النظرية النقدية ومسألة التكنولوجيا: إعادة النظر في مدرسة فرانكفورت (5-5)
في أفق نظرية نقدية معاصرة للتكنولوجيا
لا تسعى هذه المقالة إلى تقديم نظرية نقدية جديدة للتكنولوجيا، وإنما إلى تعيين الموضوعات التي تفرض نفسها متى نظر إلى التكنولوجيا من داخل أفق النظرية النقدية. تقوم الحجة على أن الأطر المفهومية التي صاغها الجيل الأول من النظرية النقدية ما تزال تمنح أدوات نافذة لفهم التكنولوجيا المعاصرة. واستنادا إلى ستريدوم (2020)، تفتح المقاربة المحايثة-التجاوزية، بما تنفرد به النظرية النقدية، تحليلا مزدوجا لإمكانات التكنولوجيا وتحققاتها داخل العالم الاجتماعي. ينصرف هذا التحليل إلى البحث عن إمكانات التجاوز عبر كشف التناقضات الكامنة في الشبكات المتداخلة للرهانات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وهي الشبكات التي يتكون عبرها فهم التكنولوجيا المعاصرة لذاتها وتتشكل داخلها في الواقع.
تبدأ المهمة المركزية لأي نظرية نقدية معاصرة للتكنولوجيا بموضعة التكنولوجيا موضعة وافية داخل الكلية الاجتماعية الراهنة. فكما بين ماركوزه (1964) في الإنسان ذو البعد الواحد، وكما عاد فينبرغ (2013) إلى المسألة لاحقا، لا تدخل التكنولوجيا العمليات الاجتماعية كعنصر «محايد»، لكنها لا تحمل في ذاتها، بالضرورة، قوة تحرر أو هيمنة. يوضح فينبرغ (2013، 2017أ، 2019) أن «العلم» و«التكنولوجيا» و«الرأسمالية» متشابكة على نحو لا يقبل الفصل. نظريا، يستطيع ظهور نموذج اقتصادي جديد أن يغير وظيفة التكنولوجيا داخل المجتمع تغييرا جذريا، وأن يفتح إمكاناتها التحررية وقدرتها على كشف العالم. لذلك تكتسب الصيغ المحددة للعلاقة الراهنة بين «العلم» و«التكنولوجيا» و«الرأسمالية» أهمية تأسيسية، مع أنها لم تخضع بعد لبحث فعلي من منظور النظرية النقدية.
إن تموضع «التكنولوجيا» داخل النيوليبرالية، وعلاقتها المعاصرة الملتبسة بـ«العلم»، يقدمان حقلا خصبا لتحليل الصراعات المعيارية، وربما مسارا لتحول اجتماعي جذري. غير أن نظاما اقتصاديا بديلا لن ينشأ تلقائيا. يرى فينبرغ (2019)، على نحو صائب، أن الدفع يأتي من «العقلانية الديمقراطية» في مواجهتها لـ«العقلانية الأداتية». كلتاهما واقع ملموس، وكلتاهما تتصارعان فوق الخلفية التقنية للحياة الاجتماعية. تقترب هذه الحجة من تصور هابرماس للحداثة كصدام بين نمطين من العقل: عقل أداتي/وظيفي وعقل تواصلي؛ لكنها تفارقه في اعتبار التكنولوجيا جزءا من نسيج الحياة الاجتماعية، لا مجالا محصورا في أحد أطرافها.
ومع أن بحث العلاقات بين التكنولوجيا والعلم والرأسمالية يظل مكونا أساسيا لأي نظرية نقدية مقبلة للتكنولوجيا، فإن فهم أثر التكنولوجيا في الكلية الاجتماعية يقتضي انخراطا أوسع. أعادت التكنولوجيا تشكيل النظام العالمي على نحو جذري: فالإنترنت يصل بين أشخاص يقفون على طرفين متباعدين من الكوكب، في تبادلات تمتد من المواعيد العاطفية الأولى إلى هجمات الطائرات المسيرة. وتنتج الوقائع التجريبية للعالم المعولم معياريات كوزموبوليتية جديدة ومتنازعا عليها؛ فبتعبير زوكرمان (2013)، نحن نغدو أكثر فأكثر «كوزموبوليتيين رقميين» نعيش «في عصر الاتصال». ينبغي فهم التكنولوجيا كعنصر مركزي في هذه العمليات.
تترك التكنولوجيا أثرها كذلك في البنى الأبوية والعنصرية، بنتائج تحررية ورجعية معا (Faulkner, 2001). ففي المجتمعات التي تقوم على تقسيم جندري واضح للعمل، ساعد ظهور الأجهزة الموفرة للجهد في تحرير النساء من ساعات طويلة من العمل الجسدي المرهق. وفي الوقت نفسه، تجعل تقنيات المراقبة الجديدة عمال الرعاية، ممن تحمل مواقعهم غالبا بدلالات عرقية، أكثر عرضة للرصد والضبط. لذلك تحتاج النظرية النقدية للتكنولوجيا اليوم إلى مساءلة الموقع المركب للتكنولوجيا داخل هذه البنى الاجتماعية المتنازع عليها والمتشابكة، وإلى موضعتها داخل أشكال العقل الأوسع التي تنتظم الكلية الاجتماعية.
دفعت المقاربات السابقة التي ربطت التكنولوجيا بالعقلانية نحو فصل إشكالي بين عقل «تقني» وعقل «تواصلي». غير أن نظرية نقدية معاصرة للتكنولوجيا تحتاج إلى تجاوز هذا الفصل، بعدما جعلت إمكانات التواصل التقني ذلك التقسيم غير قابل للاستمرار. لم يعد ممكنا اليوم التفكير في التواصل بمعزل عن التكنولوجيا. وعند تحليل أثر التكنولوجيا في العقلانية الاجتماعية، تبرز مسألتان ينبغي تقديمهما في صلب البحث.
الأولى أن التكنولوجيا، كما يبين ماركوزه في تصوره لـ«القبلي التقني»، تشكل الطريقة التي ترى بها الذوات العالم؛ فهي تعيد صياغة عملياتها النفسية والمعرفية التأسيسية. وفي الوقت عينه، تعيد التكنولوجيا تشكيل العالم الخارجي بعمق، على نحو يجعل تمييز المنطقيات الاجتماعية أكثر صعوبة: فمدننا تزداد اعتمادا على إمكانات تقنية مضافة، دافعة إيانا نحو «الواقع الفائق» (Baudrillard, 2009). لذلك يشكل أثر التكنولوجيا في القدرات المعرفية للذات انشغالا رئيسيا للنظرية النقدية، كما تشكل قدرة الذات على تمييز طبقات «الواقع» المتباينة داخل الحداثة الرقمية انشغالا موازيا.
تتوسط التكنولوجيا اليوم خبرة الذات بالعالم الموضوعي وبالعالم البينذاتي معا؛ وتغدو، على نحو متزايد، شرطا قبليا لاختبار ظواهر محاكاتية أو إيروسية: يكفي التفكير في تيندر، وسينما آيماكس، ونتفليكس (Stiegler, 1998, 2008, 2011). لذلك يتمثل أحد الانشغالات المركزية لنظرية نقدية للتكنولوجيا المعاصرة في فهم الكيفية التي تغير بها التكنولوجيا شكل عقلانية الذات، وفهم ما تحتاج إليه هذه الذات من قدرات معرفية جديدة كي تبقى قادرة على العيش والنقد داخل الواقع الرأسمالي الفائق الناشئ. لا تملك الذات مهربا إلى مجال منعزل خارج التقنية؛ وقريبا سيغدو القول مشروعا إن تشكل الذات نفسه يتطلب معرفة تقنية. لذلك يبرز تحد أساسي أمام النظرية النقدية المعاصرة: بحث أثر التكنولوجيا في قدرة الذات على النقد، وفي قدرتها على التفكير غير الأداتي، وفي القدرات المعرفية الجديدة اللازمة للازدهار داخل النيوليبرالية الرقمية.
المسألة الثانية، انسجاما مع البرنامج البحثي للجيل الأول من النظرية النقدية، أن أي نظرية نقدية للتكنولوجيا مطالبة بتحليل أثر التكنولوجيا في العقلانيات الاجتماعية. فغلبة التكنولوجيا تطبع منطق السوق الاستخراجي القائم على التبادل والكفاءة، وتزيده رسوخا. ويتحول الإلزام المركزي للسوق، أي انتزاع الربح بلا رحمة، إلى أمر مألوف عبر الوساطة التقنية. داخل الإمكانات الرقمية، تتصلب الذوات وتسلع في صور تمثيلية تختزلها إلى درجات كمية.
كلما نظمت التكنولوجيا مساحات أوسع من العالم الاجتماعي، اضطرت الذوات إلى إعادة تشكيل هوياتها كي تصبح قابلة للقراءة أمام قوى تقنية جديدة. لقد شكل محو خصوصيات الذات وردها إلى وظائف أحد المحاور المركزية في جدل التنوير (1997 [1994]). لذلك يغدو تحليل أثر التقنيات الجديدة في تطبيع هذه الديناميات وتسريعها انشغالا رئيسيا لأي نظرية نقدية معاصرة للتكنولوجيا.
يوحد البحث في هذه الموضوعات هاجس تعيين التناقضات داخل العالم الاجتماعي حين تحمل إمكانات تحررية كامنة للتجاوز. تستطيع النظرية النقدية للتكنولوجيا أن تقدم تحليلا واسعا للصراعات المعيارية القائمة عند تقاطع التكنولوجيا والعلم، وعند تقاطع التكنولوجيا والسوق. فالرغبة في معرفة أكاديمية تشاركية، وبحث مشترك، واستقصاء حر، وما يرافق ذلك من معايير النزاهة الأكاديمية والتضامن المعرفي، تصطدم مباشرة بالإملاء الأول للسوق: عوائد استثمارية قابلة للتوقع.
تقف «التكنولوجيا» في علاقة شديدة التعقيد مع رأس المال والعلم معا؛ وأي تحول في صورة أحدهما يستطيع أن يغير جذريا الافتراضات المعيارية التي تحكم المجال التقني. تنكشف هذه التناقضات المعيارية عبر الطابع التوسيعي للتكنولوجيا، أي قدرتها على توسيع العالم وتكثيف ترابطه، وعبر القيم الكوزموبوليتية التي تظهر، ولو كامنة، داخل مسارات العولمة.
عند النظر إليها من أفق النظرية النقدية، تبدو التكنولوجيا مجالا اجتماعيا مشحونا بإمكانات قادرة على دفع التجاوز. لذلك لا تكتفي النظرية النقدية للتكنولوجيا بوصف الآثار التقنية، وإنما تكشف التناقضات التي تنتجها العلاقة بين العلم والتكنولوجيا ورأس المال، وتفحص المعياريات الكونية التي تفتحها هذه العلاقة، كما تحلل الأثر الاختزالي والتسليعي الذي تمارسه التكنولوجيا في الذات داخل الرأسمالية: الذات ككائن اجتماعي، والذات في فهمها الانعكاسي لنفسها.
الخاتمة
لا شك أن العالم تغير كثيرا، والتكنولوجيا على وجه الخصوص، منذ كتابات الجيل الأول من منظري مدرسة فرانكفورت النقدية. فقد غدت الإمكانات التقنية اليوم أكثر مركزية في صناعة العالم وكشفه، وباتت الصراعات القديمة بين العقلانية «الأداتية» والعقلانية «التواصلية» متجاوزة إلى حد بعيد بفعل الاختراع التقني وتعقد الموضوعات التقنية الجديدة.
ما حاولت الصفحات السابقة إظهاره هو أن مدرسة فرانكفورت ما تزال تملك الكثير مما تقدمه لتحليل التكنولوجيا. لم نتعامل مع تحليلات الجيل الأول حول التكنولوجيا كتراث ينبغي رفضه سلفا، وإنما حددنا حدودها وبينا أن عالم الموضوعات التقنية الراهن يحتاج فهما نظريا مختلفا ومساءلة نقدية جديدة. ما يزال بعض التحليل الموضوعي لدى الجيل الأول ملائما وحادا، في حين فقد بعضه قدرته التفسيرية. غير أن البنية النظرية التي وفرتها النظرية النقدية في جيلها الأول لم تفقد قوتها؛ لقد ازدادت راهنيتها.
إن التركيز على تعيين الإمكانات الكامنة للتجاوز داخل العالم الاجتماعي المحايث يفتح مسارات خصبة للبحث المقبل. وتستطيع نظرية نقدية للتكنولوجيا، مبنية على المناهج التي قدمها منظرو مدرسة فرانكفورت، أن تمنحنا حسابا نقديا مختلفا نحن في حاجة إليه، وأن تضيف إسهاما جديا إلى الأدبيات النظرية الأوسع.
المصادر:
Strydom P (2020) On the origins of the left-Hegelian concept of immanent-transcendence: Reflections on the background of classical sociology. Journal of Classical Sociology 20(1): 3–21.
Marcuse H (1964) One-Dimensional Man. London: Routledge & Kegan Paul.
Feenberg A (2013) Marcuse’s phenomenology: Reading Chapter Six of One-Dimensional Man. Constellations 20(4): 604–614.
Feenberg A (2017a) Critical theory of technology and STS. Thesis Eleven 138(1): 3–12.
Baudrillard J (2009) The Transparency of Evil, trans. Benedict J. London: Verso.
Stiegler B (2011) Technics and Time, 3: Cinematic Time and the Question of Malaise. Stanford: Stanford University Press.
Stiegler B (1998) Technics and Time: 1: The Fault of Epimetheus. Stanford: Stanford University Press.
Adorno TW, Horkheimer M (1997 [1944]) Dialectic of Enlightenment, trans. Cumming J. London: Verso.
ملاحظة:
النص الاصلي هو دراسة بعنوان :
Critical theory and the question of technology: The Frankfurt School revisited
نشرت أول مرة 2021 في THE THESIS ELEVEN




شكرا. ولكن طبيعة التكنولوجيا موضوع التفكير سابقا مختلفة جذريا عن الذكاء الصناعي والذي لا يساعد الإنسان بل يستبدله…فلسفة العلم حاليا تصارع من أجل اللحاق بهذا الواقع الجديد…فلسفة الماضي irrelevant