كلاوس ليغيفي
15 يوليو 2026
على الرغم من تفاوت هذا التطور من بلد إلى آخر، فإن مساره العام بات واضحاً: فالائتلافات بين الأحزاب المحافظة وأحزاب اليمين المتطرف تتحول إلى خيار سياسي أكثر قابلية للتحقق، سواء على المستوى الوطني أو على مستوى الاتحاد الأوروبي.
يكشف استعراض حال اليمين المتطرف في أوروبا عن صورة متباينة. ففي أبريل 2026، أحدثت الانتخابات زلزالاً سياسياً في المجر، وأجبرت فيكتور أوربان، أبرز رموز الأممية المناهضة لليبرالية، على التنحي عن رئاسة الحكومة بعد سنوات من عرقلة عمل الاتحاد الأوروبي. بعد ذلك بوقت قصير، أُسقطت الحكومة المؤيدة لأوروبا برئاسة رئيس الوزراء الروماني إيلي بولوجان، إثر تصويت بحجب الثقة بادر إليه الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بدعم من تحالف وحدة الرومانيين اليميني المتطرف. وفي بلغاريا، انتخب الناخبون التحالف المؤيد للاتحاد الأوروبي بقيادة رومين راديف، بينما عجز حزب الحرية بزعامة خيرت فيلدرز في هولندا عن تشكيل حكومة ائتلافية. أما في فنلندا، فيشارك حزب الفنلنديين في الائتلاف الحاكم، في حين تعتمد الحكومة التي يقودها المحافظون في السويد على دعم حزب ديمقراطيي السويد.
تتعاون رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، زعيمة حزب «إخوة إيطاليا» ذي الجذور ما بعد الفاشية، مع الاتحاد الأوروبي في السياسة الخارجية. أما في بولندا، فيواجه رئيس الوزراء دونالد توسك، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، عراقيل تحول دون اتباع النهج نفسه، يفرضها رئيس الجمهورية وقضاة متحالفون مع حزب القانون والعدالة. لم يعد حزب الشعب الدنماركي جزءاً من الائتلاف الحاكم في الدنمارك، لكن حكومة يسار الوسط تبنّت موقفه المناهض للهجرة. في فرنسا، باتت مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني، على أعتاب السلطة، بينما يتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا استطلاعات الرأي في ألمانيا. ينطبق الأمر نفسه على حزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج في المملكة المتحدة، وحزب الحرية النمساوي في النمسا، وحزب الشعب السويسري في سويسرا.
مع ذلك، ورغم تفاوت مسار هذا الصعود من بلد إلى آخر، فإن الاتجاه العام واضح. فقد أفضت انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2024 إلى انعطافة حادة نحو اليمين، إذ حصل اليمين المتطرف على نحو ربع المقاعد. وبحلول يوليو 2026، أصبح عدد نواب اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي يفوق عدد نواب حزب الشعب الأوروبي المنتمي إلى يمين الوسط باثني عشر مقعداً، ويتجاوز عدد نواب كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين المنتمية إلى يسار الوسط بواحد وستين مقعداً. وبذلك انكسرت الهيمنة السابقة لحزب الشعب الأوروبي وكتلة الاشتراكيين والديمقراطيين.
تظل قوة كتلة اليمين المتطرف محدودة بسبب انقسامها إلى ثلاث مجموعات. أقواها مجموعة «الوطنيون من أجل أوروبا»، وتضم 85 نائباً أوروبياً من حزب فيدس بزعامة فيكتور أوربان، وحزب الحرية النمساوي، والتجمع الوطني الفرنسي. أما مجموعة «المحافظون والإصلاحيون الأوروبيون»، التي يقودها حزبا «إخوة إيطاليا» الإيطالي و«القانون والعدالة» البولندي، فتشغل 84 مقعداً. وتضم مجموعة «أوروبا الأمم ذات السيادة» أحزاباً من ثماني دول، ويقودها حزب البديل من أجل ألمانيا، وتشغل المقاعد السبعة والعشرين المتبقية. يكشف هذا الانقسام الثلاثي، والخلافات التي أفضت إليه، عن التباينات الاستراتيجية بين أحزاب اليمين الأوروبي داخل البرلمان وخارجه. ويبرز في هذا السياق الخلاف بين التجمع الوطني وحزب البديل من أجل ألمانيا، الذي كان قد استُبعد من مجموعة «الهوية والديمقراطية» المنحلّة، وهي السلف المباشر لمجموعة «الوطنيون من أجل أوروبا».
مع ذلك، نجح اليمين المتطرف، إذا نُظر إلى مجموعاته مجتمعة، في زيادة نفوذه بصورة ملموسة داخل هيئات صنع القرار في مؤسسات الاتحاد الأوروبي. فقد عززت المجموعات الثلاث حضورها في اللجان المعنية بسياسات المناخ والهجرة، وأبدت استعدادها لدعم حزب الشعب الأوروبي عندما يتعذر تشكيل أغلبية من دونه. حدث ذلك بالفعل في التصويت على مقترحات تشريعية مثل قانون سلاسل التوريد، كما نوقش هذا النوع من التعاون داخل مجموعات دردشة تناولت سياسات الهجرة وغيرها من ساحات «الحروب الثقافية».
وأصبحت الحكومات الوطنية التي تقودها أحزاب من اليمين المتطرف أو تعتمد على دعمها أكثر قدرة على التأثير في البرلمان الأوروبي. كما تضم هيئة المفوضين الأوروبية الآن رافاييلي فيتو، المنتمي إلى حزب «إخوة إيطاليا» ومجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين، نائباً للرئيس لشؤون التماسك والإصلاحات، إلى جانب أوليفر فارهلي، الذي حظي بدعم أوربان وحزب الشعب الأوروبي عام 2024، مفوضاً للصحة ورعاية الحيوان.
الخلافات في السياسات
تختلف مجموعات اليمين المتطرف الثلاث في ثلاثة مجالات: موقفها المبدئي من الاتحاد الأوروبي، وعلاقتها بالمحافظين، وأجنداتها في السياسة الخارجية في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الراهنة.
الموقف من الاتحاد الأوروبي
تعود جذور جميع الأحزاب الشعبوية اليمينية إلى معارضة مبدئية للاتحاد النقدي والتكامل فوق القومي. وغالباً ما اقترنت هذه المعارضة، كما تجلّى بوضوح في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، باستراتيجية تدعو إلى الانسحاب وحصر الاتحاد في سوق موحدة، ربما مع الإبقاء على سياسات مشتركة للدفاع والهجرة تترك للدول مجالاً واسعاً للتحرك المنفرد. ويستند هذا النموذج إلى رؤية شارل ديغول لـ«أوروبا الأمم»، التي تتمتع فيها كل دولة بسيادة كاملة داخل حدودها الوطنية، ويرفض أي تكامل أو توسع إضافي.
منذ خروج بريطانيا، تخلّت أحزاب اليمين المتطرف عن تعهداتها بمغادرة الاتحاد الأوروبي، بما يشمل الاتحاد النقدي ومنطقة اليورو، أو أبقت عليها في صورة خطابية لا تتجاوز التشكيك الجذري في المشروع الأوروبي. استبعدت رئيسة الوزراء الإيطالية انسحاب بلادها الكامل من الاتحاد، واتخذ التجمع الوطني الفرنسي الموقف نفسه، مع أن سلفه، الجبهة الوطنية، كان من أشد الداعين إلى الانسحاب. وكان حزب البديل من أجل ألمانيا، باستثناء الأحزاب الواقعة على الأطراف الأكثر تطرفاً، الحزب اليميني المتطرف الوحيد الذي أبقى خيار الانسحاب ضمن برنامجه لانتخابات البرلمان الأوروبي عام 2024.
غير أن خيار الخروج أفسح المجال منذ زمن لمطلب تغيير الاتحاد من الداخل، وهو ما عبّر عنه فيكتور أوربان في خطاب ألقاه عام 2017 أمام المجريين المقيمين خارج البلاد: «بعد سقوط الجدار، كنا في أوروبا الوسطى نظن أن أوروبا هي مستقبلنا. أما اليوم، فنعرف أننا نحن مستقبل أوروبا». لم تعد الخطة مغادرة الاتحاد، وإنما تنفيذ مشروع أكثر جذرية بكثير: تقويضه وتدميره من الداخل.
تبنّى أوربان شعارات نظرية «الاستبدال العظيم»، التي تزعم أن النخب تقوّض عمداً «النقاء» الإثني لأوروبا من خلال الانفتاح على الهجرة والثقافات الأخرى، وأن إيقاف هذا المسار لا يكون إلا بإغلاق الحدود جذرياً، إلى جانب تبني سياسات قومية مسيحية ومعادية لمجتمع الميم. ومنذ التدفق الكبير للمهاجرين القادمين من البلدان العربية عام 2015 على وجه الخصوص، انتشرت في أنحاء أوروبا تصورات عن «إعادة الهجرة»، أي ترحيل المهاجرين وأبنائهم إلى بلدان الأصل. وكان الزعيم السابق لحزب البديل من أجل ألمانيا ألكسندر غاولاند قد وصف موجة الهجرة آنذاك بأنها «أفضل ما كان يمكن أن يحدث لنا». وتشمل هذه التصورات إنكار حق المواطنة بالولادة لأبناء المهاجرين المولودين في أوروبا، إلى جانب خطط غامضة للترحيل قد تستهدف أيضاً مواطنين في الاتحاد الأوروبي يُنظر إليهم على أنهم «غير قابلين للاندماج».
تقترن هذه الأفكار بهجمات معادية للسامية على العولمة الاقتصادية، تمثل حملة «أوقفوا سوروس» في المجر نموذجها الأبرز. وقد شكّل أوربان نموذجاً يُحتذى لحركة دونالد ترامب «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً». وحين وصل ترامب إلى السلطة، استطاع أوربان الخروج من الظل وتقديم نفسه نبياً لمستقبل أوروبا.
بعد ذلك، شنّ اليمين الراديكالي هجوماً شاملاً على السردية التاريخية المتعلقة بالمحرقة، وعلى مسؤولية الأنظمة المتعاونة مع النازية أو الأنظمة العميلة المشابهة لنظام كفيشلينغ. ظهر ذلك، على سبيل المثال، في إعادة الاعتبار إلى نظام ميكلوش هورتي في المجر، وفي المراجعة التاريخية العلنية لمعاهدة فرساي لعام 1919.
وتمكنت جمهورية التشيك وسلوفاكيا وبولندا، ومعها بصورة متزايدة النمسا وسلوفينيا، ضمن ما يسمى أحياناً «مجموعة فيشغراد» أو «الرابطة الهابسبورغية»، من تشكيل أغلبية معطِّلة في مواجهة بروكسل، وكذلك برلين وباريس. وبدا الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن الرد حين أقامت هذه الدول أنظمة ديمقراطية غير ليبرالية تفتقر إلى الفصل بين السلطات، أو الحريات الأساسية، أو القضاء المستقل.
العلاقة مع المحافظين
يدعو جوردان بارديلا، الذي اختارته مارين لوبان لخلافتها على رأس التجمع الوطني، هو الآخر إلى فرض قيود صارمة على الهجرة وإعادة النظر في مبدأ حق المواطنة بالولادة. لكنه، إلى جانب شخصيات قيادية أخرى في اليمين المتطرف، نأى بنفسه عن الخطاب الهوياتي، وعن إسناد أدوار أساسية إلى ناشطين هوياتيين ونازيين جدد. ولا يزال الحظر الذي فرضته مارين لوبان على التواصل مع حزب البديل من أجل ألمانيا وسائر ممثلي مجموعة «أوروبا الأمم ذات السيادة» قائماً في عهد بارديلا. وقد تعزز هذا التوجه بدعوات صريحة إلى إقامة تحالف مع يمين الوسط، وربما ائتلاف حاكم، يضم الديمقراطيين المسيحيين والليبراليين اليمينيين والمحافظين القوميين. غير أن اليمين المتطرف سبق أن ابتلع في حالات كثيرة جانباً كبيراً من القاعدة الانتخابية لهذه الأحزاب؛ كما يتضح من حال حزب المحافظين في المملكة المتحدة، وحزب الجمهوريين في فرنسا، وعدد من الأحزاب الديمقراطية المسيحية في شمال غربي أوروبا.
يشترك الجناح «المعتدل» داخل حزب البديل من أجل ألمانيا في مشروع «نزع الشيطنة» الذي أطلقته الجبهة الوطنية الفرنسية، والرامي إلى الوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه. ويسعى هذا الجناح إلى الابتعاد عن الشعارات والسياسات الهوياتية، أملاً في اجتذاب ناخبين يميلون إلى اليمين لكنهم يتحفظون على المتطرفين.
أما «جدار العزل» السياسي المعلن في ألمانيا، الذي يفترض منع التعاون مع حزب البديل، فقد بات موضع تشكيك متزايد داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي. ولا يعود ذلك فقط إلى فشله في وقف صعود المتطرفين، وإنما أيضاً إلى أن يمين الوسط يفضّل الحكم مع منافسيه اليمينيين على الاعتماد على دعم الخضر واليسار الليبرالي واليسار. كما زادت فرص تشكيل ائتلافات يمينية بعدما استبعدت الأحزاب المحافظة التحالف مع الخضر، أو جعل التحول اليساري داخل أحزاب الخضر مثل هذه التحالفات غير ممكنة.
السياسة الخارجية
يأمل بعضهم أن تؤدي مشاركة اليمين المتطرف في الحكم إلى «نزع شيطنته» في الممارسة، لا في الخطاب وحده. وتوجد سوابق تدعم هذا الاحتمال: خيرت فيلدرز؛ والحكومة البلجيكية التي شكّلها عام 2025 الانفصالي الفلمنكي السابق بارت دي ويفر؛ وحكومة جورجيا ميلوني، التي انتهجت سياسة تعاونية في تعاملها مع الاتحاد الأوروبي، رغم احتفاظها بسياساتها الثقافية الراديكالية.
جاء هذا التحول في ظل التأييد الواسع الذي أبدته الحكومات الأوروبية والمفوضية الأوروبية لأوكرانيا في مواجهة الحرب العدوانية الروسية. أما الدول المؤيدة لروسيا داخل الاتحاد، التي سارت مرة أخرى على خطى أوربان، فقد عارضت هذا الدعم، مما أدى إلى انقسامات داخل مجموعة فيشغراد. ولا يزال حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي يتمتع بتأييد قوي بصورة خاصة في شرقي ألمانيا، يطالب بوقف جميع أشكال الدعم لأوكرانيا، وإنهاء العقوبات المفروضة على روسيا.
ألحق هؤلاء المعرقلون أضراراً جسيمة، لا بأوكرانيا وحدها، وإنما أيضاً بقدرة الاتحاد الأوروبي على التكامل والتحرك، وكشفوا بذلك أوجه القصور في القدرات العسكرية والمدنية للأمن الأوروبي. وازدادت قابلية الاتحاد للابتزاز نتيجة اعتماده في مجال الطاقة على إمدادات النفط والغاز الروسية. ولم تكتف أحزاب كثيرة من اليمين المتطرف بتأييد بوتين أيديولوجياً، وإنما تلقت أيضاً دعماً مادياً من روسيا، ترافق مع حملة دعائية تديرها موسكو بهدف زعزعة استقرار الديمقراطيات الليبرالية الأوروبية.
أما بالنسبة إلى ميلوني، فقد ظل دونالد ترامب نموذجاً يُحتذى إلى أن أدت سياساته المتقلبة إلى زيادات هائلة في الرسوم الجمركية وإشعاله عدة حروب عدوانية، وسط قبول ودي من موسكو وبكين. وفشلت جميع محاولات استرضائه. كذلك تخلى حزب البديل من أجل ألمانيا عن عدائه التقليدي للولايات المتحدة، واتجه نحو ترامب، وإلى حد ما نحو نائبه جيه دي فانس، مستفيداً من تدخل اليمين الأميركي في الحملات الانتخابية الأوروبية، وهو تدخل لم يحقق النجاح المنشود في المجر.
لا يغير شيء من ذلك الوضع المقلق الذي دفعت القوى الكبرى الثلاث، بما فيها الصين، أوروبا إليه. ففي ظل انهيار الديمقراطية الاجتماعية، وعزلة أحزاب الخضر، والراديكالية المعادية للسامية داخل قطاعات من أقصى اليسار، والضعف العددي والهشاشة العملية للائتلافات الناتجة عن ذلك، يبقى سؤالان.
أولاً: كيف يمكن لشراكة، رسمية كانت أم غير رسمية، بين المحافظين والشعبويين اليمينيين أن تحمي الديمقراطية الليبرالية في عالم هوبزي تحكمه القوة والصراع؟
وثانياً: هل يستطيع الليبراليون واليساريون والمحافظون المؤمنون بالوطنية الدستورية صياغة سياسات عملية تستعيد ثقة الناخبين، خلال الأشهر القليلة المتبقية قبل الانتخابات الحاسمة في عدد من الدول الأعضاء؟



