كان تحرّراً وليس انهياراً
ماريا بوبوفا*
عادةً ما يُنظر إلى سقوط جدار برلين بوصفه الرمز الأبرز لعام 1989، لا إلى سلسلة البشر الممتدة عبر دول البلطيق. لكن، ماذا لو أصبحت هذه اللحظة من الوحدة رمزًا لانهيار الشيوعية؟ هل كان من الممكن أن يُعيد تأطير "تحرّر" أوروبا الشرقية بدلاً من "خسارة" روسيا فهم تلك المرحلة بطريقة أكثر إيجابية، حتى في عيون الروس أنفسهم؟
الأحداث التي جرت بين 1989 و1991 جرى ترميزها في المخيال العالمي بوصفها "انهيارًا" للشيوعية، أعقب الانهيار المفاجئ للأنظمة في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي. كما انهار جدار برلين في يوم واحد، انهارت الشيوعية أيضاً – ويبدو أنها اختفت إلى الأبد. لكنّ هذه ليست الطريقة الوحيدة لفهم ما حدث.
كان يمكن أن يصبح "التحرّر" المفهوم المهيمن بدلًا من "الانهيار". فالملايين تحرّروا من الديكتاتوريات الشيوعية، وحلّ حلف وارسو، ومنظّمة الكوميكون، والدولة السوفيتية، ما يشير إلى أن الدول التابعة للاتحاد السوفيتي والجمهوريات السوفيتية نفسها تخلّصت من الهيمنة الروسية.
وصف ما جرى بأنه "انهيار" لم يكن اختيارًا موفقًا. فقد أعطى انطباعًا مضللاً بأن ما حصل لا رجعة فيه، ورسم خطًا سميكًا مصطنعًا بين الماضي والحاضر. ركّز على نهاية الشيوعية، وتجاهل في المقابل المشروع الإمبراطوري الروسي. أمّا منظور "التحرّر"، فكان ليقدّم قراءة أكثر دقة لهذه اللحظة التاريخية، بما في ذلك صعوبتها، وتفاوت مساراتها، وبطء التخلّص من الاشتراكية الدولة ومن الهيمنة الروسية – وما تضمنته من احتمالات انتكاس وانتقام.
ربما يعود هذا التأطير المفاهيمي إلى انشغال الحقبة الباردة بالصراع الأيديولوجي بين الشيوعية والديمقراطية الليبرالية. إذ ركّز الجميع على نزع الشرعية عن الماركسية-اللينينية بوصفها العقيدة التي سقطت، وهو ما شغل العالم بأسره، حتى لم يعد هناك حيّز لملاحظة الفيل الإمبراطوري الروسي الجالس في الغرفة.
فالغرب، من إدارة جورج بوش الأب إلى الأكاديميين والجمهور، نظر إلى المنطقة من منظور موسكو. ركّزت موسكو على انهيار الدولة السوفيتية، فركّز الغرب على ذلك أيضاً. أما نظرة "الأطراف" إلى ما جرى، فقد ظلّت مهمّشة، واستمر هذا التهميش حتى بعد انتهاء الحرب الباردة.
في نهاية المطاف، رفض الغرب بشكل حاسم وصف تفكك الاتحاد السوفيتي والشيوعية بأنه "تحرّر"، لأنه كان يخشى أن يُفهم ذلك على أنه "تبجّح بانتصار" أو محاولة لإذلال المركز الإمبراطوري الذي كان يتخلّى عن مستعمراته. عبّر جورج بوش الأب عن هذا الموقف بوضوح في عدة مناسبات. ففي السلسلة الوثائقية التلفزيونية الحرب الباردة التي عُرضت عام 1998، لم يعلّق على احتفالات شعوب الأطراف أو الدول التابعة حين زال الاتحاد السوفيتي أخيرًا. بل تحدّث عن حزنه على صديقه ميخائيل غورباتشوف، الذي "خسر بلاده" في عيد الميلاد عام 1991. كما أكّد أن الاحتفال بسقوط الستار الحديدي كان سيكون بحسب تعبيره “أغبى شيء يمكن أن أفعله"، لأنه كان ليُذلّ روسيا.
مهما كانت دوافع تفضيل مصطلح "الانهيار" على "التحرّر"، فإن هذا الاختيار قد شكّل فهمنا العقلي والسياسي للثلاثة عقود التالية. لقد أثر في أولويات الباحثين في العلوم الاجتماعية عند دراستهم للمنطقة، وأنتج مسلّمات وقوالب نمطية ترشد الصحفيين عند تغطيتهم لأخبار أوروبا الشرقية لجمهور عالمي. بل تسرّب حتى إلى طريقتنا في فهم اللحظة الراهنة، ونحن نحاول تفسير أهداف روسيا في حربها ضد أوكرانيا، وتحليل دوافعها، والتفكير في كيفية وقف العدوان الروسي، وبناء سلام عادل ودائم في أوروبا.
لو كنا قد اخترنا عدسة "التحرّر"، لربما أصبحت صور "الطريق البلطيقي" (Baltic Way) أيقونية بقدر سقوط جدار برلين. فعلى صعيد الأعداد والامتداد، كانت تلك المظاهرة أضخم بكثير من لحظة انهيار الجدار: حوالي مليونَي شخص تشابكت أيديهم ليشكلوا سلسلة بشرية بطول 670 كيلومترًا عبر ثلاث دول، وهو إنجاز جماعي أعقد وأوسع من تجمع نصف مليون شخص في مدينة واحدة بشكل عفوي. ورغم ذلك، فإن نتائج البحث في غوغل عن "الطريق البلطيقي" لا تتعدى الآلاف، بينما تصل نتائج "سقوط جدار برلين" إلى الملايين.
يبدو أننا استوعبنا سقوط الجدار، كحدث مادي ومرئي، بوصفه الرمز النهائي لانتهاء الشيوعية في أوروبا الشرقية، وتغاضينا عن القيمة الرمزية والسياسية لتلك اللحظة النادرة التي توحّد فيها مواطنو دول البلطيق، متحدّين الصورة النمطية لمجتمع سوفيتي مفكك ومنكفئ، ومُظهرين بوضوح افتقار حكم موسكو للشرعية الأخلاقية والسياسية في أعين شعوب الأطراف.
لو كنا قد نظرنا إلى تفكك الاتحاد السوفيتي من خلال عدسة التحرّر، لربما رأينا تلك اللحظة التاريخية بصورة مختلفة تمامًا. كما أُجادل أنا وأوكسانا شيفل في كتابنا الجديد “روسيا وأوكرانيا: تاريخان متشابكان، دولتان متباعدتان”، فإن اتفاقيات بيلافيجا لم تكن "طلاقًا حضاريًا"، كما وصفها الرئيس الأوكراني ليونيد كرافتشوك، بل كانت، في نظر بوريس يلتسين، محاولة لإعادة كتابة "عهود الزواج" بين روسيا وأوكرانيا وبيلاروس، لكن هذه المرة بشروط جديدة. عدسة "الانهيار" رسّخت فكرة أن الانفصال كان تامًا وفوريًا ولا رجعة فيه. أمّا عدسة "التحرّر"، فكانت ستُظهر أن يلتسين لم يكن يسعى إلى نزع الإمبراطورية بشكل جوهري، بل كان يهدف إلى تقليمها استراتيجيًا، مدفوعًا بموقفه الجديد المعادي للشيوعية ورغبته في التفوق على غورباتشوف داخل المركز الإمبراطوري.
لو استخدمنا هذه العدسة، لربما قرأنا "رابطة الدول المستقلة" (CIS) لا كمجرد إطار تعاوني جديد، بل كأداة بديلة للهيمنة الروسية. كان يمكننا أن نلاحظ كيف طغى يلتسين، بصفته المضيف الحقيقي لاجتماع ألماآتا التأسيسي، على نظيره الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف، في إشارة رمزية لاستمرار مركزية موسكو، حتى في مرحلة ما بعد الاتحاد.
لو اخترنا عدسة التحرّر، لفهمنا أن محاولات روسيا قمع عمليات التحرّر الوطنية كانت السبب الجذري في العديد من النزاعات التي وُصفت آنذاك بـ"الانفصالية" أو "العرقية"، من مولدوفا إلى الشيشان. صحيح أن لحظة التسعينيات الأولى فتحت نافذة قصيرة أمام حركات التحرّر الوطني، لكنها سُرعان ما أُغلقت. عبر أدواتها العسكرية والدبلوماسية، قوّضت روسيا بناء الدولة في الجمهوريات المستقلة الجديدة، وأوجدت نزاعات "مجمدة". أمسك الكرملين بزمام السلطة في دول الجوار، واستمر في ذلك لعقود. خذ مثال الشيشان: سعيها إلى الاستقلال، بعد قرون من الهيمنة الروسية، قوبل بعنف دموي من المركز الإمبراطوري – ولم يلقَ هذا القمع إدانة تُذكر من الغرب في تسعينيات القرن العشرين وبداية الألفية. بل إن موسكو استطاعت لاحقًا تنصيب نظام عميل في غروزني. ومن دون عدسة التحرّر، جرى تأطير حروب الشيشان على أنها "إرهاب إسلامي" و"انفصالية"، لا ككفاح مشروع من أجل الاستقلال.
لو اخترنا عدسة التحرّر، لما فسّرنا أزمات التسعينيات الاقتصادية والديمغرافية على أنها مجرّد "خراب ما بعد القيامة"، اجتاحه إصلاحيون نيوليبراليون غير أكفاء، وأوليغارش جشعون، وجماهير مسحوقة. بل كنّا لنفهم أن عمليات الإصلاح تلك كانت محاولات صعبة وبطيئة لفك الارتباط مع تركة الاقتصاد الشيوعي المختلّ، ومع مركز إمبراطوري ضعيف كان لا يزال يحاول الاحتفاظ بنفوذه على الأطراف. كنا لنقدّر أن صناع القرار في التسعينيات لم يعملوا من فراغ، بل خضعوا لقيود بنيوية متجذّرة، منها استمرار نفوذ النخب السوفيتية والإمبراطورية القديمة، وهي المسؤولة الفعلية عن كثير من المصاعب اللاحقة.
لو نظرنا إلى تلك الحقبة بعين التحرّر، لربما قدّرنا أكثر شعور الحرية الذي اجتاح المجتمع في التسعينيات – حرية التنقل، والتعبير، والضمير، والتجمّع، والتبادل الثقافي. بدلاً من التركيز المفرط على صعوبات المرحلة الانتقالية، كنا سنحتفي، وبحق، بالمكاسب الجوهرية التي تحققت في كرامة الإنسان وحريته الفردية: حرية قراءة أي كتاب، الاستماع لأي موسيقى، أو التجمّع بلا إذن من لجنة الحزب. لقد تبنّى المواطنون هذا التغيير بحماس: في عام 1991، جذب حفل مونسترز أوف روك (Monsters of Rock) الذي أحيته فرقتا AC/DC وMetallica حوالي 1.6 مليون شخص في موسكو – ليُسجّل كواحد من أضخم عشرة حفلات في التاريخ.
لو ركّزنا أكثر على منطق التحرّر، للاحظنا مبكراً كيف تبخّرت هذه الرياح بسرعة مقلقة: تدريجياً في عهد يلتسين، وبشكل مفاجئ وصريح في عهد فلاديمير بوتين. بدلاً من تبني سردية بوتين الذاتية عن "تسعينيات جامحة" مليئة بالفوضى والانحطاط، كنا سنُدرك أن تلك الفترة كانت لحظة الحرية القصوى في تاريخ روسيا، وللأسف كانت آخر لحظاتها كذلك.
لو اخترنا عدسة التحرّر، لأدرك الجميع بوضوح لماذا سارعت دول أوروبا الشرقية للانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي فور حصولها على الاستقلال. لقد كانت تلك لحظة تاريخية نادرة مكنّت هذه الدول من اختيار تحالفاتها بنفسها، بصفتها دولًا ذات سيادة. فتدفقت تطلب العضوية، واجتازت شروط القبول الصعبة، سعيًا للانضمام إلى "النادي الأوروبي" – اتحاد الديمقراطيات والسوق المشتركة الكبرى – بهدف إعادة الاندماج في أوروبا، وإنقاذ اقتصاداتها المنهكة من آثار الاقتصاد الموجّه وأمراضه البنيوية. كما أسرعت إلى عضوية الناتو، لا حباً بالحرب، بل حمايةً لاستقلالها من عودة روسية محتملة. ولو نظرنا من زاوية التحرّر، لما بدا غريباً على أحد أن يجهش وزير خارجية بلغاريا بالبكاء حين رُفع علم بلاده في مقر الناتو.
لكن الأهم من كل ذلك: نحن بحاجة ماسّة الآن إلى عدسة التحرّر. فقد خسر ملايين الأوكرانيين حريّتهم بسبب الاحتلال الروسي، وهناك ملايين آخرون حتى خارج أوكرانيا معرّضون للوقوع مجددًا تحت الهيمنة الروسية، سواء بالقوة العسكرية أو من خلال أنظمة دمى تُنصَّب في دول "مستقلة ظاهريًا". بل إن مواطني أوروبا ككل قد يواجهون خطر تراجع الحريات الديمقراطية بفعل التدخل الروسي المتصاعد ودعمه لقوى الشعبوية والتآكل المؤسسي.
اليوم، يرى البعض تشابهاً بين اللحظة الراهنة وسنة 1938، حين اختارت أوروبا استرضاء هتلر بدلًا من مواجهته، محذّرين من أن التردّد في تشكيل تحالف حاسم ضد العدوان الروسي يعيد الخطأ نفسه. منذ فبراير 2022، شهدنا دعمًا غربيًا بطيئًا ومعتدلًا يهدف إلى "صمود أوكرانيا"، لا إلى انتصارها. في المقابل، يرفض آخرون تشبيه روسيا بألمانيا النازية، بحجة أن روسيا اليوم تفتقر إلى القدرة على اجتياح أوروبا، بفضل مقاومة أوكرانيا الصلبة وتماسك حلف الناتو.
ورغم وجاهة الرأيين، إلا أن النقاش غالباً ما يغفل عن تشبيه تاريخي آخر لا يقل أهمية، لو اعتمدنا عدسة التحرّر، لرأينا أن ما يجري الآن يُشبه ما حدث بين عامي 1944 و1946. في نهاية الحرب العالمية الثانية، تخلّت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية عن سيادة أوروبا الشرقية لصالح الاتحاد السوفيتي. ففي اتفاق "النسب المئوية" بين تشرشل وستالين، ثم في مؤتمر يالطا، قررت "القوى العظمى" مصير شعوب أوروبا الشرقية، من دون حضورها أو موافقتها، واتفقت على أن تُحكم هذه الدول من قبل أنظمة "صديقة" للاتحاد السوفيتي.
ونعرف جميعًا ما الذي جرى بعد يالطا: احتلال عسكري، محاكمات استعراضية، إعدامات، ترحيل إلى معسكرات الغولاغ، انتخابات مزيّفة، سحق للمعارضة، وصعود عملاء محليين خدموا المشروع السوفيتي. حتى الدول التي كان يفترض – حسب اتفاق 1944 – أن تبقى في دائرة نفوذ غربية–سوفيتية مشتركة، جرى فصلها بالكامل عن الغرب. ومع حلف وارسو، والكوميكون، واجتياحين داميين (هنغاريا عام 1956 وتشيكوسلوفاكيا عام 1968)، امتدت الهيمنة السوفيتية على أوروبا الشرقية لخمسة وأربعين عامًا أخرى.
إن النظر إلى الماضي بعدسة "التحرّر" لا يُعيد فقط تصحيح فهمنا للتاريخ، بل يُنير كذلك طبيعة الصراع الراهن، ويذكّرنا بما هو على المحك: ليس مجرد حدود أو مناطق نفوذ، بل مصير شعوبٍ تنشد الحرية، وحقها في تقرير مصيرها، والتحالف مع من تختاره بإرادتها.
اليوم، تعود روسيا إلى نهجها التوسعي، معادية أيديولوجيًا للديمقراطية، كما كانت في زمن الحرب الباردة. تسعى من جديد إلى انتزاع نوع من "التواطؤ" الأمريكي لاستعادة الولاء المفروض بالقوة، كما حدث في زمن حلف وارسو. فقدت بيلاروس فعليًا سيادتها. وتطالب روسيا الولايات المتحدة وأوروبا بالتوقف عن دعم أوكرانيا في الدفاع عن نفسها، بينما تُقوّض طموحات مولدوفا وجورجيا الأوروبية، وتُضعف سيادتهما عبر التدخل في الانتخابات، والتحكم بالنخب الأوليغارشية، واستمرار احتلال أجزاء من أراضيهما المعترف بها دوليًا. بل إنها تطالب صراحة بانسحاب حلف الناتو من أوروبا الشرقية، وهو مطلب يكشف عن رغبتها في استعادة الهيمنة على الدول التي كانت تحت سيطرتها سابقًا.
اليوم وصلنا إلى نقطة تحول مصيرية: هل سنتفادى أخطاء الأربعينيات؟ أم نكررها مرة أخرى؟
منذ تنصيب دونالد ترامب في يناير، أصبحت الولايات المتحدة أكثر تقاربًا مع المطالب الإمبريالية الروسية في أوروبا. فبعد أن كانت حليفًا يدعم دفاع أوكرانيا ويضمن أمن القارة الأوروبية، شهد موقف واشنطن تحولًا دراماتيكيًا نحو التنسيق مع روسيا البوتينية. في أوائل فبراير، انطلقت مفاوضات مع روسيا في الرياض، لكن يصعب تسميتها "مفاوضات"، إذ لم تطلب واشنطن أي تنازلات مقابلة، بل لوّحت علناً بإمكانية الاعتراف باحتلال روسيا لأراضٍ أوكرانية، وتجميد تطلعات أوكرانيا للانضمام إلى الناتو، كل ذلك دون مشاركة القيادة الأوكرانية في الحوار.
روّجت الإدارة الأمريكية لما وصفته بـ"المصالح الجيوسياسية المشتركة" و"الفرص الاقتصادية" في شراكة أمريكية–روسية جديدة. ومن بين هذه الفرص، صفقة تنص على السماح للولايات المتحدة باستخراج المعادن النادرة من أوكرانيا كوسيلة لسداد الديون المترتبة على المساعدات العسكرية التي تلقتها كييف. وبينما لم تُوقّع الصفقة بعد، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار للأمم المتحدة يُدين روسيا كدولة معتدية، لتنضم إلى روسيا وبيلاروس وكوريا الشمالية وعدد من الأنظمة الديكتاتورية المعزولة.
في ظل هذا التحول الأمريكي الخطير، بات على ما تبقّى من حلفاء أوكرانيا أن يتبنّوا عدسة "التحرّر"، ويرفضوا بشدة مطالب روسيا بتنصيب حكومات "صديقة" في جوارها. قد يتساءل البعض: "وما المشكلة في أن تكون أوكرانيا صديقة لروسيا؟". المشكلة، كما يعرف الأوكرانيون جيدًا، أن "الصداقة" في قاموس موسكو تعني الإخضاع الكامل: محو اللغة الأوكرانية، تفكيك الهوية الوطنية، وتصفية المؤسسات الديمقراطية.
وهذا ما يحدث بالفعل، بسرعة مخيفة، في الأراضي الأوكرانية المحتلة. فقد حُظر تدريس اللغة الأوكرانية، وأُزيلت الكتب الأوكرانية من المكتبات وأُحرقت، واستُبدلت النُصُب الوطنية الأوكرانية بتماثيل للينين وستالين. وأُجبر المواطنون على الحصول على الجنسية الروسية، فيما تم الاستيلاء على ممتلكات وأصول الأوكرانيين المهجّرين أو القتلى، ومنحت للقادمين الجدد من الروس، ضمن مشروع منهجي لإعادة توطينٍ استيطاني.
ما نراه اليوم ليس مجرد صراع حدود، بل معركة على معنى السيادة، وعلى حق الشعوب في التحرّر من الهيمنة. والاختيار بين عدسة "التحرّر" وعدسة "الواقعية الجيوسياسية" سيحدّد شكل المستقبل في أوروبا الشرقية، وامتداد القيم الديمقراطية من عدمه.
عدسة التحرّر تُمكّننا من أن نرى بوضوح أن تقسيم أوكرانيا وفرض "الحياد" عليها باسم "الحلول الوسط" ليس حلاً على الإطلاق. تقديم الأرض والشعب الأوكرانيين لروسيا قطعةً بعد أخرى لا يُسمّى صنع سلام، بل هو تمكين لروسيا من تحقيق انتصار زاحف. كل يوم تمرّ فيه أوكرانيا خارج الناتو والاتحاد الأوروبي هو يوم إضافي تبقى فيه آمال روسيا بالسيطرة حيّة. وحده انضمام أوكرانيا إلى الناتو والاتحاد الأوروبي – وهو الخيار السيادي لغالبية ساحقة من الأوكرانيين – يمكنه أن يحمي البلاد من العدوان الروسي المتكرّر.
وإن استمرّ تعطيل عضوية أوكرانيا في الناتو من قبل الولايات المتحدة، وجرى التوصّل إلى وقف إطلاق نار، فإن على حلفاء أوكرانيا الآخرين تحمّل المسؤولية، بنشر عدد كافٍ من القوات الرادعة لمنع أي هجوم روسي جديد. وقد اقترح الرئيس زيلينسكي أن أكثر من 100 ألف جندي سيكونون ضروريين لذلك، وبدأت بالفعل محادثات بين المملكة المتحدة، وفرنسا، والسويد، وبولندا، ودول حليفة أخرى بهذا الشأن.
علينا ألّا نسمح للشراكة الناشئة بين الولايات المتحدة وروسيا أن تُضلّل الرأي العام العالمي باستخدام تعبيرات مُخفَّفة عن "الهواجس الأمنية الروسية" إزاء توسّع الناتو. كما لا ينبغي أن نسمح لعودة الهيمنة الإمبريالية تحت غطاء "مناطق النفوذ". فروسيا لا تدافع عن أمنها، بل تنتزع أمن الآخرين وحرّيتهم. ما تطمح إليه موسكو ليس "نفوذًا ناعمًا" بل تدخّلاً عنيفًا، وولاءً يُنتَزع بالقسر.
لو اعتمدنا عدسة التحرّر اليوم، لأدركنا أن انتصار روسيا عبر القوة، والابتزاز النووي، والدعم الأمريكي قد يشكّل خطرًا على الحرية والديمقراطية في كل مكان. فالحكام المستبدّون الطامحون إلى التوسّع سيتّبعون نفس النموذج: استخدام القوة لتغيير الحدود أو غزو الجيران.
ولو نجحت روسيا، بمساعدة الولايات المتحدة، كما فعل سلفها السوفيتي، في إخضاع أجزاء من أوروبا، فسنشهد جيلاً جديدًا من الأكاديميين الغربيين يؤلّفون كتبًا تُبرّر هذه النتيجة، وتُطبعها في الوعي العالمي كأمر حتمي أو حتى إيجابي "من أجل استقرار النظام العالمي". وإن انهار الناتو – سواء تحت التهديد النووي الروسي أو نتيجةً للانقسامات التي يزرعها التدخل الروسي في سياسات دول الحلف – سيظهر من يُلقي باللوم على الناتو نفسه لأنه "توسّع أكثر مما ينبغي".
وسيتكفّل آخرون بشرح كيف أن الشعوب التي خضعت للسيطرة الروسية قد رحّبت بذلك في الواقع، لأسباب "تاريخية أو لغوية أو ثقافية أو اقتصادية". وسيردّ منظّرو العلاقات الدولية على من ينتقدون روسيا بوصفها عدوانية على نحو غير مسبوق، باتهامهم بالمثالية غير العلمية، قائلين إن لكل قوة عظمى مجال نفوذ مشروع، وروسيا ليست استثناء.
وحين تبدأ هذه الإمبراطورية الروسية الجديدة بالانهيار ذات يوم، سيكرّر صانعو السياسة في الغرب خطأ جورج بوش الأب في خطابه الشهير عام 1991 بـ"كييف الجبانة" (Chicken Kiev)، محذّرين الشعوب المُستعبَدة من "الوطنية الانتحارية".
هذه ليست مجرد تحذيرات تاريخية – بل مفترق طرق حقيقي يحدد إن كنّا سنكون شهودًا على انبعاث السلطوية التوسعية، أم مدافعين عن حرية الشعوب وحقها في تقرير المصير.
بعد مرور خمسة وثلاثين عامًا على عام 1989، نجحت دول أوروبا الشرقية في التخلص الكامل من الأنظمة الشيوعية المختلّة التي حكمتها لعقود. لكن مسار التحرّر من الإمبريالية الروسية لا يزال مستمرًا، بل مهدَّدًا بالانتكاس. فالمكاسب التي تحققت خلال العقود الثلاثة الماضية – في السيادة والحرية – قد تُمحى في غضون الأشهر الثلاثة القادمة، على يد روسيا الانتقامية المدعومة بديمقراطية أمريكية تتفكك.
لقد أوجد مفهوم "الانهيار" الذي ساد بين عامي 1989 و1991 وهمًا باللاعودة، وطمس حقيقة الخطر الداهم المتمثّل في انتعاش مشروع الهيمنة الروسية من جديد، وهو خطر يخيّم اليوم على أوروبا كلها. نحن الآن أمام احتمال خيانة جديدة لأوروبا الشرقية، وانقسام جديد للقارة: بين دول حرة ذات سيادة يحميها بعدها الجغرافي ومظلتها النووية، وبين دول محتلة أو خاضعة لسيطرة روسيا، تتحول تدريجيًا إلى "توابع" بلا قرار.
وفي قلب هذا المشهد القاتم، وحدها المقاومة الأوكرانية البطولية والفعّالة هي التي تقف اليوم في وجه الإمبريالية الروسية، وتحول دون زحفها، وتحمي بذلك أمن أوروبا بأسرها.
*ماريا بوبوفا أستاذة مشاركة في العلوم السياسية بجامعة ماكجيل، والمديرة العلمية لمركز جان مونيه في مونتريال. يستكشف عملها سيادة القانون والديمقراطية في أوروبا الشرقية. في عام ٢٠٢٤، شاركت في تأليف كتاب "روسيا وأوكرانيا: تاريخان متشابكان، دولتان متباعدتان" مع أوكسانا شيفيل.
المقال نشر أول مرة باللغة الانكليزية على موقع Eurozine بتاريخ 3 مارس 2025



