القومية البلقانية وتفكك الدولة العثمانية (4-4)
الإصلاح الإمبراطوري في عصر القوميات: لماذا لم تنقذ العثمنة الإمبراطورية؟
من تدويل التمرد إلى إعادة تأسيس الدولة
قام الحكم الإمبراطوري العثماني على إدارة التنوع من خلال التراتب والوساطة والتفاوض. لم تنتظم علاقة المركز بالرعايا في صيغة قانونية واحدة، وإنما مرت عبر طبقات متعددة مثل المحلة والقيادات المحلية والمؤسسات الدينية والأعيان وشبكات القضاء والجباية. شكلت هذه الترتيبات نظاماً مرناً لم تحكمه قواعد موحدة وثابتة، إذ أعيد التفاوض على الصلاحيات مع تعيين الولاة والقيادات الدينية وتبدل موازين القوة والمصالح. امتلكت الدولة العثمانية الكلاسيكية معرفة بالسكان، إذ سجلت دفاترها الأسر والأرض والموارد والوحدات الخاضعة للضريبة. الجديد في القرن التاسع عشر كان إعادة تعريف الوضع القانوني للسكان وعلاقتهم بالسلطة، لا اكتشافهم إدارياً.
سمحت هذه المرونة للإمبراطورية بحكم جماعات متنوعة من دون دمجها في هوية سياسية واحدة. غير أن هذه البنية بدأت بالتأكل قبل ظهور القوميات. فقد أعادت تمردات الجلالية وصعود الأعيان وانتشار الالتزام الضريبي، منذ القرن السابع عشر، توزيع السلطة بين المركز والأقاليم. ثم وسعت إصلاحات سليم الثالث ومحمود الثاني قدرة المركز العسكرية والمالية والإدارية، وقيدت استقلال بعض الوسطاء وأعادت دمج آخرين في جهاز الدولة. وجاءت النخب القومية لاحقاً لتعيد تعريف جماعات دينية ولغوية ومحلية باعتبارها أمماً تستحق التمثيل والسيادة. عندئذ تحولت أزمة قديمة في توزيع السلطة إلى نزاع على مصدر الشرعية وصاحب الحق في الحكم.
أدت انتفاضات البلقان وتدخلات القوى الكبرى إلى نقل التمرد من مسألة أمنية داخلية إلى قضية سيادة دولية. لم يعد المطلوب إخماد العصيان أو استبدال والٍ بآخر؛ صار بقاء الدولة مرتبطاً بإعادة تعريف العضوية السياسية داخل الإمبراطورية. سعى المركز الإصلاحي إلى إنشاء مساواة قانونية عامة تربط السكان بالدولة، مع استمرار المؤسسات الدينية والمجالس المحلية والجماعات المقننة في أداء وظائف إدارية وتمثيلية. لذلك لم تنتقل التنظيمات من «حكم الجماعات» إلى «دولة الأفراد» في مسار خطي. أنشأت فرداً يتمتع بوضع قانوني أوسع، وأعادت في الوقت نفسه تنظيم الجماعات والوسطاء وإدخالهم في هرم الدولة.
مثلت التنظيمات بين 1839 و1876 مرحلة داخل مسار مركزي ممتد، لا استجابة مفاجئة لصدمة قومية. عمل رجال الباب العالي والقصر والولاة والمجالس والنخب المحلية، رغم تعارض مصالحهم، على توحيد القانون وتنظيم الجباية والتجنيد والقضاء والإدارة، وتقليص استقلال الوسطاء عبر تقنين صلاحياتهم وربطهم بالمركز. كما أعادت صياغة شرعية الحكم عبر الجمع بين العدل السلطاني والإرث الإسلامي والسلالي من جهة، والقانون والكفاءة الإدارية والمنفعة العامة من جهة أخرى.
لا يُفسَّر تعثر المشروع بأن صعود القومية كان أسرع من اكتمال العثمنة، ولا بأن السكان رفضوا المواطنة الإمبراطورية سلفاً. نشأ التعثر من تفاعل عدة عمليات: توسع قدرة الدولة وتراجع مرونة التفاوض المحلي، والصراع على الموارد والتمثيل، والتفاوت بين الأقاليم في استخدام القانون، وتعدد الصيغ المتنافسة للعثمنة، وتحول الكنائس والمدارس والصحف والجمعيات إلى أدوات للتعبئة السياسية. استطاعت بعض الشبكات القومية تحويل هذه المؤسسات إلى ادعاءات إقليمية قابلة للحماية والاعتراف الدولي، بينما بقيت المواطنة العثمانية موزعة بين القانون والبيروقراطية والسلالة والدين والدستور، من دون أن تتكون حولها كتلة اجتماعية مستقرة قادرة على الدفاع عنها خلال الحرب وتقسيم الأقاليم.
كان اختلال التزامن جزءاً من هذه الأزمة، لكنه لم يعمل مستقلاً عن القوة والتنظيم. احتاجت الممارسة الدستورية والتعليم المشترك والمساواة القانونية إلى تراكم طويل، بينما استطاعت الحروب والمعاهدات والرعاية الخارجية تغيير الحدود في سنوات قليلة. وقطع تعليق البرلمان التراكم التمثيلي، من دون أن يوقف بناء الدولة. وظلت العثمنة مشروعًا جديًا ومتغيرًا، انتقل بين صيغ قانونية وسلالية ودستورية
كانت الثورات القومية نتيجة لأزمة إدارة التنوع وعاملًا في تعميقها، ثم حولت الحروب وتدخلات القوى الكبرى بعض نزاعاتها إلى حكم ذاتي وحدود واستقلال. ومن التنظيمات إلى دستور 1876، ومن العهد الحميدي إلى ثورة 1908 وحروب البلقان، لم يجر الصراع بين إمبراطورية ساكنة وأمم مكتملة. دار بين مشروعات متنافسة لتنظيم السكان والتمثيل والسيادة، امتلكت قدرات متفاوتة على التحول إلى مؤسسات وحدود واعتراف دولي. انهزمت العثمنة في النهاية سياسياً، لا لأنها اختفت من المجتمع، وإنما لأنها عجزت عن تحويل الولاءات الإمبراطورية والمصالح المشتركة إلى ائتلاف دستوري قادر على حماية الإطار الذي جمعها.
التنظيمات والمواطنة غير المكتملة
علن خط شريف كلخانة عام 1839 حماية الحياة والمال والعرض، وربط الضرائب والتجنيد والحكم بقواعد أكثر انتظاماً. جاء الإعلان تتويجاً لمسار بدأه محمود الثاني قبل ذلك بعقود، وشمل إلغاء الإنكشارية وبناء جيش جديد، وتقليص استقلال بعض الأعيان وإعادة دمج آخرين في جهاز الحكم، وتوسيع الإدارة المركزية. وحول إجراءات إصلاحية متفرقة إلى التزام سلطاني معلن يجعل انتظام الحكم وحماية الرعايا جزءاً من شرعية السلطة نفسها. صاغته دائرة محدودة أحاطت بالسلطان عبد المجيد ورجال الباب العالي، وفي مقدمتهم مصطفى رشيد باشا وشبكته الإصلاحية، وأسهم العلماء في إضفاء المشروعية الشرعية عليه، فيما حضر الدبلوماسيون الأوروبيون في خلفية المشهد. وقدمت لغته العثمانية الإسلامية المحافظة الإصلاح إحياء للعدل السلطاني، فمررت تحولاً في ممارسة الحكم داخل معجم سياسي مألوف.
قدمت التنظيمات تصوراً جديداً لوضع الرعية أمام السلطة. صار الفرد حاملاً لحماية قانونية والتزامات محددة، مع بقاء علاقته بالدولة مرتبطة بالأسرة والجماعة الدينية والمحلة والوسطاء المحليين. رأى رجال الإصلاح أن إعادة بناء الجيش والمالية والإدارة تتطلب الحد من المصادرة والعقاب التعسفي والفساد في الجباية والحكم المحلي؛ لذلك وفر الأمن القانوني للفرد حماية معلنة، وأتاح للمركز توسيع التسجيل والإحصاء والتجنيد والجباية والإشراف القضائي. وكان الفرد الذي أنتجته التنظيمات فرداً قانونياً وإدارياً في المقام الأول، تفاوتت قدرته على استخدام الحقوق الجديدة والوصول إلى المجالس والمحاكم تبعاً للثروة والملكية، والموقع المديني أو الريفي، والمعرفة بلغة الإدارة، والارتباط بالأعيان أو المؤسسات الدينية أو شبكات الحماية القنصلية. أعادت القوننة تحديد موقعه داخل الجماعة والطبقة والعلاقات المحلية وأمام الدولة، من دون أن تفصله عنها.
وسع الخط الهمايوني عام 1856 نطاق المساواة أمام القانون، وفتح مجالات أوسع لمشاركة غير المسلمين في التعليم والوظائف العامة والمجالس والقضاء، وربط العضوية في الدولة بحقوق لا يحددها الانتماء الديني وحده. اختلف الإعلانان في لغة الشرعية: استند خط 1839 إلى العدل والشريعة، فيما منح خط 1856 المساواة المؤسسية موقعاً أوضح، في سياق ارتبط بحرب القرم ومفاوضات معاهدة باريس. قدم السلطان والباب العالي الإصلاح قراراً عثمانياً، رغم أثر الضغط الأوروبي في الظروف المحيطة بصدوره. وأثار توسيع المساواة جدلاً حول التراتب الديني والوظيفة العامة والخدمة العسكرية. بقيت المساواة في التجنيد محدودة؛ استمر غير المسلمين في دفع البدل النقدي، ولم يبدأ تجنيدهم فعلياً إلا بعد عام 1909.
اكتسبت العضوية العثمانية تحديداً أوضح مع قانون التابعية الصادر عام 1869، الذي نظم اكتساب التابعية وفقدانها، وجعل «العثماني» وصفاً قانونياً عاماً يمكن إثباته بصرف النظر عن الانتماء الديني. نقل القانون العثمنة من مجال المبادئ الإصلاحية إلى التقنين، من دون أن ينشئ مواطنة سياسية مكتملة أو يحسم نزاعات التمثيل واللغة والتعليم والسلطة المحلية. جاورت العضوية القانونية المشتركة عضويات جماعية واصلت تنظيم جوانب أساسية من الحياة الاجتماعية والسياسية. وتزامن ذلك مع نمو الوزارات والبيروقراطية والسجلات، وتحسن الاتصال بين إسطنبول والولايات، واتساع تسجيل السكان والأرض والضرائب والخدمة العسكرية. منحت هذه العملية الفرد موقعاً قانونياً أوضح، وزادت في الوقت نفسه انكشافه أمام الإجراءات المالية والقضائية والعسكرية. حملت المواطنة الإصلاحية حقوقاً جديدة، ووسعت قدرة الدولة على المعرفة والتصنيف والتدخل.
رسخت الأنظمة الأساسية للطوائف في ستينيات القرن التاسع عشر ازدواج العضوية القانونية والجماعية. لم تدون نظام ملل قديماً وثابتاً، وإنما حولت ترتيبات تفاوضية متغيرة إلى أطر مكتوبة تحدد مواقع القيادات الدينية والمجالس، وقواعد الانتخاب، وإدارة التعليم والأوقاف والشؤون الداخلية. حدت القوننة من مرونة بعض الصلاحيات القديمة، ومنحتها في الوقت نفسه اعترافاً مؤسسياً أكثر انتظاماً.
وسعت هذه الأنظمة مشاركة التجار والمهنيين وأصحاب المدارس والعلمانيين في إدارة الجماعات، وغيرت التوازن بينهم وبين رجال الدين من دون إنهاء سلطة الإكليروس أو نقل القيادة كاملة إلى فئة جديدة. واتخذ التحول صوراً مختلفة من جماعة إلى أخرى؛ فقد عكس النظام الأساسي الأرمني لعام 1863 صراعات خاصة داخل المجتمع الأرمني، فيما خضعت المجالس الأرثوذكسية لتركيب مؤسسي وعلاقات مختلفة مع البطريركية والدولة. لذلك لا يصح جمع الحالات في مسار واحد، أو افتراض أن كل نخبة دخلت المجالس تحولت لاحقاً إلى قيادة قومية. استخدم بعض الفاعلين هذه المؤسسات للدفاع عن الاستقلال الطائفي، أو تحسين الإدارة والتعليم، أو تعزيز موقعهم داخل الإمبراطورية، فيما أعادت شبكات أخرى توظيفها في برامج قومية مع تغير الظروف السياسية. أبقت القوننة الجماعة وسيطاً معترفاً به بين الفرد والدولة، لكنها أعادت توزيع السلطة داخله وربطته بإشراف إداري أوثق.
لم تتحول القرارات الصادرة من إسطنبول في الولايات البلقانية إلى ممارسة موحدة. مرت عبر الولاة والمجالس والأعيان والقيادات الدينية وملاك الأرض والموظفين المحليين، وأعاد كل طرف تفسيرها وفق موقعه ومصالحه. لذلك لا يمكن رد تفاوت التنفيذ إلى قانون مركزي جيد أفسده التطبيق المحلي؛ كان القانون نفسه مجالاً للصراع. استخدمه الفلاحون للمطالبة بالأرض أو تخفيف الضرائب، واستند إليه الأعيان لحماية الحقوق المسجلة، ولجأت إليه المجالس والقيادات الدينية لتوسيع صلاحياتها أو الدفاع عنها. وتراوح التعامل معه بين العرائض والتقاضي والتفاوض، والتهرب من التسجيل والضريبة، والمقاومة المسلحة.
كان جوهر النزاع في مناطق عديدة زراعياً ومالياً قبل أن يكتسب لغة قومية صريحة. ففي مقاطعة ڤيدين، انتفض فلاحون بلغار عام 1850 على نظام الغوسبودارلق وعلاقات الأرض والريع المرتبطة به. تمحورت مطالبهم حول الأرض والضرائب وسلطة الملاك، لا حول برنامج قومي مكتمل. ثم جاء قانون الأراضي لعام 1858 ليجعل التسجيل والملكية والانتفاع بالأرض جزءاً من مشروع المركزية. لم يكن التسجيل إجراء فنياً محايداً؛ فقد أعاد فتح النزاع حول صاحب الحق في الأرض، ومن يزرع ويدفع، ومن يستطيع إثبات دعواه أمام الإدارة. وتفاوتت نتائجه تبعاً لقدرة الفلاحين والملاك والوسطاء على الوصول إلى السجلات واستخدام القانون.
جسدت ولاية الدانوب، التي كانت من ميادين التطبيق المبكر لقانون الولايات لعام 1864، هذه التناقضات. أعاد مدحت باشا تنظيم الإدارة، ووسع المجالس المحلية المختلطة، وطور الطرق والمدارس والسجلات ومؤسسات الائتمان الزراعي وأجهزة الجباية. أتاحت المجالس للمسلمين وغير المسلمين مجالاً جديداً للمشاركة في الشؤون المحلية، من دون أن تلغي نفوذ الأعيان أو التفاوت في القدرة على التمثيل. كما تفاوت توزيع منافع الطرق والائتمان والتعليم والإدارة الجديدة؛ استفادت منها مدن وفئات وشبكات تجارية وتعليمية أكثر من غيرها، فيما فرض التسجيل والضرائب والانضباط الإداري أعباء إضافية على فئات أخرى.
وسعت هذه السياسات قدرة المركز على الاتصال بالولاية وإدارة مواردها، وضيقت هامش التصرف الذي تمتعت به قوى محلية. قاوم بعض الأعيان والزعامات التحول دفاعاً عن مواقعهم في الأرض والجباية والمجالس، وخشيت جماعات دينية ولغوية أن يؤدي توحيد الإدارة والتعليم إلى تقليص استقلالها. وفي المقابل، فتحت الطرق والمدارس والمطابع والمجالس مجالاً أوسع للتعليم والتنظيم وتداول الأفكار. استفادت الشبكات القومية البلغارية من هذه المؤسسات، من دون أن تكون القومية نتيجتها الوحيدة أو المحتومة؛ فقد خدمت البنية نفسها الإدارة العثمانية والتجارة المحلية والمشاركة البلدية، قبل إعادة توظيف بعض عناصرها في تعبئة تتجاوز المركز.
كانت التنظيمات حديثة في أدواتها وإمبراطورية في غايتها. استخدمت القانون والسجل والمدرسة والمجلس والجيش والإدارة المركزية للحفاظ على مجتمع متعدد داخل سيادة واحدة. أنتجت عضوية قانونية أوسع وجماعات أكثر تقنيناً، ووسعت في الوقت نفسه قدرة السكان على المطالبة وقدرة الإدارة على التدخل. ومن هذا التداخل نشأت مواطنة قانونية غير مكتملة، اندمجت جماعاتها في مؤسسات الدولة واكتسبت عبرها أدوات جديدة للتفاوض معها أو منازعتها.
المساواة القانونية وحدود إعادة بناء الدولة
زعزعت المساواة القانونية النظام التراتبي العثماني من دون أن تنتج شرعية مشتركة. خففت بعض أوجه التفاوت الديني، ووسعت الوضع القانوني للأفراد، وأدخلت ممثلي الجماعات في المجالس، وأعادت توزيع السلطة داخل المؤسسات الدينية. لذلك تفاوت أثرها باختلاف المواقع الاجتماعية والمؤسسية.
رأى المركز الإصلاحي في المساواة شرطاً لبناء جيش منتظم وجباية منضبطة وإدارة موحدة، لكن استقبالها تفاوت باختلاف المواقع الاجتماعية والمؤسسية. خشي بعض العلماء والموظفين والأعيان والحرفيين المسلمين فقدان امتيازات قانونية أو رمزية ارتبطت بموقع المسلمين داخل الدولة، فيما رأى آخرون في انتظام الحكم وحماية المال والنفس امتداداً لمطلب العدل. ويرصد أحمد جودت باشا شعور بعض المسلمين بالحزن عند صدور الخط الهمايوني، بعدما بدت المساواة المعلنة سحباً لمكانة اعتادوا عدها جزءاً من ترتيب الدولة.
في المقابل، رأت فئات غير مسلمة فيها ضمانة ضرورية بقي تطبيقها دون توقعاتها، أو حداً أدنى يمكن تعزيزه بالحماية القنصلية. لم تنقسم المواقف بين مسلمين يرفضون الإصلاح ومسيحيين يطالبون بتوسيعه؛ فقد خشي تجار مسلمون منافسة فئات استفادت من الائتمان والأسواق والمحاكم القنصلية، وعارض أعيان مسلمون المركزية دفاعاً عن نفوذهم المحلي، فيما تحفظت قيادات دينية غير مسلمة على إصلاحات وسعت حقوق الأفراد وقلصت احتكارها لتمثيل الجماعة. حاول قانون التابعية لعام 1869 الحد من اللجوء إلى الحماية القنصلية، لكنه اصطدم بشبكة راسخة من الامتيازات والمصالح الدولية.
عمق الاقتصاد السياسي للاختراق الأجنبي أزمة المساواة. فقد دخلت القوننة مجالاً تتقاطع فيه الولاية العثمانية مع الامتيازات الأجنبية والحماية والمحاكم القنصلية وشبكات التجارة والائتمان المرتبطة بأوروبا. أتاح هذا التداخل لبعض الرعايا الانتقال بين نظم قانونية واقتصادية مختلفة، فيما بقي آخرون خاضعين لأجهزة الدولة المحلية من دون منافذ مماثلة. نشأ بذلك تفاوت لا يقره القانون الداخلي صراحة، لكنه ظهر في القدرة على اختيار جهة الحماية والمحكمة وشبكة التمويل والتجارة.
سبق خط كلخانة بعام توقيع معاهدة بلطة ليمان سنة 1838. ألغت المعاهدة احتكارات تجارية معينة، وكرست رسوماً جمركية منخفضة، ووسعت وصول التجار البريطانيين إلى السوق العثمانية. تفاوتت نتائجها بين الموانئ والأقاليم الداخلية وقطاعات الإنتاج؛ تعرض بعض المنتجين لمنافسة أشد، فيما تكيفت حرف وصناعات أخرى أو توسعت في النسيج المنزلي والسجاد والحرير والإنتاج المرتبط بالطلب الخارجي. أما الدولة، فقد خسرت بعض أدواتها في استخدام الاحتكارات وتعديل السياسة التجارية بحرية، من دون أن تفقد جميع وسائل الجباية والتدخل الاقتصادي. بدأ مشروع تعزيز السيادة الإدارية، تبعاً لذلك، في ظل التزامات تجارية دولية ضيقت بعض خيارات الدولة الاقتصادية.
ازداد التوتر مع توسع الاقتراض الخارجي منذ خمسينيات القرن، ثم إعلان العجز عن الوفاء بالديون عام 1875 وإنشاء إدارة الدين العام العثماني عام 1881. حصلت الإدارة على حق تحصيل إيرادات محددة وتسليمها إلى الدائنين. ولم تكن جهة خارجية تعمل إلى جانب الدولة فحسب؛ دخلت في نسيج الجباية العثمانية واعتمدت على موظفين ومؤسسات محلية، مع احتفاظها باستقلال واسع في إدارة مواردها. وانتقل احتكار التبغ لاحقاً إلى شركة الريجي، التي أقامت جهازاً منفصلاً للشراء والمراقبة والتحصيل. واجه المزارعون والتجار هذا الاحتكار بتهريب التبغ وإخفاء المحاصيل والتحايل على الجباة. لم يُلغِ الاختراق المالي الدولة، وإنما جزأ بعض وظائفها وأدخل مؤسسات مرتبطة بالدائنين في العلاقة المباشرة بين السكان والجباية.
استفادت شرائح من التجار غير المسلمين في إزمير وإسطنبول وسالونيك من نمو التجارة الخارجية واتساع الموانئ وشبكات الائتمان. وأتاحت لها الصلات اللغوية والعائلية والقنصلية مواقع تجارية وقانونية مميزة، ووسعت قدرتها على المناورة بين مؤسسات الدولة والقناصل والأسواق الأوروبية. نشأت في هذه البيئات طبقات وسطى من التجار والصيارفة والوكلاء والمقاولين، ووجه بعض أفرادها جانباً من ثرواتهم إلى تمويل المدارس والصحف والجمعيات والمجالس الطائفية. أسهمت قطاعات من هذه النخب في تمويل التنظيمات القومية وقيادتها، فيما دعمت نخب أخرى مشروعات عثمانية أو طائفية أو بلدية، أو جمعت بين الانتماء الإمبراطوري واللغة القومية. كان الاقتصاد السياسي عاملاً في بناء المؤسسات القومية، لا تفسيراً وحيداً أو مساراً حتمياً إليها. وكشفت هذه البنية أن الحق المسنود بقنصل أو جنسية أجنبية أو شبكة مالية قد يكون أسرع إنفاذاً من حق تعلنه الدولة ولا تستطيع تطبيقه بالتساوي. ولم يرتبط اللجوء إلى الحماية القنصلية بالعمل القومي وحده؛ فقد استخدمها أفراد لتحسين مواقعهم التجارية، أو تفادي بعض الالتزامات الضريبية، أو تسوية نزاعات خاصة.
أثرت المساواة والقوننة في توزيع السلطة داخل الجماعات غير المسلمة. فلم تكن صلاحيات القيادات الدينية حقوقاً ثابتة على نسق واحد، بل استندت إلى أعراف وتفاهمات تفاوضية اختلفت بحسب الجماعات والأقاليم. منح التقنين بعض هذه الصلاحيات تعريفاً مكتوباً واعترافاً مؤسسياً، وأخضعها في الوقت نفسه لمجالس أوسع ورقابة إدارية وقواعد انتخابية جديدة. أتاح ذلك للتجار والمهنيين والعلمانيين منازعة احتكار رجال الدين للتمثيل، لكنه منح الجماعات أيضاً أدوات قانونية للدفاع عن استقلالها المؤسسي. امتد الصراع إلى داخل كل جماعة حول إدارة المدارس والأوقاف والموارد، وتحديد اللغة والمصلحة العامة، والحق في التحدث باسم أعضائها.
تداخل الإصلاح العثماني مع بناء النخب والمؤسسات المحلية. استخدمت جماعات متعددة المجالس والمدارس والقوانين الجديدة لتحسين موقعها داخل الإمبراطورية، قبل أن تتحول بعض هذه المؤسسات إلى ساحات للتنافس على اللغة والتمثيل والموارد. ومع اتساع الأزمات والحروب والتدخل الخارجي، أعادت شبكات قومية توجيه مطالب المساواة أو الاستقلال المؤسسي نحو الاعتراف بالجماعة وحدة سياسية. ظل الجمع بين المواطنة العثمانية والانتماء الديني أو القومي ممكناً فترة، ثم ضاقت مساحته عندما أصبحت المدرسة والكنيسة والإقليم موضوعات للسيادة.
ظهر تفاوت الإصلاحات بوضوح في الولايات، حيث اكتسب القانون معناه من خلال صراعات الأرض والضرائب والتجنيد والتمثيل، لا من النص المركزي وحده. عاش الفلاح والحرفي المساواة في صورتها المادية. دفع غير المسلم بدلاً عسكرياً جنبه التجنيد لكنه فرض عليه عبئاً مالياً إضافياً، فيما أدى المسلم الخدمة العسكرية وحمل نصيباً أكبر من كلفتها البشرية. وجبيت الضرائب عبر أجهزة تفاوت انتظامها وقدرتها على الحد من تعسف الجباة والوسطاء. ارتبطت المساواة، لذلك، بتوزيع الأعباء بين الدم والمال والعمل والأرض، لا بالاعتراف القانوني المجرد.
رفع الوعد الإصلاحي سقف توقعات السكان، ومنحهم لغة جديدة لمحاسبة الإدارة. وعندما اصطدمت هذه التوقعات بعلاقات الملكية والجباية القائمة، استخدمت فئات مختلفة خطاب الإصلاح لإعادة التفاوض على مواقعها ومصالحها، فيما قاومت فئات أخرى ما انطوى عليه من إعادة توزيع للسلطة والموارد. منح القانون السكان معياراً يحتجون به على الإدارة، من دون أن يحسم أي الأطراف سيكون أقدر على الإفادة منه.
يتكشف التداخل بين المركزية والبنية الزراعية والسلطة الإقليمية بوضوح في البوسنة. ارتبطت مقاومة الأعيان وكبار الملاك المسلمين لإصلاحات المركز بالتجنيد والضرائب والدفاع عن السيطرة على الإيرادات المحلية وعلاقات الأرض. هددت إعادة تنظيم الجباية والجيش مواردهم ومواقعهم بين الإدارة والفلاحين؛ لذلك لم يكن اعتراضهم دفاعاً ثقافياً مجرداً عن ترتيب إسلامي قديم. احتاج المركز إلى حملة عمر باشا لاطاس بين 1850 و1851 لكسر المقاومة وإخضاع شبكات السلطة المحلية. فرضت الدولة المركزية إصلاحاتها بالقوة على جزء من نخبتها المسلمة، بما يكشف أن الصراع دار أيضاً بين مركز يسعى إلى التحكم في الموارد ونخب إقليمية تدافع عن مواقع مادية وسياسية.
بدا مبدأ المساواة شاملاً في صياغته ومتقطعاً في أثره. منح الدولة جهازاً بيروقراطياً أشد حضوراً، ومنح السكان والجماعات معياراً يحاكمونها به قبل أن تستطيع تطبيقه على نحو متكافئ. زعزع التراتب القديم وقلص مرونة بعض الوساطات المحلية، من دون أن يخلق تجربة سياسية مشتركة أو شرعية بديلة مستقرة. بقيت الدولة معلقة بين ترتيب إمبراطوري تتراجع مبرراته وترتيب قانوني جديد لم يترسخ في الممارسة السياسية.
داخل هذه الفجوة تحركت القومية بوعد يتجاوز المساواة داخل الإمبراطورية إلى امتلاك الجماعة مؤسساتها وصوتها، ثم حدودها ودولتها. استفادت من المدرسة والمجلس والقانون والتجارة والحماية الخارجية، من دون أن تكون نتيجة حتمية لأي منها. ازدادت جاذبيتها عندما تحول النزاع على التمثيل والموارد إلى مطالبة بالسيادة، واقترن بمؤسسات منظمة ورعاية خارجية وإمكان واقعي للحكم الذاتي أو الاستقلال. لم تتعثر المساواة لأنها بقيت ناقصة فحسب، وإنما لأنها منحت الدولة والجماعات أدوات جديدة للاندماج والتفاوض والمنازعة، من دون أن تحسم العلاقة بين العضوية المشتركة والمطالبة بالسيادة.
العثمنة وحدود الخيال الإمبراطوري
لم تكن العثمنة مذهباً واحداً مستقراً، وإنما إطاراً واسعاً ضم مشروعات متعددة هدفت إلى الحفاظ على الجماعة السياسية داخل دولة تتبدل مؤسساتها وأسس شرعيتها. اجتمعت هذه المشروعات على إبقاء السكان تحت سيادة واحدة من دون صهرهم في ثقافة موحدة، واختلفت في المكانة التي منحتها للدين والسلالة والقانون والتمثيل. قدم رجال التنظيمات صيغة بيروقراطية قانونية، وبلور العثمانيون الجدد تصوراً دستورياً، ثم أعاد العهد الحميدي صوغ الرابطة الإمبراطورية في إطار سلالي إسلامي، قبل أن تتجه بعد عام 1908 نحو دستورية أشد مركزية. وإلى جانب هذه التصورات الرسمية والفكرية، استمرت ولاءات عثمانية بين موظفين ومثقفين وتجار وعمال وجماعات رأت في بقاء الإمبراطورية حماية لمصالحها أو من أطماع القوى الإقليمية المنافسة. أتاحت تعددية الصيغ استيعاب انتماءات دينية ولغوية ومحلية مختلفة، لكنها أبقت أساس العضوية موضع نزاع: أهو التابعية القانونية، أم الولاء للسلطان، أم المشاركة الدستورية، أم الإسلام، أم المصلحة المشتركة في بقاء الدولة؟ تحولت القدرة على استيعاب تعريفات متعددة إلى مصدر ضعف عندما تنازعت المؤسسات والنخب حول المركزية وحقوق الجماعات وحدود العضوية المشتركة.
لم يخرج دستور 1876 من الجهاز البيروقراطي أو القصر وحدهما، وإنما نشأ داخل نقاش أوسع حول الاستبداد والحرية والشورى والوطن والتمثيل. كان العثمانيون الجدد، ومن بينهم نامق كمال وضيا باشا، نتاجاً لمؤسسات الدولة الحديثة ونقاداً للسلطة التي أنتجتها في آن واحد. عملوا في الإدارة والصحافة، ثم اصطدموا بسيطرة البيروقراطية والقصر وكتبوا تحت الرقابة أو من المنفى. انتقدوا التنظيمات لأنها وسعت سلطة الباشوات من دون رقابة سياسية كافية، وأعادوا تركيب مفاهيم الحرية والدستور والتمثيل داخل معجم إسلامي عثماني لمعالجة أزمة الشرعية في الدولة.
دخلت العثمنة طورها الدستوري الأول عام 1876. نص القانون الأساسي على مساواة العثمانيين، وأنشأ مجلسًا تمثيليًا يفترض أن يجمع سكان الولايات داخل إطار سياسي مشترك، فنقل سؤال العضوية من التابعية والإدارة إلى التمثيل: من يتحدث باسم السكان، وكيف تدخل الولايات والجماعات في مؤسسة عامة، وما حدود سلطة السلطان والبيروقراطية أمام المجلس؟ قام مجلس المبعوثان على تمثيل إقليمي عام، لا على وفود رسمية باسم الملل، لكن الانتخابات جرت بصورة غير مباشرة عبر المجالس الإدارية وشبكات الأعيان، وراعت الترتيبات المؤقتة توازناً عددياً بين المسلمين وغير المسلمين. حمل المجلس لغة الأمة العثمانية العامة، فيما استند تكوينه إلى مؤسسات محلية وتراتبات اجتماعية وجماعية قائمة. كانت هذه البنية الطريقة العملية لإنشاء التمثيل في إمبراطورية متفاوتة التنظيم، لكنها جعلت المجلس نفسه ساحة للتنافس على معنى التمثيل وحدود المركزية.
لم تستمر التجربة زمناً يكفي لترسيخ أعراف برلمانية مستقرة. علق عبد الحميد الثاني البرلمان في فبراير 1878، عقب الحرب مع روسيا وفي خضم أزمة إقليمية ومالية عميقة. فرضت معاهدة سان ستيفانو تسوية وسعت النفوذ الروسي، ثم أعاد مؤتمر برلين تعديلها ورسم أجزاء واسعة من المجال العثماني وفق توازنات القوى الأوروبية. رافقت خسارة الأقاليم موجات من الهجرة والاقتلاع؛ انتقل مسلمون من القوقاز والقرم والبلقان إلى الولايات التي بقيت تحت الحكم العثماني، حاملين خبرات الحرب وفقدان الأرض والعنف الطائفي. أسهم انكماش الإمبراطورية والهجرات في زيادة الوزن النسبي للمسلمين، وجعل الأمن والولاء ومنع الانفصال أكثر حضوراً في تفكير الدولة. غير أن السياسة الحميدية تشكلت أيضاً تحت ضغط المنافسة الدولية والأزمة المالية والحاجة إلى شرعية تتجاوز البيروقراطية.
قطع تعليق البرلمان تراكم الممارسة الدستورية، من دون أن يوقف بناء الدولة أو إنتاج السياسة. اتسعت المدارس المدنية والعسكرية، وشبكات التلغراف والسكك الحديدية، والبيروقراطية والسجلات وأجهزة الرقابة، كما تطورت الصحافة والطباعة والمعارضة السياسية رغم المنع. أعاد عبد الحميد الثاني تنظيم الرابطة الإمبراطورية حول السلطان والخلافة والإسلام العثماني، مستخدماً أدوات حديثة في التعليم والاتصال والتمثيل الرمزي. جمعت الحميدية المركزية الإدارية والتقنيات الحديثة بخطاب سلالي إسلامي يلائم إمبراطورية تقلصت أقاليمها وتغير تركيب سكانها. وفي داخل المؤسسات الحميدية نفسها تكونت النخب العسكرية والمدنية والصحفية، وانتشرت الشبكات السرية ومراكز الطباعة التي قادت معارضة السلطان. لذلك استندت استعادة الدستور عام 1908 إلى كوادر وعلاقات اجتماعية نمت في العهد الذي جمد الحياة البرلمانية.
مثلت ثورة 1908 الذروة الائتلافية للمشروع العثماني. احتفى بها مسلمون ومسيحيون ويهود، وشاركت فيها جماعات قومية وموظفون وضباط وصحفيون ومهنيون وعمال، جمع بينهم الاعتراض على الحكم الحميدي أكثر مما جمعهم تصور واحد لمستقبل الإمبراطورية. رأى بعضهم في الدستور ضماناً للمساواة، وعده آخرون وسيلة لحماية الحكم الذاتي المحلي أو توسيع التمثيل، فيما اتخذته جمعية الاتحاد والترقي أساساً لإعادة بناء دولة أكثر انضباطاً ومركزية.
كشفت موجة الإضرابات التي أعقبت الثورة عن مجال اجتماعي لا ينضبط كلياً بثنائية العثمنة والقومية. تعاون عمال من خلفيات دينية ولغوية مختلفة في السكك الحديدية والموانئ ومصانع التبغ، ودافعوا عن الأجور وساعات العمل والتنظيم المهني. مثل هذا التعاون إمكاناً لتضامن عابر للجماعات، لا دليلاً على هوية عثمانية سياسية موحدة. تعاملت جمعية الاتحاد والترقي بحذر وعداء متزايدين مع التعبئة العمالية المستقلة، وقيد قانون تعطيل الأشغال لعام 1909 الإضراب والتنظيم في المرافق ذات المنفعة العامة. كشف ذلك التوتر بين خطاب الحرية الدستورية وأولوية النظام والإنتاج وسلطة الدولة، وأضعف احتمال إدماج التنظيمات العمالية في ائتلاف أوسع، إلى جانب أثر الصراعات الانتخابية والتمردات المحلية والنزاعات القومية والتدخلات الخارجية.
تحولت عثمنة ما بعد 1908 تدريجياً من ائتلاف فضفاض ضد الحكم الحميدي إلى برنامج مركزي. سعت جمعية الاتحاد والترقي إلى توحيد الإدارة والقانون والتعليم واللغة الرسمية باعتبار ذلك ضرورة لبقاء الدولة، فيما رأت قوى إقليمية وقومية في هذه السياسات تهديداً للمجالس والمدارس واللغات والمؤسسات التي بنت نفوذها من خلالها. دار النزاع حول مقدار السلطة التي يحتفظ بها المركز، ومن يحدد المناهج واللغة والتمثيل، وما إذا كانت المساواة تقتضي توحيد المؤسسات أو الاعتراف باستقلال الجماعات داخلها.
استندت القاعدة الاجتماعية للعثمنة إلى موظفين ارتبطت مصالحهم بالجهاز، وضباط رأوا في بقاء الدولة شرطاً للأمن، ومثقفين اعتبروا الدستور بديلاً من الاستبداد والتقسيم، وتجار ومدينيين استفادوا من وحدة السوق، وجماعات خشيت الوقوع تحت حكم قومي منافس. واستمرت علاقات العمل والتجارة والجوار بين المسلمين والمسيحيين واليهود في مدن مثل سالونيك وإسطنبول وإزمير. غير أن العيش المشترك لا يساوي ولاء سياسياً، والمصلحة في استمرار السوق لا تنتج تلقائياً دفاعاً منظماً عن الدستور. بقيت هذه الروابط متفرقة، ولم تتحول إلى كتلة إمبراطورية تملك قيادة وبرنامجاً ومؤسسات تعبئة مشتركة.
امتلكت الدولة مؤسسات لنشر هوية سياسية عامة. جمعت المدرسة السلطانية في غلطة سراي، منذ 1868، طلاباً من أديان وخلفيات مختلفة، وخرجت المدارس المدنية والعسكرية والإدارية موظفين وضباطاً تشكلت خبراتهم داخل مؤسسات عثمانية. كما حملت الصحافة والجيش والوظيفة العامة والمجالس مفردات الوطن والدستور والتابعية. غير أن التعليم والشبكات نفسها خدمت مشروعات عثمانية وإسلامية وقومية متنافسة، وظل الجمع بين أكثر من انتماء ممكناً إلى أن دفعت الأزمات كثيرين إلى المفاضلة بينها.
تمثل مأزق العثمنة في اختلاف قدرة المؤسسات على التحول إلى قوة سياسية منظمة. احتاجت المدرسة العامة والبرلمان والإدارة إلى انتظام وثقة وتراكم حتى تنتج عضوية مشتركة، فيما استطاعت الكنيسة القومية والمدرسة الأهلية والجمعية والصحيفة تحديد جماعة بعينها وربطها بأرض ولغة وذاكرة والتحدث باسمها أمام الخارج. واكتسبت هذه الأدوات فاعليتها حين اتصلت بشبكات مالية وتنظيم محلي ودعم دبلوماسي أو عسكري واحتمال واقعي للحكم الذاتي.
كانت حدود الخيال الإمبراطوري اجتماعية ومؤسسية وسياسية. احتفظت العثمنة بجاذبيتها لدى فئات لم تر في الدولة القومية مصلحتها، لكنها لم تحسم العلاقة بين المساواة والمركزية، ولا بين التمثيل العام وحقوق الجماعات، ولا بين وحدة الدولة وتوزيع السلطة على الولايات. ومع تعاقب الهزائم والتدخلات والحروب، ضاقت مساحة الجمع بين الانتماء العثماني والمشروعات القومية. بقيت العثمنة واقعاً اجتماعياً، لكنها عجزت عن تحويل حامليها ومصالحهم المتفرقة إلى ائتلاف دستوري منظم عندما أصبحت السيادة والحدود موضوعاً للحرب والتفاوض الدولي.
لماذا لم تُنقذ العثمنة الإمبراطورية؟
انهارت العثمنة سياسياً في الولايات الأوروبية قبل غيرها، لكن جمع هذه الولايات تحت اسم «البلقان» لا ينبغي أن يحجب تفاوتها التاريخي والاجتماعي. لم يكن الإقليم وحدة قومية أو سياسية متجانسة، ولم تواجه الدولة فيه أمماً مكتملة تنتظر لحظة تحررها. نشأت المطالب القومية عبر مسارات متباينة، تشكل كل منها من تفاعل خاص بين المؤسسات المحلية والدول المجاورة والكنائس والمدارس والحروب والتدخلات الخارجية.
كانت اليونان دولة مستقلة منذ 1830، واستطاعت أثينا تمويل شبكات تعليمية وقنصلية وثقافية وراء الحدود. غير أن القومية الهيلينية التي نشرتها الدولة اليونانية لم تتطابق تلقائياً مع عالم الروم الأرثوذكس العثمانيين. بقي فناريو إسطنبول ورجال البطريركية وتجار مدن مثل إزمير وسالونيك، إلى جانب جماعات أرثوذكسية متعددة اللغات في مقدونيا وإبيروس، مرتبطين بمؤسسات الإمبراطورية ومصالحها. احتاج تحويل الانتماء الكنسي إلى هوية قومية يونانية إلى عمل متواصل قامت به المدارس والجمعيات والقنصليات والصحافة.
اختلفت المسارات لدى الجماعات الأخرى. امتلك الصرب إمارة ذاتية الحكم وجهازاً سياسياً وعسكرياً قبل الاعتراف باستقلالهم الكامل، فيما شيد البلغار مؤسساتهم القومية عبر صراع طويل على الكنيسة والتعليم واللغة داخل المجال العثماني. ورأى ألبان كثيرون في بقاء الإمبراطورية حماية من مطالب الدول المجاورة، وجمعوا بين الولاء العثماني والدفاع عن مصالحهم المحلية قبل أن تدفعهم المركزية وتقسيم الأراضي والحروب إلى تنظيم قومي أكثر استقلالاً. أما في مقدونيا، فتنافست شبكات بلغارية ويونانية وصربية على سكان لم تكن هوياتهم القومية محسومة، وسعت إلى تعريفهم من خلال الكنيسة والمدرسة والحماية والسلاح، ثم المطالبة بالأرض باسمهم.
تكشف سالونيك حدود السردية التي تضع الإمبراطورية في مواجهة جماعات راغبة كلها في الانفصال. شكل اليهود جزءاً رئيسياً من اقتصاد المدينة وصحافتها وحركتها العمالية، ووجدت فئات منهم في الإطار العثماني حماية لمصالحها واستمرار جماعتها، كما ربطت علاقات التجارة والعمل والجوار بين مسلمين ومسيحيين ويهود رغم صعود الخطابات القومية. تنسجم هذه الصورة مع دراسات «اللامبالاة القومية» التي تبين أن قطاعات واسعة من السكان لم تنظم حياتها وفق انتماء قومي ثابت؛ فقد ظلت الروابط العائلية والمحلية والدينية والمهنية، ومصالح الأرض والأمن والضريبة، أكثر إلحاحاً لدى كثير من الفلاحين والحرفيين. وتبدلت التسميات والانتماءات تبعاً للمدرسة والكنيسة والإدارة المسيطرة وفرص الحماية. لم تكن القومية انعكاساً لوعي شعبي مكتمل، وإنما أسهمت مؤسساتها في صناعة الجمهور الذي ادعت تمثيله، عبر مزيج من الإقناع والمصلحة والضغط والعنف.
لم يكن الفارق الحاسم بين القومية والعثمنة سرعة الحركة وحدها؛ فقد راكمت النهضة البلغارية أكثر من قرن بين كتاب بايسي الهيلندري في القرن الثامن عشر وإنشاء الإكسرخية سنة 1870. تمثل الفارق الأهم في قدرة بعض المشروعات القومية على ربط اللغة والكنيسة والمدرسة بجماعة محددة، ثم تحويل هذا الادعاء إلى مطلب إقليمي قابل للحكم الذاتي والاعتراف الدولي. ازدادت هذه القابلية عندما اقترنت المطالب القومية بحرب أو تدخل أو رعاية قوة كبرى. لم يكن النظام الدولي آنذاك يعترف بالأمم وحدها؛ فقد استمر في حماية الإمبراطوريات، وأنتج أشكالاً متدرجة من السيادة والحماية والاحتلال. لكن اللغة القومية وفرت للقوى الكبرى أداة لإعادة توزيع الأراضي والنفوذ، بينما لم تمتلك المواطنة الإمبراطورية آلية دولية تكافئ الحفاظ على التنوع داخل السيادة العثمانية.
جسد مؤتمر برلين سنة 1878 التداخل بين التنظيم القومي والحرب وتوازن القوى. لم يمنح الاستقلال أو الحكم الذاتي لكل جماعة تحدثت باسم أمة، ولم يرسم الحدود وفق مبدأ قومي خالص. اعترف باستقلال صربيا ورومانيا والجبل الأسود، وأعاد تنظيم وضع بلغاريا والبوسنة والهرسك وفق تسوية بين روسيا وبريطانيا والنمسا والمجر وقوى أخرى. كانت القومية لغة مؤثرة في المفاوضات، لكنها عملت داخل ميزان قوة إمبراطوري ولم تحل محله.
تكشف الإكسرخية البلغارية كيف تحولت الوساطة الدينية إلى تمثيل قومي. أنشأها فرمان سلطاني عام 1870 لمعالجة نزاع داخل المجال الأرثوذكسي، ومنحها إدارة كنسية مستقلة عن البطريركية المسكونية. لم تتجاوز الدولة الوساطة الكنسية، وإنما أعادت توزيعها بين مؤسستين. ثم أسهمت مدارس الإكسرخية وأبرشياتها وموظفوها في تحديد من يُعد بلغارياً وربط الانتماء الكنسي بمطالب إقليمية. وفي المقابل، لم تكن البطريركية ممثلاً لقومية يونانية أو حليفاً عثمانياً جاهزاً؛ فقد دافعت عن وحدة المجال الأرثوذكسي وسلطتها ومواردها، وأدانت الإكسرخية عام 1872 بتهمة «الفيليتية»، أي إدخال التمييز الإثني في تنظيم الكنيسة. سجل الصراع انتقال اللغة القومية إلى المجال الديني، لكنه ظل أيضاً نزاعاً على الأبرشيات والتعليم والموارد والحق في تمثيل السكان الأرثوذكس.
أدت المدارس والصحف والجمعيات وظيفة موازية؛ لم تنقل هوية موجودة مسبقاً فقط، وإنما اختارت لغة وتاريخاً وذاكرة ورسمت حدود الجماعة المتخيلة. ارتبطت هذه المؤسسات في مراحل كثيرة بالإصلاح العثماني، واستفادت من القانون والطباعة والطرق والمجالس والفرص التعليمية التي وسعتها الدولة، واستخدمت أولاً لتحسين مواقع الجماعات داخل الإمبراطورية. ثم تحولت إلى ساحات للتنافس على اللغة والتمثيل والموارد، وأفضى بعضها إلى القطيعة تحت أثر الحرب والتدخل الخارجي. وفي مناطق مثل بلغاريا ومقدونيا، جمعت شبكات منظمة بين المدرسة والكنيسة والجمعية المسلحة والدعم الخارجي، فاستطاعت تعريف السكان والتحدث باسمهم وفرض وقائع سياسية تتجاوز وزنها العددي. غير أن هذه الآلية لا تصلح قانوناً عاماً لقوميات تباينت قواعد نشوئها؛ فالعداء بين العثمنة والقومية صنعته المسارات السياسية، ولم يكن معطى أصلياً منذ البداية.
في الجهة العثمانية، بقيت الولاءات الإمبراطورية والمصالح العابرة للجماعات موزعة بين الموظفين والتجار والعمال والأعيان والفئات الخائفة من التقسيم، من دون أن تتحول إلى كتلة دستورية تملك قيادة وبرنامجاً واضحاً لتوزيع السلطة بين المركز والولايات. وفي المقابل، جعلت بعض الحركات القومية سيادة الجماعة احتمالاً عملياً تحميه إمارة أو دولة مجاورة أو قوة كبرى. عندئذ لم تعد المقارنة بين المساواة والتمييز داخل الإمبراطورية فحسب، وإنما بين البقاء داخل سيادة مشتركة وإمكان امتلاك مؤسسات إقليمية مستقلة.
فتحت ثورة 1908 مجالًا لتسوية دستورية، لكنها كشفت سريعاً غياب الاتفاق على شكل الدولة. أرادت جمعية الاتحاد والترقي مركزاً أكثر قدرة على إدارة الجيش والضرائب والتعليم، فيما دافعت قوى إقليمية وقومية عن استقلال المدارس واللغات والمجالس وشبكاتها المحلية. وبين 1908 و1913 تعرضت الإمبراطورية لأزمات وحروب أفقدتها معظم أراضيها الأوروبية قبل أن تترسخ تسويات دستورية مستقرة. دخلت المرحلة نخب قومية متجذرة، ودول مجاورة تمتلك جيوشاً وبرامج إقليمية، وقوى كبرى تتنافس على إعادة توزيع النفوذ، فيما أضعفت سياسات المركزية والقيود على التنظيم السياسي والعمالي قدرة العثمنة على بناء ائتلاف أوسع.
حولت حروب البلقان الهويات المتحركة إلى نتائج حدودية قسرية. لم تسأل الجيوش السكان كيف يعرفون أنفسهم، ولم تنتظر اكتمال اقتناعهم القومي. فرضت السيطرة العسكرية حدوداً جديدة، ثم عملت الدول على مواءمة السكان معها عبر التعليم والإدارة والتهجير، ولاحقاً عبر تبادل السكان وسياسات التجانس. انتصرت الدولة القومية على الخريطة قبل أن تنتصر دائماً في الحياة الاجتماعية.
تكشف النتيجة مفارقة الإصلاح العثماني. نجحت التنظيمات والعهد الحميدي والمرحلة الدستورية في بناء دولة أقدر على التسجيل والجباية والتعليم والاتصال، لكن زيادة القدرة المركزية قلصت مرونة التفاوض مع بعض القوى المحلية، ووسعت الاحتكاك بالسكان، ورفعت سقف مطالبهم. أصبحت الدولة أقوى مؤسسياً في الوقت الذي غدت فيه الإمبراطورية أقل قدرة على الاحتفاظ بأقاليمها.
لم تختف مؤسسات الإصلاح بسقوط السيادة العثمانية. ورثت الدول البلقانية والجمهورية التركية أجزاء واسعة من البيروقراطية والقانون والسجلات والمدارس وأجهزة الإحصاء والإدارة الإقليمية، وحمل موظفون وضباط ومثقفون خبراتهم العثمانية إلى مشروعات سياسية جديدة. غير أن هذه الاستمرارية المؤسسية لا تجعل الدول والقوميات اللاحقة امتداداً مباشراً للعثمنة؛ فقد أعادت توظيف الميراث العثماني داخل صراعات ومشروعات قومية مختلفة.
لم تحل الدول القومية مشكلة التنوع التي ورثتها عن الإمبراطورية. أعادت تعريف الجماعات الواقعة خارج الأكثرية باعتبارها أقليات، وأنتجت موجات من اللاجئين والمهجرين والسكان المتنازع عليهم. تحول السؤال من إدارة الاختلاف داخل إمبراطورية متفاوتة الحقوق إلى إدماجه أو إقصائه داخل دول تدعي التطابق بين الأمة والأرض والسيادة.
لم تكن هزيمة العثمنة حكماً مقرراً سلفاً، ولا دليلاً على استحالة العضوية السياسية متعددة القوميات. نتجت من تفاعل المركزية والصراع الاجتماعي وتفاوت التنظيم والحرب والهجرة وسياسات القوى الكبرى. حملت العثمنة إمكاناً حقيقياً لرابطة مشتركة، لكنه احتاج تسوية دستورية لم تكتمل، وبيئة دولية انهارت عندما صارت الحدود تحسم بالجيوش والمعاهدات. بقيت العثمنة واقعاً اجتماعياً بعد أن فقدت قدرتها على البقاء نظاماً سياسياً.
المصادر:
Abu-Manneh, B. (1994). The Islamic roots of the Gülhane Rescript. Die Welt des Islams, 34(2), 173–203. https://doi.org/10.2307/1570929
Ahmad, F. (1969). The Young Turks: The Committee of Union and Progress in Turkish politics, 1908–1914. Clarendon Press.
Ahmed Cevdet Paşa. (1953–1967). Tezâkir [Memoranda] (C. Baysun, Ed.; Vols. 1–4). Türk Tarih Kurumu.
Anderson, B. (1991). Imagined communities: Reflections on the origin and spread of nationalism (Rev. ed.). Verso.
Artinian, V. (1988). The Armenian constitutional system in the Ottoman Empire, 1839–1863: A study of its historical development. V. Artinian.
Barkey, K. (1994). Bandits and bureaucrats: The Ottoman route to state centralization. Cornell University Press.
Barkey, K. (2008). Empire of difference: The Ottomans in comparative perspective. Cambridge University Press.
Blaisdell, D. C. (1929). European financial control in the Ottoman Empire: A study of the establishment, activities, and significance of the administration of the Ottoman public debt. Columbia University Press.
Braude, B. (1982). Foundation myths of the millet system. In B. Braude and B. Lewis (Eds.), Christians and Jews in the Ottoman Empire: The functioning of a plural society (Vol. 1, pp. 69–88). Holmes & Meier.
Davison, R. H. (1963). Reform in the Ottoman Empire, 1856–1876. Princeton University Press.
Deringil, S. (1998). The well-protected domains: Ideology and the legitimation of power in the Ottoman Empire, 1876–1909. I.B. Tauris.
Der Matossian, B. (2014). Shattered dreams of revolution: From liberty to violence in the late Ottoman Empire. Stanford University Press.
Devereux, R. (1963). The first Ottoman constitutional period: A study of the Midhat Constitution and Parliament. Johns Hopkins Press.
Findley, C. V. (1980). Bureaucratic reform in the Ottoman Empire: The Sublime Porte, 1789–1922. Princeton University Press.
Fortna, B. C. (2002). Imperial classroom: Islam, the state, and education in the late Ottoman Empire. Oxford University Press.
Gawrych, G. W. (2006). The crescent and the eagle: Ottoman rule, Islam and the Albanians, 1874–1913. I.B. Tauris.
Grandits, H. (2008). Herrschaft und Loyalität in der spätosmanischen Gesellschaft: Das Beispiel der multikonfessionellen Herzegowina [Rule and loyalty in late Ottoman society: The case of multiconfessional Herzegovina]. Böhlau.
Hanioğlu, M. Ş. (2008). A brief history of the late Ottoman Empire. Princeton University Press.
Hanley, W. (2016). What Ottoman nationality was and was not. Journal of the Ottoman and Turkish Studies Association, 3(2), 277–298. https://doi.org/10.2979/jottturstuass.3.2.05
İnalcık, H. (1973a). Application of the Tanzimat and its social effects. Archivum Ottomanicum, 5, 97–128.
İnalcık, H. (1973b). The Ottoman Empire: The classical age, 1300–1600. Weidenfeld & Nicolson.
İnalcık, H. (1992). Tanzimat ve Bulgar meselesi [The Tanzimat and the Bulgarian question]. Eren. (Original work published 1943)
İnalcık, H., & Quataert, D. (Eds.). (1994). An economic and social history of the Ottoman Empire, 1300–1914. Cambridge University Press.
Kansu, A. (1997). The revolution of 1908 in Turkey. Brill.
Karakışla, Y. S. (1992). The 1908 strike wave in the Ottoman Empire. Turkish Studies Association Bulletin, 16(2), 153–177.
Karpat, K. H. (1982). Millets and nationality: The roots of the incongruity of nation and state in the post-Ottoman era. In B. Braude and B. Lewis (Eds.), Christians and Jews in the Ottoman Empire: The functioning of a plural society (Vol. 1, pp. 141–169). Holmes & Meier.
Karpat, K. H. (1985). Ottoman population, 1830–1914: Demographic and social characteristics. University of Wisconsin Press.
Karpat, K. H. (2001). The politicization of Islam: Reconstructing identity, state, faith, and community in the late Ottoman state. Oxford University Press.
Kasaba, R. (2009). A moveable empire: Ottoman nomads, migrants, and refugees. University of Washington Press.
Koçunyan, A. (2017). The millet system and the challenge of other confessional models, 1856–1865. Ab Imperio, 2017(1), 59–85. https://doi.org/10.1353/imp.2017.0004
Konortas, P. (1998). Othomanikes theoriseis gia to Oikoumeniko Patriarcheio: Veratia gia tous prokathemenous tis Megalis Ekklisias (17os–arches 20ou aiona) [Ottoman perceptions of the Ecumenical Patriarchate: Berats for the heads of the Great Church, seventeenth to early twentieth century]. Alexandreia.
Konortas, P. (1999). From tâ’ife to millet: Ottoman terms for the Ottoman Greek Orthodox community. In D. Gondicas and C. Issawi (Eds.), Ottoman Greeks in the age of nationalism: Politics, economy, and society in the nineteenth century (pp. 169–179). The Darwin Press.
Mardin, Ş. (1962). The genesis of Young Ottoman thought: A study in the modernization of Turkish political ideas. Princeton University Press.
Mardin, Ş. (1973). Center-periphery relations: A key to Turkish politics? Daedalus, 102(1), 169–190.
Mazower, M. (2004). Salonica, city of ghosts: Christians, Muslims and Jews, 1430–1950. HarperCollins.
McCarthy, J. (1995). Death and exile: The ethnic cleansing of Ottoman Muslims, 1821–1922. The Darwin Press.
Medlicott, W. N. (1938). The Congress of Berlin and after: A diplomatic history of the Near Eastern settlement, 1878–1880. Methuen.
Meininger, T. A. (1970). Ignatiev and the establishment of the Bulgarian Exarchate, 1864–1872. State Historical Society of Wisconsin.
Ortaylı, İ. (1983). İmparatorluğun en uzun yüzyılı [The empire’s longest century]. Hil Yayın.
Ortaylı, İ. (2000). Tanzimat devrinde Osmanlı mahallî idareleri (1840–1880) [Ottoman local administrations in the Tanzimat era, 1840–1880]. Türk Tarih Kurumu.
Özdemir, B. (2003). Ottoman reforms and social life: Reflections from Salonica, 1830–1850. The Isis Press.
Pamuk, Ş. (1987). The Ottoman Empire and European capitalism, 1820–1913: Trade, investment and production. Cambridge University Press.
Petrov, M. V. (2004). Everyday forms of compliance: Subaltern commentaries on Ottoman reform, 1864–1868. Comparative Studies in Society and History, 46(4), 730–759. https://doi.org/10.1017/S0010417504000349
Quataert, D. (1983). Social disintegration and popular resistance in the Ottoman Empire, 1881–1908: Reactions to European economic penetration. New York University Press.
Quataert, D. (1993). Ottoman manufacturing in the age of the Industrial Revolution. Cambridge University Press.
Quataert, D. (2005). The Ottoman Empire, 1700–1922 (2nd ed.). Cambridge University Press.
Roudometof, V. (1998). From Rum millet to Greek nation: Enlightenment, secularization, and national identity in Ottoman Balkan society, 1453–1821. Journal of Modern Greek Studies, 16(1), 11–48. https://doi.org/10.1353/mgs.1998.0024
Sigalas, N. (2022). “And every language that has been voiced became a millet”: A genealogy of the late Ottoman millet. Die Welt des Islams, 62(3–4), 325–359. https://doi.org/10.1163/15700607-62030003
Somel, S. A. (2001). The modernization of public education in the Ottoman Empire, 1839–1908: Islamization, autocracy, and discipline. Brill.
Todorova, M. (1980). Angliya, Rusiya i Tanzimatŭt [England, Russia, and the Tanzimat]. Nauka i izkustvo.
Todorova, M. (2005). The trap of backwardness: Modernity, temporality, and the study of Eastern European nationalism. Slavic Review, 64(1), 140–164.
Todorova, M. (2009). Imagining the Balkans (Updated ed.). Oxford University Press.
Ueno, M. (2026). Millet in Ottoman documents: Religious, confessional, or ethnic/national collectives of non-Muslims? Nationalities Papers, 1–20. https://doi.org/10.1017/nps.2026.10134
van den Boogert, M. H. (2005). The capitulations and the Ottoman legal system: Qadis, consuls and beratlıs in the 18th century. Brill.
Yosmaoğlu, İ. K. (2014). Blood ties: Religion, violence, and the politics of nationhood in Ottoman Macedonia, 1878–1908. Cornell University Press.
Zahra, T. (2010). Imagined noncommunities: National indifference as a category of analysis. Slavic Review, 69(1), 93–119.





