السلطنة وعربها
مراجعة كتاب عرب السلطنة العثمانية 1516-1918: تاريخ المجتمع والتراث - بروس ماستز
تنبعث رائحة بخور قديم من أطلال جامع دمشقي، لا تزال أعمدته تحمل آثار كتابات بالتركية العثمانية. تقف هذه الأعمدة كشاهد حجري على قرونٍ من إدارة تشابكت فيها الشريعة بالمراسيم، والسلطان بالأعراف، والتعدد بالمراقبة. في هذا التكوين المعماري الرمزي، تختصر المشهد توتر العلاقة التاريخية بين العرب والدولة العثمانية: ظاهرها ديني، باطنها بيروقراطي، وتقرؤها اليوم ثلاث عدسات متنافسة – قومية، إسلامية، واستعمارية.
في هذا الهامش الرمزي بالذات، يتموضع كتاب بروس ماسترز عرب الإمبراطورية العثمانية، 1516–1918: تاريخ اجتماعي وثقافي، كمحاولة للإنصات إلى طبقات الذاكرة الجمعية، لا بحثا عن سردية سياسية حاسمة، بل عن تشكلات الهوية، وتحولات اليومي، وصور السلطة كما تسرّبت في التفاصيل، لا كما رسمها البلاط والنخب.
يبتعد ماسترز في كتابه عن الثنائية المعتادة في التأريخ القومي، بين من وصم العثمانيين بالاستبداد، ومن مجدهم بوصفهم أوصياء على "الوحدة الإسلامية". يختار طريقا ثالثا، يحاذر الانزلاق في متاهة الهويات، ويعيد تشكيل المشهد من الأسفل، من الأسواق والزوايا والمحاكم؛ حيث تتقاطع السلطة مع العادات، والشريعة مع الحاجات، والمجتمع مع المخيلات.
الهدف الرئيس بحسب ما يعلنه مؤلف الكتاب، هو استكشاف كيف نظر العرب، بوصفهم رعايا عثمانيين، إلى علاقتهم بالسلطنة، ليس كغرض سوسيولوجي محض، بل بوصفه مدخلا لفهم كيف استمرت الإمبراطورية رغم هشاشة بنيتها المركزية، وذلك من خلال "تحالف غير مكتوب" بين طبقتين اجتماعيتين: العلماء السنّة المحليون، ووجهاء المدن (الأعيان). في هذا، يتقاطع المشروع مع سؤال مركزي في دراسات الإمبراطوريات، ليس فقط كيف تُنشأ؟، بل كيف تُحكم؟.
ينقسم الكتاب إلى سبعة فصول، إلى جانب مقدمة تأسيسية وخاتمة، ويتبع ترتيبا زمنيا جزئيا، يدمجه مع بناء موضوعاتي واضح، يبدأ بالتأسيس العسكري والسياسي للوجود العثماني في المشرق العربي، ثم يعرض للمؤسسات الإدارية والقضائية، يليه تحليل للواقع الاجتماعي والاقتصادي، فالثقافي والديني، ثم ينتقل إلى لحظات التحول (نابليون، محمد علي، التنظيمات)، وصولا إلى تفكك العلاقة مع نهاية الحرب الكبرى.
هذه المراجعة تتبع أطروحة ماسترز في حركتها المتشعبة، تقرأ خياراته المنهجية، وتحاول استجلاء المسارات التي سلّط عليه الضوء، وتلك التي أبقاها في الظل. فبينما ينجح في استعادة الحياة اليومية كمجال تحليلي، تبقى أسئلته الكبرى تبقى هامسة، كامنة في هوامش الوثائق، لا في عناوينها.
السلطة والحياة اليومية
حين يفتتح ماسترز كتابه بعبارة: "لم يكن العرب مهمشين دائما في الإمبراطورية العثمانية، بل شكّلوا في فترات عدّة قلبها الثقافي والديني"، لا يكتفي بتقديم تصحيح تاريخي، بل يعلن تحوّلا في زاوية الرؤية، من سرديات المركز إلى عين الهامش. لا يتبع المؤلف نمط التأريخ السياسي التقليدي، بل يتجه إلى البنى التي شكّلت نسيج الحياة اليومية – من القوى الدينية، إلى أنماط العمران، إلى الثقافة المعاشة.
فالكتاب لا يقرأ كسرد أرشيفي، بل كجهد مضاد للسرديات القومية المتأخرة التي تأرجحت بين شيطنة "الاحتلال العثماني" وتمجيد "الأخوة الإسلامية". ماسترز يعيد تركيب العلاقة من الداخل، حيث تتشابك مراكز النفوذ المحلي مع بيروقراطية الدولة، وتتشكل الهويات ضمن مساحات التفاوض لا القطيعة.
لا يسعى الكاتب إلى إثبات أطروحة قاطعة، بل إلى نسج شبكة العلاقات التي يلعب فيها العلماء، المتصوفة، والأوقاف، دور بنية وسيطة تمارس سلطتها من قلب الشرعية العثمانية، لا من خارجها. هذا التصور يستبطن تأثير المدرسة الاجتماعية–التاريخية في حقل الدراسات العثمانية، تلك المدرسة التي تقارب السلطة بوصفها ممارسة متجذّرة في اليومي، لا فقط منظومة خطابات عليا. يتجلى ذلك بوضوح في تحليل ماسترز لتوسع الطرق الصوفية في القرن الثامن عشر، لا بوصفه انحدارا دينيا، بل استجابة بنيوية لفراغ الدولة المركزية.
لكن في سعيه لإعادة الاعتبار للهامش، يقترب أحيانا من تلطيف ملامح المركز. حين يصف "مرونة النظام العثماني في استيعاب النخب المحلية"، لا يتضح ما إذا كانت هذه المرونة ناتجة عن تصميم مؤسسي مرن، أم عن عجز بنيوي اضطر السلطنة إلى التكيف بدل الهيمنة. يتفادى المؤلف مواجهة سؤال كيف أمكن لهذه العلاقة أن تصمد قرونا، ثم تنفجر فجأة مع تحولات القرن العشرين؟
تركيز الكتاب على على الفاعلين المتعلمين في المدن، انتج غنى في رسم مشهد حياة سكانها من من تجار ومتعلمين وفاعلين مدينيين، إلا أنه دفع بسكان الاطراف الريفية إلى خارج عدسة السرد والتحليل، وهذه الفجوة لا تفسر بوصفها تقصيرا منهجيا مباشرا، بل تبرر كنتيجة ضمنية لتركيز السرد. ومع اقتراب الكتاب من نهايات القرن التاسع عشر، حيث تتكثف الضغوط القومية ويتشكّل خطاب الحداثة السلطوية، تزداد هذه الفجوة اتساعا، وكأنّ الريف بات خارج التاريخ.
كيف حكمت السلطنة من دون أن تحضر؟
منذ الفصل الثاني، يأخذنا ماسترز في رحلة داخل البنية المؤسسية التي نسجت علاقة العرب بالسلطنة، لا من بوابة تمركز السلطة فحسب، بل عبر ما يسميه "اقتصاد الولاء" الذي تشكّل في المدن العربية.
لا يقدم ماسترز في هذا الفصل مجرّد عرض تقني لبنية الحكم، بل يكشف عن طبقة رمزية أعمق، تشكّلت من خلال مؤسسات مثل القضاء الشرعي، البيروقراطية الديوانية، وشبكات العلماء المحليين. لم يكن الحكم في المناطق العربية قائما على القوة العسكرية وحدها، بل على شرعنة اجتماعية مرنة، ساهمت فيها الطقوس الدينية، الأوقاف، و"اقتصاد الولاء" الذي نسجته السلطنة مع النخب المحلية. في حلب، مثلا، لعبت عائلة أفندي دور الوسيط الحيوي بين الدولة والمجتمع، فتولى أفرادها مناصب قضاء ومشيخة، وتمكنوا من تمثيل السكان دون صدام. وفي صيدا، تحولت الاحتفالات الدينية إلى فضاءات لتمثيل الولاء، تشارك فيها السلطة رمزيا دون أن تمحو الخصوصيات المحلية. بهذا المعنى، يظهر ماسترز أن الهيمنة لم تكن صلبة دائما، بل تفاوضية، تتكئ على شبكة من الرموز والعلاقات تعيد إنتاج السلطنة في تخيل السكان، لا فقط في أوامرها.
لكن هذه الأنماط لم تكن موحدة. فبين دمشق، حيث يبرز التواجد العسكري الصلب من قلعة يحرسها جنود من الأناضول، والمدينة المنورة، حيث اعتمدت السلطنة على تحالفات ناعمة مع العلماء والأشراف، تتفاوت أشكال الهيمنة وتظهر براعة الدولة في اللعب على تباين السياقات.
في الفصل الثالث، ينتقل ماسترز إلى السوق، بوصفه مجالا اجتماعيا رمزيا، لا فقط اقتصاديا. في أسواق دمشق، كان توزع الحرف طائفيا بصورة غير معلنة: مهن الخبازين والقصابين بقيت في يد السنة، فيما سيطر الأرمن على صياغة الذهب وبعض الصناعات الدقيقة. سجلات القاهرة تكشف عن توترات يومية بين تجار من طوائف مختلفة، تؤكد أن السوق لم يكن حيادا اقتصاديا، بل حيزا تفاوضيا حيث تعاد صياغة الحدود بين الجماعات.
ومن بين الحالات اللافتة، تبرز سيرة أرملة شامية خاضت نزاعا قضائيا ضد تاجر مسلم نافذ، بعد امتناعه عن دفع مستحقاتها إثر وفاة زوجها. ما يلفت النظر ليس فقط كسبها القضية، بل القدرة المؤسسية التي أتاحها القضاء الشرعي للنساء لمناورة السلطة ضمن شروط محددة.
أما الحراك الطبقي، فيتجلى في قصة الحاج عبد القادر الحلبي، الذي بدأ من موقع متواضع، لكنه صعد إلى مصاف النخبة من خلال استثمار في الأوقاف، وبناء شبكة علاقات مع القضاة والموظفين. ليست هذه سيرة استثنائية، بل مؤشر على لحظات كانت فيها مرونة الهرم الاجتماعي ممكنة، خارج سردية الجمود الطبقي التي ترسّخت لاحقا.
في الفصل الرابع، يعيد ماسترز تسليط الضوء على العلماء، لا كخدمة للسلطة، بل كفاعلين في إنتاج الشرعية. في حلب، مثلا، قاد كبار العلماء تحركا ناجحا ضد قرار إداري بنقل تكية صوفية، بحجة أنه يضعف شبكة المريدين ويفكك النسيج التعليمي–الروحي المرتبط بها. لم تكن هذه مجرّد رمزية، بل فعل ضغط مؤسسي يذكر بأن الشرعية في السلطنة كانت موزعة، لا محتكرة.
عملت الطرق الصوفية بدورها، كمنصات شعبية للطقوس والفتوى والعزاء، لكنها أيضا عقدت تحالفات متينة مع الولاة، خاصة في الأرياف حيث غابت اليد البيروقراطية المباشرة. هذا التوازن الدقيق بدأ يتصدّع مع صعود التيارات الإصلاحية، مثل الوهابية، التي اعتبرت التصوّف انحرافا يجب "تنقيته". فوجدت السلطنة نفسها أحيانا في موقع دفاع، تضطر فيه إلى قمع بعض الطقوس حفاظا على تماسك خطابها الديني الرسمي.
في هذا التقاطع بين الحكم، السوق، والعلماء، يرسم الكتاب خريطة غير خطية للسلطة: لا إمبراطورية مركزية تفرض إرادتها، ولا مجتمعات مغلوبة على أمرها، بل مشهد تفاوضي معقد، تتداخل فيه القوة، والرمز، والموقع الطبقي، في كل حركة يومية أو فتوى أو بيع في السوق.
التصدع والإصلاح والانفصال
بدء من الفصل الخامس، يبدأ الكتاب برصد الكتاب البنية السلطانية العثمانية في المشرق، بوصفه مسارا تراكميا من التحديات الداخلية والخارجية التي أضعفت قدرة الدولة على السيطرة الرمزية والمؤسسية، وأعادت تعريف العلاقة بين المركز العثماني والمجتمعات العربية. تبدأ هذه المرحلة بتحليل آثار الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، ليس فقط كحدث عسكري، بل بوصفها لحظة مفصلية كشفت حدود القوة العثمانية في مواجهة خصم أوروبي يمتلك أدوات تنظيم مختلفة، وقدرة على التدخل المباشر في قلب الأراضي العثمانية.
يلي ذلك صعود محمد علي باشا، الذي استفاد من فراغ السلطة في مصر، وشرع في بناء قوة مركزية حديثة اعتمدت على أدوات الدولة العثمانية نفسها: التجنيد، الأوقاف، السيطرة على الحرف والأسواق. يرى المؤلف أن مشروع محمد علي تجاوز مجرد الطموح الإقليمي، ليُظهر أن نموذج الدولة السلطانية قابل للتكرار في الأطراف، وبشروط قد لا تخدم إسطنبول.
وتتوالى الأمثلة على تراجع قدرة الدولة في فرض الهيبة. ففي عام 1819، اندلع تمرد في مدينة حلب عقب موجة من الضرائب، استهدف فيها السكان الجنود الإنكشاريين، ما دفع السلطة إلى إعادة توزيع القوات، وتقديم تنازلات ميدانية لضبط الوضع. لا يُفهم هذا التمرد بوصفه ثورة سياسية، بل كمؤشر على أن ممارسات الدولة لم تكن محصّنة من المقاومة، وأنها كثيرا ما اضطرت إلى التكيّف مع الوقائع المحلية.
وعند الانتقال إلى إصلاحات التنظيمات (1839–1876)، يعرض الكتاب كيف مثلت هذه المرحلة محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والرعايا، عبر تقنين الحقوق، وتوسيع الإدارة، وتحديث أجهزة السيطرة. لكن التطبيق على الأرض أظهر تفاوتا حادا، في حماة، أدى فرض التجنيد الإجباري إلى احتجاجات أهلية ورفض واسع. بينما في بيروت، ظهرت المجالس البلدية كواجهة تنظيمية جديدة، لكنها خضعت بسرعة لمعادلات التمثيل الطائفي. وهكذا، ساهمت الإصلاحات في إعادة ترسيم الهويات داخل الفضاء المحلي، بدلا من صهرها ضمن هوية عثمانية موحدة.
في الفصل الأخير، يتوقف المؤلف عند الحرب العالمية الأولى بوصفها لحظة انكشاف لمحدودية الدولة العثمانية في الحفاظ على تماسكها الرمزي. يسلط الضوء على سياسات جمال باشا في بلاد الشام، خاصة ما ارتبط منها بالإعدامات العلنية في بيروت عام 1916، وما تبعها من إجراءات رقابية صارمة، أدت إلى اتساع الهوة بين المركز العثماني والنخب العربية. لم تُقرأ هذه الأفعال، في السياق المحلي، كإجراءات دفاعية ضد التمرّد، بل كعلامات على انهيار الثقة بين الطرفين.
ويتناول الكتاب الثورة العربية الكبرى في ضوء هذا الانفصال التدريجي. لا يقدمها كمؤامرة دبرت خارجيا، بل كنتيجة منطقية لانهيار العلاقة السياسية والرمزية بين العرب والدولة العثمانية. يستشهد برفض الشريف حسين السماح بدخول القوات العثمانية إلى مكة دون اتفاق، باعتباره علامة مبكرة على تصدع السيادة الرمزية، ومؤشرا على أن الانفصال سبق إعلان الثورة زمنيا ومعنويا.
سردية مضادة أم إعادة تشكيل للمتخيل السائد؟
يبدو كتاب بروس ماسترز، للوهلة الأولى، وكأنه ينقلب على سرديات التأريخ القومي التي وسمت الذاكرة العربية للإمبراطورية العثمانية، حيث تمحورت العلاقة بين العرب والسلطنة حول ثنائية صلبة. ماسترز يكتفي بتفكيك تلك الثنائية دون الانشغال بتقديم بديلا لها. ما يعرضه أقرب إلى لا-سردية، أي مسار بطيء ودقيق للتفكيك وإعادة بناء التاريخ من تفاصيل الحياة، لا من مفاهيمها الجاهزة.
يضع هذا التوجه الكتاب في قلب تحوّلات حقل الدراسات العثمانية، متقاطعا مع أطروحات مؤرخين مثل أرييه كارلباخ ويوسف خوري وإيلي قدور، الذين سعوا لتجاوز التفسيرات القومية والإسلامية من خلال قراءة البنى المحلية والفاعلين الاجتماعيين في سياقاتهم اليومية. لكن الفارق أن ماسترز لا يصوغ مفاهيم، ولا يصرح بأطر نظرية، يترك للقارئ أن يستنبط التوتر البنيوي من تفصيل معيشي، أو من مفارقة في الوثائق.
وإن كان هذا الغياب المتعمّد للصياغة النظرية يمنح نص ماسترز سلاسة وانفتاحا في السرد، إلا أنه يحرمه من إمكانية التفاعل النقدي مع الأدبيات التي عمِلت على تأريخ السلطنة من زوايا أعمق. يكتفي بالوصف السوسيو–ثقافي دون التوقف عند تحليل مفاهيم محورية كالشرعية أو الهيمنة بوصفها أدوات لفهم السلطة العثمانية في سياقها الاجتماعي، كما فعلت كارين باركي في كتابها "إمبراطورية الاختلاف". في ضوء ذلك، يبدو طرح ماسترز أكثر وصفية وأقل انخراطا في الجدل المفاهيمي الذي يشكّل مركز الثقل في دراسات السلطنة الحديثة.
بالرغم من ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في التزامه بما يمكن تسميته "التأريخ المتواضع"، يسعى لمراكمة معرفة جزئية، صبورة، تصغي لصوت المصادر بدل أن تخضعها لنموذج تأويلي جاهز. وهذه المقاربة تقترب أسلوب كارلو غينزبورغ في التأريخ الدقيق المعارضة لأن تفرض النماذج التفسيرية الشمولية المعنى على المادة التاريخية، وبدلا من ذلك تمنح التفاصيل الصغيرة والكلمات المنسية قدرة على إزاحة السرديات الكبرى من موقع الهيمنة. هذه النزعة التأريخية لا تخلو من الحذر، لكنها تحمل فضيلة الإنصات: الماضي كما تركه الناس، لا كما نريده أن يكون.
بذلك يصلح الكتاب أن يكون ردا غير مباشر على مقاربات تختزل السلطنة في دورها كوكيل للإمبريالية أو كمقدمة للاستعمار. فبدل أن يصور العرب كضحايا مزدوجين، للباب العالي أولا وللانتداب لاحقا، يعيد تقديمهم كمجتمعات تتكيف، تتفاعل، تعيد تشكيل السلطة، وتنتج هوياتها ضمن شروط السلطنة لا خارجها.
لكن يبقى السؤال معلقا: هل ما يقدمه ماسترز هو سردية بديلة فعلا، أم إعادة صياغة للمنظور السلطاني بلغة أكثر رهافة؟ بعبارة أخرى، هل نتحرر من السلطة حين نكتفي بتليين صورتها؟ في غياب تحليل دقيق لبنى الهيمنة السياسية والاقتصادية، تبقى بعض الإجابات مؤجلة، وربما مقموعة بصمت. لكن هذا لا ينفي القيمة التأسيسية للمشروع: ما بدأه ماسترز لا يزاحم السرديات، بل يحرّكها، ويترك للمستقبل مهمة توسيعها، أو قلبها من جديد.
التفكير بما يتجاوز النص
حين يصل القارئ إلى آخر صفحات عرب الإمبراطورية العثمانية، لا يخرج بإحساس مراوغ، أن ما بدا تاريخا مستقرا هو في حقيقته طبقات متراكبة من التفاوض والانتماء والتأويل. هذه "اللاخاتمة" التي يتركها ماسترز مفتوحة ليست نقصا في البناء، بل امتداد لخياره المنهجي في تفكيك المسلّمات دون أن يملأ الفراغات الجاهزة.
لا يقدم ماسترز العرب كجماعة متجانسة، بل كنسيج من الأصوات والممارسات المتضاربة، بعضها انخرط في الدولة، وبعضها دار على هامشها، وبعضها صاغ سلطته من موقع وسط. لكن هذا التوجه يفتح سؤالا أعمق من حدود الكتاب: ما معنى أن نتحدث عن "عرب عثمانيين" أصلا؟ هل هو تصنيف إثني؟ أم توصيف جغرافي؟ أم مجرد اختزال تحليلي لأطياف جمعتهم إدارة مركزية أكثر مما جمعتهم هوية ثقافية واحدة؟
ماسترز يلامس توترا طالما شغل دراسات ما بعد الكولونيالية: إلى أي مدى يمكن إسقاط مفاهيم الهوية والانتماء، التي تبلورت في سياقات لاحقة، على لحظات سابقة لم تكن تعبر عن نفسها ضمن معاجم القوميات؟ وإن فعلنا، هل ننزلق إلى قراءة الحاضر في ملامح الماضي؟
ما يقدمه الكتاب في هذا المستوى ليس نظرية، بل مفارقة مفتوحة: العرب كانوا في قلب الإمبراطورية الإسلامية، لكنهم ظلّوا على هامش بنيتها السياسية. هذا الانفصال بين المركز الروحي والمركز الإداري لم يحل، بل راكم توترا ظل كامنا انفجر مع تشكل الخطابات القومية. غير أن ماسترز لا يلاحق هذه التحولات كنقلة رمزية أو كبنية اقتصادية، بل يتركها خلف النص، كظل يلمح ولا يفكك.
وهنا، ينفتح أفق القراءة نحو أسئلة لم يصرح بها: كيف تفاعلت اللغة والدين والسياسة في تشكيل فضاء الانتماء العربي داخل السلطنة؟ وهل خلف هذا التفاعل أنماطا من التراتب الرمزي لا تزال تسم تصوراتنا للهوية والمواطنة حتى اليوم؟
أسئلة من هذا النوع تجد صداها في أعمال مثل ثقافة الطائفية لأسامة مقدسي، والمواطنون المستعمرون لإليزابيث طومسون، التي لا تكتفي بإعادة سرد الماضي، بل تحفر في جذور السلطة الرمزية. من له الحق في تأويل التقاليد؟ من يُقصى من الشرعية الرمزية؟ وهل كان المجال العثماني فضاء لطائفيات مقنّعة، أم لبنيات انتماء مرنة ضاقت بها أنماط الدولة الحديثة؟
لا يقدم كتاب ماسترز أجوبة على هذه الأسئلة، لكنه يوسع أفق طرحها. فهو لا يسعى إلى كتابة تاريخ بديل بقدر ما يذكر بأن ما نسميه "التاريخ" هو حقل نزاع مستمر، وأن الهوية ليست معطى، بل مشروع لم يكتمل.




