هل مجتمعاتنا حديثة؟
غالبا ما تطرح فكرة المجتمعات العربية “لا حداثية” كتشخيص علمي، لكنها في حقيقتها اختزال كسول يتهرب من تعريف الحداثة ليقفز إلى حكم معياري: إما أن تشبه المجتمعات العربية “النموذج الغربي” كما نتخيله، أو تُنفى خارج العصر الحديث. هذا الخطاب يقوم على خطأين متلازمين: يفهم الحداثة كحالة مكتملة لا كعملية تاريخية طويلة، ثم يفترض نموذجا واحدا لها ويحوله إلى معيار كوني.
إذا أخذنا الحداثة بجدية—كمسار بنيوي*، وكعلاقة متغيرة بين الدولة والمجتمع والسوق والمعرفة—فالسؤال المفيد لا يكون: هل نحن حداثيون؟ بل: أي نوع من الحداثة نعيش؟ ولماذا تتقدم حداثة ما في الإدارة والاقتصاد بينما تتعثر في السياسة والعدالة أو في المجال العام؟ هذا التحويل في السؤال يهدف إلى ضبط فهم الواقع : بدل أن نعلن “نقصا حضاريا” عاما، نحلل البنية التي تنتج تقدما في جانب وانسدادا في جانب آخر.
نقطة البداية هي تعريف المجتمع. ببساطة، المجتمع هو شبكة علاقات مُتمأسسة تربط الأفراد ببعضهم عبر قواعد وأدوار وتوقعات مستقرة نسبيا. حين نعامل المجتمع كتجمع بشري أو كمخزون عادات، ننتج ثنائيات جاهزة وأحكاما انطباعية: هذا “تقليدي”، إذن هو “لا حداثي”. أما حين نفهمه كشبكة علائقية، فالشبكة هنا ليست مجرد اتصالات بل بنية لتوزيع الموارد والفرص والعقوبات، وفوق ذلك بنية لتوزيع القدرة التنظيمية نفسها: من يملك أن يحول علاقات الناس إلى قواعد نافذة؟ ومن يملك أدوات فرضها أو تحفيز الالتزام بها أو شرعنتها؟
بهذا المعنى، يصبح المجتمع سؤالا عن السلطة والتنظيم: كيف تُنظم العلاقات داخل الشبكة؟ من يضع القواعد ويفرضها بالقسر أو الحوافز أو الشرعية؟ وبأي مؤسسات تُحول الموارد إلى سلطة (قانون، إدارة، سوق، نقابات، شبكات وساطة)؟ وكيف تُنتج المعاني بوصفها جزءا من أدوات الحكم نفسها، فتمنح التنظيم قبولا أو تفتح عليه باب المقاومة؟ هذه الشبكة ليست معطى ثابتا، قواعدها تُنتج وتُنازع وتُعاد صياغتها عبر تسويات وصراعات متواصلة حول من يملك حق التعريف، وحق التنظيم، وحق التوزيع.
الحداثة ليست صفة للمجتمع وحده ولا للدولة وحدها، بل نمط علاقة بينهما. من دون هذا الربط، من السهل إنزلاق التحليل إلى إثبات “حداثة الدولة” وحدها أو الوقوف عند “ثقافة المجتمع” وحدها.
من المضلل، الحديث عن مجتمعات معاصرة بوصفها ‘ثقافات منفصلة’ خارج منطق الحداثة المؤسسي؛ وذلك مع الإقرار بوجود تفاوت وعدم تكافؤ حداثي، ويعكسه وجود تناظمات متباينة قد تتعايش أو تتصارع داخل المجتمع الواحد. ما نعاينه اليوم أن المجتمع هو بنية علائقية تتكثف في مؤسسات وقواعد وشرعيات: علاقات سوق وعمل وقرابة وهجرة وتعليم وإعلام، تتوسطها الدولة والقانون والمدرسة ونظام حقوق الملكية، وتشرعنها سرديات هوية ومعايير عدالة ومصلحة عامة.
التغيير الاجتماعي ليس حدثا يقع مرة واحدة، هو صيرورة مستمرة تصيب طبقات متداخلة: طبقة العلاقات العملية في الحياة اليومية، وطبقة المؤسسات التي تلزم وتوزع الموارد وتضبط، وطبقة الشرعية والمعنى التي تعطي النظام الاجتماعي لغته الأخلاقية ورموزه. ووصف مجتمع بأنه “حديث” يفترض أن هذه الطبقات تعرضت لإعادة تركيب بنيوية: تغير في شروط العيش والعمل، وفي أدوات الدولة وقدراتها، وفي طريقة إنتاج المعرفة والانتماء والشرعية. لهذا تبدو أحكام “اللاحداثة” سطحية حين تختزل في طبقة الرموز والعادات وحدها وتتجاهل التحولات العميقة في العلاقات والمؤسسات، بدل تحليل نمط الحداثة الفعلي وتفاوتاته داخل تلك العلاقات والمؤسسات والشرعية.
على هذه الخلفية، يمكن قراءة الحداثة كبنية لا كمظهر عبر ثلاث آليات تساعد على ضبط المفهوم بدل تركه معلقا في الهواء.
الآلية الأولى هي فك الارتكاز وإعادة ربط العالم عبر مؤسسات عابرة للمكان: تنظيم الزمن والمكان بحيث تُربط العلاقات بما يتجاوز محليتها الضيقة، ويتيح إدارتها بواسطة أنظمة مجردة كالمال والقانون والبيروقراطية والخبرة التقنية. هذا لا يجعل المجتمع “أكثر حرية” بالضرورة، لكنه يجعله أكثر مؤسسية وأعلى تنظيميا و قدرة على المراقبة. (غيدنز) فالأسر التي تعتمد على الأجور والتحويلات البنكية، تمر معاملاتها عبر عقود عمل، وبطاقات دفع، وأنظمة مصرفية، وخدمات رقمية. بل أن الروابط اليومية—من العمل إلى الاستهلاك—متصلة بشبكات تتجاوز الحي والقرابة، وتخضع لقواعد مُجردة لا لشخصنة العلاقات.
الآلية الثانية هي قابلية المجتمع للرؤية الإدارية: الدولة الحديثة لا تحكم مجتمعا معقدا كما هو؛ غالبا تعيد تبسيطه ليصبح مقروءا عبر سجلات وتعداد وخرائط ومعايير وأسماء ثابتة ووحدات قياس. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل ما يحول السكان والموارد إلى “موضوع إدارة” يمكن جبايته وتجنيده وضبطه. لكن هذا “المقروء” لا يُصنع بلا كلفة: فالتبسيط هو إعادة هندسة اجتماعية باسم “العقلانية”. (جميس سكوت) السجل المدني، والرقم الوطني/الهوية، والتعداد، وتقنين العناوين، وخرائط الملكيات، ومعايير الأسماء والوثائق—كلها تجعل المجتمع قابلا للعد والفرز والتصنيف، وبالتالي قابلا للإدارة: من الضرائب إلى الخدمة العسكرية إلى توزيع الخدمات والرقابة.
الآلية الثالثة هي المجال العام بوصفه بنية تواصلية-مؤسسية: وجود تعليم وإعلام لا يعني تلقائيا وجود فضاء عمومي فعال، فالمجال العام ليس مجرد تداول كلامي، بل بنية تتكون فيها فكرة «الرأي العام» عبر نقاش قابل للتحول إلى ضغطٍ سياسي ومساءلة، وهو فضاء من الممكن أن يُفتح أو يُسيج. (هابرماس) في الحالة العربية يضعف تشكل “رأي عام” قادر على المحاسبة حين تكون الصحافة، والتنظيمات المهنية، والجمعيات خاضعة للترخيص والرقابة—حتى لو تضاعف الاستهلاك الإعلامي. ويضعف أكثر حين تخضع المنصات للمراقبة والحجب و”الجيوش الإلكترونية”، أو تديرها خوارزميات تكافئ الاستقطاب وتضيق المساحة المشتركة للنقاش العمومي. إلا أن هذه القيود لا تُنهي النقاش بقدر ما تقطع سلاسله: من تداول حر إلى رأي عام، ومن رأي عام إلى تنظيم، ومن تنظيم إلى مساءلة مؤسسية.
لذلك لا يكون من الدقة القول “غياب المجال العام”، بل في توصيفه كـمجال عام مُجزأ وتنافسي: توجد نقاشات وفضاءات وأحيانا «فضاءات مضادة» نشطة—لكن الحلقة التي تجعل التواصل يتحول إلى رأي عام مستقر ثم إلى تنظيم ثم إلى مساءلة مؤسسية غالبا معطلة. المشكلة ليست ندرة الكلام، بل ضعف شروط الاستقلال والتمثيل.
بوضع هذه الآليات معا، يصبح وصف المجتمعات العربية بـ“اللاحداثة” تشخيصا شاملا غير دقيق أكثر منه توصيفا تحليليا محكما. فحين تعمل المجتمعات—بدرجات متفاوتة—وفق آليات نزع الارتكاز، والمقروئية الإدارية، وتشكل المجال العام أو تسييجه، فهي داخل الحداثة بوصفها منطقا مؤسسيا، وإن بصورة غير متكافئة. والذين يصرّون على “اللاحداثة” يقعون في خطأين منهجيين:
أولا لأن الحداثة ليست نموذجا واحدا، بل لها تجسدات متعددة. يحرر اقتراح إيزنشتادت لمفهوم “تعدد الحداثات”* النقاش من معيار الاستنساخ. الحداثة أفق عالمي، إلا أن أشكالها تتشكل عبر برامج ثقافية وصراعات تاريخية مختلفة، لا عبر نسخة معيارية واحدة، غربية بالضرورة. ولهذا لا يصح قياس الحداثة بميزان واحد هو الليبرالية السياسية. ليس المقصود نسبية رخوة تحول كل شيء إلى حداثة، لأن التعدد لا يلغي حدا أدنى مشترك للحداثة (الدولة، السوق، الخبرة، الشرعية، والأنظمة المجردة)، لكنه يفرض أن تُقاس الحداثة بتركيب هذه العناصر وتوزيعها، لا بدرجة التشابه مع نموذج واحد. ما يعني أن معيار القياس يتغير: بدل المقارنة السطحية مع الغرب، نفحص منطق اشتغال الدولة والسوق والمعرفة والشرعية داخل كل سياق.
وثانيا لأن حكم “اللاحداثة” يخلط عادة بين الزمن القصير والزمن الطويل بحسب تعريفات بروديل* للزمن التاريخي. التعثر السياسي أو الأزمة الاقتصادية لا يبرران حكما ميتافيزيقيا عن “الخروج من الحداثة”. كثير مما شهدته المنطقة—بناء الدولة، تعميم التعليم، التحضر، توسع الاقتصاد النقدي—تحولات تعمل على المدى الطويل ولا تلغى بتقلبات عقد أو عقدين.
المشكلة ليست أن هذه المجتمعات “خارج الحداثة”، بل أن من يطلق هذا الحكم يخلط بين سؤالين مختلفين: هل دخل المجتمع مسار التحول البنيوي؟ أم هل حقق النسخة الليبرالية الغربية للحداثة؟ حين يمزج السؤالان يصبح “غير حداثي” مجرد طريقة لإعلان عدم التطابق مع نموذج واحد.
عندما نقرأ التحولات على أساس بنيوي بدل الانطباعات، تظهر صورة أكثر واقعية. ماديا واقتصاديا، سنجد تحضر واسع، وشبكات نقل واتصال، واقتصادات نفط وخدمات في بعض البلدان وتصنيع جزئي في أخرى، وتكثف في الاستهلاك، وتعميق في الاندماج بالسوق العالمية. وسواء كان الاندماج تابعا أو غير متكافئ، فهو جزء من الحداثة لا نقيضها، لأن الحداثة ليست “تقدما داخليا” فقط بل موقعا داخل نظام عالمي رأسمالي يوزع الامتيازات والتبعية. أما سياسيا ودولتيا تشكلت دول مركزية بأجهزة إدارية وقانونية وعسكرية، ودساتير وقوانين مكتوبة، وبيروقراطيات تسير الشأن العام—وهذا بالضبط ما يجعل وصف “ما قبل الدولة” أو “اللاحداثة” مراوغة فكرية، رغم أن وجود الدولة الحديثة لا يعني نجاحها، والبيروقراطية قد تكون حداثية شكليا ويهيمن عليها منطق شخصاني أو زبائني، وتطبيق القانون المكتوب انتقائي. وأخيرا ثقافيا ومعرفيا لا يمكن إنكار تشكل تخيل اجتماعي جديد، تصور جديد لماهية المجتمع وما الذي يحق للفرد توقعه من الدولة، وما معنى العدالة والكرامة والتمثيل. هذا التحول لا يحدث دفعة واحدة ولا يكتمل بصورة خطية، لكنه قائم ويعاد إنتاجه في اللغة والتعليم والإعلام والسرديات الوطنية.
ومع ذلك، لا يكفي الاعتراف بأن المجتمعات العربية دخلت مسار التحول البنيوي. ولا ينبغي أن يوقعنا في فخ معاكس، أي تحويل “الحداثة” إلى جردة إنجازات—مدن، جامعات، وزارات—وكأن المشكلة محلولة. لهذا من الضروري تثبيت تمييز دقيق بين التحديث والحداثة، ثم تفكيك هذا التمييز نفسه حتى لا يتحول إلى ثنائية مضللة من نوع “لدينا تحديث بلا حداثة”.
يشير التحديث إلى إدخال ترتيبات تقنية وتنظيمية، بنى تحتية ومدارس وبيروقراطيات ورقمنة وأنظمة إدارة. أما الحداثة فهي شرط اجتماعي أوسع، إعادة تركيب علاقة الدولة بالمجتمع، وتحول أنماط العمل والمعرفة والشرعية، وتبدل خبرة الزمن والمكان، وصعود أنظمة مجردة تربط الناس بشبكات تتجاوز محليتهم. بهذا المعنى قد يحدث تحديث واسع دون أن ينتج بالضرورة انفتاحا سياسيا أو عدالة اجتماعية، لأن الحداثة ليست مرادفا تلقائيا للديمقراطية، إنها أيضا اتساع القدرة المؤسسية على التنظيم والمراقبة وإدارة المخاطر، وأحيانًا على إعادة إنتاج اللامساواة بأدوات أكثر انضباطا.
يربط تحليل تيموثي ميتشل* النقاش كله ببعضه ويمنعه من التعميم. لا يحصر ميتشل سؤاله: هل لدينا أدوات حديثة؟ بل يعمق السؤال: بأي تقنيات تنظيم وتمثيل وخبرة تصنع صورة الدولة الحديثة ذاتها، وتصنع معها الحداثة بوصفها ترتيبا يبدو طبيعيا ومحايدا؟ في حديثه عن “أثر الدولة”، يبين أن الدولة ليست جوهرا قائما فوق المجتمع ثم نقيسه، بل تأثير يُنتج عبر ممارسات تفصل ظاهريا بين الدولة والمجتمع وتجعل الأولى تبدو كيانا خارجيا محايدا، بينما هي متغلغلة في تفاصيل التنظيم اليومي: التخطيط، التسجيل، الضبط، إنتاج المعلومات، تحويل المشكلات إلى ملفات، ثم تقديم الحلول باعتبارها إجراءات تقنية لا خيارات سياسية. وهكذا فأن التحديث الإداري ليس مرحلة ما قبل الحداثة ولا مجرد أدوات، إنه من صميم الحداثة بوصفها صناعة لفصل متخيل بين جهاز “يحكم” ومجتمع “يُحكم”.
في كتابه عن “استعمار مصر” يقدم ميتشل مفهوم “التأطير” كجسر حاسم بين التحديث والحداثة: المسألة ليست أن الاستعمار جلب مؤسسات فقط، بل أنه رسخ طريقة حديثة لرؤية العالم وترتيبه، جعل الواقع الاجتماعي يظهر كمشهد قابل للعرض والضبط والقياس، من تنظيم الفضاءات إلى هندسة الحشود والتعليم والانضباط. وحين يعاد ترتيب المدينة بمنطق النظام والتمثيل، يتحول المكان من خلفية للحياة إلى جزء من جهاز الحكم، ولا تعود الحداثة في هذا السياق مجرد“قيم”، بل نمط ترتيب يربط المعرفة بالسيطرة ويحيل المجتمع إلى كيان قابل للإدارة.
يسمي ميتشل هذا المنطق في كتابه “حكم الخبراء” بالتكنو–سياسة. تتقدم الحداثة أحيانا عبر تحويل الصراع السياسي من ساحة الاولويات والعدالة إلى ساحة المسائل التقنية التي يديرها خبراء—الري، الصحة، الزراعة، الملكية، الدين العام، التنمية، المؤشرات—فتبدو القرارات حقائق علمية لا خيارات سياسية قابلة للمساءلة. التكنو–سياسة ليست سياسة أقل، بل سياسة أكثر مهارة في التنكر. عندما تتحول الأولويات إلى مؤشرات كمية، والحقوق إلى إجراءات، تُسحب السياسة من التداول العام لا بإلغائها، بل بإعادة صياغتها بلغة الخبرة، هكذا نفسر كيف يمكن لمجتمعات أن تعرف تحديثا كثيفا وتظل فقيرة في المجال العام والتمثيل.
بهذا الإدراج يتغير معنى التمييز بين التحديث والحداثة. ويصير السؤال: أي حداثة ينتجها التحديث عندما يتحول إلى تقنيات حكم وخبرة؟ قد ينتج حداثة تمثيل ومساءلة، وقد ينتج حداثة ضبط ومراقبة، وقد ينتج الاثنتين معا في تركيب متوتر. والأهم أن هذا الإطار يمنع الوقوع في تفسير ثقافوي سهل، لأنه ينقل مركز الثقل من “العقلية” إلى طريقة تشكل السلطة والمعرفة، وكيف يصنع “حياد” التقنية كجزء من ممارسة الحكم. وهو يكمل، في الوقت نفسه، أفكار مثل “قابلية المجتمع للرؤية الإدارية” عند سكوت. الدولة لا تحكم فقط لأنها تمتلك القوة، بل لأنها تبسط الواقع وتُعيد تصنيفه ليصبح مقروءا وقابلا للتدخل؛ وميتشل يضيف أن هذه القراءة لا تنتج إدارة فحسب، بل تنتج “أثر الدولة” ككيان يبدو منفصلا وشرعيا ومحايدا.
تصوير الحداثة كمشروع من أعلى—دولة وخبراء وتقنيات— يظل نصف الصورة فقط. فالمجتمع ليس مادة خام تُهندس بلا رد. أدوات القابلية للرؤية التي تجعل السكان والموارد قابلة للقياس والتدخل، تنتج في المقابل تكتيكات يومية تربك هذا القياس: اقتصاد غير رسمي يلتف على القواعد، عمران ذاتي يعيد تشكيل المدينة خارج خرائط التخطيط، شبكات قرابة وجوار تتحول إلى بنية رعاية وتوظيف وتفاوض، ومسارات هجرة وتحويلات مالية تعيد توزيع الموارد خارج قنوات الدولة. بهذه الممارسات والتي قد تكون صامتة أكثر، تصاغ الحداثة على الأرض مجددا، لا بوصفها نموذجا جاهزا، بل بوصفها تفاوضا دائما بين مشروع الضبط وبين حاجات العيش.
هذه النقطة تفتح السؤال: لصالح من تعمل هذه الحداثة؟ فالتكنو-سياسة لا تنزع السياسة من التداول فقط، إنها غالبا تعيد توزيعها طبقيا. حين تتحول القرارات إلى مؤشرات وشروط أهلية وتقارير خبراء، يصبح من يملك اللغة والمؤهلات والمؤسسات أقدر على المرور والاستفادة، فيما يدفع الآخرون إلى هامش “الإدارة” لا إلى قلب “المواطنة”. وحين تصبح الدولة أكثر قدرة على الرؤية، تصبح أيضا أكثر قدرة على الفرز: من يعترف به كفاعل اقتصادي وقانوني، ومن يترك في منطقة رمادية قابلة للتأديب عند الحاجة. هنا تظهر حداثة عربية ليست خارج العصر، بل داخل العصر بأشكال حديثة من اللامساواة تُنتجها تقنيات الحكم نفسها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقرأ هذه الديناميات بوصفها شأنا “داخليا” صرفا: شكل الحداثة نفسه يتكون داخل الاندراج في اقتصاد عالمي رأسمالي يوزع الامتيازات والتبعية، ويؤثر في أنماط التنمية، وحدود السياسة، وأدوار الخبراء، وحتى في ما يُقدم بوصفه “ضرورة تقنية”. كما أن المفاهيم التي صيغت في التجربة الأوروبية نافعة لتشخيص آليات التنظيم والضبط، لكنها ليست كافية وحدها لفهم حداثات غير أوروبية تتشكل في تاريخ استعماري/ما بعد استعماري مختلف، أي إن المطلوب تفكيك مركزية النموذج دون الوقوع في نسبية رخوة.
لذلك لا يكفي أن نسأل: أي حداثة هذه؟ بل يجب أن نضيف: ما إمكانات تحويلها؟ والجواب لا يعود إلى تمنيات أخلاقية، بل إلى شروط مؤسسية: مجال عام قادر على مساءلة الخبرة بدل تقديسها، قانون عام لا انتقائي، سياسات اجتماعية تقلص كلفة “الكفاءة” على الفئات الأضعف، وإدماج سياسي يجعل التقنية موضوعا للنقاش لا ذريعة لإسكاته. بهذا المعنى، النقد ليس إنكارا للحداثة العربية، بل محاولة لتحديد كيف تتحول من حداثة ضبط إلى حداثة مواطنة.
الخلاصة ليست دفاعا عن المجتمعات العربية ولا جلدا لها. هي إعادة ضبط للمفاهيم: حين نصف مجتمعا بأنه “حديث” أو “غير حديث”، لا يكفي أن نعد المدارس والطرق والوزارات. يجب أن نسأل عن تقنيات الحكم التي رافقت هذا التحديث: هل حولت السياسة إلى خبرة؟ هل صنعت الدولة ككيان فوق المجتمع عبر شبكات معلومات وانضباط وتمثيل؟ هل أنتجت حداثة توسع المجال العام أم حداثة تحسن الإدارة وتضيق المساءلة؟
عند هذه النقطة، يتحول السؤال من امتحان هوية إلى تحليل بنية، بدل “هل نحن حداثيون؟” يصبح السؤال الأكثر دقة والأكثر إلحاحا* هو: أي حداثة هذه، ولصالح من تعمل؟
===
هوامش:
*وجود مؤسسات (قضاء، ضرائب، سجلات، إدارة) لا يكفي لتعريف الحداثة، فالمأسسة ظاهرة تاريخية قديمة. ما يميز الحداثة (بالمعنى السوسيولوجي السياسي) كنمط حكم هو تحول نوعي في شكل التنظيم، يتميز بأربع خصائص نوعية:
التجريد والتوحيد القياسي للأسماء والملكية والقانون والقياس على نطاق سكاني واسع،
الحكم عبر المعرفة والإحصاء والخبرة بوصفها أدوات لإدارة السكان،
تعميم العضوية القانونية-السياسية ، يتحول الفرد من رعية إلى شخص قانوني له هوية وحقوق/واجبات وقابلية للعد والفرز كفرد،
قدرة الدولة البنيوية على تنفيذ قراراتها عبر الإقليم بواسطة شبكات الجباية والسجلات والخدمات والاتصال والتعليم.
قد تمتلك إمبراطوريات ما قبل الحداثة مؤسسات، لكنها لا تمتلك بالضرورة نمط الحداثة المؤسسي الذي يصنع مجتمعا ‘مقروءا’ وقابلا للإدارة المستمرة.”
على سبيل المثال امتلكت الدولة العثمانية مؤسسات، لكن حكمها كان يقوم على:
تعددية قانونية وعُرفية ومجالات امتياز (تداخل شرع/عرف/ملل/امتيازات محلية).
حكم غير مباشر (وسطاء محليون، التزام/جباية وساطة، تفاوض دائم على التنفيذ).
مستويات أضعف من التوحيد القياسي والمقروئية الشاملة مقارنة بالدولة الحديثة التي تبني تعدادا مستمرا ومسحا عقاريا عاما ومعايير ثابتة للأسماء والعناوين والوثائق (حتى لو بدأت محاولات تحديث متأخرة في القرن 19).
* أنطوني غيدنز (Anthony Giddens) هو عالم اجتماع بريطاني من أبرز منظّري أواخر القرن العشرين. اشتهر أساسا بمشروعين مترابطين: نظرية “التشكيل البنيوي” (Structuration) لحل عقدة “البنية/الفاعل”، ثم تشخيص الحداثة بوصفها ترتيبا مؤسسيا يعيد تنظيم الزمن والمكان والثقة والمخاطر على نطاق عالمي. كان أيضا شخصية مؤثرة (شارك في تأسيس Polity Press، وتولى إدارة LSE أواخر التسعينات).
غيدنز لا يعرف الحداثة باعتبارها تقدما أخلاقيا أو عقلانية مجردة، وإنما يراها نمطا من التنظيم الاجتماعي يقوم على مؤسسات وآليات تعمل “عن بعد”: قانون، مال، بيروقراطية، خبرة، شبكات اتصال… وهي ما تجعل الحداثة قادرة على إنتاج حياة يومية مختلفة جذريا. غيدنز يرى الحداثة تفك الارتكاز المحلي (disembedding) ثم تربط العلاقات عبر وسائط مؤسسية، وذلك عبر رفع العلاقات الاجتماعية من سياقات تفاعل محلية وإعادة تشكيلها عبر امتدادات غير محددة من الزمان والمكان. ما يؤدي إلى تغير في طبيعة الثقة والالتزام والتبادل.
يشرح غيدنز فك الارتكاز بأنه يعتمد على أنظمة مجردة (abstract systems). أهمها نوعان:
وسائط رمزية قابلة للتداول (symbolic tokens) مثل المال الذي يتيح تبادل القيمة مع غرباء دون علاقة شخصية.
أنظمة خبرة (expert systems): شبكات معرفة مهنية/تقنية (طب، هندسة، مصرفية، محاسبة، معايير جودة…) لا نحيط بتفاصيلها لكن حياتنا تعتمد عليها.
حين تصبح حياتنا معتمدة على أنظمة مصرفية وقانونية وخبرات تقنية، نضطر لبناء ثقة معممة في النظام (أو على الأقل التعامل معه كما لو كان موثوقا). وهذا يخلق مفارقة، فالحداثة توسع إمكانات الفعل عبر المسافة، لكنها تجعل الناس أكثر اعتمادا على “مؤسسات لا يفهمونها بالكامل”. هذا أحد أعصاب تشخيصه للحداثة.
يصر غيدنز على أن الحداثة لها نزعة عولمية، فالمؤسسات الحديثة تنتشر وتتداخل عبر الحدود بفعل تمدد الزمان/المكان والأنظمة المجردة. لذلك لا يمكن فهم حداثة أي مجتمع معاصر كقصة داخلية مغلقة.
يمنح تحليل غيدنز المقال الاساس لمعيار بنيوي لا ثقافوي، يسمح بالقول أن المجتمعات العربية تتحرك داخل منطق حداثي من حيث آليات الربط والتنظيم حتى لو كانت المخرجات غير متكافئة.
* جيمس سي. سكوت (James C. Scott) عالم سياسة وأنثروبولوجي أميركي يُعد من أهم من درسوا كيف تعمل الدولة الحديثة كآلة “تبسيط” وإدارة، وكيف يقاوم الناس هذا التبسيط عمليا. ترك أعمالا صارت مراجع كلاسيكية مثل كتابه (Seeing Like a State) الذي قدم فيه أطروحة مؤثرة واحدة عن علاقة الحداثة الإدارية بالسلطة، إلى جانب أعمال أخرى عن الفلاحين والاقتصاد الأخلاقي وأشكال المقاومة اليومية مثل كتابه أسلحة الضعفاء (Weapons of the Weak) والهيمنة وفنون المقاومة (Domination and the Arts of Resistance).
* يقصد عالم الاجتماع شموئيل ن. إيزنشتادت (Shmuel Noah Eisenstadt) بـ«تعدد الحداثات» أن الحداثة ليست قالبا تاريخيا واحدا نشأ في الغرب ثم يُستنسَخ كما هو في بقية العالم، بل هي أفق عالمي من التحديات والبنى (تشكل الدولة الحديثة، توسع الاقتصاد النقدي/السوق، ترسخ البيروقراطية، تصاعد دور المعرفة/الخبرة، وأنماط جديدة لإنتاج الشرعية)، غير أن التحقق الفعلي لهذا الأفق يأتي في صيغ متباينة لأن كل مجتمع يعيد تركيب “البرنامج الثقافي للحداثة” وفق تاريخه وصراعاته وبُنى سلطته: ما معنى الفرد والحق؟ ما موقع الدين؟ كيف تُبنى الأمة؟ وما حدود المحاسبة؟ لذلك تظهر حداثات ليبرالية وأخرى سلطوية/تكنوقراطية/قوموية… وكلها حديثة بمعنى اشتغالها داخل المنطق المؤسسي للحداثة، لكنها تختلف في بنية التنظيم ولغة التبرير وأنماط الصراع والمساءلة.
وفي الوقت نفسه لا يتحول المفهوم إلى نسبية مفتوحة، لأن إيزنشتادت يفترض وجود نواة مشتركة للحداثة (أنظمة مجردة، دولة/سوق/خبرة، وصيغ شرعية عامة) مع اختلافات حاسمة في كيفية تركيبها تاريخيا وتوزيعها اجتماعيا.
*يُميز المؤرخ فرنان بروديل (Fernand Braudel) بين طبقات للزمن التاريخي تتحرك بإيقاعات مختلفة:
زمن الحدث: ذو إيقاع سريع (انتخابات، انقلاب، حرب، أزمة مالية، انهيار حكومة…)، هذا هو الزمن القصير الذي يملأ الأخبار.
زمن الظرف/الدورة (أو المدة المتوسطة): زمن إيقاعه أبطأ (دورات اقتصادية، تحولات ديموغرافية، موجات تحضر، تغيرات في بنية سوق العمل… ) عادة يمتد لعقود.
الزمن الطويل: ذو إيقاع بالغ البطء. فيه تشكل البنى العميقة المجال الممكن —نمط الدولة، علاقات الملكية، أنظمة التعليم، البنية الحضرية، أنماط الاندماج بالسوق العالمية…) يمتد لعقود طويلة أو قرون.
فكرة بروديل الأساسية: لا تفهم الحدث إلا بوضعه داخل هذه الأزمان الأبطأ التي تغلفه وتحد من معانيه.
بناء على هذا التمييز، فإن أحكام “اللاحداثة” تقع في خلط منهجي حين تحول تعثرا سياسيا أو أزمة اقتصادية (زمن قصير) إلى حكم كلي عن “الخروج من الحداثة”، متجاهلة أن تحولات مثل بناء الدولة وتعميم التعليم والتحضر وتوسع الاقتصاد النقدي تعمل على المدى الطويل ولا تُلغى بتقلبات عقد أو عقدين.
* تيموثي ميتشل منظر سياسي ومؤرخ يعمل أستاذا في جامعة كولومبيا، وتدور أبحاثه حول: موقع الاستعمار في صنع الحداثة، والسياسة المادية-التقنية في الشرق الأوسط، وكيف تتحول “المعرفة الخبيرة” (الاقتصاد، الإحصاء، التخطيط، الهندسة، الصحة… إلخ) إلى أدوات لحكم الحياة الجماعية.
ما يميز مشروعه أنه لا يتعامل مع الدولة بوصفها جوهرا قائما فوق المجتمع، بل كأثر ينتج عبر ممارسات تنظيمية وتمثيلية تجعل “الدولة” تبدو ككيان خارجي محايد بينما هي متغلغلة في تفاصيل التسجيل والقياس والتخطيط والتصنيف وصناعة الملفات. هذه الفكرة تظهر بوضوح في عمله “أثر الدولة” (The Effect of the State)، وتترجم تاريخيا في كتابه استعمار مصر (Colonising Egypt) حيث يشرح كيف يعمل “التأطير” (framing) بوصفه طريقة حديثة لرؤية الواقع وترتيبه بحيث يغدو المجتمع قابلا للعرض والضبط والقياس، لا مجرد إدخال مؤسسات “حديثة”.
ثم يوسع هذا المنظور في حكم الخبراء (Rule of Experts) عبر مفهوم التكنو–سياسة (techno-politics): أي كيف تدار الصراعات الاجتماعية والسياسية عبر لغة الخبرة والمعايير والمؤشرات، فتبدو قرارات الحكم “حلولا تقنية” لا خيارات سياسية قابلة للمساءلة. وفي أعمال لاحقة مثل ديمقراطية الكربون (Carbon Democracy) يبيّن كيف تشكل البنى المادية للطاقة (فحم/نفط) شروطا لِما يمكن اعتباره “ديمقراطية” أو “استقرارا” أو “قابلية للحكم”، رابطا السياسة بالبنى التقنية لا بالشعارات وحدها.
*يشير برهان غليون إلى أن “ما تعيشه مجتمعاتنا من عنف وتخبط واقتتال هو ثمرة حداثة مشوهة ومعدومة الاتساق، و ليس ثمرة التراث أو تقاليد الماضي. نحن عرفنا الحداثة في عدة صور كلها سلبية.” ويضيف “عرفناها أولا في صورة الاستعمار. فقد دخلت الحداثة في البلدان العربية من الخارج وبشكل أساسي عن طريق الاستعمار ، هذا واقع لا يمكن ان نتجاهله. وهذا ما أعطى للحداثة سمة معينة. ثم عرفناها ثانيا من خلال الدولة البيروقراطية والنخب المنفصلة عن الجماهير والمتغربة. فجاءت في إطار العنف والإكراه والتسلط، وليس في سياق تحرر الفرد وانعتاقه.” ويخلص إلى أن “ليس هناك إذن شيء اسمه الحداثة، كنموذج جاهز وثابت ونموذجي، يكفي أن ناخذ به حتى نصبح حديثين. مشكلتنا نحن، في العالم العربي. اننا ننظر الى الحداثة كما لو انها شيء مثالي ونموذجي. ولذلك عندما نرى ما هو مخالف لذلك في واقعنا نقول: نحن لسنا في الحداثة، نحن مازلنا في التقاليد والتراث، وهما سبب مآسينا. والحال أننا نعيش في قلب الحداثة، لكننا لا نريد ان نعترف بأعطابها وبالتالي لا نسعى إلى إصلاح عيوبها التي تتخبط فيها، مثلما فعل الآخرون، حتى صلح حالهم”.





