التقشف كمشروع سياسي
لماذا تُفرض سياسات التقشف في لحظات بعينها دون سواها؟
ليست المسألة مجرد استجابة تقنية لأزمة مالية عابرة، بل نمط متكرر من التدخل يظهر تحديداً حين تبدأ موازين القوى العمالية بالتحول: ارتفاع الأجور، توسع النقابات، اتساع أفق المطالب. وهذه فرضية تاريخية يجد كتاب كلارا ماتي نظام رأس المال فيها إحدى أكثر صيغها توثيقاً وراديكالية.
ترى ماتي أن التقشف ليس مجرد أداة مالية لحل الأزمات، بل آلية بنيوية تهدف لإعادة إنتاج علاقة اجتماعية معينة، حيث يُجبر الأفراد على بيع عملهم بشروط يحددها رأس المال. لفهم هذا الرأي، تميز ماتي بين جانبين: الأول تحليلي، إذ تعيد تعريف التقشف كظاهرة سياسية أساساً، وليس فقط كأداة اقتصادية. الثاني تاريخي، حيث تعتمد على فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى في بريطانيا وإيطاليا، وتوضح من خلال وثائق أرشيفية أن التقشف استُخدم لقمع الحركات العمالية الصاعدة، وليس فقط لمعالجة اختلال مالي.
يبرز الكتاب ربط الأداة الاقتصادية بالتهديد الاجتماعي. ففي بريطانيا عام 1920، جاء رفع أسعار الفائدة وسط موجة إضرابات ومطالب بإدارة ذاتية للمصانع، وأدى الركود الناتج إلى تقوية موقف أصحاب العمل. تدعم ماتي هذا التحليل بوثائق تظهر أن المسؤولين كانوا يدركون الأثر التأديبي المتوقع. يختلف هذا الطرح عن النقد الكينزي، الذي يرى أن التقشف خطأ في تقدير آثار الإنفاق، بينما تعتبره ماتي قراراً سياسياً لحماية نظام اجتماعي معين.
قد يرى البعض أن تزامن الأزمات المالية مع تصاعد الضغط العمالي مجرد مصادفة تاريخية وليس نتيجة قرار واعٍ. إلا أن قوة أطروحة ماتي تستند إلى وثائق تظهر إدراكاً مسبقاً للأثر التأديبي. مع ذلك، تظل قوة هذا التفسير مرتبطة بمدى قوة الأدلة في كل حالة، ولا يمكن تجاوز هذه الحدود بالافتراضات.
يشير كوين سلوبوديان في مراجعته للكتاب إلى تميز البحث الأرشيفي وقوة السؤال الذي يطرحه، لكنه يلاحظ فجوة مهمة: هل تكفي الوثائق التي جمعتها ماتي لإثبات وجود تعاون واعٍ ومنسق بين الاقتصاديين والمنظمين ورجال الأعمال في مشروع تأديبي واحد؟ سلوبوديان لا يعترض على الفكرة نفسها، بل ينتقد الانتقال من أدلة جزئية قوية إلى تعميم بنيوي أوسع من المادة المتوفرة. كما يشكك في الربط بين أحداث عشرينيات القرن الماضي و”التقشف الحديث”، مشيراً إلى أن السياق المؤسسي تغير كثيراً بعد اختفاء معيار الذهب وظهور نظام نقدي جديد.
يقدم ماكس هاريس نقداً من زاوية أخرى، متسائلاً: حتى لو كان التقشف قد أعاد ضبط سوق العمل، ألم يكن هناك أيضاً ضغط واقعي فرض بعض الانضباط المالي بسبب التضخم المرتفع والديون الحربية الكبيرة؟ هاريس لا يدافع عن السياسات المطبقة، لكنه يرى أن الكتاب لا يوضح بشكل كافٍ ما كان البديل العملي في ذلك الوقت. غياب هذا التوضيح يجعل النقد يتجاوز المرافعة التاريخية التي يقدمها الكتاب.
هذه الاعتراضات لا تضعف أطروحة ماتي بالكامل، لكنها تفرض عليها أن تكون أكثر دقة. تصبح الأطروحة أقوى عندما تعتمد على حالات موثقة من التنسيق الواعي بين الأطراف، وتضعف عندما تُستبدل الأسباب المحددة بتعميمات غير مدعومة بالأدلة.
يقدم الكتاب أحياناً الدولة كفاعل يملك إرادة طبقية شبه موحدة. لكن أعمال آدم توز حول دولة الحرب وما بعدها تقدم رؤية مختلفة، حيث تظهر الدولة كساحة صراع بين وزارات المالية والبنوك المركزية والدائنين الدوليين والفصائل السياسية. رفع الفائدة في بريطانيا عام 1920 لم يكن فقط نتيجة إرادة واحدة لإخضاع العمال، بل جاء أيضاً بسبب ضغوط التضخم والدائنين والقيود النقدية. هذا لا ينفي تحليل ماتي، لكنه يمنع اختزاله في تفسير واحد.
يضيف وولفغانغ ستريك منظوراً مختلفاً بتحليله للانتقال من “دولة الضرائب” إلى “دولة الديون”، ويوضح كيف يمكن أن يتحول التقشف من قرار سياسي مباشر إلى قيد هيكلي تديره الدولة وتعيد إنتاجه. هذا التحليل لا يتعارض مع أطروحة ماتي، لكنه يطرح سؤالاً أكثر دقة: ما الذي يبقى خياراً سياسياً يمكن مقاومته، وما الذي يصبح قيداً بنيوياً يصعب تجاوزه؟ هذا التمييز لا يظهر بوضوح كافٍ في الكتاب.
الفصل الذي تربط فيه ماتي بين الليبرالية الاقتصادية والفاشية الإيطالية هو من أكثر الفصول إثارة للجدل. تشرح ماتي أن بعض الاقتصاديين الليبراليين دعموا موسوليني بعد عام 1922 لأنه أنجز ما لم تستطع الديمقراطية البرلمانية تحقيقه، مثل إسكات النقابات وتجميد الأجور وإعادة الانضباط لسوق العمل. في هذا السياق، تظهر الفاشية في قراءتها كحل سلطوي أدى وظائف لم تستطع الليبرالية الديمقراطية تحقيقها.
يقدم ريكاردو بيلوفيوري وفرانشيسكو غاريبالدو نقداً متعاطفاً، ويعترفان بأصالة تشخيص ماتي وقيمة نقدها لفكرة حياد الخبرة الاقتصادية. لكنهما يلاحظان أن هناك ميلاً لإسقاط أسئلة الحاضر، مثل أزمة ما بعد 2008 ودور المؤسسات الدولية، على الماضي، مع استنتاجات أكثر يقيناً مما يسمح به الدليل. تظل المقارنة بين بريطانيا وإيطاليا غنية، لكنها تحتاج إلى مزيد من التحفظ التاريخي والبناء النظري.
تضعف حجة الامتداد لأن دعم الليبراليين لموسوليني كان في الغالب ظرفياً وانتهازياً، وليس نتيجة تطابق أيديولوجي كامل. وعندما بدأ النظام الفاشي يتدخل اقتصادياً بشكل واسع يخالف منطق السوق الحرة، ابتعد كثير من الليبراليين الأوائل أو أصبحوا أكثر تحفظاً. الانتقال من وجود تقاطعات وظيفية إلى اعتبار المشروعين كتلة واحدة يضيق التحليل ويخفي خصوصية الفاشية الأيديولوجية وتناقضات الليبرالية الداخلية.
يصل الكتاب إلى أقوى نقاطه عند مناقشة التكنوقراطية. استقلالية البنك المركزي ليست ترتيباً مؤسسياً عادياً، بل قرار سياسي يخرج قضايا توزيع الثروة والبطالة والأجور من النقاش الديمقراطي ويحولها إلى مسائل تقنية. عندما يُعرض رفع أسعار الفائدة كأنه “ضرورة اقتصادية” وليس خياراً له رابحون وخاسرون، تتحقق عملية نزع السياسة التي تركز عليها ماتي. يضيف مثال الهند والإضرابات العمالية في 2022 بعداً معاصراً، مع الحاجة لفصل أوضح بين أثر الاحتجاجات وأثر التضخم والمتغيرات النقدية.
مع ذلك، لا تعني التكنوقراطية نهاية النقاش السياسي. ففي الجدل اليوناني عام 2015، وأزمات الديون الأرجنتينية المتكررة، والنقاش الأمريكي حول الاحتياطي الفيدرالي بعد التضخم الذي أعقب الجائحة، عاد السؤال التوزيعي إلى الساحة العامة بشكل واضح ومسيّس. هذا لا ينفي تحليل ماتي، بل يعمقه، لأنه يظهر أن انفجار الإطار التقني في الأزمات لا يعني فشل الآلية، بل يدل على أن الصراع لم ينتهِ بل تأجل. كان الصراع التوزيعي موجوداً دائماً، مكبوتاً وليس منتهياً، وهذا ما يجب أن توضحه حجة ماتي.
يبقى التمييز بين التكنوقراطية والفاشية ضرورياً. فالفاشية مشروع أيديولوجي يشمل تعبئة جماهيرية وقمعاً منظماً وإعادة تشكيل الهوية الجماعية باستخدام العنف، بينما تعمل التكنوقراطية بطرق أكثر هدوءاً، مثل اللغة الإجرائية والسلطة المعرفية وتضييق البدائل من داخل المؤسسات. هذا الفرق يمثل حداً تفسيرياً يجب عدم تجاوزه.
ما يسمى بـ”السؤال الإسكندنافي” يمثل تحدياً رئيسياً للكتاب. هذه التجارب لا تنقض أطروحة ماتي، لكنها تضعها أمام اختبار مهم: إذا كانت الرأسمالية تحتاج دائماً إلى التقشف لإعادة إنتاج نفسها، كيف نفسر استقرار ترتيبات اجتماعية استمرت لعقود ووسعت الحماية العمالية في اقتصادات رأسمالية متقدمة؟ هل كانت هذه التجارب مجرد هدنة مؤقتة بسبب ميزان قوى خاص، أم أن الرأسمالية يمكن أن تقبل صيغاً توزيعية متنوعة حسب البنية المؤسسية وموازين القوى الداخلية؟
هنا تظهر حدود الأطروحة، فكلما اقترب التحليل من افتراض وجود آلية واحدة حتمية لإعادة إنتاج الرأسمالية، فقد قوته التفسيرية. المنطق النظري والتاريخي يفرضان التمييز بين الرأسمالية كنظام يولد ضغوطاً بنيوية متكررة، وبين تعدد المسارات المؤسسية التي تسمح بإدارة هذه الضغوط بطرق مختلفة.
يتمكن كتاب “نظام رأس المال” من إعادة تعريف التقشف كخيار توزيعي وليس كضرورة حتمية. وتظهر قوته عندما تتوافق الأدلة الأرشيفية مع الاستنتاجات، بينما تضعف عندما تُملأ الفجوات بتعميمات غير مدعومة بالواقع.
تكشف القراءات النقدية التي قدمها سلوبوديان وبيلوفيوري وغاريبالدو وهاريس، من زوايا مختلفة، عن نقص في دقة الإجابة التي تقدمها ماتي، وليس في سؤالها نفسه. وتظهر الحاجة إلى تمييز واضح بين الإمكانية البنيوية والحتمية، وبين التزامن والسببية، وبين الوظيفة المشتركة والتحالف الواعي.
هذا ليس سؤالاً نظرياً فقط، فاليوم تفرض أوكرانيا التقشف في ظل حرب مفتوحة، وتعود أوروبا تدريجياً إلى سياسة الانضباط المالي بعد الجائحة، بينما تواجه دول الجنوب العالمي وضعاً مشابهاً لما حدث في عشرينيات القرن الماضي: ضغط خارجي في وقت هشاشة داخلية. يبقى السؤال ما إذا كان هذا التكرار يؤكد صحة أطروحة ماتي أم يكشف حدودها، وهو ما يتركه الكتاب مفتوحاً ويجعل القارئ هو من يجيب.






