوير الذكاء الاصطناعي للتحكم بالأهداف وتحليل المعلومات وتشغيل الأنظمة المستقلة تبدو ميزانية البنتاغون صورة ناقصة للقوة الاستراتيجية الحقيقية. الولايات المتحدة على سبيل المثال تسيطر على قرابة ثلاثة أرباع القدرة الحاسوبية العالمية للذكاء الاصطناعي مقابل 14% للصين. هيمنة بهذا الحجم لا تظهر في رقم بسيط من الناتج يضعه فيرغسون في الميزان.
المفارقة الأهم أن هذه الهيمنة التقنية تبرز هشاشة من نوع آخر. معظم الرقائق المتطورة تُنتج في تايوان جزيرة لا يفصلها عن الصين خصم أمريكا الأكبر سوى 110 أميال من البحر. أما روسيا فقد اضطرت في أوكرانيا لنزع رقائق إلكترونية من الأجهزة المنزلية لإصلاح منظوماتها العسكرية في دليل عملي على هشاشة شرايين القوة الحديثة. الاعتراض الجوهري إذًا ليس أن الصورة أقل خطورة مما يرى فيرغسون بل أن مصادر القوة والضعف باتت أكثر تعقيدًا وتشعبًا حتى أصبح مقياسه التقليدي غير كافٍ وحده. قياس الهيمنة من خلال الإنفاق العسكري في القرن الحادي والعشرين أشبه بمحاولة قياس قوة الأسطول البحري بعدد المجاديف المعنى مألوف لكن الأداة باتت متقادمة.
خاتمة: بين القلق والأمل
إصدار حكم قاطع، سواء بالاصطفاف خلف أطروحة فيرغسون أو تبني الرأي المقابل حول حصانة الدولار، يتجاهل تعقيدات الحجة وتوازنها التحليلي. الدراسة تتسم بتحفظ منهجي، ولا تقدم إجابات نهائية، بل تطرح تشخيصاً مركباً يدعو إلى مراجعة مستمرة وإعادة تقييم حدود كل تفسير.
لا تقدم الدراسة نبوءة، بل تشخيصاً لمسار تاريخي متكرر: القوى العظمى التي بقيت طويلاً فوق حد فيرغسون لم تنهَر فجأة، بل واجهت تضييق الخيارات، تصاعد اختبار الخصوم لحدودها، وتآكل مصداقية الردع قبل أي مواجهة مباشرة. بريطانيا لم تخسر الحرب العالمية الثانية، لكنها دخلتها بهامش مناورة أضيق مما كان ضرورياً، وخرجت منها إمبراطورية في طور الانكفاء.
الاعتراضات الثلاثة المطروحة هنا لا تنفي صحة التشخيص، بل تعمق تعقيده. امتياز الدولار يمنح الولايات المتحدة هامشاً استثنائياً، لكنه يتآكل مع كل توظيف سياسي للعملة. أسعار الفائدة قد تنخفض، غير أن التعويل على ذلك في ظل عجوزات هيكلية متصاعدة يظل رهاناً محفوفاً بالمخاطر. أما ميزانية الدفاع التقليدية، فتعجز عن التقاط أبعاد القوة في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تظهر هشاشات جغرافية وتكنولوجية جديدة.
المسألة ليست في حتمية التراجع الأمريكي، بل في توقيت بدء دفع كلفة الاختلال المالي على شكل تضييق الخيارات الاستراتيجية. هل تواجه واشنطن خصماً يقرأ القيود المالية بدقة أكبر، كما حدث مع بريطانيا في 1938، أم أن طفرة إنتاجية في الذكاء الاصطناعي تعيد رسم المعادلة قبل أن تتبلور نتائجها؟
ربما الدرس الأهم الذي نتعلمه من دراسة فيرغسون هو أن القوى العظمى نادراً ما تدرك بدقة أن لحظة التحول قد بدأت إلا بعد أن تكون قد دخلتها بالفعل.
مصدر الدراسة :
Ferguson’s Law: Debt Service, Military Spending, and the Fiscal Limits of Power





