من يملك الحق في السرد (4-4)
كيف يمكن للمؤرخ أن يكتب تاريخا لا يخدم هوية قومية ولا يُختزل في الإدانة؟
(أنظر في الاسفل شرح عن اللوحة)
في لحظة احتدام السرديات، تصبح الكتابة التاريخية نفسها فعلا مشحونا، لا لأن المؤرخ يزور الماضي أو يختلقه، بل لأنه يختار أين يبدأ الحكاية، وأين يضع الفاعل، وأين يصمت. سؤال الحياد هنا ليس مسألة تقنية في الأسلوب، بل مسؤولية فكرية: كيف يكتب المؤرخ تاريخا لا يتحول إلى هوية قومية جديدة، ولا إلى رد فعل انتقامي؟ وهل يمكن أصلا لسردية ما أن تتجنب تحويل التأريخ إلى ساحة تعبئة رمزية؟
تقدم الحالة الروسية–الأوكرانية ثلاث مقاربات مميزة لوظيفة التأريخ وموقع المؤرخ.
1. التأريخ كمقاومة: من كشف الهيمنة إلى إعادة تدوير المظلومية
في المقاربة الأولى، التي تنطلق من قراءة نقدية للهيمنة الروسية من موقع أوكراني، تصاغ مهمة المؤرخ بوصفها تفكيكا نشطا للسردية الإمبراطورية، لا ادعاء بالحياد. فالمؤرخ هنا لا يستطيع أن يكون شاهدا محايدا في لحظة يعاد فيها تسليح الماضي بوصفه أداة هيمنة، بل عليه أن يكشف بنيات الامتثال الرمزي التي حولت أوكرانيا إلى هامش وظيفي في سرديات الآخرين.
يكتب سيرهي بلوخي أن ما سمي في الكتابات الروسية الرسمية “إعادة توحيد” لم يكن سوى “عملية امتصاص لكيان سياسي مستقل، جرى تقديمها لا كغزو، بل كاستعادة لوحدة تاريخية متخيلة”. هذا التصور يمنح التأريخ وظيفة مقاومية مباشرة: استعادة حق أوكرانيا في أن تكون ذاتا سردية مستقلة، لا مادة خاما لترميم «الذات الروسية».
مكمن الخطر في أن يجنح هذا الموقف الأخلاقي إلى سردية مضادة تعيد إنتاج الثنائية القديمة: مركز/هامش، جلاد/ضحية، وإن بوجوه معكوسة. حين تصبح كل كتابة للماضي فعلا أخلاقيا مباشرا، ينزلق المؤرخ إلى موقع القاضي، لا الباحث في شروط الفهم. المظلومية لا تحلل عندئذ بوصفها بنية معنى، بل يعاد توزيعها من مظلوم إلى مظلوم آخر، مع بقاء منطق الاستقطاب نفسه.
2. التأريخ كتفكيك بنيوي: ضد السردية لا مع سردية مضادة
في المقاربة الثانية، ذات الطابع البنيوي، كما تتجلى في أعمال ألكسندر إتكيند، يتخذ المؤرخ موقعا مختلفا، لا يزعم المؤرخ الكتابة من خارج السياسة، لكنه يحاول أن يكتب ضد السردية من دون الانخراط في سردية مضادة. وظيفة المؤرخ هنا ليست الدفاع عن طرف بعينه، بل تفكيك الأدوات التي أنتجت اختلالات المعنى والتمثيل.
في هذا الأفق، تصبح الكتابة التاريخية ممارسة معرفية تقوض الأساسات التي بني عليها احتكار السلطة الرمزية، سواء كانت سلطة المركز الإمبراطوري أو الخطابات الانفصالية التي تستنسخ أحيانا أدوات القمع نفسها. يكتب إتكيند: “ليس على المؤرخ أن ينحاز، بل أن يعري: من الذي اختار لحظة البدء؟ ومن الذي حول اللغة إلى ترخيص للوجود؟”.
المؤرخ هنا ينأى عن المطالبة بتصحيح الحكاية لصالح ضحية جديدة، ليهتم بآليات اشتغال السرد ذاته كسلطة معرفية منتجة وسؤال البنية التي جعلت من بعض السرديات ممكنة ومن سرديات أخرى مستحيلة. ومع ذلك، يبقى سؤال معلق: إلى أي حد يمكن لهذا التفكيك أن يتفادى إنتاج سرديته الخاصة؟ فمجرد اختيار زاوية التحليل، وتحديد ما يعد “أداة” وما يعد “معنى”، هو بدوره موقف ضمن حقل صراع، لا وقوف في فراغ محايد.
3. التأريخ كمسافة تحليلية: التعدد المؤسسي والبحث عن مشترك
أما المقاربة الثالثة، التي يمثلها أليكسي إي. ميلر، فتقترح موقعا وسطا بين التفكيك الأخلاقي والتفكيك البنيوي. يقر ميلر بأن المؤرخ لا يستطيع الهروب من موقعه، لكنه يستطيع إعادة تنظيم المسافة بين السرد والتحليل. لا يدعو إلى “دفاع حضاري” عن المركز، ولا إلى كتابة هجومية من موقع الضحية، بل إلى سردية تحليلية مزدوجة تُفهم منطق المركز دون أن تبرره، وتصغي لمظلومية الأطراف دون أن تستنسخها.
في رأيه، لا تكمن المشكلة في وجود سردية وطنية، بل في أحاديتها، وفي غياب آليات تفاوض رمزي تسمح بتعدد الروايات دون الانزلاق إلى فوضى الذاكرة. يكتب ميلر: “الخطر لا يأتي من سردية وطنية واحدة، بل من غياب التعدد المؤسسي في إنتاج السرد، وتحويل التأريخ إلى أداة للشرعية بدل أن يكون ساحة للنقاش”.
من هذا المنظور، تصبح مهمة المؤرخ خلق مسافة تحليلية تسمح بإعادة بناء مشترك تاريخي، لا إعادة إنتاج خنادق هوياتية متقابلة. التاريخ لا يكتب هنا لتثبيت هوية جاهزة، ولا لتفجيرها بالكامل، بل لفتح مجال سردي يمكن فيه للمركز والأطراف أن يتفاوضوا على معنى العيش المشترك، من دون ادعاء براءة ومن دون تسليم كامل لأفق الضحية.
التأريخ بين التمثيل، التفكيك، والتعبئة
هذه المقاربات الثلاث ترسم أطيافا للعلاقة الممكنة بين المؤرخ والتاريخ:
الأولى ترى الكتابة فعلا مقاوميا، الثانية تحملها مسؤولية معرفية تحليلية، والثالثة تعتبرها عملية توازن دقيقة بين فهم التوتر وتجنب إعادة إنتاجه. خلف هذا التنوع يطل سؤال أعمق: في لحظة انكشاف السرديات، هل يمكن للمؤرخ أن يكتب من دون أن ينحاز إلى طرف ضمن صراع على المعنى؟
في مواجهة هذا التنوع المفاهيمي حول وظيفة التأريخ، تبرز الحاجة إلى معيار فكري يسمح بقراءة الاختلافات دون الوقوع في مطب الانحياز أو التلقين الأيديولوجي. إدوارد كار يقدم هنا معيارا متواضعا ومفيدا في آن. فهو لا ينكر أن المؤرخ ابن زمنه، لكنه يرفض أن يتحول إلى أداة طيعة لإعادة إنتاجه. يقول: لا يكتب المؤرخ في فراغ، بل من داخل زمن محدد، لكن مهمته أن يغني الحاضر لا أن يعيد تكراره. ما يطلبه كار ليس حيادا مستحيلا، بل وعيا نقديا بالموقع، وقدرة على طرح السؤال بدل التبشير بالجواب.
هكذا يتحدد عمل التأريخ بوصفه جهدا مزدوجا، من جهة يكون انخراطا في الحاضر دون السقوط في أسر تمثيله الهوياتي، ومن جهة أخرى اشتباكا مع الصراعات الراهنة دون تحويل النص إلى بيان تعبوي.
في المقاربات الثلاث التي استعرضناها، تتبدى تصورات متباينة، بل متعارضة، لوظيفة التأريخ: هل يكتب المؤرخ ضد السلطة، أم ضد التزييف، أم دفاعا عن وحدة مهددة؟ هذه التباينات لا تتعلق بأسلوب السرد فقط، بل تمس تصور الزمن نفسه: هل الماضي مادة للتحقيق، أم للحشد، أم للتفكيك؟، ومن بين هذه التباينات، تبرز مفارقات أعمق تتعلق بعلاقة التاريخ بالهوية، والسردية بالسلطة، واللغة بالشرعية.
في المقاربة الأوكرانية، يكتب المؤرخ من قلب حاضر مضطرب، يعيد تأويل الماضي بوصفه تاريخ انتزاع الاعتراف. يحذر تيموثي سنايدر من خطر “إنتاج تاريخ بديل يطابق بنية السردية التي يفككها”، بحيث يظل منطق المركز/الهامش والجلاد/الضحية حاكما وإن تبدلت الأدوار. هنا يصبح التأريخ مقاومة ضرورية، لكنه مهدد بأن يتحول إلى مرآة معكوسة للخطاب الإمبراطوري.
في المقابل، تمثل السردية القومية الروسية، كما تتجسد في التصورات البوتينية للزمن التاريخي، الشكل الأكثر صفاء للتأريخ التعبوي. يُطلب من المؤرخ أن يغذي “جوهرا حضاريا” ثابتا لروسيا، وأن يعيد ترتيب الماضي بحيث يتوافق مع رواية عن استمرارية ميتافيزيقية لا تنكسر. هذه المقاربة تتعارض جذريا مع فهم بنديكت أندرسن للأمة بوصفها “جماعة متخيلة” تبدأ لحظة تشكلها بلحظة نسيان منظم للتعدد والعنف والتاريخ المتنازع عليه. عندما يطلب من المؤرخ أن يكتب في خدمة الأمة، يطلب منه في العمق أن ينسى، أو أن يعيد ترتيب الماضي بما يناسب الحاضر الذي تريده السلطة.
هذا النمط من التأريخ لا يقف على مسافة من الصراع، إنه جزء من آلة التعبئة ذاتها. فالتاريخ هنا لا يسعى إلى توسيع أفق الفهم، بل إلى تضييقه، ولا إلى كشف خط التوتر بين الماضي والحاضر، بل إلى تغليفه بلغة الاستمرارية والتهديد والمظلومية المعكوسة.
يقدم جون برور، في أعماله حول التاريخ الثقافي، معيارا آخر لقياس نزاهة الممارسة التاريخية: مساءلة المؤرخ لأدوات كتابته لا أقل من مساءلته للوقائع. فالمؤرخ الذي لا يسأل عن البنية السردية التي يتحرك ضمنها، وعن مواقع الخطاب ومراكز التمثيل، لا يكتب تاريخا بقدر ما يردد رواية رسمية بلهجة مختلفة. هذه المقاربة تمنح التأريخ قدرة على إبقاء الباب مفتوحا أمام تأويلات متعددة دون الوقوع في الإنكار أو الادعاء، لكنها في لحظات الأزمات تبدو، هي الأخرى، معرضة لاتهام “البرود” أو الهروب في لحظة تتطلب موقفا.
كيف تحفر السرديات القومية خطوط الانتماء
عندما تتحول المجتمعات إلى كيانات مأزومة تبحث عن سردية تفسر الألم، أو تبرر الخوف، أو تشرعن الرد، تتضاعف خطورة موقع المؤرخ. يُطلب منه عندئذ أن يرمم الهوية الوطنية كما لو كان يشارك في صياغة وثيقة تأسيسية جديدة. في مثل هذا السياق، لا يعود التاريخ مجرد سجل لما جرى، بل يصبح موقعا لإعادة تركيب صورة الذات الجماعية: من يدخل في «نحن» ومن يبقى خارج حدودها.
في الحالة الروسية–الأوكرانية، يتقاطع هذا كله في صورة مكثفة: فشلت روسيا في إنتاج سردية جامعة تعترف بتعدد فضائها التاريخي، وتحولت أوكرانيا إلى مركز الانكشاف الرمزي لهذا الفشل، وبرزت سرديات قومية متقابلة تطلب من الماضي أن ينطق بلغتها.
لا تعود المسألة هنا نزاعا سرديا بين دولتين فحسب، بل مثال مركب على كيف تتحول السرديات القومية إلى أدوات لإعادة إنتاج العالم ورسم خرائط الانتماء والشرعية. فعندما يعجز الحاضر عن تبرير أفعاله بلغة القانون، يعود إلى الماضي ليطلب منه أن يتكلم باسمه. ولا يعود السؤال: ماذا يكتب المؤرخ؟ بل لمن يكتب؟ وبأي سلطة معرفية وأخلاقية يسرد؟ اللغة التاريخية نفسها تصبح جزءا من المعجم السياسي–الرمزي المشحون: الأفعال الماضية، أسماء الأماكن، الخرائط، تواريخ “البدايات” و”الاستعادات”، كلها تتحول إلى أدوات ترسيم حدود، لا مجرد أدوات وصف.
لهذا، إذا كان المؤرخ عاجزا عن الإفلات من الحقول المغناطيسية للهويات، فإن الحد الأدنى المطلوب منه هو وعي موقعه: أن يعلن من أين يتكلم، وأي سردية يخترقها أو يعيد إنتاجها من حيث لا يدري، وأن يجعل من هذا الوعي جزءا من نصه، لا هامشا خارجيا له.
يبقى السؤال الذي يدور حوله هذا كله: هل يمكن إنتاج سردية تاريخية لا تنسج من الألم هوية مغلقة، ولا ترد على التسلط بعزلة رمزية جديدة، ولا تتحول إلى ترميم سلطوي للأمة الجريحة؟ قد لا يكون هناك جواب حاسم، لكن مجرد طرح السؤال – في مواجهة السرديات الإمبراطورية والمضادة والتعبوية معا – يجعل من كل كتابة تاريخية اليوم رهانا معرفيا وأخلاقيا في آن واحد، لا مجرد تمرين أكاديمي على ترتيب الوقائع.
===
شرح اللوحة:
في هذا المشهد الباذخ، نرى خميلنيتسكي على صهوة جواده الأبيض محاطا بجيشه وحاشيته، يُستقبل بحفاوة كـ"محرر" من قبل النخبة الدينية الأرثوذكسية في كييف. الكهنة يحملون الأيقونات، والمدينة تستقبل القائد كرمز للسيادة والاستقلال، في لحظة مشبعة بالطقوس والتاريخ.
لكن هذه اللحظة ليست بريئة تماما. فهي تؤرخ لبداية التحول الكبير في موقع أوكرانيا، حين اتجه خميلنيتسكي لاحقا إلى معاهدة برياسلاف (1654)، التي وضعت أوكرانيا تحت حماية روسيا القيصرية، في علاقة ملتبسة بين التحالف والخضوع.
رمزية اللوحة:
التضخيم المسرحي للحظة الدخول يعكس نزعة قومية متأخرة تريد أن تستعيد "تاريخا مؤسسا"، وتُعيد تأويله كمجال للمجد والانبعاث.
المشهد الكنسي يوظّف الدين كأداة ترميز سياسي، في تقاطع بين السيادة الأرضية والشرعية الروحية.
خميلنيتسكي، في هذه اللوحة، لا يمثل فقط شخصية تاريخية، بل يتحول إلى رمز للتخيل السياسي لأوكرانيا كأمة تنهض ضد الهيمنة، لكن من داخل سرديات القوة، لا خارجها.




