شعار «لن يتكرر ذلك أبداً» يواجه حرباً جديدة
أثار قرار الحكومة الألمانية إعادة العمل بالخدمة الوطنية مقاومة واضحة. في المقابل، يتجه ناشطون شباب يربطون بين حماية المناخ والسلام إلى الاصطفاف مع الجماعات السلمية، بينما يجسد المجندون السابقون، الذين صاروا اليوم من كبار السن، دروس الماضي الثقيلة. في هذا السياق، يبرز تساؤل حول ما إذا كان الاقتداء بدول اسكندنافية وبلطيقية التي تعلي الدفاع المدني يمكن أن يحول اتجاه الرأي العام.
في صباح اليوم الذي صوت فيه البرلمان الألماني على إعادة العمل بالخدمة العسكرية أواخر عام 2025، خرجت الاحتجاجات إلى الشوارع خارج مبنى البوندستاغ وفي أنحاء البلاد. كان هذا القرار، الذي كان من الصعب تصوره قبل سنوات قليلة، قطيعة حادة مع ثقافة سياسية عُرفت بضبط النفس العسكري وبشعار ما بعد الحرب: «لن يتكرر ذلك أبداً». بينما كان النواب يتجادلون في الداخل، استمرت الهتافات واللافتات لساعات في الخارج. يعكس المشهد أن ألمانيا، بعد أكثر من ثمانين عاماً على سقوط النظام النازي، ما تزال قلقة بعمق إزاء استخدام القوة.
في برلين، انضم أكثر من ثلاثة آلاف شاب إلى ما سماه المنظمون «إضراباً مدرسياً ضد التجنيد الإجباري». ساروا خلف لافتات مصنوعة يدوياً يهتفون: «لا نريد أن نمضي نصف سنة من حياتنا في الثكنات نتدرب على الانضباط والطاعة ونتعلم كيف نقتل». كان المزاج العام منضبطاً وجاداً، أقرب إلى تظاهرة مناخية منه إلى مسيرة مناهضة للحرب من طراز الحرب الباردة. بالنسبة إلى كثير من المشاركين، بدا هذا الإيقاع الاحتجاجي مألوفاً رغم إعادة توظيفه في لحظة سياسية جديدة.
أدرك يانيك كيسل ذلك على الفور. كيسل ناشط بيئي مخضرم وخريج جغرافيا يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً، وكان سابقاً يحث الطلاب على التغيب عن الدراسة للمشاركة في فعاليات «أيام الجمعة من أجل المستقبل». اليوم، وبعد أن أقلقه تسارع عسكرة المجتمع الألماني، انضم إلى «جمعية السلام الألمانية – متحدو مقاومة الحرب» (DFG-VK)، إحدى الركائز التاريخية للنزعة السلمية الألمانية.
الاعتراض الضميري
خلال الحرب الباردة، ساعدت «جمعية السلام الألمانية – متحدو مقاومة الحرب» جيلاً كاملاً من الألمان الشباب على الاهتداء إلى نص دستوري يكاد لا يوجد له نظير في أماكن أخرى: الحق في رفض الخدمة العسكرية لأسباب أخلاقية. كرست ألمانيا الغربية هذا الحق في قانونها الأساسي بوصفه استجابة مباشرة للاشتراكية القومية ولجرائم الفيرماخت، أي بوصفه ضمانة ترمي إلى الحيلولة دون أن تتمكن الدولة، مرة أخرى، من إرغام الأفراد على القتل باسمها. ومع مرور الوقت، لم يعد الاستنكاف الضميري مجرد بند قانوني، بل تحول إلى حركة متجذرة اجتماعياً، ساندتها الكنائس والنقابات والجماعات الطلابية، ثم لاحقاً حزب الخضر.
بعد إعادة التوحيد وعقود من السلام النسبي، طغى النشاط المناخي على الحركة السلمية بوصفه القضية الأبرز لدى الألمان الأصغر سناً. لكن مع الحرب في أوكرانيا، وما أحدثته من إعادة تشكيل لبنية الأمن الأوروبي، وما أثارته من جدل حول إعادة بناء القوات المسلحة الألمانية المنهكة، شهدت الجمعية تصاعداً في الاهتمام بها. بناءً على ذلك، دعا كيسل في ذلك اليوم من ديسمبر المحتجين إلى استعادة ما يقول إن كثيرين يرونه حقاً دستورياً ألمانياً خالصاً، وإلى رفض القانون الجديد.
قال كيسل، وهو يقف تحت لافتات كُتب عليها «الشباب ليسوا وقوداً للمدافع»: «بالنسبة لي، الأمر واحد». ثم أوضح دوافعه قائلاً: «هذا هو “أيام الجمعة من أجل المستقبل” بصيغته السلمية. حماية المناخ والسلام مترابطان. ومن دون سلام، لا عدالة مناخية». يرى كيسل هذا التشريع ليس إجراءً أمنياً عملياً، بل خرقاً رمزياً لمحرمات ما بعد الحرب وخطوة نحو خدمة إلزامية في جيش ناقص التمويل ومأزوماً أخلاقياً. ويعتبر أن إعادة التسلح تعكس أولويات مختلة في بلد تتسع فيه اللامساواة الاجتماعية، وأن مخصصات التعليم وبرامج الشباب والخدمات الاجتماعية تتعرض لضغوطاً متزايدة. وأشار إلى أن الشباب يُطلب منهم اليوم أن «يفعلوا شيئاً من أجل ألمانيا».
قال كيسل: «لا. لن أدافع عن بلدي، لأنني لا أعرف ما الذي بقي فيه مما يستحق الدفاع عنه».
لم تكن الاحتجاجات الواسعة ضد عودة الخدمة العسكرية مجرد رد فعل على قانون معين، بل كشفت صدعاً أعمق في ألمانيا. هذا الصدع متجذر في تاريخ ما بعد الحرب ويتعلق بعلاقة المجتمع الألماني غير المحسومة مع القوة العسكرية. تتضح أهمية هذه العلاقة الآن أكثر في ظل بيئة أمنية أوروبية تتدهور بسرعة. فرض الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا على ألمانيا مواجهة أسئلة لم يكن تصورها معقولاً قبل سنوات قليلة. كما دفعت تحذيرات قادة سياسيين ومحللين أمنيين بأن موسكو قد تهاجم بلداً أوروبياً آخر قبل نهاية العقد برلين إلى أوسع جهد لإعادة التسلح منذ الحرب الباردة. وصف المستشار السابق أولاف شولتس هذا المنعطف بالتحول التاريخي المفصلي (Zeitenwende)، عندما أعلن بعد أيام من غزو أوكرانيا استثماراً بقيمة مئة مليار يورو في القوات المسلحة.
تسوية صعبة
يقع في صلب هذا المسعى قانون تحديث الخدمة العسكرية (Wehrdienst-Modernisierungsgesetz)، وهو أهم خطوة ألمانية نحو إعادة بناء القوة البشرية العسكرية منذ تعليق التجنيد الإجباري عام 2011. يضع هذا التشريع إطاراً جديداً للخدمة العسكرية يقوم، في المقام الأول، على نموذج «التطوع أولاً»، مع فرض استبيانات إلزامية وفحوصات صحية على من يبلغون الثامنة عشرة. يبقي البرلمان صلاحية تفعيل صيغة تجنيد قائمة على الحاجة (Bedarfswehrpflicht) إذا لم تكفِ أعداد المتطوعين.
الهدف هو تحسين التعرف إلى المجندين المحتملين ووقف التآكل المستمر في عديد الأفراد. ترك هذا التآكل الجيش الألماني، البوندسفير، يعاني نقصاً في الكوادر وقدرة تشغيلية منخفضة. من خلال حوافز مثل أجور أعلى ورخص قيادة مجانية ومكافآت على الخدمة الطويلة، تأمل الحكومة رفع عديد القوات من نحو 180 ألفاً إلى 260 ألفاً تقريباً. هذا هو المستوى المستهدف من حلف شمال الأطلسي بحلول ثلاثينيات هذا القرن. كما توسع الحكومة قوة الاحتياط من نحو 50 ألفاً إلى 200 ألف.
هذا القانون، الذي لم يُقر إلا بعد أشهر من سِجال وطني حاد، يمثل تسوية عسيرة. هو أكثر حذراً بكثير مما ألمح إليه المستشار فريدريش ميرتس قبل أشهر. تحدث ميرتس، وهو يقف بجانب القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا، عن تحويل البوندسفير إلى أقوى جيش تقليدي في أوروبا. لكن التشريع النهائي لا يعيد التجنيد الشامل. يُلزم المشرعين فقط بإعادة النظر في الخدمة الإلزامية عند نقص المتطوعين.
تجد الحكومة صعوبة في شرح الموقف لمجتمع يغلب عليه المزاج السلمي، خصوصاً للألمان الأصغر سناً. تحاول إقناعهم بأن الدفاع يجب أن يُفهم مرة أخرى كمسؤولية مدنية مشتركة، لا مهمة تحتكرها أقلية محترفة. رأى منتقدون من اليسار، بينهم كثير من أعضاء الحزب الديمقراطي الاجتماعي، في الخدمة العسكرية خرقاً رمزياً لمحرمات ما بعد الحرب. حذروا من أنها قد تفتح الباب تدريجياً لإعادة التجنيد الإجباري دون معالجة أسباب عدم جاذبية البوندسفير لكثير من الشباب. في المقابل، رأى المحافظون أن الخدمة الإلزامية هي السبيل الواقعي الوحيد لبناء قوة قادرة على الوفاء بالتزامات ألمانيا. مؤيدو التسوية يقولون إن مقاربة «التطوع أولاً» تتيح مهلة لإعادة بناء منظومات التجنيد والإسكان ومرافق التدريب والبنية التحتية التي جرى تفكيكها بعد تعليق التجنيد.
يعكس الرأي العام هذا التوتر الكامن في قلب التحول التاريخي المفصلي (Zeitenwende). تصاعد التهديدات وتزايد توقعات الحلفاء دفعا ألمانيا إلى وضعية دفاعية أكثر حزماً. مع ذلك، ما تزال ثقافة ضبط النفس العسكري تهيمن على المواقف في البلاد. تُظهر استطلاعات الرأي أن 38 في المئة فقط من الألمان مستعدون لحمل السلاح دفاعاً عن البلاد رغم ارتفاع التأييد للإنفاق الدفاعي.
تحول تاريخي
ومع ذلك، فإن هذا التحول، بالمعايير الألمانية، يُعدّ تاريخياً. يرى رولاند بوسكر، جندي احتياط منذ زمن طويل، أن أهمية القانون لا تتعلق بعدد الجنود بقدر ما تتعلق بتغيير الذهنية العامة. يقصد بذلك محاولة كسر ما يسميه «اللامبالاة الودّية» التي ظلّ الألمان يبدونها طويلاً تجاه البوندسفير، ذلك الافتراض القائل إن «شخصاً ما، بطريقة ما، كان يحمي الحرية والسلام». وقال إن أجيالاً نشأت في ظل السلام، وتشبعت بوصية ما بعد الحرب: «لن يتكرر ذلك أبداً»، لم تكن مضطرة قط إلى مواجهة سؤال الخدمة العسكرية مواجهة مباشرة. أما القانون الجديد، إذ يدفع هذا السؤال إلى العلن، فهو، على حد تعبير بوسكر، «يجعل الناس يفكرون». وأضاف: «وفي ألمانيا، يكفي هذا وحده ليُعدّ نقطة تحول».
يرى مايكل هارش، الأستاذ المشارك في الأمن القومي في مدرسة أيزنهاور التابعة لجامعة الدفاع الوطني الأميركية، أن هذا التشريع هو الحلقة الأحدث في مسار طويل وملتبس من التحول. من جيش صُمم أصلاً لتقييد القوة إلى جيش يُنتظر منه اليوم أن يكون ركيزة الدفاع الأوروبي في حال اندلاع نزاع بري واسع. ومن مجتمع صاغته النزعة السلمية إلى مجتمع يُطلب منه أن يواجه الحرب بوصفها احتمالاً معيشاً لا مجرد فرضية نظرية. قال إن الرهانات هنا مرتفعة. فحلف شمال الأطلسي يقيس الجاهزية على جناحه الشرقي بالأشهر لا بالعقود. مع تسارع بولندا ودول المواجهة الأخرى في إعادة التسلح، ينتقل مركز الثقل الاستراتيجي في أوروبا شرقاً، فيما تضيق أمام ألمانيا النافذة المتاحة لسد فجواتها في القدرات.
وقال هارش: «إذا كُتب لهذا المسار أن ينجح، فقد تُتم ألمانيا رحلتها الطويلة من بلد يربط القوة بالشعور بالذنب إلى بلد يفهم القوة بوصفها مسؤولية في بيئة جيوسياسية متغيرة».
يمتد القلق الذي يحيط بالنقاش الدفاعي الألماني إلى طبقات عميقة من التاريخ. سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية جعلت فكرة وجود جيش ألماني مسألة مثقلة بالأعباء الأخلاقية. كان الفيرماخت قد حُل، وكانت البلاد في حالة خراب، فيما خلفت مواجهة الإرث النازي لا دماراً مادياً فحسب بل انهياراً أخلاقياً عميقاً أيضاً. قاد النزوع العسكري والقومية إلى الكارثة. ومن ثم، لم تكن إعادة التسلح مجرد قضية خلافية بل كانت من المحرمات.
من رحم تلك المراجعة التاريخية خرجت ثقافة استراتيجية قوامها تقييد الذات، عُرفت لاحقاً باسم ثقافة التحفظ (Kultur der Zurückhaltung)، وهي ثقافة مشبعة بنزعة سلمية ألمانية خاصة. كان يُنظر إلى تجنب استخدام القوة لا بوصفه ضعفاً، بل شكلاً من المسؤولية. أما القوة، فكانت شيئاً ينبغي الارتياب فيه وتقييده بإحكام وإخضاعه لتبرير دائم.
خلال الحرب الباردة، امتلكت ألمانيا الغربية واحدة من أكبر قوات حلف الأطلسي وأكثرها كفاءة، إذ بلغ عدد جنودها النشطين في ذروته أكثر من 500 ألف، بلغ إنفاقها الدفاعي ما يصل إلى 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. لكنها نادراً ما دفعت بجنودها إلى مهام خارجية. جرى قبول القوة العسكرية بوصفها ضرورة لا الترحيب بها كأداة من أدوات إدارة الدولة. في الوقت نفسه، بدأت تتشكل مقاومة لهذا المسار، ولا سيما في سبعينيات القرن العشرين ومطلع الثمانينيات، عندما اصطدمت بقايا الإرث النازي ومقتضيات الحرب الباردة وإعادة التسلح وتمرد جيل شاب جديد. عندئذ غدا السلام والاعتراض الضميري مسألتين سياسيتين مركزيتين. بالنسبة إلى كثير من الشباب الألمان، بدا أن الدولة الجديدة تفتقر إلى الإقناع الأخلاقي عندما عادت مرة أخرى إلى تجنيد الجنود.
بنت «جمعية السلام الألمانية – متحدو مقاومة الحرب» مباشرة على هذا الشعور: إذ جرى تأطير الاعتراض الضميري بوصفه نتيجة فردية لشعور جمعي بالذنب. وكانت جماعات السلام ترى أن إعادة التسلح من شأنها أن تجعل ألمانيا هدفاً. وبعد عام 1945، جرى في نهاية المطاف الاعتراف بالحق في الاستنكاف الضميري بوصفه جزءاً من حرية الضمير، وأُدرج في الدستور، وهو ما منح النزعة السلمية الألمانية طابعاً مميزاً.
صدمة الواقع: التحول التاريخي المفصلي (Zeitenwende)
حطّم الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، بين ليلة وضحاها، جملةً من المسلّمات الراسخة. وبعد أيام، أعلن المستشار أولاف شولتس التحول التاريخي المفصلي (Zeitenwende)، مدعوماً بمئة مليار يورو لتحديث البوندسفير والوفاء بأهداف الإنفاق التي يحددها حلف شمال الأطلسي. كان الخطاب تاريخياً. أما الواقع، فكان أكثر قسوة. فقد كانت مخزونات الذخيرة متدنية، فيما خرجت منظومات رئيسية من الجهوزية التشغيلية. ونُقل عن قائد الجيش قوله إن البوندسفير بات «عارياً إلى حد بعيد». ثم جاء وزير الدفاع بوريس بيستوريوس ليصوغ الرسالة بحدة أكبر: كان على ألمانيا أن تصبح صالحة للحرب (kriegstüchtig)، لا عسكرياً فحسب، بل اجتماعياً وذهنياً أيضاً.
ارتفع الإنفاق الدفاعي بسرعة. وبحلول عام 2024، بلغت ألمانيا معيار 2 في المئة الذي يعتمده حلف الأطلسي، وأصبحت ثاني أكبر مانح عسكري لأوكرانيا بعد الولايات المتحدة. غير أن التجنيد ظل متعثراً، وأهداف الجاهزية أخذت تتراجع، فيما أثبتت ثقافة التحفظ، المترسخة في المجتمع وفي حزب شولتس نفسه، أنها أكثر استعصاءً على التغيير مما ظن كثيرون. انهار ائتلاف شولتس في وقت لاحق من ذلك العام. وعندما تولى فريدريش ميرتس السلطة في مايو 2025، كانت ألمانيا لا تزال في منتصف مراجعتها الدفاعية الشاقة. ظل البوندسفير محدود الحجم وجزئياً فقط في حال تشغيلية، في وقت كانت فيه الضغوط تتزايد من واشنطن ومن الجناح الشرقي للحلف. عندئذٍ تعهد ميرتس ببناء أقوى قوة تقليدية في أوروبا.
كانت خطوته الأولى مالية. خفف من صرامة كابح الديون المثبت دستورياً في ألمانيا، في سابقة بارزة داخل بلد شديد التحفظ إزاء الاستدانة، مما فتح الطريق أمام صندوق دفاعي وبنيوي بقيمة 500 مليار يورو. أشارت برلين إلى أن ما يقرب من تريليون يورو يمكن تعبئته على مدى عقد كامل. كما تعهّد ميرتس بالوصول إلى معيار 5 في المئة الخاص بالحلف بحلول عام 2035. وقال: «مهما كلف الأمر».
لكن المال لم يشترِ قبولاً مجتمعياً. رغم أن عدداً متزايداً من الألمان بات يقر بالخطر الذي تمثله روسيا، فإن قلة منهم فقط تقول إنها ستلجأ إلى حمل السلاح. في استطلاع حديث، قال 16 في المئة فقط إنهم سيدافعون عن البلاد «بالتأكيد»، فيما قال 22 في المئة آخرون إنهم «على الأرجح» سيفعلون ذلك. أظهر استطلاع واسع أجراه البوندسفير نتائج مماثلة، ولا سيما بين الشباب الذكور. يبدو أن التأييد للإنفاق الدفاعي واسع، أما التأييد للالتزام الشخصي فليس كذلك.
وقد انفجر هذا التوتر إلى السطح في يونيو الماضي، حين نشر قياديون بارزون في الحزب الديمقراطي الاجتماعي ورقة سلام مثيرة للجدل (Friedenspapier) عرضوا فيها تصوراً بديلاً للسياسة الأمنية الألمانية. ولم تصل الورقة إلى حد رفض دعم أوكرانيا، لكنها انتقدت ما وصفه أصحابها بالاندفاع المحموم نحو العسكرة، داعية إلى الدبلوماسية، والحد من التسلح، وإحياء الحوار مع روسيا في نهاية المطاف. وجاءت الردود سريعاً وعنيفة. فقد اتهم منتقدون أصحاب الورقة بالسذاجة والحنين إلى الحرب الباردة. غير أن محللين رأوا فيها دليلاً إضافياً على مدى عمق التجذر الذي لا تزال النزعة السلمية تحتفظ به داخل الثقافة السياسية الألمانية.
عودة المعترضين
في مكاتب «جمعية السلام الألمانية – متحدو مقاومة الحرب»، لم يعد الهاتف يهدأ كما كان من قبل. يقول يانيك كيسل: «لدينا بالفعل كثير من كبار السن الذين رفضوا الخدمة في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وهم يعودون الآن ويطلبون المشورة. يأتون ومعهم تجاربهم، كأنهم استشعروا، على نحو ما، أن قصصهم ستُحتاج من جديد».
لكن معظم الاتصالات لا تأتي منهم بل من العائلات. يقول كيسل: «أمهات وأجداد وجدات يشعرون بالقلق. نتلقى اتصالات من جدات يتصلن نيابة عن أحفادهن في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر. صحيح أنهم لا يستطيعون التقدم بطلب الاعتراض الضميري إلا عند سن السابعة عشرة والنصف، لكن الخوف حاضر من الآن». يصف كيسل هذا الوضع بأنه مفارِق: حركة سلام تتشكل بين قطبين، كبار السن الذين يتحدثون من موقع التجربة، والشباب الذين يتحركون من موقع القلق وعدم اليقين. ويضيف: «الوسط مفقود. فالجيل الذي نشأ في ظل السلام لم يشعر قط بالحاجة إلى أن يدافع عن السلام دفاعاً نشطاً».
في الوقت نفسه، يضاعف البوندسفير جهوده التجنيدية على نحو غير مسبوق عبر الملصقات وسلاسل يوتيوب والمؤثرين ونحو مئة مجند يرتدون الزي العسكري يزورون المدارس. يقول كيسل: «ومع ذلك، لا يزالون عاجزين عن إنجاح الأمر. لأن الجيش ليس رب عمل جذاب. في اللحظة التي تضطر فيها إلى حمل بندقية وإطلاق النار على شخص يبدو بشرياً، تنتهي الرومانسية».
بالنسبة إليه، فإن السردية السياسية التي تقول إن ألمانيا تدافع عن «حريتنا» في أوكرانيا تظل، في نظره، قاصرة. يقول: «الناس في أوكرانيا يموتون لأنهم يدافعون عن بلدهم، لا عن حريتنا نحن. هذه مغالطة يواصل السياسيون العودة إليها».
ارتداد واعتراض
يُراد من قانون الخدمة العسكرية الجديد أن يجسر الفجوة الآخذة في الاتساع بين طموحات ألمانيا الدفاعية واستعداد المجتمع للخدمة. لكنه، وهو يفعل ذلك، أشعل واحداً من أشد السجالات التي عرفتها البلاد حول الأمن منذ عقود. في منتصف يناير 2026، سعى وزير الدفاع إلى إظهار قدر من الزخم. قال إن البوندسفير بلغ أعلى مستوى له من حيث عدد الأفراد منذ أكثر من عشرة أعوام. وأضاف في حديثه إلى الصحافيين: «لقد حققنا أفضل نتائج تجنيد منذ تعليق العمل بالتجنيد الإجباري. والشباب يبدون استعداداً متزايداً للإسهام في الأمن الخارجي لألمانيا».
بعيداً من التفاؤل الرسمي، لا يزال جزء كبير من المجتمع الألماني متردداً إزاء شكل هذا الإسهام: ما الذي ينبغي أن يعنيه وهل يجب أن يكون متوقعاً من الأفراد أصلاً؟ غذّى هذا التردد نقاشاً أوسع حول معنى الدفاع نفسه، نقاشاً تجاوز لجان البرلمان والإحاطات العسكرية، لينتقل إلى الصفوف الدراسية والاحتجاجات وقاعات المؤتمرات والحوارات من ذلك النوع الذي أسهم يانيك كيسل في إطلاقه خارج البوندستاغ.
قال فلوريان كونستانتين فاييرابِند، من مؤسسة كونراد أديناور، أمام جمهور مكتظ في مؤتمر عُقد أخيراً في سفارات بلدان الشمال الأوروبي في برلين قبل أيام فقط من اندلاع الاحتجاجات الطلابية ضد قانون الخدمة الجديد: «إن الدفاع المدني لا يتعلق بالجنود والأسلحة وحدهم، بل بالمواطنين العاديين أيضاً: بالاستعداد والعمل التطوعي والقدرة على الصمود».
كانت الفعالية، التي حملت عنوان «الدفاع المدني والقدرة المجتمعية على الصمود: دروس من حرب روسيا العدوانية ومن دول الشمال والبلطيق»، جزءاً من جهد متنام يرمي إلى نقل النقاش الدفاعي في ألمانيا من أعداد الجنود والمعدات إلى مناعة المجتمع نفسه. حذر فاييرابِند من أن ألمانيا قد تكون اعتادت السلام، لكن موسكو تخوض حرباً هجينة تستهدف المجتمعات بقدر ما تستهدف الجيوش.
قال: «إن الصمود ليس خياراً إضافياً بل شرط أساسي. وأوكرانيا تُظهر أنه لازم للبقاء». وأضاف أن دول الشمال والبلطيق تقدم نماذج لم تبدأ ألمانيا بعد في استيعابها إلا على نحو محدود. وهي مقاربات تمزج بين الجاهزية العسكرية والتماسك الاجتماعي والثقة وثقافة أمنية متجذرة.
ففي فنلندا والسويد ودول البلطيق، يُعامل الدفاع بوصفه مشروعاً مجتمعياً. ومن ثم، تُعد الجاهزية المدنية، والتواصل في أوقات الأزمات، ومقاومة التضليل، عناصرَ أساسية في الأمن القومي. وقد جعلت تجربة الاحتلال الروسي، أو مجرد القرب الجغرافي منه، من الدفاع مسألة وجودية. لذلك يُدرب المواطنون على الاستجابة للطوارئ، وحماية البنية التحتية، ومساندة الدولة وقت الأزمات، بما يخفف العبء عن جيوش تعاني أصلاً ضغطاً وتشبعاً في المهام.
أما ألمانيا، فعلى النقيض من ذلك، فقد فككت جانباً كبيراً من بنيتها الخاصة بالدفاع المدني بعد الحرب الباردة، انطلاقاً من رهان مفاده أن السلام دائم. قالت أوكسانا هوس، عالمة سياسة أوكرانية تعمل اليوم في جامعة دويسبورغ بألمانيا، «في أوكرانيا، لا يُبنى الصمود من أعلى عبر أوامر الدولة، بل يتشكل أفقياً». ثم أوضحت أن التنظيم الذاتي المحلي، بعد ثورة الكرامة عام 2014، أعاد كتابة العقد الاجتماعي، وأن هذه الشبكات نفسها هي التي حافظت لاحقاً على استمرار عمل البلدات خلال الغزو الروسي الشامل. وأضافت: «أما في ألمانيا، فلا يزال كثيرون يتوقعون من الدولة أن تتولى كل شيء. وفي أزمة حقيقية، لن ينجح ذلك».
غير أن تغيير هذه الذهنية يحتاج إلى وقت. قال فاييرابِند، في ورشة حملت عنوان «القدرة على الصمود بحلول 2030: هل المجتمع الألماني مستعد للدفاع؟»: «إن إرادة الدفاع موجودة. لكن على القيادة السياسية والمجتمع الآن أن يحولا هذه الإرادة إلى قدرة فعلية، بما في ذلك في الفضاء المعلوماتي». حذر من أن ألمانيا مطالبة بالانتقال من عقلية الدولة الخدمية الشاملة إلى منطق المسؤولية المشتركة، مع تعزيز الصمود المعرفي في مواجهة التضليل من دون الانزلاق إلى الهلع.
لقد بدأ التحول التاريخي المفصلي
بالنسبة إلى رولاند بوسكر، لا يبدو هذا التوتر مسألة نظرية، بل تجربة شخصية وجيلية في آن. ففي عام 1989، بعد تخرجه مباشرة من المدرسة الثانوية، قرر أداء الخدمة العسكرية، ثم تدرّب لاحقاً ضابطاً في الاحتياط. وعندما عرض بزته العسكرية بفخر على جده، جاءه الرد قاسياً وصادماً. فقد كان الرجل الأكبر قد قاتل في ستالينغراد، وخسر ساقه، وظلت الشظايا في جسده طوال حياته. ويتذكر بوسكر قوله له: «يا بني، أنت أحمق. لقد فقدت ساقي في حرب دامية، فلماذا بحق الجحيم تريد أن تصبح جندياً؟».
أما جواب بوسكر، فكان يتشكل على وقع الحروب التي كانت تندلع آنذاك في البلقان. ويستعيد قائلاً: «في البوسنة، كان الأبرياء يُذبحون». وبالتالي لم يكن إشاحة النظر خياراً مقبولاً في نظره. وبعد إتمام خدمته، تلقى تدريباً ضابطاً في الاحتياط، وخدم في مواقع كان من بينها انتشار حلف الأطلسي المعزز في ليتوانيا بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، حيث عمل إلى جانب قوات من دول البلطيق والشمال الأوروبي، وهي مجتمعات لا ترى الدفاع والقدرة المجتمعية على الصمود أفكاراً مجردة، بل حقائق وجودية مباشرة.
وبالنسبة إلى جده، كانت الخدمة العسكرية شيئاً لا ينفصل عن الفقدان والذنب. أما بوسكر، فيصرّ على أن غايته ليست الغزو بل الحماية. فقد يدافع شخص بالسلاح، فيما يدافع آخر من خلال الإطفاء، أو الدفاع المدني، أو الإغاثة الطارئة، أو رعاية المسنين. وجميع هؤلاء، في نظره، يسهمون في بناء الصمود المجتمعي.
ويقول: «إن التحول الحقبي ليس قراراً، بل عملية، عملية مجتمعية. وما يهم ليس التماثل، بل المشاركة».
ويتحدث بوسكر بصراحة عن سيناريوهات ملموسة: الخطة العملياتية لحلف الأطلسي الخاصة بألمانيا، وتحريك مئات الآلاف من الجنود نحو دول البلطيق في حال وقوع أزمة، ومعالجة المستشفيات المدنية للجرحى، والاختناقات التي قد تصيب الحياة اليومية. ذلك أن ألمانيا كانت قد فككت جانباً كبيراً من بنيتها الخاصة بالدفاع المدني بعد الحرب الباردة، انطلاقاً من افتراض أن السلام بات دائماً. يقول إن الردع لا يُصنع بالصمت، بل بالاستعداد. ثم يضيف: «كلما ازداد هذا الوعي، ازداد المجتمع قدرةً على الصمود، وتراجعت احتمالات الحرب».
صحيح أن هذا الوعي لم يبلغ الجميع بعد، لكنه آخذ في الاتساع. وفي نهاية المطاف، يرى بوسكر أن السؤال الحاسم ليس كم شاباً سينضم إلى البوندسفير، بل أن يُدفع هؤلاء الشباب، من الأساس، إلى مواجهة هذا السؤال. فالتحول التاريخي المفصلي لم ينته بعد. إنه بدأ لتوه.



