يطرح إرث يوهان غوتفريد هيردر مفارقة. أصبح الفيلسوف الذي دافع عن تعدد اللغات والثقافات وهاجم الكولونيالية والمركزية الأوروبية من أبرز المصادر الفكرية التي اعتمدت عليها الحركات القومية في القرن التاسع عشر. وفي التلقي اللاحق، تحولت اللغة من وسيط للتجربة التاريخية إلى أداة سياسية تُستخدم للفصل بين الأصيل والدخيل، كما تحول التراث الشعبي من سجل يعكس تنوع التعبير الإنساني إلى وثيقة تُستخدم لإثبات وجود أمة متجانسة.
وصف هيردر بأنه «أب للقومية» هو اختزال مضلل، كما لا يمكن تبرئته بالادعاء أن القوميين قد أساؤوا فهمه. التفسير الأول يفترض أن التاريخ اللاحق هو نتيجة كامنة في فلسفته منذ البداية، في حين أن التفسير الثاني يفصل بين المفاهيم وإمكاناتها السياسية. لذلك من الأدق التمييز بين ثلاثة مستويات: ما قصده هيردر في نصوصه، وما أتاحه قاموسه من إمكانات تأويلية، وما نتج عن توظيف هذا القاموس من قبل الحروب والمؤسسات والمثقفين بعد وفاته.
صاغ هيردر مفهوم الجماعة التاريخية بالتركيز على اللغة والذاكرة والعادات والأدب الشعبي، صياغته نقلت مركز الاهتمام من الدولة والسلالة الحاكمة إلى الشعب باعتباره صاحب عالم تاريخي خاص. لم تكن صياغة هيردر قومية بالمعنى السياسي الكامل، ولم يطالب بأن تمتلك كل جماعة لغوية دولة مستقلة. لكن صياغته وفرت عناصر أساسية نهل منها الخيال القومي الحديث، وأسهمت في تكوين المعجم الذي أصبح التعبير القومي ممكناً من خلاله.
هيردر في قلب حركة التنوير وليس خارجها
وُلد هيردر عام 1744 في مورونغن بشرق بروسيا ونشأ في أسرة بروتستانتية متواضعة. كان والده مرتلاً كنسياً ومعلماً. انتقل هيردر إلى كونيغسبرغ عام 1762 حيث درس الفلسفة واللاهوت، وحضر محاضرات كانط، وتأثر بيوهان غيورغ هامان الذي انتقد تصور العقل كملكة مستقلة عن اللغة والتاريخ والدين. توضح سيرته البيئة التي نشأ فيها سؤاله الجوهري حول كيفية تشكل الإنسان ضمن اللغة والتاريخ والجماعة وليس خارجها.
غالباً ما يصنف تاريخ الأفكار هيردر على الحد الفاصل بين التنوير والرومانسية، بوصفه ناقداً للعقلانية الكونية وممهداً للاحتفاء الرومانسي بالجذور والعاطفة والتراث الشعبي. يصبح هذا التصنيف مضللاً عندما يُقدَّم هيردر كخصم شامل للتنوير. فقد ظل ملتزماً بمفاهيم إنسانية تنويرية مثل التربية والإصلاح والحرية والتقدم الأخلاقي والسلام بين الشعوب وتكوين الإنسان القادر على الحكم الذاتي. اعتراضه كان موجهاً إلى نوع محدد من التنوير الذي يجعل من تجربة أوروبا معياراً وحيداً ويصنف الشعوب بناءً على قربها أو بعدها عن هذا المعيار. تشير الدراسات الحديثة إلى أن فكر هيردر يندرج ضمن خلافات التنوير حول الإصلاح والإمبراطورية والتجارة والفضيلة، وليس خارجها.
رفض هيردر الكونية الثاوية في مظهر الحياد. عندما يكتب مؤرخ أوروبي تاريخ البشرية من منظور باريس أو لندن ويقيس الحضارات بمدى اقترابها من تجربته، فإنه لا يتجاوز خصوصيته بل يحولها إلى قانون عام. في مواجهة هذا التصور كتب هيردر عبارته الشهيرة: «لكل أمة مركز سعادتها في ذاتها، كما لكل كرة مركز ثقلها». ليس المقصود أن كل ما تفعله جماعة ما صحيح أخلاقياً، بل أن معاني السعادة والفضيلة والكمال ترتبط بالظروف والاحتياجات والتجارب التي تشكلها. هيردر يرفض تقييم الراعي الشرقي والمواطن اليوناني والتاجر الحديث وفق نموذج واحد للحياة الجديرة بالعيش.
وكان لهذا التصور خصم واضح هو كانط. تبلور الخلاف بينهما حول الغائية والتقدم ووحدة الجنس البشري في مراجعته لكتاب هيردر «أفكار في فلسفة تاريخ الإنسانية» سنة 1785، ثم في رد هيردر عليه. رفض كانط القول إن لكل عصر قيمة مكتملة في ذاته، ورأى أن قدرات النوع الإنساني لا تتحقق كاملة في الأفراد أو الأجيال الحاضرة، وإنما تتكشف تدريجياً عبر تعاقب الأجيال. ووفق هذا التصور، يتحمل جيل أعباء التقدم من دون أن يجني ثماره، لأنها تظهر في حياة أجيال لاحقة. كما أبقى كانط تقسيم البشر إلى أعراق متمايزة داخل تصوره لتاريخ الطبيعة. بينما رفض هيردر التضحية بقيمة الأجيال الحاضرة لمصلحة غاية تاريخية مؤجلة، ورفض تقسيم البشرية إلى أصول عرقية ثابتة. ومن هذين الموقفين نشأ نقده للكولونيالية: فإذا لم تكن الشعوب مراحل دنيا في مسار تقدم واحد، ولم تكن الاختلافات البشرية تعبيراً عن مراتب طبيعية ثابتة، سقط الادعاء بأن من حق أمة أن تخضع غيرها باسم تمدينها أو دفع التاريخ إلى غايته.
مثلت هذه الحجة تحولاً جذرياً في فلسفة التاريخ. بدلاً من النظر إلى الماضي كنسخة ناقصة من الحاضر الأوروبي، دعا هيردر إلى فهم كل عصر من داخله من خلال لغته واحتياجاته وأشكال إحساسه ومفاهيمه عن الخير والسلطة والسعادة. من هذا المبدأ نشأت نواة التاريخانية الحديثة إلى جانب مساهمته في الهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا الثقافية.
يفتقر هذا الوصف إلى المفهومين اللذين يجعلان تعدد المسارات وأفق الإنسانية أمرين متلازمين لا متعارضين. الأول Kraft، القوة أو الطاقة التكوينية، وهو المفهوم الذي استعاره هيردر من فيزياء عصره وحوله إلى مبدأ في تفسير الحياة والثقافة معاً: كل كائن وكل جماعة تحمل دفعاً داخلياً يتحقق بصورة تحددها شروطه. من Kraft تستمد الاستعارة العضوية عند هيردر مضمونها؛ من دونه تبقى تشبيهاً بلاغياً. والثاني Bildung، التكوين، ويعني عنده صيرورة الكائن إلى ما تسمح به قوته في شروطها، لا تشكيلاً من خارج ولا انكشافاً لجوهر معد سلفاً.
بهذين المفهومين يتضح أن ما يبدو تذبذباً في فكر هيردر بنيةٌ لها منطقها: الشعوب تتعدد لأن الشروط تتعدد، وتتجه إلى Humanität لأن القوة واحدة في نوعها. وHumanität عنده ليست فضيلة أخلاقية عامة كما توحي الترجمة المتداولة، بل استعداد نوعي يتحقق تاريخياً في صور متمايزة، فلا وجود له خارج تعيناته الثقافية. الوحدة في المصدر والغاية، والتعدد في المسار.
لم تلغِ التاريخانية لديه الغائية بشكل كامل. ظل يتحدث عن تقدم طويل نحو العقل، متردداً في تحديد طبيعته واتجاهه. لذلك لا يستقيم تصوير التاريخ عنده سلسلة من الحضارات المغلقة، لكل منها مسار لا يتقاطع مع غيره، ولا سلماً واحداً تصعده الشعوب بدرجات متفاوتة نحو نموذج نهائي. الثقافات تتكون بتفاعلها مع بيئاتها ومع بعضها، ولكل منها شكلها في التعبير عن الإنسانية.
اللغة ليست علماً على الحدود
احتلت اللغة موقعاً مركزياً في مشروع هيردر، لم يعتبرها أداة خارجية تُستخدم بعد اكتمال التفكير، بل رأى أن التفكير ذاته يتشكل من خلال اللغة. فالإنسان لا يضع أفكاراً مكتملة داخل ألفاظ محايدة، بل يتعلم التمييز والتذكر والتصور عبر الكلمات. في رسالته حول أصل اللغة عام 1772، رفض هيردر تفسير اللغة كهبة إلهية جاهزة، ودافع عن نشأتها من القدرات الإنسانية الطبيعية والاجتماعية. وصف اللغة بأنها «عضو الفهم»، وربط تنوع اللغات بتنوع الظروف التاريخية التي تطورت فيها الجماعات البشرية.
تنطوي هذه الفكرة على نتيجة بعيدة المدى: لا توجد لغة بدائية تمثل عجزاً عن بلوغ لغة أكثر تقدماً. كل لغة تراكم خبرات جماعة، وتمنح المتكلمين بها طرائق مميزة في التصنيف والتذكر والتعبير. لا يعني ذلك أن اللغات سجون معرفية تمنع الترجمة أو التعلم؛ هيردر نفسه كان مترجماً وجامعاً لنصوص من تقاليد متعددة. المقصود أن الانتقال بين اللغات يتطلب فهم عالم من الاستعمالات والتجارب، لا استبدال علامات بعلامات.
يتجلى هذا المفهوم في مجموعة الأغاني الشعبية (الفلوكلور) التي جمعها هيردر ونشرها بين عامي 1778 و1779. لم تكن هذه المختارات قومية ألمانية خالصة، بل شملت مواد ألمانية واسكتلندية وإسكندنافية وعبرية وغيرها، بالإضافة إلى نصوص لشعراء معروفين مثل شكسبير وغوته. ما جمع هذه النصوص لم يكن الانتماء العرقي، بل حيوية التعبير وقربه من التجربة الإنسانية الحية. فـ«الشعبي» لديه يمثل فئة جمالية وإنسانية تتجاوز الحدود القومية مع الحفاظ على خصوصيتها.
أدت هذه الفلسفة إلى تحول جوهري، إذ رفعت الكلام الشعبي والأغنية والحكاية والعادة من مرتبة المادة الخام التي تهذبها النخبة إلى مرتبة الشاهد على قدرة الشعب على التعبير عن ذاته. قبل هيردر، كان التاريخ الأدبي يركز غالباً على المؤلفين الكبار والنماذج الكلاسيكية. أما بعده، أصبح من الممكن اعتبار الأغنية مجهولة المؤلف صوتاً لجماعة تاريخية كاملة. في ذلك تكمن الخطوة التي سيعمقها القرن التاسع عشر، حيث تحولت محاولة توسيع دائرة الإبداع الإنساني إلى بحث عن الصوت الأصيل للأمة.
هل قال هيردر حقاً بـ«روح الشعب»؟
ترتبط صورة هيردر في الأدبيات العامة بمفهوم Volksgeist أو روح الشعب، الذي يُقدَّم غالباً ككيان جمعي مستقل يمنح كل أمة جوهرها الثابت. يحتاج هذا التصور إلى مراجعة نقدية. توضح إيفا بيريميه أن المصطلح يرد عند هيردر متفرقاً، بلا الحمولة النظامية التي اكتسبها لاحقاً. المفهوم الجوهراني الذي يُنسب إليه صنعته المدرسة التاريخية للقانون مع سافيني، ثم رسخه هيغل حين جعل روح الشعب لحظة في تحقق الروح المطلق. أما هيردر فاعتمد غالباً Nationalgeist، أي الروح القومية، وNationalcharakter أي الطابع القومي، للدلالة على أنماط التفكير والعمل التي تتشكل تاريخياً داخل الجماعة.
يمثل هذا الفرق نقطة محورية في فكر هيردر. لا ينبع الطابع القومي وفقا لمنظوره من جوهر غامض سابق للتاريخ أو من الدم أو العرق، بل هو نتاج تفاعل اللغة والعادات وطرائق العيش والمناخ والمؤسسات والدساتير والذاكرة التاريخية. الشعوب ليست كيانات بيولوجية مستقلة، بل جماعات تتشكل من تفاعل أفراد أحرار نسبياً مع بيئتهم ومع بعضهم البعض. بناءً عليه الطابع الجمعي قابل للتغير والاستعارة وإعادة التكوين.
يبقى السؤال: ما الذي في هذا التصور يقاوم التجويهر فعلاً؟ عنصران. الأول أن الطابع القومي عند هيردر مُعلل، أي أنه ناتج عن شروط قابلة للتسمية والتتبع — مناخ ومعاش ولغة ومؤسسات — وكل ما هو معلل بشروط يتغير بتغيرها. الثاني أن الطابع مركب من طبقات لا تتزامن: لغة أقدم من الدستور، وعادة أقدم من الدين الرسمي، فلا يستقيم رده إلى مبدأ واحد. وما لا يقاوم التجويهر أن هيردر يتحدث عن الطابع القومي بصيغة المفرد، ويسند إليه أفعالاً كأنه فاعل، ويصفه بالسلامة والفساد. حين تُحذف طبقة التعليل ويبقى الفاعل المفرد، يكون الانتقال إلى الجوهر قد تم من غير حاجة إلى تحريف نصي.
يتسق هذا التصور مع رفض هيردر تقسيم الإنسانية إلى أعراق ثابتة. ففي كتابه “أفكار في فلسفة تاريخ الإنسانية”، انتقد استخدام مفهوم العرق لتقسيم البشر إلى أصول منفصلة وأكد وحدة النوع الإنساني. كما وجه للأوروبيين تذكيراً أخلاقياً بأن الأفارقة وسكان الأميركتين بشر متساوون معهم، وأن اختلاف اللون أو العادات لا يبرر القتل أو النهب أو الاستعباد. معارضته للكولونيالية مرتبطة بنقد معرفي لفكرة أن أوروبا تمثل عقل الإنسانية وأن إخضاع الشعوب مرحلة ضرورية في تقدمها.
هذا التصحيح لا يجعل فكر هيردر نموذجاً للتعددية المعاصرة الخالية من الإشكالات. فنصوصه تظهر فيها أوصاف أبوية للشعوب غير الأوروبية، وتصورات عن مراحل طفولة ونضج الحضارات، واستعارات طبيعية توحي بأن لكل جماعة مساراً خاصاً تحدده بيئتها وتاريخها. كما أن التركيز على اللغة والتراث المشترك قد يؤدي إلى تهميش الاختلافات الطبقية والدينية والإقليمية داخل الجماعة. كان هيردر أكثر وعياً بالتنوع الداخلي والتفاعل بين الثقافات مما تفترضه القراءة الشائعة، ولم يدعُ إلى حماية الجماعات من كل تأثير خارجي. كان رفضه موجهاً ضد الهيمنة التي تبرر المحو القسري باسم التمدين.
الشعب والدولة: إشكالية العلاقة في فكر هيردر
تزداد علاقة هيردر بالقومية تعقيداً عند الانتقال من المجال الثقافي إلى السياسي. تستند القومية الحديثة في أحد تعريفاتها الأساسية إلى مبدأ تطابق الأمة مع الوحدة السياسية. غير أن نصوص هيردر لا تقدم إجابة حاسمة حول تبنيه لهذا المبدأ.
أبدى هيردر ارتياباً تجاه الدولة المركزية البيروقراطية والعسكرية، واعتبر الدول الأوروبية الكبرى «آلات دولة» تفرض الوحدة على شعوب متعددة بالقوة، وتتعامل مع الأفراد كأجساد جامدة. لم يعتبر هيردر تنوع الشعوب مبرراً تلقائياً لتأسيس دولة مستقلة لكل شعب. رأى أن الأمم قادرة على الاستمرار دون دول مستقلة، وأن شرعية الدولة تعتمد على عدالة الحكم وقدرتها على خدمة المجتمع، وليس على التطابق العرقي أو اللغوي. بناء على ذلك، استنتج كل من دومينيك إيغل وأندريه ليبيتش وديبورا مانشيني-غريفولي أن هيردر لم يجعل من تنوع الأمم أساساً لإنشاء دول قومية متطابقة.
لا يُختزل موقف هيردر في استقلال ثقافي منفصل عن السياسة. تكشف تعليقاته على الثورة الفرنسية وتمييزه بين الشعب والدولة عن تصور للشعب كفاعل قادر على إعادة بناء مؤسساته وتغيير دستوره. لم يؤكد هيردر أن لكل شعب حقاً مطلقاً في دولة منفصلة، بل ربط بين التحرر الثقافي وإمكانية الحكم الذاتي والإصلاح السياسي. بناءً على ذلك، ترى بيريميه أن فكر هيردر يتضمن عناصر ثقافية وديمقراطية وسياسية من تقرير المصير، دون أن يصل إلى العقيدة القومية التي تعتبر الدولة المستقلة حقاً تلقائياً لكل جماعة.
يسهم هذا التمييز في إبراز الفارق بين هيردر وقوميي القرن التاسع عشر، إذ يرى أن الأمة أقدم وأشمل من الدولة، وأن الدولة مجرد أداة تاريخية قابلة للإصلاح أو الاستبدال، وليست التجسيد الأعلى لروح قومية. كما أن ولاء الفرد لجماعته لا ينفي انتماءه إلى الإنسانية. في كتاباته المتأخرة، تصور هيردر تعاون الشعوب ضمن فضاء أوروبي مترابط، وتحدث عن رابطة إنسانية وإمكانية تكوين اتحادات تتجاوز الدول دون إلغاء الجماعات التاريخية. يتجلى في أفقه تصور للكوزموبوليتية التعددية، حيث الإنسانية المشتركة لا تتطلب توحيد البشر في نموذج ثقافي واحد.
موضع الالتباس الحقيقي
المشكلة ليست في وجود عقيدة قومية مكتملة مخفية في نصوص هيردر، بل في التوتر بين مبدأين لم يُضبط توازنهما دائماً.
المبدأ الأول يتسم بالإنسانية والتحرر، يؤكد أن لكل شعب حقاً في أن يُفهم ضمن سياق تجربته الخاصة، ولا يجوز لأي حضارة أن تعتبر نفسها المعيار الوحيد أو تستخدم ادعاء التقدم لتبرير الكولونيالية. اللغة والتقاليد ليستا بقايا يجب إزالتها، بل مستودعان للمعنى وشرطان أساسيان لتكوين الإنسان.
أما المبدأ الثاني فهو تعبيري وعضوي، حيث تتشكل الجماعة من خلال لغة وذاكرة وعادات مترابطة، ويكتسب كل عنصر معناه ضمن الكل التاريخي. استعمل هيردر العضوية للدلالة على النمو والترابط، لا على الانغلاق. غير أن الاستعارة تحمل في تركيبها ما لا يتوقف على قصد مستعملها: للجسم حد يفصل داخله عن خارجه، ووظائف يؤديها كل عضو في موضعه، وحالتا صحة ومرض تسمحان بتشخيص الدخيل والفاسد. ليست هذه المعاني عوارض تلحق الاستعارة عند سوء الاستعمال؛ هي ما يجعلها استعارة عضوية أصلاً. من استعملها لغايات تحررية استعمل الأداة نفسها التي تتيح تشخيص الأقلية بوصفها عضواً غريباً. القيد الذي وضعه هيردر — أن الشكل الثقافي يتكون بالتفاعل ويتغير به — قيد خارجي على الاستعارة لا خاصية فيها، ولهذا سقط أول ما سقط عند النقل.
تتجلى المخاطرة أيضاً في استعارة الجذور، بالنسبة لهيردر الجذور تحمي الذاكرة من النسيان وتفسر ارتباط اللغة بالتجربة. في سياقات أخرى يحول الإقامة التاريخية إلى ملكية حصرية، والتداخل الثقافي إلى تلوث، ويعتبر التغير انحطاطاً. هذه النتائج ليست حتمية في المجاز لكنها ضمن إمكانياته. المفاهيم السياسية لا تحتفظ بمعنى واحد ثابت عبر العصور، بل توفر للفاعلين مجموعة من الصور والتمييزات، ويختار كل عصر منها ما يتناسب مع صراعاته.
لذلك، لا يمكن القول إن هيردر أسس القومية عن غير قصد كما لو أن التاريخ نفذ برنامجاً محدداً في نصوصه. الأدق أن معجمه كان قابلاً للانتقاء غير المتكافئ، حيث تمكنت القراءات اللاحقة من الاحتفاظ بمفاهيم اللغة والأصل والذاكرة والطابع القومي مع تهميش مفاهيم الإنسانية المشتركة والتبادل الثقافي ونقد العسكرة والدولة المركزية. لم يكن هذا التحول مجرد سوء فهم ولا تحقيقاً أميناً لفكره، بل كان إعادة تركيب للمفاهيم.
ما يقاوم التسييس وما يتيحه
لم يكن انتقاء القوميين من معجم هيردر اعتباطياً، ولا يمكن تفسيره بمقاصدهم وحدها. فكل مفهوم مركزي لديه يتضمن قيوداً تحول دون بعض الاستعمالات، لكنه يحمل أيضاً إمكانات تسمح باستعمالات أخرى. وما يفسر طبيعة التلقي القومي هو الفارق بين القيود التي جرى إسقاطها والإمكانات التي جرى تضخيمها.
اللغة (Sprache):
ما يقاوم التسييس في مفهوم اللغة أنها عند هيردر قدرة إنسانية قبل أن تكون ملكية جماعية. يمكن تعلم اللغة والترجمة منها وإليها، كما أن مختاراته الأدبية متعددة الألسن تنقض فكرة احتكار لغة واحدة لقيمة التعبير. غير أن قوله إن اللغة «عضو الفهم»، لا مجرد أداة له، يفتح إمكاناً آخر: من يتكلم لغة يفكر من داخل عالمها الدلالي. ولا يتطلب تحويل هذه الفكرة إلى حد قومي سوى نقلها خطوة واحدة، من أن الإنسان يفكر من داخل لغة إلى أنه لا يستطيع التفكير إلا داخلها. عندئذ لا تعود اللغة مجالاً للتواصل والتكوين، بل تصبح حاجزاً يفصل بين من ينتمون إلى عالم المعنى ومن يقفون خارجه. وهذا هو التحول الذي دفع به فيشته إلى مداه السياسي.
الشعب (Volk):
الشعب عند هيردر مقولة موجهة ضد احتكار النخبة والبلاط للإبداع والثقافة. ووظيفتها الأولى توسيع دائرة من يُعترف بأصواتهم، لا رسم حدود تفصل جماعة عن أخرى. بذلك يصبح «الشعب» مقولة اجتماعية داخل الجماعة قبل أن يصبح مقولة قومية تحدد من ينتمي إليها. لكن هيردر ربط التعبير الشعبي بالأصالة، وقابل بين الحيوية التلقائية والتكلف المصطنع. وهذه المقابلة قابلة للانتقال من الحكم الجمالي إلى الحكم على العضوية: ما يبدأ معياراً لصدق التعبير يستطيع أن يصبح معياراً لصحة الانتماء. وحين تتحول الأصالة إلى شرط للانتساب، يغدو مفهوم الشعب أداة للتمييز بين الأصيل والدخيل.
القوة (Kraft):
يشير مفهوم القوة عند هيردر إلى قدرة تتجلى داخل شروط تاريخية وبيئية محددة. وتغير هذه الشروط يغير الصور التي تتخذها القوة، ولذلك لا تدل على جوهر ثابت يظل مطابقًا لذاته عبر التاريخ. لكن القوة تُفهم أيضًا باعتبارها مبدأ يعمل من الداخل، وما يُنسب إلى الداخل يسهل تحويله إلى خاصية ملازمة أو ملكية حصرية. تم هذا التحويل على مرحلتين. نزع شلينغ في فلسفته للطبيعة عن القوة شرطيتها وجعلها تعيناً للمطلق، فلم تعد ما يتشكل في ظروف بل ما يُفصح عن ماهية. ونقل فريدريش شليغل الأثر إلى اللغة حين قسم الألسن إلى عضوية وميكانيكية ورد الفرق بينها إلى تفاوت في الطاقة الداخلية لا إلى تفاوت في تاريخ الاستعمال. وهكذا تحولت القدرة التي تعمل داخل الجماعة إلى جوهر يُفترض أنه يخصها ويميزها من غيرها.
الطابع القومي (Nationalcharakter):
يقاوم مفهوم الطابع القومي التثبيت ما دام تفسيره مرتبطاً بالمناخ وطرائق العيش واللغة والمؤسسات؛ فهو يتبدل بتبدل هذه الشروط، ولا يسبقها كجوهر مكتمل. لكن صيغة المفرد تمنحه مظهر الفاعل المستقل: يصبح للشعب طابع يُنسب إليه الفعل، ويوصف بالقوة أو الضعف، والسلامة أو الفساد. وما إن تُحذف شروط تكوينه حتى يبدو الطابع القومي علة قائمة بذاتها، بدل أن يبقى نتيجة تاريخية تحتاج إلى تفسير.
الإنسانية (Humanität):
يقع هنا التحول الأدق. تفترض القراءة الشائعة أن القوميين حذفوا مفهوم الإنسانية من فكر هيردر. غير أن واقع الحال أنهم احتفظوا به وأعادوا ترتيب علاقته بالأمة. يرى هيردر أن الإنسانية لا تتحقق إلا في صور تاريخية معينة. أتاحت هذه الفكرة القول إن أمة بعينها تمثل الشكل الأرقى أو الأكمل لتحقيق الإنسانية. ما يقاوم هذا الاستعمال في مفهوم هيردر هو توزيعه القيمة الإنسانية بالتساوي على الشعوب؛ وما يتيحه هو اشتراط التعين نفسه، إذ إن مفهوماً لا يوجد إلا متعيناً يظل قابلاً لأن يُرجح بعض تعيناته على بعض. احتفظ فيشته بهذه البنية، وأضاف إليها ترتيباً تفاضلياً جعل الأمة الألمانية حاملاً متميزاً للمهمة الإنسانية. لم تُحذف الكونية، بل أُعيد تقويمها قومياً، حتى أصبح العام الإنساني مرتبطاً بشعب واحد يزعم تمثيله على نحو أرفع من غيره.
يفسر هذا التوزيع نمط التلقي القومي لهيردر. فقد نجا من معجمه ما أمكن تحويله إلى لغة للحدود والأصالة والأولوية، بينما سقطت القيود التي تربط هذه المفاهيم بالتعدد والتبادل والشرط التاريخي. فالمفاهيم لا تحمي نفسها من إعادة الاستعمال؛ الذي يحد من معناها هو شبكة الشروط والقيود المحيطة بها. وهذه الشبكة هي أول ما يُفقد حين يُنتزع المفهوم من سياقه وينقل إلى مشروع سياسي جديد.
حالة السلاف: من فصل في كتاب إلى برنامج نهضة
يوفر الفصل المخصص للشعوب السلافية في كتاب «أفكار في فلسفة تاريخ الإنسانية» أوضح اختبار لهذا الانتقاء. رسم هيردر صورة لشعوب مزارعة مسالمة كارهة للسلب، أخضعتها إمبراطوريات جارة واقتطعت أراضيها، وختم بتوقع أن تستفيق من خضوعها وتستعيد موقعها بين شعوب أوروبا. الصفحات قليلة، ووظيفتها في الكتاب محدودة: مثال على الظلم الذي تمارسه الدول الكبرى باسم التمدين.
ما جرى لهذه الصفحات أنها قُرئت بوصفها برنامجاً. اقتطعها الإحيائيون التشيك والسلوفاك والصرب والبولنديون من سياقها ورفعوها إلى نبوءة. صاغ يان كولار وبافل شافاريك منها أساساً لفكرة التبادل السلافي، وبنى فرانتيشك بالاتسكي تاريخه للأمة التشيكية على التقابل الذي أوحى به هيردر بين سلمية سلافية وعدوانية جرمانية، فصار توصيفٌ أخلاقي لدى هيردر محوراً لتفسير تاريخي كامل. ثم انتقل النص إلى المؤسسة: مقدمات المجموعات الشعبية، ومناهج المدارس، والاحتفالات الوطنية، حتى صار الاستشهاد بهيردر طقساً افتتاحياً في الكتابة القومية السلافية.
ثلاث عمليات في نص واحد. الاقتطاع: انتُزع الفصل من كتاب تقوم حجته على أن لكل شعب مركز سعادته، فصار حكماً في فضل شعب. التحويل: صار الوصف الأخلاقي — المسالمة، الفلاحة، كره السلب — سمة قومية موروثة يقابلها ضدها الجرماني. الترسيخ: دخل النص المدرسة والصحافة والاحتفال فاكتسب سلطة لا تُشتق من حجته بل من موقعه.
لم يقل هيردر بدولة سلافية، ولا رتب على التوصيف حقاً سياسياً. ولم يحرف بالاتسكي نصه أيضاً. ما جرى أن جملة تعاطف كُتبت داخل حجة كوسموبوليتية أُخرجت من قيدها فاشتغلت بمنطق آخر. هنا يظهر ما تعنيه الإمكانية التأويلية: لا نية كامنة في النص، ولا سوء قراءة، بل قابلية بنيوية للعمل خارج الشرط الذي كُتبت فيه.
من المفهوم إلى جهاز سياسي
بعد وفاة هيردر عام 1803، تغير السياق الذي تُقرأ فيه أفكاره جذرياً. أُلغيت الإمبراطورية الرومانية المقدسة عام 1806، هُزمت بروسيا في يينا، واحتلت القوات الفرنسية مناطق واسعة من الأراضي الألمانية. في هذا السياق، لم تعد اللغة والتراث مجرد موضوعين للنقد الأدبي بل أصبحا مصدرين لتعبئة مجتمع يفتقر إلى دولة موحدة ويعيش تجربة الهزيمة والسيطرة الأجنبية.
توضح خطابات إلى الأمة الألمانية التي ألقاها يوهان غوتليب فيشته في برلين المحتلة شتاء 1807–1808 طبيعة هذا التحول. حافظ فيشته على العلاقة التي وضعها هيردر بين اللغة والتكوين التاريخي لكنه منحها وظيفة أكثر حدة. فالذين يتحدثون اللغة نفسها بحسب تعبيره، مرتبطون بروابط خفية ويشكلون كياناً طبيعياً غير قابل للانقسام. لم تعد اللغة مجرد أفق لفهم تجربة جماعة ضمن تعددية إنسانية بل أصبحت حدوداً داخلية للدولة ومعياراً لتمييز الشعب الحقيقي. كما وضع فيشته التربية القومية في صلب مشروع إنقاذ الأمة وجعل الدولة الأداة التي تعيد تكوين الألمان أخلاقياً وسياسياً.
لا يصح حصر قومية فيشته في عقيدة عرقية خالصة؛ ظل يقدم النهضة الألمانية باعتبارها وسيلة لإصلاح الإنسانية، لا غاية منعزلة عنها. لكن هذه الكونية بالنسبة لفيشته ليست موزعة بالتساوي بين الشعوب، كما كانت أقرب إلى ذلك عند هيردر، هي مرتبطة بفكرة أن للألمان، بسبب لغتهم وتاريخهم، مهمة خاصة في تجديد الحياة الأخلاقية للبشر. ولهذا اختلف الباحثون في تصنيف قوميته: هل كانت لغوية ثقافية تقوم على الانتماء المكتسب عبر اللغة والتربية، أم إثنية تجعل الأصل معياراً للعضوية، أم أنها جمعت العنصرين معاً؟ يكمن تحوله الأهم عن هيردر في أنه لم يكتفِ باعتبار اللغة سجلاً لتجربة شعب تاريخية، بل جعلها أساساً لمشروع تربوي وسياسي تقوده الدولة، ووسيلة لتوحيد المجتمع وتعبئته في مواجهة الاحتلال الفرنسي. وهكذا ضاقت الكونية الإنسانية في فكره لتصبح مرتبطة بمهمة قومية ألمانية، وانتقلت اللغة من مجال الثقافة والتعبير إلى مجال الدولة والتربية والتعبئة الوطنية.
اكتمل هذا التحول من خلال عمل المؤسسات والممارسات وليس عبر الفلسفة وحدها. ساهمت المدارس والمطابع والجمعيات الأدبية وفقه اللغة وجمع الحكايات والأغاني في تحويل مفهوم «الشعب» من جماعة متخيلة إلى موضوع قابل للتوثيق والتصنيف والتعليم. لم تكن الأمة تنتظر اكتشاف الباحثين بل ساهمت أدوات الاكتشاف نفسها في تشكيل صورتها.
تشكل أعمال الأخوين غريم مثالاً حاسماً على هذا التحول. ورثا عن هيردر تقدير الثقافة الشعبية لكنهما أعادا تنظيم الحكاية الشعبية لتكون دليلاً على وجود أمة ألمانية أصيلة. في مقدمات حكايات الأطفال والبيوت، قُدمت القصص كصوت جمعي وليس كمرويات متداخلة تتجاوز الحدود. يشير ياكوب نوربرغ إلى أن جمع الحكايات خلال الحروب النابليونية أدى وظيفة أيديولوجية محددة وهي إثبات وجود وحدة ثقافية ألمانية مهددة وتوفير الوثائق اللازمة للمطالبة بتطابق الدولة مع الأمة المحددة لغوياً وثقافياً. لم تكتف المعرفة الفيلولوجية بوصف الأمة بل ساعدت في منحها حدوداً وماضياً وممتلكات رمزية.
توضح المقارنة بين مختارات هيردر ومشروع غريم مدى التحول الحاصل. كانت مجموعة هيردر متعددة اللغات والمصادر وجمعت بين الأغنية الشعبية والشعر المكتوب والترجمة. أما المشروع القومي اللاحق، ركز على نصوص يمكن اعتبارها ملكية حصرية لشعب واحد وأخضع المواد المتداخلة لعمليات تحرير وتنقية وتصنيف. تحول الشعبي بذلك من أسلوب في التعبير إلى علامة منشأ ومن صوت إنساني متعدد إلى أرشيف للأصالة القومية.
تتوافق هذه العملية مع فكرة «اختراع التقاليد» لدى إريك هوبسباوم وترنس رينجر، مع فارق يستحق التوضيح: ينشغل هوبسباوم بتقاليد مستحدثة تدعي قدماً تاريخياً لا تملكه، بينما كانت العناصر التي استند إليها ورثة هيردر قديمة فعلاً؛ أما ما أُعيد تشكيله فهو صورتها النقية، ووحدتها المفترضة، والحدود التي تفصلها عن غيرها. لا يعني تكوين الأمة إيجاد عناصرها من العدم؛ فاللغات والحكايات والذكريات والروابط الجماعية كانت موجودة من قبل، لكن القومية انتقتها، وأعادت ترتيبها، ومنحتها استمرارية وتجانساً ووحدة لم تكن قائمة سابقاً بهذه الصورة. ويؤكد هوبسباوم أيضاً حداثة مبدأ الأمة السياسية، حتى حين يستند إلى مفردات وعناصر موروثة. فالقومية الحديثة لا تنبثق مباشرة من الأغنية الشعبية؛ بل تكتسب الأغنية دلالة قومية حين تُدرج في منظومة المدارس والمناهج والخرائط والمتاحف والقواميس والاحتفالات.
يمكن تلخيص انتقال معجم هيردر إلى القومية في ثلاث عمليات رئيسية: أولاً، الاختزال أي تقليص فلسفة متعددة الأبعاد إلى علاقة بين الشعب واللغة والأصل؛ ثانياً، التسييس أي تحويل الخصوصية الثقافية من مطلب للاعتراف إلى مطالبة بالسيادة والحدود؛ وثالثاً، المأسسة أي إدخال اللغة والتراث في المدرسة والإدارة والبحث العلمي وأجهزة الدولة. لم تكن هذه التحولات حتمية أو مجرد خطأ في القراءة بل كانت عمليات تاريخية نفذها فاعلون محددون تحت ضغط الحروب والاحتلال والمنافسة بين الدول.
إرث بلا براءة ولا حتمية
توضح حالة هيردر إشكالية أعمق في تاريخ الأفكار. لا يمكن تحميل الفيلسوف مسؤولية جميع الاستخدامات اللاحقة لمفاهيمه لأن المفاهيم لا تؤدي دورها بمعزل عن المؤسسات والظروف السياسية. في الوقت نفسه، لا يمكن فصل المؤلف عن البنية التي يضفيها على اللغة السياسية. بعض المفاهيم تقاوم استخدامات معينة، وبعضها يسهلها، وبعضها يجمع بين الإمكانين.
يُعد هيردر من أوائل المفكرين الذين زعزعوا احتكار أوروبا لتعريف الحضارة، ومن أبرز من ربطوا اللغة بتكوين الفكر، كما كان من أشد معاصريه نقداً للكولونيالية والتصنيفات العرقية. دافع عن حق الشعوب في عدم اختزالها إلى درجات على سلم واحد وفهم الثقافة كعملية تاريخية تتشكل بالتعلم والتفاعل. هذه الإنجازات أساسية ولا ينبغي تجاهلها لصالح إقامة نسب فكري مباشر بين هيردر والقومية الإقصائية.
في المقابل، أتاح هيردر للجماعات التاريخية لغة قوية للتعبير عن التميز والأصالة والاستمرارية. اتسمت هذه اللغة بنزعة تحررية عندما استُخدمت في مواجهة الإمبراطوريات وسياسات المحو الثقافي. لكنها تحولت إلى منطق إقصائي عندما أصبحت الأمة تمثل الكل الأخلاقي، واللغة حداً طبيعياً، والتاريخ سند ملكية، والدولة تجسيداً للجماعة. يكمن الخطر ليس في الاعتراف بالاختلاف ذاته، بل في تحويل الاختلاف إلى وحدة صلبة ثم منح هذه الوحدة حقًا حصريًا في الأرض والسيادة.
يوضح إرث هيردر أن المفهوم قد يقاوم الهيمنة في سياق معين بينما يسهم في تعزيز التجانس في سياق آخر. كما يبين أن الإشكالية لا تبدأ فقط عند إساءة قراءة الأفكار، بل عندما تختار المؤسسات جانباً منها وتعيد إنتاجه وتمنحه سلطة القانون والتعليم والإدارة.
السؤال الجوهري إذن لا يرتبط بما إذا كان هيردر قومياً قبل نشوء القومية، بل بكيفية تحميل المفاهيم مسؤولية إمكاناتها السياسية دون تحويل تاريخ تلقيها إلى مصير محتوم كان متضمناً فيها منذ البداية.
مراجع :
مصادر أولية
Fichte, Johann Gottlieb. Addresses to the German Nation. Edited and translated by Gregory Moore. Cambridge: Cambridge University Press, 2009.
Herder, Johann Gottfried. Ideas for the Philosophy of the History of Mankind. Translated and edited by Gregory Martin Moore. Princeton: Princeton University Press, 2024.
Herder, Johann Gottfried. Philosophical Writings. Edited and translated by Michael N. Forster. Cambridge: Cambridge University Press, 2002.
دراسات
Eggel, Dominic, Andre Liebich, and Deborah Mancini-Griffoli. “Was Herder a Nationalist?” The Review of Politics 69, no. 1 (2007): 48–78.
Hobsbawm, Eric J. Nations and Nationalism since 1780: Programme, Myth, Reality. Cambridge: Cambridge University Press, 1990.
Hobsbawm, Eric, and Terence Ranger, eds. The Invention of Tradition. Cambridge: Cambridge University Press, 1983.
Norberg, Jakob. The Brothers Grimm and the Making of German Nationalism. Cambridge: Cambridge University Press, 2022.
Noyes, John K. Herder: Aesthetics against Imperialism. Toronto: University of Toronto Press, 2015.
Piirimäe, Eva. Herder and Enlightenment Politics. Ideas in Context 147. Cambridge: Cambridge University Press, 2023.
Piirimäe, Eva. “Herder on the Self-Determination of Peoples.” The Review of Politics 85, no. 4 (2023): 514–540.
Sikka, Sonia. Herder on Humanity and Cultural Difference: Enlightened Relativism. Cambridge: Cambridge University Press, 2011.
Spencer, Vicki A. “In Defense of Herder on Cultural Diversity and Interaction.” The Review of Politics 69, no. 1 (2007): 79–105.
Spencer, Vicki A. “Kant and Herder on Colonialism, Indigenous Peoples, and Minority Nations.” International Theory 7, no. 2 (2015): 360–392.





