النظرية النقدية ومسألة التكنولوجيا: إعادة النظر في مدرسة فرانكفورت (4-5)
إعادة النظر في النظرية النقدية
تتميز النظرية النقدية بانشغالها بتعيين الخطابات والممارسات التي تحمل إمكانا تحويليا جذريا. وينحدر هذا الانشغال من الجذور الهيغلية اليسارية لمشروع مدرسة فرانكفورت؛ فالمنهج الجدلي يتجه إلى كشف التناقضات والمسارات القادرة على رفعها جدليا. ولأغراض هذه الورقة، يظل النقاش موجزا.
على خلاف «النظرية المثالية»،¹⁰ يتعامل منظور التعالي المحايث مع الواقع الاجتماعي ذاته، باحثا عن ظواهر كامنة داخل العالم الاجتماعي تدفع الفاعلين إلى تجاوز التشكيل الاجتماعي المعطى ومعاييره الملازمة. ينشأ هذا الدفع حين يواجه الفاعلون الطابع المتناقض صراحة للمنطقات الاجتماعية.¹¹ فكشف هذه التناقضات يحملهم على تحدي صور الفهم الاجتماعي والذاتي التي غرستها المنطقات البنيوية المهيمنة، ثم تجاوزها. ووفقا لسترايدوم، يرتبط التعالي المحايث بتطور عمليات التعلم الاجتماعي وتحول فهم العالم الاجتماعي (Strydom, 2020).
يكتسب مفهوم الكمون الهيغلي أهمية خاصة داخل هذا المنظور. فإمكانات التغيير قائمة داخل النظام الاجتماعي الحاضر نفسه (Hegel, 2010: S47, S62). والعنصر المركزي الذي يسمح للذوات الاجتماعية بتجاوز المعايير المهيمنة هو وعيها بشكل أقل تناقضا من العقل الاجتماعي، أو الوجود الاجتماعي، يكون مضمرا في النظام القائم. لذلك لا تطلب إمكانات التعالي خارج العالم الاجتماعي المحايث؛ إنها كامنة فيه، ومهمة النظرية النقدية كشفها. وتظهر مسارات هذا التعالي إما عبر تجسدها في نماذج ثقافية، مثل النظم الديمقراطية والقانون والخبرة الإيروتيكية-المحاكاتية، أو عبر الأثر الوسيط للمفاهيم والمعايير، مثل المساواة والحرية.
ينتج التزام النظرية النقدية بالتعالي المحايث شكلا خاصا من النقد الاجتماعي: النقد المحايث. ينصب التركيز على الواقع الاجتماعي، وعلى تعيين إمكانات التعالي داخل التناقضات القائمة في النظام الاجتماعي. وهذا التصور للنقد انعكاسي، لأنه يقوم على كشف التباعد بين المعايير والمثل التي تعرف الذات نفسها عبرها وبين تحققها الاجتماعي العيني. ومن كشف هذا التباعد تبرز الحاجة إلى التعالي، كما تبرز إمكاناته.
يرتبط هذا الدافع التحرري بإيمان فرويدي بأن الذات تستجيب بالقلق حين تعي تناقضات لم تعد قابلة للاستمرار. فالذات ترغب في حل يتخذ صورة التعالي. لذلك يقوم النقد المحايث على تحليل الإمكانات العميقة وعمليات التعلم الاجتماعي التي تولد من اندفاع الذوات القلق إلى تجاوز تناقضات مقلقة (Honneth, 2014: 686–90). ويتصل هذا البعد التحليلي النفسي بدافع انعكاسي آخر: تجاوز الفجوة بين الفكرة والواقع داخل فهم الذات الاجتماعي لنفسها.
يرتبط هذا المنظور المحايث-المتعالي بانشغال النظرية النقدية بالعقلانية الاجتماعية. فاستنادا إلى إعادة الصوغ الهيغلية للفهم الكانطي لـ«الأفكار التنظيمية للعقل»، تنظر النظرية النقدية إلى الكلية الاجتماعية كتجل لأشكال مهيمنة من العقلانية. فـ«العقل»، ضمن هذا التصور، قدرة معرفية لدى الذوات الاجتماعية، وحضور متجسد أيضا في منطق المؤسسات الاجتماعية وبناها: السوق، الديمقراطية، والأشكال الثقافية.
حين نقول إن السوق الرأسمالية تجسد شكلا من العقل، فنحن نشير إلى نمط مخصوص من التفكير تعيد أنظمة التبادل السوقي إنتاجه وتكشفه في الوقت نفسه. وبالنسبة إلى الجيل الأول من منظري مدرسة فرانكفورت، كان هذا النمط الرأسمالي من التفكير أداتيا على نحو مرضي، لأنه يتعامل مع العالم كمادة خام للاستغلال والاستخراج. وربط أدورنو وهوركهايمر (1997 [1944]) هذا المنطق السوقي بحد تأسيسي في «تفكير الهوية» الذي أطلقه التنوير، وفيه تفهم خصوصيات العالم الاجتماعي كمظاهر عرضية لمفاهيم كلية.
يختلف هذا الطرح عن القول إن العالم الاجتماعي يكرس «معايير» أو «قيما» فحسب. فحجة النظرية النقدية أعمق: المؤسسات الاجتماعية نتاج لعمليات اجتماعية مولدة أولية، وهي في الوقت نفسه تنتج هذه العمليات وتدفعها إلى التحقق.
لا يفرض هذا التصور حتمية صلبة. فالذوات الاجتماعية تعمل داخل أشكال العقلانية الاجتماعية المهيمنة، وتقاومها في الوقت نفسه. ومع انكشاف التناقضات المنغرزة في العمليات الاجتماعية عبر التاريخ، تبدأ الذوات في تحدي القوى المولدة لتلك العمليات، بحثا عن عقلانيات بديلة لا تقوم على الاحتواء والإخضاع. لذلك ينبغي فهم رهان النظرية النقدية على التعالي المحايث من زاوية التحدي المتمثل في العثور داخل العالم الاجتماعي على إمكان تحرري قادر على كشف التناقضات في العقلانية الاجتماعية الظاهرة.
غير أن النظرية النقدية لا تنحصر في نقد يكشف التناقضات. فإلى جانب بعدها النقدي، ظل هذا التقليد منشغلا بالتنظير: أي وضع المنطقات الاجتماعية-الثقافية داخل أفقها الأوسع. وبصدى هيغلي واضح، يرى منظرو النقد أن فهم الطابع العلائقي للظواهر الاجتماعية شرط أساسي للتحليل، لذلك يدافعون عن مقاربة عابرة للتخصصات على نحو صريح. فالصلات بين الذاتية، والاقتصاد، والثقافة، وعلم النفس، والجغرافيا، كلها تدخل في مجال التحليل.
فالكلية الاجتماعية، كشبكة متداخلة، تقوم على منطقات كامنة تحمل إمكانا تحرريا. وغالبا ما تبلغ قابلية الانقطاع ذروتها عند تقاطع عقلانيات اجتماعية متنافسة. لذلك يسعى منظرو النقد، لفهم التناقضات داخل النظام الاجتماعي، إلى تنظير تموضع الممارسات الاجتماعية المتنازع عليها. وتحتاج العلاقات بين الذاتية، والعقلانية، والانعكاسية، والموضوعية، والكمون إلى تنظير نقدي دقيق.
تتميز النظرية النقدية، في المحصلة، بانشغالها بتعيين إمكانات التعالي داخل العالم الاجتماعي. فهي تقدم نمطا مخصوصا من النقد، ونظرية غنية في الوقت نفسه، لأنها تضع الممارسات الاجتماعية داخل تشابك كثيف بين منطقات اجتماعية متنافسة. يقوم المنهج النقدي، في أحد عناصره المركزية، على فهم أسمك للعقل، مشبع بالأثر الهيغلي: فالعمليات والمؤسسات الاجتماعية تجسيدات لأشكال من العقلانية، وتعمل أيضا على توليدها. وعندما تقرأ التقنية عبر هذه العدسة، كما سيبين ما يلي، تظهر قوة أكثر التباسا بكثير مما توحي به السلبية الحادة لدى منظري النقد الأوائل.
الهوامش:
10. Ideal Theory refers to a dominant strand of analytic political philosophy. Ideal theorists, such as Rawlsians, argue that one must theorize justice (or any normative ideal) in isolation from an analysis of the present social world.
11. For a contemporary example, consider George Monbiot’s attempts to make explicit the contradiction of infinite growth with finite resources
المصادر:
Strydom P (2020) On the origins of the left-Hegelian concept of immanent-transcendence: Reflections on the background of classical sociology. Journal of Classical Sociology 20(1): 3–21.
Hegel GWF (2010 [1812]) The Science of Logic. Cambridge: Cambridge University Press.
Honneth A (2014) The diseases of society: Approaching a nearly impossible concept. Social Research 81(3): 683–703.
Adorno TW, Horkheimer M (1997 [1944]) Dialectic of Enlightenment, trans. Cumming J. London: Verso.
ملاحظة:
النص الاصلي هو دراسة بعنوان :
Critical theory and the question of technology: The Frankfurt School revisited
نشرت أول مرة 2021 في THE THESIS ELEVEN



