ما بعد كانط ونيتشه : الدفاع عن أخلاق الفضائل
يرى ماكنتاير ان الخطاب الاخلاقي الحديث فقد تماسكه، لان الإطار المفهومي الذي جعل الاستدلال الأخلاقي مفهوما ومقنعا قد تعرض للتدمير.
يبدو المشهد الاخلاقي الحديث محصورا بين بديلين لا يظهر أنهما قابلين للتوفيق. من جهة يقف كانط الذي تمثل فلسفته الاخلاقية المحاولة الأكثر منهجية لتاسيس الاخلاق على العقل العملي (practical reason)، عبر تثبيت الأخلاق على الكونية، والاستقلال الذاتي، والواجب العقلاني. ومن جهة اخرى يقف نيتشه الذي اخضع الاخلاق نفسها لنقد جذري، كاشفا أن ادعاءاتها الكونية ما هي إلا اقنعة لهيمنة تاريخية، وللضغينة، وانكار للحياة باسم الزهد.
انحازت الفلسفة النقدية الفرنسية بوضوح الى نيتشه ضد كانط وضد مشروع التنوير. رفض ميشيل فوكو وجيل دولوز الاخلاق الكانطية والعقلانية الهيغلية، بوصفهما امتدادا لروح بروتستانتية في صيغة علمانية، اي نسقا يقوم على تهذيب الذوات عبر معايير مستبطنة داخليا بدل تحريرها. يبرز نيتشه في اعمالهما بوصفه الفيلسوف الاخلاقي الحقيقي للحداثة، لا مشرعا لمعايير جديدة، بل مفكرا يكشف الاخلاق بوصفها حقلا لا حتميا مشحونا بعلاقات القوة ومفتوحا على التحول.
على الرغم من براعة نقد نيتشه التشخيصية، فإنه يترك مسالة اعادة البناء الاخلاقي بلا حسم. فهو يهدم الاسس الميتافيزيقية لاخلاق الواجب (الكانطية)، من دون ان يقدم اطارا مستقرا قادر على صون حياة اخلاقية مشتركة، من غير ان ينتهي بها الامر اما الى فردانية جمالية، او الى تأكيد الذات الارستقراطي. هذا التوتر غير المحسوم يهيئ لتدخل الاسدير ماكنتاير في كتابه “في ما بعد الفضيلة”. يقر ماكنتاير بحكم نيتشه أن اخلاق كانط أخفقت، وان الخطاب الاخلاقي الحديث بات مفتتا وغير متماسك. لكنه بخلاف نيتشه، يبحث عن مخرج بنائي عبر احياء اخلاقيات الفضائل المتجذرة في الممارسات والتقاليد والسرديات التي تمنح المفاهيم الاخلاقية قابليتها للفهم.
في كتابه ما بعد الفضيلة، يرى ماكنتاير أن الخطاب الأخلاقي الحديث فقد تماسكه، لأن الإطار المفاهيمي الذي كان يجعل التفكير الأخلاقي مفهوما قد جرى تدميره. وما نزال نستخدم لغة الاخلاق، مثل الحقوق والعدالة والواجب والفضيلة، لكننا نفعل ذلك ونحن مصابون بفقدان للذاكرة، منفصلين عن التقاليد التي تمنح تلك المصطلحات معناها.
الانفعالية وفشل التنوير الاخلاقي
الثقافة الاخلاقية السائدة التي نتجت من حالة التفكك التي يسميها ماكنتاير الانفعالية (Emotivism). الانفعالية هي وجهة نظر ترى أن الاحكام الاخلاقية ليست ادعاءات حقيقة عن العالم، بل تعبيرات عن تفضيل او شعور او موقف. فقولنا ان شيئا ما جيد او عادل يعني في جوهره اننا نستحسنه، ونرغب في التأثير في الاخرين كي يستحسنوه بدورهم. وحتى عندما ينكر الناس الانفعالية صراحة، يجادل ماكنتاير بان ممارساتهم الاخلاقية تفترضها سلفاً. وهذا هو السبب في أن الجدل الأخلاقي الحديث غالبًا ما ينهار إلى مجرد تأكيدات أو استنكار أو تلاعب بدلاً من الإقناع العقلاني.
بالنسبة لماكنتاير، ليست الانفعالية مجرد نظرية فلسفية، بل هي واقع اجتماعي متضمن في ادوار حديثة مميزة. فالمدير يعرض قراراته بوصفها مسائل كفاءة تقنية لا احكاما اخلاقية. والمعالج النفسي يهدف الى مساعدة الافراد على مواءمة رغباتهم مع الواقع الاجتماعي بدل مساءلة القيمة الاخلاقية لذلك الواقع. والخبير البيروقراطي يدعي سلطة محايدة من حيث القيم، بينما يصوغ نتائج ذات تبعات اخلاقية عميقة. في كل حالة، يخفي الفصل بين الوقائع والقيم انتصار موقف اخلاقي بعينه: وهو موقف ينكر من الاساس السلطة العقلانية للادعاءات الاخلاقية.
تقوم الحجة التاريخية عند ماكنتاير على ان الانفعالية انتصرت بسبب إخفاق مشروع التنوير في تأسيس الاخلاق على العقل وحده. رفض مفكرو التنوير التصور الارسطو-مسيحي للاخلاق، الذي فهم الانسان على أنه موجه نحو غاية محددة او تيلوس (telos). في الاخلاق الكلاسيكية كانت للبنية الاخلاقية صورة واضحة: وصف لماهية البشر، ووصف لما يمكن ان يصيروا اليه اذا حققوا طبيعتهم، ثم مجموعة من الفضائل والممارسات التي تتيح الانتقال من الحالة السابقة الى اللاحقة.
رفض التنوير هذا الاطار الغائي، ويرجع ذلك الى حد بعيد انه بدا غير منسجم مع العلم الحديث ومع الرغبة في الاستقلال الاخلاقي. لذلك حاول فلاسفة مثل هيوم وكانط وبنثام اعادة بناء الاخلاق من دون الرجوع الى تصور مشترك للخير الانساني. اسس كانط الاخلاق على عقل عملي خالص ومبادئ كونية، بينما اسس النفعيون الاخلاق على اللذة او على إرضاء التفضيلات، واسس منظرو العقد الاجتماعي الاخلاق على اتفاق افتراضي.
يرى ماكنتاير ان كل تلك المشاريع جميعا للسبب نفسه: حاولت أن تشتق التزامات اخلاقية قطعية من مقدمات لا يمكنها دعمها. كل نظرية أضمرت افتراضات أخلاقية جوهرية لم تستطع تبريرها وفق منطقها الداخلي. وبذلك لم تفض تلك المشاريع إلى اخلاق عقلانية واحدة، بل إلى تعددية من الانظمة المتنافرة، كل منها متسق داخليا دون أن يكون قادرا على دحض خصومه. هكذا تحولت الفلسفة الاخلاقية الى ساحة صراع بين مقدمات لا يمكن مقارنتها بدلاً ان تكون بحثا مشتركا في الخير الانساني.
عند هذه النقطة يدخل نيتشه في سرد ماكنتاير بوصفه الناقد الاكثر نفاذا للاخلاق الحديثة. فقد أدرك نيتشه، بوضوح يفوق اسلافه من مفكري التنوير، ان التخلي عن الغائية وعن الشريعة الالهية يسحب من المعايير الاخلاقية سلطتها الموضوعية. ما الذي يبقى إذن؟ ليس العقل، بل الارادة - وتحديدا ارادة القوة. عندئذ تنكشف الانساق الاخلاقية باعتبارها استراتيجيات تمارس بها انماط معينة من البشر الهيمنة على غيرها. يأخذ ماكنتاير نيتشه على محمل الجد، وبقدر من التعاطف. ويقر بأن نيتشه كان محقا في كشف لا اتساق اخلاق التنوير. خطأ نيتشه كان في الطريقة التي اختار أن يرد على هذا الكشف. عبر تبني خلق القيم على يد أفراد استثنائيين، دفع نيتشه الانفعالية إلى حد التطرف بدل تجاوزها. هكذا يغدو خيار نيتشه – سواء الغائية الموضوعية أو إرادة القوة – التحدي الحاسم الذي تواجهه الفلسفة الأخلاقية الحديثة عند ماكنتاير.
“وعلى نحو آخر أيضا يمكن عد نيتشه فيلسوف الأخلاق للعصر الحالي. فقد سبق أن بينت أن الفيبرية تهيمن على الطريقة التي يقدم بها عصرنا ذاته إلى لذاته؛ وأن الإطار الذي يفكر به فيبر يفترض سلفا أطروحة نيتشه المركزية. ومن هنا فإن لاعقلانية نيتشه النبوئية .... لم تأتي من خارج عالمنا الاجتماعي، بل تظل كامنة داخليا في الأشكال الفيبرية الإدارية التي تنظم ثقافتنا. كلما حاول المنغمسون في ثقافة عصرنا البيروقراطية ان يفكروا في الاسس الاخلاقية لما هم عليه وما يفعلونه، سيعثرون على مقدمات نيتشوية مكبوتة. ونتيجة لذلك، يمكن التنبؤ بثقة بأنه حتى داخل سياقات المجتمعات الحديثة البيرقراطية، والتي تبدو للوهلة الأولى غير مرجحة، ستظهر بصورة دورية حركات اجتماعية تستلهم نمط من اللاعقلانية النبوئية التي يعد فكر نيتشه سلفها. بل اننا، بسبب أن جوهر الماركسية المعاصرة فيبري، نستطيع ان نتوقع نزعات لا عقلانيات نبوئية في اليسار كما في اليمين، مثل حدث في كثير من راديكالية الطلبة في الستينيات. بذلك يوفر لنا فيبر ونيتشه معا الصياغات النظرية للنظام الاجتماعي المعاصر، غير ان ما يرسمانه بوضوح هو السمات الواسعة والسائدة في المشهد الاجتماعي الحديث . (AV, 114-15)
اخلاقيات الفضيلة عند ارسطو
يقدم ماكنتاير ارسطو بوصفه الشخصية المحورية في التقليد الكلاسيكي للفكر الاخلاقي، في الوقت نفسه يرفض التعامل معه كعبقري معزول. لا تكمن أهمية ارسطو فقط في فرادة مبادئه، بل أيضا لان عرضه للفضائل يصوغ على نحو حاسم تقليدا يسبقه ويعيش بعده، ويسوغها عقليا. إلا ان ذلك يخلق توترا اوليا: ارسطو نفسه لم يفكر تاريخيا بالمعنى الذي تفترضه فكرة التقليد عند ماكنتاير. في الغالب اعتبر ارسطو اسلافه قدموا رؤى جزئية او خاطئة تجاوزتها فلسفته. في المقابل يصر ماكنتاير على ان التقليد هو سجال مستمر وممتد تاريخيا، لا تنبذ فيه الاراء السابقة جانبا ببساطة، ولا الجدل مكتمل. هكذا يصبح ارسطو اعظم ممثلي تقليد لم يستطع هو نفسه ان يبلور مفهومه بالكامل،
لم يكن الشروع في مشروع عصر التنوير لاكتشاف أسس عقلانية علمانية جديدة للأخلاق إلا نتيجة نبذ تقليد أخلاقي كانت أفكار أرسطو تمثل لُبّه الفكري، وذلك خلال التحولات الممتدة من القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر. ثم إن فشلَ ذلك المشروع—لأن الآراء التي قدمها أكثر أنصاره قوة من حيث البناء العقلي، وبخاصة كانط، لم تصمد أمام النقد العقلاني—هو ما أتاح لنيتشه ولجميع ورثته من الوجوديين وأتباع المذهب الانفعالي أن يقدموا نقدهم الذي بدا ناجحا لكل أخلاق ما قبلهم. ومن هنا، فإن قابلية الموقف النيتشوي للدفاع عنه تُحسم في نهاية المطاف تبعا للإجابة عن سؤال واحد: هل كان رفض أرسطو صحيحا من الأساس؟ (AV, 117)
على الرغم من هذا القيد، تظل الاخلاق النيقوماخية لارسـطو الصياغة المعيارية الاكثر إحكاما للفهم الكلاسيكي للفضائل. واستدعاؤه المتكرر لما “ما نقوله نحن” يعكس قناعته بان مهمة الفلسفة أن تكشف عما هو كامن بالفعل في افضل حياة اخلاقية تعيشها المدينة-الدولة (polis). في هذا السياق لا تنفصل الاخلاق عند ارسطو عن السياسة: لان المدينة-الدولة هي الشكل الاجتماعي الذي لا تتحقق الفضائل كاملة إلا في إطاره، ولان النظرية الاخلاقية تبدأ من ممارسات جماعة منتظمة لا من مبادئ مجردة.
يقوم اساس أخلاق ارسطو على تصور غائي للطبيعة الانسانية، وهو ما سماه ماكنتاير البيولوجيا الميتافيزيقية. فكل نشاط يبغي خير ما، والخير للبشر يتحدد وفق طبيعتهم المميزة. وهذا يفترض ضمنا ان لأحكام التقويمية —فيما يتصل بما هو خير أو عادل أو شجاع — ليست تعبيرات ذاتية، بل إدعاءات واقعية عما يحقق قدرات الانسان. لذلك يرفض ارسطو ما سيسميه فلاسفة لاحقون المغالطة الطبيعية. فالانسان، مثل غيره من الانواع، له طبيعة متجهة نحو غاية محددة، والاخلاق هي البحث في كيفية بلوغ تلك الغاية.
يسمي ارسطو الخير الانساني باسم اليوديمونيا (eudaimonia): اي الازدهار والغبطة والعيش الطيب والفعل الحسن. وعلى الرغم من انه في البدء يترك مضمونها مفتوحا، إلا انه يصر على ان اليوديمونيا تقوم على حياة مكتملة تعاش على نحو ممتاز. والفضائل هي تلك السمات الخلقية التي لا يمكن لحياة كهذه ان تتحقق من دونها. والمهم هنا ان الفضائل ليست مجرد وسائل اداتية الى اليوديمونيا بمعنى عرضي. فممارسة الفضيلة ليست شيئا نفعله كي نضمن ازدهارا لاحقا، بل هي جزء مكون للازدهار ذاته. فالحياة التي تخلو من الفضيلة لا يمكن ان تعد حياة جيدة، مهما بلغت من نجاح خارجي. الفضائل استعدادات مستقرة للفعل وللانفعال بالطرق الصحيحة. تكتسب بالاعتياد والتربية لا باتباع القواعد. يرفض ارسطو الفكرة التي ستصبح لاحقا مركزية عند كانط، وهي ان القيمة الاخلاقية تتجسد في الفعل ضد الميل. عند ارسطو ينبع الفعل الفاضل من رغبات تكونت على نحو سليم. لذلك تصبح التربية الاخلاقية تربية للعواطف بقدر ما هي تربية للعقل.
اما الفضائل نفسها بين الافراط والتفريط – فالشجاعة بين التهور والجبن، والكرم بين الاسراف والبخل. غير أن هذا الوسط ليس حسابيا ولا مقدارا ثابتا. فما يُعد شجاعة او كرما يتبدل بحسب الظروف، ولا يحسمه الا الحكم العملي. لذلك لا يمكن تقنين الفضيلة في قواعد كونية عامة. ويفسر هذا ايضا إصرار ارسطو على ان الفضيلة تحتاج الى عقل، وان العقل يحتاج الى فضيلة: فالحكمة العملية من دون خلق قويم تنحط الى دهاء، بينما تتحول النيات الحسنة من دون حكم سديد الى عجز.
على الرغم من ان اخلاق ارسطو اخلاق غائية، فهي ليست اخلاقا عواقبية. ثمة افعال يحظرها حظرا مطلقا – مثل القتل والسرقة وشهادة الزور والخيانة – لانها تقوض روابط الجماعة الضرورية لأي سعي مشترك للخير. وهنا يشدد ماكنتاير على نقطة يغفلها كثر: يظل عرض الفضائل ناقصا ما لم يقترن بعرض للعدالة والقانون. فالجماعات مطالبة بان تنمي التميز، وبأن تحظر في الوقت نفسه الافعال التي تجعل الحياة المشتركة مستحيلة. تحتل العدالة مكانة خاصة لانها تنظم توزيع الخيرات والعقوبات. ولان القوانين عامة، فغالبا ما تتطلب العدالة حكما يتجاوز مجرد تطبيق القاعدة. لهذا يصبح السياق الاجتماعي للفضائل حاسما. فالانسان عند ارسطو حيوان سياسي (politikon zōon)، وازدهاره لا ينفصل عن مشاركتة في جماعة سياسية.
ثمة توتر عميق داخل في فكر أرسطو بين السياسي والميتافيزيقي. فعلى الرغم من ان الفضائل تمارس داخل حياة المدينة-الدولة (Polis)، ينتهي ارسطو الى اعتبار التأمل في الحقيقة الخالدة غاية الانسان العليا. ينتج عن ذلك ترتيب هرمي غير محسوم، تصبح فيه الفضائل السياسية والاخلاقية ضرورية، لكنها تظل في مرتبة أدنى. ومع ذلك، يصر أرسطو على ان الحياة التأملية نفسها لا تستغني عن الصداقة، وكفاية مادية، ونظام سياسي عادل.
يبرز ماكنتاير ضعفا تأسيسيا في سيكولوجيا الأخلاق عند ارسطو : التزامه الافلاطوني الموروث بفكرة الانسجام والوحدة. فـارسطو ينكر مركزية الصراع التراجيدي، ويؤول التراجيديا على أنها ثمرة عيوب فردية لا نتيجة تعارض بين خيرات حقيقية. يقوده ذلك الى التقليل من دور الصراع في التعلم الاخلاقي. وعلى النقيض، يقترح ماكنتاير – مستندا ضمنا الى سوفوكليس – ان البشر غالبا ما يكتشفون غاياتهم بالصراع لا قبله.
يبدأ القلب البنائي في كتاب “ما بعد الفضيلة” باستعادة ماكنتاير لمفهوم الممارسة. فالممارسة عنده نشاط انساني تعاوني ذو شكل مستقر اجتماعيا، لا تُنال فيه الخيرات الداخلية إلا عبر الانخراط فيه والامتثال لمعايير التميز الخاصة به. وتمتاز الممارسات بما تولده من خيرات. فالخيرات الداخلية لا تُكتسب الا عبر الممارسة نفسها وبقدر الالتزام بمعاييرها. أما الخيرات الخارجية – مثل المال والسلطة والوجاهة – فيمكن تحصيلها بطرق شتى، وهي غير مرتبطة بالتميز داخل نشاط بعينه. الفضائل سمات خلقية تمّكن الافراد من طلب الخيرات الداخلية، مع مقاومة الاثر المفسد للخيرات الخارجية. من دون الفضائل تنحط الممارسات الى ادوات للترقي الشخصي او للربح المؤسسي. مع ذلك، لا يستقيم فهم الفضيلة إذا حُصرت في مستوى الممارسات وحده. يصّر ماكنتاير على ان للحياة الانسانية وحدة سردية. إذ لا تصير الافعال مفهومة الا حين توضع داخل قصة حياة ككل. وسؤال المرء عما ينبغي فعله لا ينفصل عن السؤال أي نوع من الاشخاص يغدو؟ وأي قصة تجسدها حياته وهي تمضي؟
مفهوم التقليد
يرى ماكنتاير بان اي محاولة معاصرة لفهم الحياة الانسانية بوصفها كلا واحدا متماسكا يتجه نحو غاية (telos) تصطدم بعوائق اجتماعية وفلسفية عميقة أفرزتها الحداثة. اجتماعيا، تُجزئ الحياة الحديثة الفرد الى مجالات منفصلة – مثل العمل والفراغ، العام والخاص، المؤسسي والشخصي، الطفولة والشيخوخة – لكل منها معاييره الخاصة. وتدفعنا هذه الانقسامات الى التفكير في ذواتنا بمنطق أدوار مجزأة، لا بمنطق وحدة حياة واحدة. فلسفيا، يتعزز هذا التشظي عبر نظريات ذرية للفعل، وبفعل تصورات للذات في الفلسفة التحليلية والوجودية والسوسيولوجيا، وهي تصورات تُذيب الحياة إلى أفعال منفصلة، أو أدوار متباعدة، أو حلقات متقطعة. وتغدو الذات، داخل هذا الأفق، عاجزة عن أن تُرى كحاملة لفضائل أرسطية، لأن الفضيلة تفترض استمرارية تمتد عبر الحياة كلها.
في مواجهة هذه الآراء، يرى ماكنتاير ان الفعل الانساني لا يصبح مفهوما الا حين يوضع داخل سياقات سردية. يمكن وصف فعل واحد وصفا صحيحا بطرق متعددة، لكن فهم ما يفعله الفاعل يقتضي تعيين مقاصده وترتيبها داخل تاريخ يربط الاهداف القصيرة بمشروعات ابعد مدى. والمقاصد نفسها لا تكون تُفهم الا داخل اوضاع اجتماعية – مثل ممارسات ومؤسسات وعلاقات – وهي نفسها ذات تواريخ. لذلك فالتاريخ السردي ليس قالبا أدبيا يفرض على الحياة، بل هي الشكل الاساسي الذي به يُفهم الفعل الانساني. الافعال حلقات داخل سرديات معاشة. بل ان المحادثة والتفاعل الاجتماعي والممارسات الانسانية عموما تحمل بنية درامية: بدايات واوساط ونهايات، لحظات تعرف وانكشاف وانعطاف، حبكات فرعية ضمنية وسرديات تتقاطع. الشكل السردي كامن في التجربة المعيشة، لا تشويه استرجاعي لها. وفي مواجهة قول سارتر إن السرد يزور الحياة، يذهب ماكنتاير الى ان تجريد السرد من الفعل لا ينتج رواية اصدق، بل شذرات مبعثرة بلا إتساق. حياة البشر غير قابلة للتنبؤ، لكنها في الوقت نفسه غائية: تعاش على ضوء احتمالات مستقبلية ونهايات توجه الفعل في الحاضر. اللا قابلية للتنبؤ والغائية يتجاوران داخل وحدة سردية واحدة.
انطلاقا من ذلك يستنبط ماكنتاير تصوره للهوية الشخصية. لا يمكن تأسيس الهوية الشخصية على الاستمرارية النفسية وحدها، ولا على الوعي الذاتي الآني، كما تحاول النظريات التجريبية والتحليلية أن تفعل. الهوية، في جوهرها، هي هوية شخصية داخل سردية تمتد من الميلاد الى الموت. ان تكون ذاتا يعني ان تكون مسؤولا عن افعالك الماضية، وان تكون عرضة لان يُطلب منك تقديم تفسير مفهوم لها. المساءلة والهوية تفترضان الوحدة السردية بالضرورة، وبدون هذه الوحدة تغدو المسؤولية الاخلاقية نفسها غير مفهومة.
يخلص ماكنتاير الى ان وحدة الحياة الانسانية هي وحدة مسعى سردي. وسؤال المرء عما هو خير له هو في جوهره سؤال عن الكيفية الافضل لعيش ذلك المسعى واستكماله. غير ان غاية هذا المسعى لا تكون معروفة بالكامل مسبقا، بل تتضح فقط إلا مواجهة المخاطر والاخفاقات والاغواءات والخيرات التي تواجهها في الطريق. لذلك تكون الفضائل هي السجايا التي تحفظ للمرء قدرته على المشاركة في الممارسات، وعلى الثبات في السعي نحو الخير، بما يتيح معرفة الذات وفهم ما تتطلبه الحياة الطيبة.
هذا المسعى لا يباشره الانسان في عزلة. فكل فرد يرث هوية اجتماعية – أدوار عائلية، وعضوية مدنية، تقاليد – تمنحه نقطة انطلاق اخلاقية. ومحاولة الفردانية الحديثة فصل الذات عن تاريخها وعن جماعتها تشوه الفاعلية الاخلاقية. وسرد حياة الشخص منغرس داخل سرديات التقاليد، والتي هي نفسها حجج ممتدة تاريخيا حول الخيرات التي تعرفها وتمنحها معناها. التقاليد اما ان تصان واما ان تفسد تبعا لممارسة الفضائل، وفي مقدمتها فضيلة الحكم العملي المستنير بحس كاف بالتقليد،
إذن التقليد الحي هو حجاج ممتد تاريخيا ومتجسد اجتماعيا، وهو حجاج على نحو دقيق، يكون جزء منه على الأقل حجاجا حول الخيرات التي تكّون ذلك التقليد. وداخل التقليد يمتد السعي الى الخيرات عبر اجيال، واحيانا عبر اجيال كثيرة. لذلك فان بحث الفرد عن خيره يجرى عادة وبصورة نموذجية داخل سياق تحدده تلك التقاليد التي تكون حياة الفرد جزءا منها، وينطبق ذلك على الخيرات الداخلية للممارسات كما ينطبق على خيرات الحياة الواحدة. هنا تبرز مرة اخرى اهمية ظاهرة التضمين السردي. فتاريخ اي ممارسة في زماننا يكون عادة مندرجا في تاريخ أوسع واطول، ولا يصير مفهوما الا عبره، اي تاريخ التقليد الذي نقل الينا تلك الممارسة بصورتها الراهنة. وكذلك تاريخ كل واحد منا، في الغالب، يكون مندرجا في تواريخ اطول واوسع لعدد من التقاليد، ولا يصير مفهوما الا عبرها. (AV, 222)
لا تقوض المعضلات التراجيدية موضوعية الحكم الاخلاقي. ففي مثل هذه الحالات تتعارض الخيرات الحقيقية، ولا يمكن لاي فعل ان يلبي كل المطالب الاخلاقية بشكل كامل. ومع ذلك يمكن للأفراد أن يتصرفوا بشكل أفضل او اسوأ في كيفية مواجهة هذا التعارض. وما هو افضل أو اسوأ للإنسان يعتمد على الوحدة السردية لحياته. إن رفض هذا المفهوم السردي للذات هو ما يقف في الخلفية وراء الشك الحديث في حقيقة الاخلاق وفي معنى الفضيلة، واستعادته شرط لازم لاسترجاع حياة اخلاقية مفهومة.
ينبع ارتباك الجدل الأخلاقي الحديث واستعصاؤه على الحسم من انهيار الإطار المفهومي الذي كان يجعل الفضيلة قابلة للفهم. وعلى الرغم من ان صيغا من اخلاقيات الفضيلة التقليدية لا تزال حية داخل ثقافات فرعية، إلا انها عندما تدخل ساحة النقاش العام تساء قراءتها، على نحو شبه حتمي، عبر عدسة التعددية الاخلاقية الحديثة، فتفقد لغتها شروطها الخاصة، وتتحول الى صوت ضمن سوق من الاصوات المتكافئة ظاهريا. وهذا التشظي هو حصيلة مسار تاريخي طويل ازيحت خلاله عن مركز الحياة الاجتماعية كل من الوحدة السردية للحياة الانسانية ومفهوم الممارسة بما تنطوي عليه من خيرات داخلية تخصها.
ومع انفصال السرد تدريجيا عن التجربة الإنسانية المعيشة، وإحالته إلى الفن، فقدت الاخلاق مرتكزها في فكرة الحياة التي تُفهم على أنها قصة متماسكة. وبالتوازي، هُمِّشت الممارسات مع انتقال الانتاج خارج نطاق الأسرة ليدخل في خدمة راسمال لا شخصي. عندها كف العمل عن أن يكون ممارسة مشتركة موجهة الى خيرات داخلية، وصار بدلا من ذلك وسيلة للبقاء والتراكم. وهكذا تحولت الرذيلة الارسطية التي يسميها ارسطو بلونكسيا (pleonexia)– اي الافراط الاستحواذي او جشع الامتلاك – القوة الدافعة للحياة الاقتصادية الحديثة. ونتيجة لذلك، فقدت الفضائل موقعها الاجتماعي، وتغيرت مفاهيميا.
وبانفصالها عن الغائية، أُعيد تفسير الفضائل بمفردات سيكولوجيا الفرد. ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، بدت الاخلاق بشكل متزايد كاستجابة لانانية الانسان، وغدت الفضيلة مرادفة للايثار. ويترتب على هذا التحول ثلاث نتائج بعيدة المدى. اولا تفقد الفضائل الفردية معناها الجوهري: تتحول العدالة الى استحقاق قانوني، والاحسان الى تدخل اداري، والعفة الى اداة لحماية الملكية، وينفصل الشرف عن الاستحقاق. ثانيا، تُعاد تعريف الفضائل باعتبارها استعدادات للامتثال للقواعد الأخلاقية، بما يقلب العلاقة الأرسطية بين الفضيلة والقانون. ثالثًا، تنهار لغة الفضائل المتعددة إلى مفهوم واحد هو “الفضيلة” باعتبارها صفة أخلاقية مجردة، غالبًا ما تكون ذات طابع رواقي، حيث تصبح الفضيلة مكافأة لذاتها وتختزل الأخلاق في الامتثال للقواعد.
تمثل الجمهورية محاولة جزئية لاستعادة التقليد الكلاسيكي عبر اعادة تثبيت فكرة خير عام يسبق المصلحة الفردية. ففي الفكر الجمهوري في القرن الثامن عشر تُفهم الفضيلة باعتبارها ولاء لذلك الخير العام، وتستمد الفضائل الفردية معناها منه. غير أن الجمهورية افتقرت الى الموارد الثقافية اللازمة كي تستمر على نطاق وطني. وعندما انحدرت الى رعب أخلاقي كشفت النتيجة استحالة فرض الفضيلة في غياب لسان اخلاقي مشترك.
يقابل ماكنتاير بين استجابتين لهذا المأزق. سعى وليم كوبت الى استعادة الفضيلة عبر تحويل المجتمع برمته، ومواجهة الاسواق ومنطق التسليع. أما جين أوستن، فعلى النقيض من ذلك، حددت جيوب لا تزالي ممارسة الفضائل ممكنة فيها -مثل الزواج والبيت والمجتمع المحلي. وتبرز اوستن بوصفها آخر ممثل تخييلي كبير للتقليد الكلاسيكي. فرواياتها تستعيد الغائية، ووحدة السرد، وتعليم المشاعر، مع إبراز فضائل مثل الحكمة العملية، والتواضع، ومعرفة الذات، والصبر، وخاصة الثبات - الفضيلة التي تدعم الهوية السردية في عالم حديث يهدد بتفتيت الذات. وتُظهر رؤيتها الأخلاقية أن الفضيلة لا يمكن أن تبقى مجرد تجريد أو امتثال للقواعد؛ إذ تتطلب شكلا من الحياة تتقاسم فيه الخيرات، وتتشكل الشخصيات بمرور الزمن، ولا تظل الحياة قابلة للسرد كقصص متماسكة. ومعها – يخلص ماكنتاير – يبلغ التقليد الكلاسيكي تعبيره الفعال النهائي قبل أن تزيحه الركاكة الأخلاقية للحداثة.
فلسفة العدالة
ويرى ماكنتاير أن المجتمعات الحديثة تفتقر إلى الشروط الأخلاقية اللازمة لقيام تصور مشترك للعدالة، وأن هذا الغياب يقوض إمكان قيام جماعة سياسية أصيلة. وقد عد أرسطو العدالة الفضيلة السياسية الأولى، لأن الاتفاق بشأن العدالة كان قاعدة الحياة المشتركة. وعلى النقيض، تتميز الثقافة الأخلاقية الحديثة لا بالخلاف حول سياسات بعينها فحسب، بل بخلافات عميقة وغير قابلة للمقارنة حول ما تعنيه العدالة ذاتها.
يوضح ماكنتاير هذا المأزق عبر موقفين متعارضين لمواطنين نموذجيين-مثاليين. أحدهما يستند إلى العدالة بوصفها استحقاقا: فالأفراد يستحقون ما كسبوه وحازوه على نحو مشروع، ولذلك تكون الضرائب إعادة التوزيع ظالمة. والآخر يستند إلى العدالة بوصفها توزيعا وفق الحاجة: التفاوتات اعتباطية وظالمة ما لم تصب في مصلحة الأقل حظا، ومن ثم تصبح إعادة التوزيع مطلبا أخلاقيا. ولا يمكن ترجيح دعاوى الاستحقاق عقلانيا إزاء دعاوى الحاجة، لأن الثقافة الأخلاقية الحديثة لا تتيح معايير مشتركة للاحتكام تفصل بها هذه الخصومة.
يدرس ماكنتاير ما إذا كانت الفلسفة الأخلاقية المعاصرة قادرة على حل هذا الصراع، مركزا على جون راولز وروبرت نوزيك. يصوغ راولز نسخة مُعقلنة من العدالة بوصفها حاجة، مستخلصا مبادئ الحرية المتساوية والإنصاف التوزيعي من منظور افتراضي لوكلاء يقفون خلف حجاب الجهل. ويصوغ نوزيك، في المقابل، نسخة معقلنة من العدالة بوصفها استحقاقا، مؤسسا العدالة برمتها على الحقوق، وعلى التملك العادل، وعلى النقل العادل. كلتا النظريتين متماسكة داخليا، لكن مقدماتهما متعارضة على نحو لا يقبل التوفيق.
يرى ماكنتاير، على نحو حاسم، أن كلا من راولز ونوزيك يستبعدان مفهوم الاستحقاق من تصوريهما للعدالة. ومع ذلك، فإن الاحتكام إلى الاستحقاق—أي الادعاء بأن المكافآت أو الحرمان مستحقان أو غير مستحقّين—يقع في صميم الطريقة التي يختبر بها الناس الفعليون الظلم. ويفترض الاستحقاق تصورا للجماعة موجها نحو خيرات مشتركة وغايات مشتركة، بحيث يفهم الأفراد مصالحهم في علاقتها بالمقاصد الجماعية. ولا يستطيع راولز ونوزيك استيعابَ الاستحقاق لأن كليهما يتعامل مع المجتمع بوصفه مؤلفا من أفراد ذوي مصالح سابقة، ثم يتوافقون لاحقا على قواعد، لا بوصفه جماعة أخلاقية تُحدد غاياتها المشتركة الخيرات الفردية.
ويُخفي هذا الإطار الفرداني أيضا حقائقَ تاريخية. فتركيز نوزيك على الاكتساب المشروع يتغافل عن الأصول العنيفة وغير العادلة لمعظم علاقات الملكية الحديثة، بينما تركيز راولز على التوزيع الراهن يعلق—أو يُحيّد—الدلالة الأخلاقية للمعاناة التاريخية وللمساهمة. وبذلك تعكس النظريتان معا، وتكرسان نظاما اجتماعيا يفتقر إلى تصور جوهري للخير العام.
يخلص ماكنتاير الى ان السياسة الحديثة عاجزة عن تحقيق اجماع اخلاقي حقيقي. فمؤسسات مثل المحاكم تؤدي في المقام الأول وظيفة حفظ الهدنة بين فصائل اخلاقية متنازعة، لا وظيفة التحكيم في مبادئ مشتركة. وفي مثل هذا السياق تُزاح الفضائل السياسية التقليدية – وعلى رأسها الوطنية – لان الحكومة لم تعد تعبر عن جماعة اخلاقية، بل تكتفي بإدارة مجتمع مفتت. ومن منظور تقليد الفضائل، ينبغي إذن رفض السياسة الحديثة كمشروع منظم. ومع أن بعض مهام الحكومية يظل ضروريا، فأن الدولة الحديثة ذاتها تجسد رفضا لحياة اخلاقية تتمحور حول الفضيلة.
إن التداعيات السياسية لهذا الرأي تنطوي على نقد عميق لليبرالية الحديثة. فالمجتمعات الليبرالية تقدم نفسها كاطر محايدة يسعى الأفراد من خلالها إلى تحقيق مفاهيمهم الخاصة عن الخير. ويرى ماكنتاير ان هذه الحيادية مجرد خيال. من خلال استبعاد المفاهيم الجوهرية للخير الانساني من الحياة العامة، تعمل الليبرالية على تفتيت المجتمع الاخلاقي وتقليص السياسة الى مجرد تجميع للتفضيلات. يختفي الخير العام، لتحل محله قواعد اجرائية وحوكمة ادارية. لا يدعو ماكنتاير الى استعادة حياة المدينة-الدولة القديمة أو بعث مسيحية القرون الوسطى، وهو يدرك تماما ان هذه الاشكال لا يمكن احياؤها ببساطة. وبدلا من ذلك، يجادل بأن الدولة القومية الحديثة غير قادرة بنيويا على دعم الفضائل، و أن التجدد الاخلاقي لا بد ان يحدث على مستوى محلي اكثر.
وهذا يقود الى خاتمة الكتاب الشهيرة. يقارن ماكنتاير حالتنا الاخلاقية بحال أواخر العصور القديمة، حين انهارت الامبراطورية الرومانية ولم تنجو الفضائل الكلاسيكية الا داخل المجتمعات المحلية الصغيرة – و لاسيما الرهبانيات – التي حفظت على الممارسات والتقاليد الاخلاقية خلال فترة التشرذم. يرى ماكنتاير أننا نواجه اليوم مهمة مماثلة. ما نحتاجه ليس نظرية اخلاقية جديدة أو ثورة سياسية، بل بناء صبور للمجتمعات التي يمكن أن تعاش فيها الفضائل. يكتب ماكنتاير: إننا لا ننتظر غودو، بل ننتظر قديس بندكت آخر – ولاشك أنه مختلف تماما.(AV, 263)
الحرية الفردية في مواجهة التقليد الجماعي
تركيز ماكنتاير على استعادة الوحدة السردية للذات عبر دمجها داخل تقليد اجتماعي يقدم استجابة قوية على التشظي الاخلاقي الذي انتجته الحداثة. ومع ذلك يظل حل ماكنتاير غير مكتمل. فعندما يدعو الى استرجاع التقاليد الجماعية، يقلل من حقيقة تاريخية مركزية مفادها ان الحداثة نفسها تشكلت عبر صراعات الافراد من اجل الحرية ضد جماعات قمعية واقصائية. ولا يمكن ببساطة اعادة السلطة الاخلاقية للتقاليد من دون مواجهة المطالب التحررية التي مزقت تلك التقاليد في المقام الأول.
لذلك ينبغي للأخلاق الحديثة القابلة للحياة أن تفعل أكثر من مجرد استعادة السرديات الجماعية. إذ يتعين عليها أيضا ان تحافظ على حيز للحرية الفردية، وللمعارضة، وللتأليف الذاتي. لذا يظل المسعى الحديث الى اخلاق كونية مشروعا وضروريا لتأسيس النضالات التحررية اخلاقيا، على الرغم من أن مشروع التنوير أُعيق عندما انحاز الى العقل الأداتي، او عندما إنقلب الى دعوى امبريالية لفرض حقوق الانسان على الشعوب. والتحدي الذي ظل مفتوحا – عند كانط ونيتشه وماكنتاير معا – ليس مجرد كيفية تجاوز التشظي الاخلاقي، وإنما كيفية التوفيق بين حياة اخلاقية مشتركة وبين حرية غير قابلة للاختزال وضعتها الحداثة في مركزها.
قد يكون هذا هو السبب الكامن وراء انتقال ماكنتاير لاحقا نحو توما الاكويني بحثا عن تأسيس ميتافيزيقي كوني للاخلاق يتجاوز اخلاقيات الفضائل الارسطية المؤسسة على التقليد.
عندما كتبت ما بعد الفضيلة كنت بالفعل أرسطيا، لكنني لم أكن بعد توماويا … وقد صرت توماويا بعد كتابة “ما بعد الفضيلة” جزئيا لأنني اقتنعت بأن الأكويني كان، في بعض الوجوه، أرسطيا أفضل من أرسطو، لا لأنه كان شارحا ممتازا لنصوص أرسطو فحسب، بل لأنه استطاع أن يوسع ويُعمق معا كلا من مباحث أرسطو الميتافيزيقية ومباحثه الأخلاقية. وقد غير هذا موقفي، على الأقل، في ثلاثة وجوه. في ما بعد الفضيلة حاولت أن أعرض الحجة لصالح تصور أرسطي عام للفضائل من دون أن أستخدم أو أستند إلى ما سميته البيولوجيا الميتافيزيقية عند أرسطو. وكنت، بطبيعة الحال، محقا في رفض معظم تلك البيولوجيا. لكنني تعلمت الآن من الأكويني أن محاولتي تقديم تصور للخير الإنساني بصياغة اجتماعية خالصة — من خلال الممارسات والتقاليد والوحدة السردية لحيوات البشر— كانت محكومة بأن تظل غير كافية ما لم أمدها بتأسيس ميتافيزيقي. ذلك أن الممارسات والتقاليد وما شابهها لا تستطيع أن تؤدي وظائفها كما تؤديها إلا لأن للكائنات البشرية غاية تتجه إليها بحكم طبيعتها الخاصة، وبحكم ما يوجهها إليه العقل . (AV, x–xi)






ملاحظة صغيرة، ما معنى AV والرقم الذي يليه؟