اقتصاد الاعتراف والرغبة المقلدة
ديناميات التقليد لدى النفس المقهورة
على مستوى الفرد يعمل التقليد كآلية تعلم لا غنى عنها يتأقلم عبرها الإنسان مع محيطه، لكنه يتحول إلى تجربة إذلال وصراع عندما يشتغل داخل شروط التقاطع الحرج (أنظر: متى يتحول التقليد إلى وقود للصراع؟)، أي في ظل لا تكافؤ في القوة واقتصاد هش للاعتراف وتعذر تعريف الذات من داخل خبرتها الخاصة.
على المستوى النفسي الفردي لا يكون السؤال هل التقليد جيد أم سيئ في ذاته، بل متى تُعاد توجيه آلياته النفسية بحيث تخدم منطق التبعية بدل التكامل.
ما يطرحه المقال ليس محاولة لصهر مقاربات نفسية ونقدية في نسق نظري واحد بقدر ما هو استخدام انتقائي لأدوات تفسيرية متجاورة يستفاد من كل منها في إضاءة مستوى مختلف من ديناميات التقليد لدى النفس المقهورة، من الميكانيزمات الدنيا للتعلم بالملاحظة، إلى اقتصاد الاعتراف، إلى منطق الرغبة المقلدة، وصولاً إلى التجربة القصوى للهيمنة الكولونيالية.
من منظور علم النفس الاجتماعي يقدم ألبرت باندورا ما يشبه الميكانيزم الأدنى للتقليد، أي التعلم بالملاحظة الذي يمر عبر الانتباه للنموذج والاحتفاظ بالصورة ثم محاكاة السلوك توقعا لمكافأة أو تجنبا لعقاب. هذه الآلية في ذاتها شرط لاكتساب اللغة والمعايير والمهارات، غير أنها لا تعمل في فراغ بل داخل فضاء اجتماعي مشبع بعلامات المكانة والتفاوت. انتباه الفرد لا يتوزع بالتساوي، بل ينجذب إلى من يملك قوة رمزية أو مادية أعلى، فيتحول التقليد من محاكاة سلوك مفيد إلى انشداد متزايد نحو من يحتل موقع القمة في سلم القيمة الاجتماعية. عند هذه النقطة يبدأ الشرط الأول للتقاطع الحرج في التشكل، إذ تتحول صورة النموذج من مرجع للتعلم إلى معيار تقاس الذات في ضوئه.
هذا التحول لا يُفهم من دون إدخال بعد الاعتراف كما بلوره أكسل هونيث، حيث يصبح الاعتراف شرطا لتكون علاقة إيجابية بالذات ضمن ثلاث دوائر مترابطة، دائرة الحميمية التي تشمل الحب والثقة الأساسية، ودائرة الحق التي تعني الاعتراف بالفرد كصاحب أهلية وكرامة قانونية، ودائرة التقدير الاجتماعي التي تمنح القيمة لما يقدمه الفاعل ضمن أفق معين للفضائل والإنجازات. عندما يختل توزيع الاعتراف في هذه الدوائر يتشوه تصور الفرد لذاته ويظهر الازدراء الذاتي بوصفه استجابة بنيوية لا مجرد نقص في الثقة بالنفس. في هذا الوضع يصبح التقليد وسيلة لتعويض نقص في اعتراف تأسيسي، فالفرد لا يقلد لأنه تعلم فحسب أن يقلد، بل لأنه يبحث عبر الاقتراب من النموذج عن شهادة خارجية بقيمته. هنا يتقاطع الميكانيزم النفسي مع اقتصاد هش للاعتراف، لأن تموضع معيار القيمة خارج الذات وفي يد آخر متفوق يرفع احتمال أن يتحول التقليد من قناة اندماج إلى مصدر دائم للتصدع الداخلي.
تأتي مساهمة رينيه جيرار لتعميق هذا المنطق، فالرغبة عنده لا تنطلق من ذات مستقلة تتجه مباشرة نحو موضوع ما، بل تتشكل وهي تنظر إلى آخر يُنصب نموذجا. قيمة الشيء تأتي من حضوره في يد شخص يُنظر إليه باعتباره أرقى أو أعلى مرتبة، فتغدو الرغبة رغبة مستعارة من موقع النموذج. في المستوى النفسي الفردي يعني ذلك أن ما يُطلب غالبا ليس الشيء في ذاته، بل المكانة التي يرمز إليها في يد من نعتبرهم أعلى منا. وعندما تُركز الرغبات بهذا الشكل حول موضوعات نادرة أو مقيدة مثل المكانة الاجتماعية أو الاعتراف الثقافي أو القرب من مركز سياسي أو حضاري، ينشأ تشابه حاد بين الأفراد في اتجاه الرغبة نفسها، بينما تظل إمكانية تحقيقها محدودة بنيويا. هنا يتبدى الشرط الرابع للتقاطع الحرج، إذ يجري تعميم عبر الإعلام والسوق لصور حياة ونجاح لا يمكن بلوغها فعليا إلا لقلة، فيتحول التقليد إلى مطاردة مستحيلة تشحن الإحساس بالنقص وتكثف توترات خفية تستعد للتحول إلى صراع.
ضمن هذا الإطار لا يعود التقليد انتقالا بسيطا لسلوك من ذات إلى أخرى، بل إعادة إنتاج للرغبة في شروط غير متكافئة. النجاح الفردي لا يبدد المأزق، لأن المشكلة لا تكمن في قصور شخص بعينه، بل في كون معيار الاعتراف نفسه موضوعا خارج متناول الأغلبية ومحتكرا ضمن أفق ضيق للقيمة. النتيجة النفسية شعور مزمن بالعيش في الدرجة الثانية، حيث تسعى الذات إلى التماهي مع النموذج لكنها تُقصى في اللحظة نفسها، لأن الفجوة البنيوية في الاعتراف لا تُردم بمجرد جهد فردي.
مع فرانتز فانون ننتقل إلى حالة قصوى تتكثف فيها هذه الديناميات في سياق الهيمنة الكولونيالية. هنا لا ينطلق التقليد من ذات متوازنة تختار بين نماذج متكافئة، بل من ذات جُردت سلفا من قيمتها التاريخية والرمزية. القوة الكولونيالية لا تسيطر على الأرض والموارد فقط، بل تحتكر أيضا سلطة التصنيف، فتحدد من هو المتحضر والحديث ومن يُدفَع إلى خانة المتخلف أو البدائي. الرجل الأبيض لا يظهر كشخص بعينه، بل كصورة معيارية للإنسان الكامل في المخيال الكولونيالي. في مثل هذا الحقل تتقاطع آلية باندورا مع منطق جيرار بأقصى حدتهما، النموذج الذي تُسلط عليه الأضواء ويُكافأ ماديا ورمزيا هو نفسه من يحتل موقع السيطرة الرمزية، فيُفعل التقليد بوصفه رغبة موجهة نحو من يملك سلطة تعريف النجاح والإنسانية ذاتها. هكذا يتجسد الشرطان الثاني والثالث من شروط التقاطع الحرج في آن واحد، حيث يصبح طلب الاعتراف صادرا من موقع تابع تجاه مركز يتعامل مع ذاته كمعيار، وتتعرقل في الوقت نفسه إمكانات تعريف الهوية من الداخل أمام ذات تُفرض عليها صورة جاهزة لما ينبغي أن تكون عليه.
في هذا السياق لا ينتهي التقليد إلى اندماج مطمئن، بل يفتح ثلاث قنوات متوترة للعنف الداخلي والخارجي. أولها عنف مرتد نحو الذات يظهر في احتقار اللون والاسم واللغة وفي سعي محموم لمحو الانتماء الأصلي عبر تماهٍ مُذل مع صورة المستعمِر. وثانيها عنف موجه نحو النموذج، حيث تتراكم كراهية مكبوتة تجاه المستعمِر من موقع العجز عن اللحاق به أو استبداله، وهي كراهية مشحونة بإعجاب لا يُقال. وثالثها عنف أفقي تجاه الآخر القريب، إذ تتحول المجموعات المستعمَرة إلى متنافسين على مراتب القرب من المركز وعلى فتات الاعتراف الموزع من أعلى، فينشأ احتقار داخلي وصراعات بين متمدنين وتقليديين، وبين فئات تُصنف رسميا كأكثر قابلية للتمدن.
هذه الأشكال الثلاثة تجسد ما فرضية أن التقليد لا يتحول إلى مصدر للصراع والإذلال إلا عندما يُمارَس من موقع تابع داخل بنية لا تكافؤ في القوة واقتصاد هش للاعتراف والهوية والرغبة، فتجتمع عنده شروط تقاطع حرج تدفع الصراع نحو الذات والنموذج والآخرين الأقرب إليه.
يقدم فانون الصورة الأكثر كثافة لهذه الفرضية على المستوى النفسي الفردي، بنية اللا تكافؤ في القوة لا تبقى خارج الذات بل تُعاد زراعتها داخلها بوصفها شرطا للاعتراف، وقيمة الشخص تُقاس بمدى تماثله مع صورة إنسان معينة لا يملك هو ولا مجتمعه أدوات بلوغها. انسداد إمكان تعريف الذات من داخل تاريخها وخبرتها يُحول التقليد من أداة تعلم اجتماعي إلى آلية مستدامة للإذلال، تجرد الفاعل من القدرة على بناء علاقة تصالحية مع أصله وتفتح الباب أمام انفجارات مستقبلية عندما تعجز الذات عن تحمل هذا الانقسام.
هذه البنية لا تقتصر على السياق الكولونيالي الكلاسيكي، بل تمتد إلى سياقات تبدو ما بعد كولونيالية شكليا لكنها تُبقي منطق الاعتراف الخارجي ومعيارية الصورة المفروضة. في جزء معتبر من الخطاب السياسي المعاصر، وفي قطاعات واسعة من المنصات الرقمية العابرة للحدود، تنتشر صور متخيلة للإنسان الكامل على الضفة الاخرى الفرد الحر المستقل الناجح، المتمتع بحماية قانونية ووصول إلى موارد ومعايير استهلاك معينة. في هذا الخطاب تُقدَّم هذه الصورة غالبا بوصفها نموذجاً للحياة الجيدة، مع أن الشروط المادية والسياسية والهيكلية اللازمة للاقتراب منها تظل مسدودة بالنسبة لغالبية الافراد والجماعات. في هذا السياق يشتغل الشرط الرابع للتقاطع الحرج في صيغة جديدة، الاعلام والسوق ومنصات الاتصال لا تنقل مجرد انماط حياة، بل تصوغ افقاً معيارياً للرغبة والاعتراف لا يمكن تجسيده فعليا للجميع، فينشأ احساس واسع بأن الحياة الكاملة موجودة في مكان آخر، وان الذات محكومة بالركض خلف نموذج لا يُدرك. هنا يتكثف الشعور بالنقص والاذلال، ويتحول التقليد الرقمي والمعيشي إلى محرك لصراعات ومراجعات حادة للهوية والانتماء بدل ان يبقى قناة للتعلم او نافذة على العالم.
بوصفها حالة نموذجية يمكن قراءتها داخل هذا الاطار، تقدم ظاهرة الحراقة في شمال افريقيا كما ترصدها بعض التحقيقات الصحفية مثالاً مكثفاً على هذا المنطق في صورته الرقمية المعاصرة. هذه الظاهرة بطبيعة الحال متشابكة مع اسباب مادية وسياسية مباشرة مثل البطالة المزمنة، وانسداد افق المشاركة السياسية، وفساد النخب، وسياسات اوروبية متشددة في ضبط الحدود، غير ان ما يهم هنا هو طبقة بعينها من دينامياتها تتعلق بتشكيل الخيال والاعتراف عبر المنصات. يكشف تحقيق صحفي الماني حول الهجرة غير الشرعية كيف يوظف مؤثرون على تيك توك وفيسبوك وإنستغرام الخيال الاوروبي لاستقطاب شباب مغاربة وجزائريين وتونسيين. مؤثر يلقب نفسه امير المدينة ينشر صورة في قلب باريس امام سيارة تسلا سوداء وبرج ايفل في الخلفية، ويكتب فوقها مخاطباً امه ان مستقبله في الجهة الاخرى من البحر. الصورة هنا ليست استعراضاً عابراً، إنها نموذج مكثف لما تعرضه هذه المنصات في هذا النوع من المحتوى الحياة الجديرة مدينة مركزية، استهلاك فاخر، جسد وملبس واسلوب مطابق لقاموس النجاح الرقمي، بينما يتابع شبان عاطلون ومحبطون هذه الحسابات ويرون عشرات الفيديوهات التي توثق العبور الناجح وتمحو المخاطر او تحولها إلى مشهد احتفالي، بما في ذلك احراق الاوراق الثبوتية امام الكاميرا.
في مثال آخر يورد التحقيق حساباً يستخدمه صاحبه لبناء شبكة وسطاء في الموانئ والشرطة واستدراج زبائن للهجرة غير الشرعية، موهماً اياهم بأن الطريق مضمون وان لديه المعرفة التي تفتح باب اوروبا، كما يوثق حالة حشد مئات الشباب على شاطئ مرتيل قرب تطوان بعد انتشار شائعة عن قارب مجاني إلى اسبانيا، وانتهاء المشهد بتدخل عنيف وسقوط طالبة قتيلة. لا يفسر هذا التحقيق الظاهرة في كليتها، لكنه يتيح قراءة جانبا منها بوصفه تكثيفاً قاتماً للتقاطع الحرج، حيث لا تكافؤ صارخ في القوة المادية والرمزية بين ضفة جنوبية مأزومة وضفة شمالية تُعرض في الخيال الرقمي بوصفها ارضاً موعودة، طلب اعتراف لشاب يريد أن يصبح مثل امير المدينة، اي ان يُرى ويُقيم من موقع اوروبا ويحصد على اعتراف رقمي بالمشاهدات والاعجابات، انسداد افق تعريف الذات من الداخل حيث يبدو البقاء ومحاولة صوغ حياة كريمة داخل البلد خياراً فاشلاً، وتغدو الهوية الوحيدة الجديرة هي هوية من عبر او ينتظر العبور، ثم تعميم نمط حياة ورغبات لا يمكن تحقيقها فعلياً إلا لقلة، في حين يواجه من يصل هشاشة قانونية وعملاً غير رسمي وعنصرية، ويغرق من لا يصل او يُعاد، بينما تستمر البنية الرقمية في تدوير الصورة نفسها بلا توقف. ما ترصده تحقيقات عن قاصرين يلقون بأنفسهم في البحر متأثرين بصفحات تحرض على الحريك بوصفه الطريق الوحيد لغد افضل يُقدم هنا كنافذة على النتيجة النفسية لهذه البنية ذات تُدرب يوميا على النظر إلى نفسها بعين مركز اقوى، وتُلقن ان قيمتها مرهونة بعبور شبه مستحيل، وحين تنغلق المسارات الواقعية لا يبقى في الخيال إلا قارب موت او انفجار غضب.





