بقلم : إيان جونسون
في نظر كثيرين في الغرب، صعود الصين حقيقة مسلّم بها. يحتفي المعلقون بنجاحها بلغة لم نشهدها منذ جيل سابق من السياح السياسيين أشادوا بصين ماو. في فبراير، وبعد عودته من زيارة إلى البلاد، أكد المستثمر والكاتب ستيفن راتنر أن «نموذج الرأسمالية الموجهة من قبل الدولة» في الصين أسهم في إيجاد «العملاق المهيمن على التصنيع العالمي، بينما يحقق تقدماً استثنائياً في مجالات التكنولوجيا سريعة النمو، وهي مجالات ظلت الولايات المتحدة تتسيدها طويلاً». أما المؤرخ الاقتصادي آدم توز فأعلن العام الماضي أن الصين «هي المفتاح الأساسي لفهم الحداثة». ويبدو أن آخرين استسلمو لحصر النقاش في أسئلة تقنية ضيقة: هل سيكون جيشها مستعداً لغزو تايوان العام المقبل أم بعد بضع سنوات؟ هل يستطيع نموذجها السياسي السلطوي ضمان انتقال مستقر للسلطة بعد وفاة الزعيم الصيني شي جين بينغ؟ هل يمكنها تجاوز العقوبات وإنتاج رقائق إلكترونية متقدمة؟ هذه الأسئلة في مجملها تتعامل مع بقاء جمهورية الصين الشعبية على أنه أمر محسوم سلفاً.
ما يغيب غالباً عن هذه النقاشات أن قادة البلاد أنفسهم يشككون ضمناً في مفهوم الأمة الصينية ذاته. فالمسؤولون الحكوميون، ومعهم كثير من المواطنين العاديين، يشددون على قداسة حدود الصين، بينما تخضع مناطق حدودية عديدة لأوضاع تقترب من الأحكام العرفية أو قانون الطوارئ. تحظر السرديات الرسمية، في الوقت نفسه، تقديم تفسير متماسك لكيفية ضم الصين لهذه الأراضي. وفي سياق أوسع من التدهور الفكري، أَثَرَ كثير من ألمع العقول الصينية الانسحاب: بعضهم لجأ إلى الهجرة الداخلية وممارسة رقابة ذاتية صارمة، وبعضهم غادر البلاد نهائياً.
لا يفترض أن تكون الصين لدى أزمة هوية عميقة. فهي وريثة حضارة عريقة وثقافة معروفة في العالم. ويحظى إرثها الفكري، بما يضمه من تقاليد غنية في الفنون القتالية والطب والفلسفة والأديان، بإعجاب واسع، ويحاكى في الثقافة الشعبية العالمية كما في الفنون الرفيعة. لكن القادة الصينيين يتصرفون كما لو أنهم يديرون دولة ناشئة بلا تاريخ، دولة تضطر إلى مطالبة زائريها بأن يسموها «جمهورية الصين الشعبية»، وأن يكرروا أن ثمة «صيناً واحدة» تقع داخل حدود مقدسة وثابتة لا تقبل التغيير. يكتب شو غوه تشي (Xu Guoqi) في كتابه الجديد فكرة الصين: تاريخ متنازع عليه أن الصين اليوم «كائن متعدد الرؤوس، بلا هوية يقينية أو موثوق بها». ويضيف: «لو كانت لها هوية واضحة أو راسخة، لما استحوذت على قادتها الحاليين إلى هذا الحد محاولةُ فرض هوية عليها».
منذ تولى شي السلطة عام 2012، سعى طوال ما يقارب خمسة عشر عاماً إلى تعريف الصين من خلال مزج أمجاد الشيوعية، من تضحية وواجب ومثابرة، ببعض عناصر الثقافة التقليدية، ولا سيما بر الوالدين والطاعة. لكنه جرد الايديولوجيتين من نواتيهما المتمردة، وفي مقدمتهما التشديد على العدالة الاجتماعية والحق في العصيان، فأخفق في بناء تصور مقنع لما تمثله الصين. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت صين شي تقوم على قيم تتجاوز الاحتفاظ بأراضي إمبراطورية تشينغ (Qing) القديمة وإبقاء الحزب الشيوعي الصيني في السلطة، أو ما إذا كان مشروع الحزب يتسع أصلاً لاستيعاب التكوين التاريخي الهجين للبلاد.
يرى شو أن جواب الحزب عن هذه المعضلة، أي تشييد بيت من ورق فوق تاريخ البلاد المتشعب، يمكن أن يصبح سبب سقوطه. فقد انهارت في الاتحاد السوفييتي محاولة مماثلة لبناء دولة قومية حديثة على أسس إمبراطورية، بعدما عجز قادته عن حل التناقضات الكامنة في المشروع. ويوحي كتاب فكرة الصين بأن الحزب الشيوعي الصيني ربما يلقى مصيراً مماثلاً إذا لم يغير مساره.
من المرجح أن يمنع النجاح السياسي والاقتصادي الذي حققته الصين خلال العقود الأربعة الماضية انهيارها على غرار الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك، يدفع كتاب شو إلى الشك في الافتراض القائل إن الصين القائمة اليوم ستظل على صورتها الحالية في المستقبل البعيد. فهو يذكر القارئ بالمسارات الأخرى التي كان في وسع الصين أن تسلكها، وبعواقب عزوفها عنها. ففي أوج قوتها، كانت فكرة الصين حضارية، وساهمت في الحفاظ على تماسك إمبراطوريات متعددة الأعراق وأقاليم شاسعة دون اللجوء إلى العنف المفرط. أما عندما اعتمدت على القوة، أصبحت الصين هشة وغير مستقرة.
خلال القرن الماضي، تغلبت الصين على أوجه قصورها المادية، وبرزت كقوة اقتصادية وعلمية عالمية. لكن هويتها الوطنية لا تزال مضطربة بالقدر نفسه الذي كانت عليه عند تأسيس أول دولة قومية صينية. ويضع ذلك العالم أمام سؤال مقلق: هل تستطيع دولة لا تشعر بالارتياح تجاه ذاتها أن تكون ركيزة للاستقرار كما يأمل كثيرون، أم أنها أقرب إلى أن تصبح مصدراً لعدم الاستقرار العالمي، فتسقط مخاوفها وعصابها على بقية العالم؟ تزعم بكين أنها تطمح إلى الاحتمال الأول، لكن أفعالها في الداخل، وبصورة متزايدة في الخارج، توحي بأنها تمضي نحو الاحتمال الثاني.
ماذا عن الاسم؟
ينبع جزء من الالتباس المحيط بهوية الصين إلى تاريخها كفكرة ثقافية أكثر منها سياسية. فاللفظ الصيني للصين هو «تشونغ غوه» (zhongguo)، أي «المملكة الوسطى». وهو مصطلح قديم، لم يُستخدم حتى القرن التاسع عشر إلا نادراً لوصف البلد الذي أطلق عليه الأجانب أسماء مثل الصين (China) وتشانا (Cina) وكاثاي (Cathay) وكيتاي (Kitay). وبدلاً من ذلك، كان المسؤولون والكتاب الصينيون يطلقون على بلادهم اسم السلالة الحاكمة: على سبيل المثال تشينغ العظمى أو مينغ العظمى. أما عندما كانوا يشيرون إلى حضارتهم القديمة، فيستخدمون تسميات أخرى مثل هواشيا أو تشونغهوا. ونادراُ ما تغيرت هذه المصطلحات عبر القرون، بينما كان اسم الإقليم يتبدل بتبدل الأسرة الحاكمة؛ إذ كانت الأرض خاضعة للأسرة التي تحكمها، ولها أن تطلق عليها الاسم الذي تشاء.
أثار هذا الوضع حيرة الأوروبيين في بدايات العصر الحديث. ففي القرن السادس عشر، كتب الجندي والتاجر البرتغالي غاليوتي بيريرا: «اعتدنا أن نسمي هذه البلاد الصين، وأن نسمي أهلها الصينيين»، غير أن السكان المحليين قالوا إنهم لم يسمعوا بهذا الاسم قط. وبلغ الإشكال ذروته في القرن التاسع عشر، عندما أجبر صعود الدولة القومية الحديثة سلالة تشينغ الحاكمة على التعامل مع الدول الأخرى بوصفها أطرافاً متساوية، لا برابرة أو تابعين. وكان الأجانب يسمون أراضي تشينغ «الصين» أو اسماً قريباً منه، لكن مسؤولي الإمبراطورية رفضوا المصطلح. فمن وجهة نظرهم، لم تكن هناك دولة اسمها الصين؛ كانت هناك «تشينغ العظمى» وحدها. بل إن بعض دبلوماسييها أصروا، من دون نجاح، على أن يستخدم الأجانب هذا الاسم.
كان هذا الالتباس مخزيا بالنسبة ليانغ تشيتشاو، أشهر إصلاحيي مطلع القرن العشرين. أعرب عن أسفه في مقالٍ له عام 1901 أن الصينيين على الرغم من تاريخهم الطويل، «لا يملكون حتى اليوم اسماً لبلادهم». ورفض اسم الصين لأنه مشتق من اسم سلالة تشين، أولى السلالات الإمبراطورية في البلاد. (يرجح أن اللفظ دخل اللغات الأوروبية في القرن السادس عشر عبر اقتباس البرتغاليين لمصطلح فارسي، والذي يرجع بدوره إلى كلمة سنسكريتية مشتقة من اسم سلالة تشين.) وكان اعتماده يعني إطلاق ذات الاسم الذي أطلقته سلالة ملكية على أراضيها قبل ألفي عام على البلاد كلها. كان هذا الأمر مُشابهًا لاستخدام أسماء السلالات الحاكمة تانغ، وسونغ، ومينغ، وتشينغ لوصف البلاد؛ فهي في النهاية أسماء أورثها الحكام للبلاد. وخلص ليانغ إلى أن اسم الصين لا بد أن يفي بالغرض. لكن المسؤولين ظلوا يرفضونه حتى سقوط السلالة بعد عقد.
لا يزال السؤال نفسه معلقاً بعد مرور أكثر من قرن. فتسمية «الجمهورية الشعبية» ليست أكثر من تسمية شيوعية تعود إلى منتصف القرن العشرين، وظيفتها التشديد على أن الصين دولة شيوعية. أما الاكتفاء باسم «الصين»، فقد ينطوي على الإقرار بأن آخرين قد يحكمونها.
حراسة الحدود
تبذل الحكومة الصينية جهوداً كبيرة لإظهار نفسها دولة متعددة الثقافات، على غرار دول كثيرة تستعرض في خطابها العام تنوع أعراقها وثقافاتها. فعندما تتقدم الصين إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة بطلب الاعتراف بممارسات ثقافية معينة باعتبارها «تراثاً ثقافياً غير مادي»، تحرص دوماً على إدراج ممارسات تعود إلى الأقليات، مثل الغناء الحنجري المنغولي، والأوبرا التبتية، ومقطوعات المقام الموسيقي الإيغوري. لكن ذلك لا يحجب حقيقة أن معظم هذه الثقافات تنتمي إلى مناطق حدودية لم تكن جزءاً من الصين طوال معظم تاريخها. فالسلالات الصينية لم تسيطر قط على الأراضي التي تشكل اليوم المقاطعات الشمالية الشرقية الثلاث، المعروفة مجتمعة باسم منشوريا (لياونينغ وجيلين وهيلونغجيانغ). ونادراً ما حكمت أجزاء من منغوليا، كما لم ترسل إلى التبت أو إلى أجزاء من آسيا الوسطى المعروفة اليوم باسم شينجيانغ سوى حملات متقطعة. كانت السيطرة، إن وُجدت، استثناءً لا قاعدة.
كانت حدود أسرة مينغ (Ming) ثاني آخر السلالات الإمبراطورية في الصين (1368-1644)، أقرب إلى النمط التاريخي المعتاد. فقد امتدت دولة مينغ من محيط بكين الحالية شمالاً إلى هونغ كونغ جنوباً، ومن المناطق الساحلية الشرقية إلى حوض سيتشوان غرباً. وفي الخرائط القديمة للصين، كان الغربيون يسمون هذه الرقعة الصين الأصلية (China Proper)، لأنها المنطقة التي عاش فيها جميع الصينيين تقريباً، ومنها خرجت حروب البلاد وفيها مهد خرافاتها وأساطيرها. تمثل هذه الرقعة أكثر من ستين في المئة من مساحة الصين الحالية.
تضخمت حدود الصين في عهد تشينغ (Qing). كانت سلالة من أصل مانشوي، غزوا دولة مينغ في القرن السابع عشر، ثم جمعوا معرفتهم بالمناطق الحدودية إلى القوة الاقتصادية لقلب الصين والتقنيات الجديدة للأسلحة النارية الحديثة، فبنوا قوة عسكرية كاسحة. ضاعفت أسرة تشينغ مساحة الأراضي التي حكمتها مينغ، إذ ضمت منغوليا والتبت ومساحات شاسعة من آسيا الوسطى، أطلقت عليها اسم شينجيانغ أي الحدود الجديدة. بعد سقوط أسرة تشينغ عام 1912، أصبحت مناطق المانشو القريبة من شبه الجزيرة الكورية، مع بقية الإمبراطورية، جزءاً من جمهورية الصين، وانتقلت بذلك إلى سيطرة قومية الهان الصينية. في عام 1949، هزمت جيوش الجمهورية في الحرب الأهلية وفرت إلى تايوان، فورث الحزب الشيوعي حدود الجمهورية باستثناء إقليم منغوليا الخارجية، الذي انفصل وأصبح دولة تابعة للاتحاد السوفييتي، ثم تحول إلى دولة منغوليا المستقلة اليوم. وكان ذلك الإقليم الوحيد الذي تقطنه أقلية وتمكن من الإفلات من الإمبراطورية القديمة.
قبل وصولهم إلى السلطة، قال قادة الحزب الشيوعي بأن من حق الأراضي التي غزتها أسرة تشينغ أختيار طريقها بنفسها، وعدوا استقلالها خياراً مقبولاً. أيد ماو تسي تونغ استقلال المنغوليين وغيرهم من الأقليات، بل حتى لم يمانع استقلال مقاطعة هونان التي ينحدر منها. في الأعوام الأولى، استلهم ماو من حركتي الثقافة الجديدة والرابع من مايو، اللتين جسدتا الصحوة الفكرية الرائدة الداعية إلى العقلانية والتحرر وتقرير المصير، ومنها خرج الحزب الشيوعي الصيني عام 1921. أدرك تشن دوشيو (Chen Duxiu)، أحد أبرز مؤسسي الحزب وأحد أعلام الحركتين، أن الديمقراطية لا تقل أهمية عن التقدم التكنولوجي في مشروع تحديث الصين.
لم يتبنَّ القوميون (الذين حكموا بين عامي 1912 و1949) هذه الأفكار إلا جزئياً، ثم رفض الحزب الشيوعي معظمها. وبمجرد وصله إلى السلطة، تبنى حدود الجمهورية، ومنح المناطق الحدودية حكم ذاتي صوري واعتراف رمزي بتراثها الثقافي. فقد يُعيَّن أحد أبناء الأقلية رئيساً رسمياً للإقليم، بينما صاحب السلطة الحقيقية هو سكرتير الحزب الشيوعي في الإقليم، والذي عادة ما يكون من قومية الهان.
لم تحل تقلبات سيطرة المركز على أطراف الصين بشكل كامل، بل اتخذت شكلاً جديداً في ظل الحزب الشيوعي. تساعد الجروح الناتئة في الروح الوطنية على فهم حركات الاستقلال في تايوان والمطالبة بالحكم الذاتي في هونغ كونغ وقمعها على يد حكومة تخلت تقريباً عن جذورها المستلهمة لفكر التنوير.
ماضٍ وحشي
أسهم الاضطراب اللغوي والجغرافي في عدم الاستقرار السياسي. ولعل أحد الحلول لمشكلة تعريف الأمة هو وضع ميثاق سياسي للبلاد، أي دستور. لكن كما يلاحظ شو، أنتجت الصين وثائق كثيرة حملت شكل الدساتير، لكنها مضمونها لم يكن سوى «تشريعات تنظيمية، أو وثائق مؤقتة، أو مجموعة من المبادئ الإرشادية، أو مجرد أقوال للاستهلاك، عدلها الحكام وأعادوا كتابتها بما يخدم النظام على نحو أفضل».
أنتجت البنى السياسية المضطربة بدورها عنفاً سياسياً. يكتب شو أنه «بسبب أن الثقافة السياسية لم تكن قد استقرت بعد في منظومة من المؤسسات الدائمة»، اعتمد القادة، من تشيانغ كاي شيك، مروراً بماو ودنغ شياو بينغ، وصولاً إلى شي اليوم، «التدخل العسكري لحل القضايا السياسية وسحق المعارضة». فقد شن تشيانغ عمليات عسكرية واسعة للقضاء على خصومه، ولا سيما الشيوعيين، وتوحيد البلاد. وبعد حرب أهلية استمرت أربعة أعوام وأوصلت الشيوعيين إلى السلطة عام 1949، قتلوا، بحسب بعض التقديرات، ما بين مليونين وثلاثة ملايين شخص في مسعاهم للقضاء على طبقة ملاك الأراضي، كما أودت الحملات السياسية الأخرى في خمسينيات القرن العشرين وستينياته وسبعينياته بحياة عدة ملايين. واستخدم دنغ، خليفة ماو، القوة العسكرية لقمع احتجاجات الطلاب عام 1989، وأشرف على حملات «اضرب بقوة» لمكافحة الجريمة، وهي حملات عنيفة قتلت عشرات الآلاف من المنبوذين اجتماعياً. أما شي فقمع المجتمع المدني الصيني بالعنف، ولا سيما في مناطق الأقليات، ويواصل حملات تطهير داخل المؤسسة العسكرية.
وتحاول الحكومة طمس جميع جوانب هذا التاريخ تقريباً بإعادة كتابة السجل، كي يبدو الحزب الشيوعي وكأنه حكم الصين برفق منذ عام 1949، فيما عاش الهان والأقليات القومية في وئام تام. تقوم الفكرة الأساسية على أن كل من عاش يوماً داخل الحدود الحالية لجمهورية الصين الشعبية هو «صيني» الآن، وكان صينياً دائماً. ويبلغ العبث بهذه الفكرة أقصاه حين تشمل قادة عسكريين أجانب غزوا الصين، مثل جنكيز خان، الذي يقع ضريحه في منطقة منغوليا الداخلية الحالية. وهناك يمجده المسؤولون بوصفه «رجلاً عظيماً من أبناء الشعب الصيني».
المعاناة من النجاح
يتميز كتاب فكرة الصين بسلاسة أسلوبه وسهولة قراءته، ويغطي مجموعة متنوعة من القضايا، بدءاً من دور الصين في الحرب العالمية الأولى وصولاً إلى نظرة الدولة إلى الرياضة. يظهر شو براعة واضحة في الانتقال بين هذه الموضوعات بالمقارنة بالمؤرخ جوناثان سبنس من جامعة ييل، الذي جمع بين التواريخ الكبرى للصين ودراسات معمقة لموضوعات أضيق نطاقاً لكنها شديدة الدلالة؛ ومن أشهر أعماله قصة وفاة امرأة عادية في الصين الإمبراطورية. يحاول فكرة الصين رسم صورة واسعة للبلاد، لكنه على عكس كتاب سبنس الضخم البحث عن الصين الحديثة، يُعتبر كتاب شو بمثابة إضافة مُلحة إلى النقاشات المعاصرة حول الصين أكثر من كونه عرضاً تاريخياً شاملاً.
لا يخفي شو خيبة أمله مما آلت إليه الصين. فقد نشأ في ريف مقاطعة آنهوي خلال عهد ماو، وبلغ سن الرشد مع بداية عصر الإصلاح، حين انفتحت الصين على العالم. درس في هارفارد، ودرّس في الولايات المتحدة، وعاش ودرّس في هونغ كونغ قرابة عشرين عاماً. يشكل أفول هونغ كونغ بوصفها مركزاً للفكر الحر واستقلال القضاء لازمة تتردد في الكتاب. يتحسر شو على تشوه فكرة الصين نفسها في أنحاء كثيرة من العالم، ويرد هذا التراجع إلى سعي النخب طوال قرن إلى تحقيق الثروة والازدهار الوطنيين بدلاً من بناء نظام سياسي جامع. يجسد الحزب الشيوعي هذه الأولويات بأوضح صورة، في جمعه بين الالتزام بالنمو الاقتصادي وقمع المعارضة. فبينما يسافر راتنر وتوز إلى الصين وينبهران بأرضيات مصانع سيارات شاومي وبالأميال الممتدة من خطوط السكك الحديدية فائقة السرعة، تُمنع شخصيات صينية ملهمة، مثل مخرجة الأفلام الوثائقية آي شياو مينغ، من مغادرة البلاد. من الصعب تجاوز بعض أجزاء من الكتاب، ومنها فصل نابض بالحياة عن تشانغ بنغتشون، الدبلوماسي الذي استشهد بمنسيوس وأرسله تشيانغ عام 1945 إلى الولايات المتحدة وأوروبا للمساعدة في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كبرهان على أن الثقافة الصينية لا تنسجم مع نظام سياسي أكثر انفتاحاً فحسب، بل تنطوي أيضاً على بذور مثل هذا النظام.
في معظمه، يدور كتاب فكرة الصين حول الفرص الضائعة. ومن بينها إخفاق القادة الصينيين، بعد سقوط تشينغ، في الإصغاء إلى أفكار حركتي الثقافة الجديدة والرابع من مايو. قد يحمي نجاح الحزب الشيوعي في تحقيق الازدهار الوطني النظام مؤقتاً من أسوأ عواقب هذا الرفض. لكنه أبقى الصين مقيدة بالمشكلة نفسها التي لاحقتها منذ انتقالها من إمبراطورية تقليدية إلى دولة قومية: نظام سياسي يعتمد في نهاية المطاف على العنف لإكراه رعاياه المتباينين.
يحصن الازدهار الأنظمة السياسية من اتخاذ القرارات الصعبة. وهذا هو الحال في الصين منذ أن أفسح العنف المفرط في عهد ماو المجال أمام عملية صنع قرار أكثر عقلانية، وما صاحبها من رخاء خلال نصف القرن الماضي. أما اليوم، ومع تباطؤ النمو وتراجع الثقة بالمستقبل، فإن جواب إدارة شي، المتمثل في حقن النظام بعناصر رمزية من الثقافة التقليدية لتعزيز شرعيته، لا يعدو أن يكون استجابة مبتذلة مأخوذة من دليل الحكام السلطويين حول العالم. كان يمكن أن تكون «فكرة» الصين بما تحمله من ماضٍ بالغ الثراء والتنوع والتعدد الثقافي، في ظل قيادة سياسية أكثر حكمة، مصدر قوة بدلاً من أن تكون مصدراً لانعدام الأمان. ستصمد الفكرة المتمثلة في صين مركبة تتجاوز بكثير القيود الضيقة التي تفرضها جمهورية الصين الشعبية.





