من التعايش إلى الانهيار
"مراجعة تحليلية لكتاب "مناسبة للحرب
قاومت ليلى فواز في كتابها "مناسبة للحرب" إغواء الاستسهال باختزال العنف إلى جوهر غامض أو حتمي . فواز فضلت الحفرعميقا في طبقات أحداث عام 1860، محاولة تفكيك الأسطورة التي ترى العنف الطائفي قدرا أبديا أو جوهرا غامضا. لا تكتب فواز تأريخا للعنف بوصفه تفجرا عفويا، بل تصوّره كصناعة بطيئة، تغذيها قوى التحديث الاقتصادي، وانهيار الضمانات الاجتماعية، وتشابك المصالح الإمبريالية مع الانقسامات المحلية.
في هذه المراجعة، سأُتتبع المسار التحليلي الذي رسمته فواز، محاولا إضاءة الزوايا التي تركتها غامضة أو اكتفت بتوصيفها. سأقرأ معها وضدها، مستلهما من لحظة 1860 أسئلة أبعد من زمنها:
عن هشاشة التعايش تحت ضغط التحولات.
عن صناعة الهوية حين تصبح النجاة مشروعا سياسيا.
عن اللحظة الدقيقة التي يفشل فيها التفاوض، وينفتح الباب أمام العنف.
أطروحة الكتاب الأساسية تتلخص بأن الحروب الأهلية لا تندلع لأن الكراهية كامنة في نسيج المجتمعات، بل من تراكم اللامساواة، والفشل الإداري، والخوف الجماعي الذي يجد في الهوية الطائفية ملاذا قاتلا. عندئذ تنهار ببطء البُنى الحامية للعيش المشترك حتى تنكشف المجتمعات أمام جاذبية العنف.
تبني فواز حول هذه الأطروحة شبكة معقدة من الأسباب، لكنها تترك وراءها تساؤلات دقيقة حول الفاعلية التاريخية، والبنية، والصدفة. تساؤلات من قبيل إلى أي مدى تفسر البُنى وحدها انزلاق المجتمعات إلى العنف، دون استحضار دور الفاعلين السياسيين والتعبئة الواعية؟ كيف يُعاد ترميز الانتماءات الدينية إلى هويات سياسية مقاتلة؟ هل التدخل الدولي عامل ضغط أم أداة إعادة تصنيع للهويات المحلية؟ وهل كانت مشاريع الإصلاح والتحديث بذاتها جزءا من صناعة الأزمة لا مجرد رد عليها؟ ثم، ما موقع الذاكرة الجماعية، والسرديات الرمزية، والمظالم المتراكمة في صناعة لحظة الانهيار؟
بهذه الأسئلة سأحاور كتاب مناسبة للحرب، قارئا تجربته الفكرية كمرآة لصراعاتنا الحديثة مع الطائفية والهويات المسلّحة، في زمن تتهاوى فيه الضمانات السياسية من جديد، ويغدو العنف أكثر سهولة من التفاوض.
تفكيك لحظة العنف: الإصلاحات، السوق، والهويات المتصدعة
تبدأ ليلى فواز دراستها بوضع المشهد التاريخي لجبل لبنان ودمشق قبل اندلاع أحداث العنف عام 1860. توضح أن هذه المناطق، رغم التوترات الكامنة، شهدت فترات طويلة من التعايش بين الطوائف الدينية تحت الحكم العثماني. كانت البنية الاجتماعية والاقتصادية تمر بتحولات واضحة. تغيّرت أنماط ملكية الأراضي، توسعت شبكات التجارة، وازدهرت الجماعات المسيحية، خاصة الموارنة المرتبطين بالأسواق الأوروبية، مما بدأ يخلّ بتوازنات قديمة.
تؤكد فواز أن "بذور الصراع كانت كامنة في هذه التحولات المتراكمة ببطء"، وليس في عداوات دينية أزلية. في هذا الاقتصاد المتغير، واجه كثير من الدروز والمسلمين تهميشا متزايدا، مما غذّى مشاعر الإحباط في المجتمعين الريفي والحضري.
زادت الاضطرابات السياسية والإصلاحات الإدارية من تفاقم الوضع المحلي. فالإصلاحات العثمانية، المعروفة بالتنظيمات، التي سعت إلى تحديث الحكم ومنح المساواة، كانت تؤدي أحيانا إلى تقويض الهياكل التقليدية. تبين فواز كيف أن الزعامات المحلية، مثل مشايخ الدروز وأساقفة الموارنة، تحركوا لحماية مصالح طوائفهم، حتى لو زاد ذلك من حدة التوتر مع الجيران. كما تلاحظ أن "الإصلاحات العثمانية قوضت التوازنات المحلية دون قصد، وزادت من حدة التنافس الطائفي". فواز في هذا المسار قريبة من قراءة بنيوية نقدية؛ فالإصلاحات، بدلا من أن تذيب الهويات الطائفية، عملت على تسييسها، جعلتها أكثر تحديدا وقابلية للتعبئة، عبر نقل خطوط الانتماء من مستوى العُرف المجتمعي إلى ساحة الحقوق القانونية والامتيازات المؤسسية.
وتبرز مثالا حاسما يتمثل في إنشاء نظام القائمقاميتين في جبل لبنان، الذي قسّم الحكم بين سلطتين درزية ومسيحية. وعلى الرغم من أن هذا النظام صُمم لإدارة التوترات المحلية، إلا أنه كان بطبيعته هشا، ومهّد الأرض لصراعات لاحقة.
بعد ذلك، توسّع فواز زاوية الرؤية، وتضع هذه التطورات المحلية ضمن سياق دولي متغير. فقد ازدادت تدخلات القوى الأوروبية، خصوصا فرنسا وبريطانيا، في الشؤون العثمانية تحت شعار حماية الأقليات المسيحية. هذا التدخل أضاف طبقة خارجية من الضغط فوق العلاقات الداخلية الهشّة أصلا. تشير فواز إلى أن "وجود المصالح الأوروبية أعطى الصراعات المحلية بُعدا أوسع، وشجّع الزعماء الطائفيين".
مع نهاية هذا العرض الأولي، تكون فواز قد رسمت خريطة معقدة لعوامل متداخلة: تحولات اقتصادية، إصلاحات سياسية، تنافسات محلية، وتدخلات أجنبية، جعلت المنطقة مهيأة للعنف. من خلال هذا التأطير، تتجاوز فواز الروايات المبسطة التي تفسر الأحداث بالعداوات الدينية وحدها، وتقدم سردا يربط بين هشاشة البُنى التقليدية وضغوط التحولات الخارجية، دون أن تنفي مسؤولية الفاعلين المحليين.
الهوية كاستراتيجية بقاء: الاقتصاد، الدين، والسياسة في مجتمع يتفكك
انطلاقا من الأساس الذي وضعته فواز لتحولات المجتمع المحلي، فأن كتابها تتعمق في دراسة أدق للهياكل الاجتماعية والاقتصادية في جبل لبنان ودمشق. تصور فواز مجتمعا يعيش تحت ضغط شديد، حيث القرى الريفية، التي كانت مركز الحياة المحلية، جمعت بين مسيحيين ودروز ومسلمين غالبا ما عاشوا جنبا إلى جنب.
لكن التفاوتات المتزايدة في الثروة، وتحولات ملكية الأراضي، زادت من حساسية الانتماءات الطائفية. تقول فواز: "الريف لم يكن عالما مثاليا من الاستقرار؛ بل كان يتعرض لهزات بفعل ضغوط التجارة والهجرة والحراك الاجتماعي". (15)
في هذا المناخ، تنافست العائلات البارزة، مثل آل جنبلاط من الدروز وكبار الموارنة، على النفوذ. وفي الوقت نفسه، اكتسب التجار المسيحيون، الذين استفادوا من روابطهم بالأسواق الأوروبية، قوة اقتصادية اصطدمت بقيادة ريفية تقليدية كانت تهيمن عليها النخب الدرزية.
تعكس المراكز الحضرية مثل دمشق وبيروت هذه التوترات الريفية، ولكن مع طبقات إضافية من التعقيد. ففي المدن، كان المسيحيون والدروز والمسلمون واليهود يعيشون غالبا في أحياء منفصلة، ومع ذلك كانوا مترابطين اقتصاديا. تشير فواز إلى أن المسيحيين في المدن، خصوصا المرتبطين بشبكات التجارة المتوسطية المتوسعة، حققوا مكاسب اقتصادية كبيرة. هذا الازدهار المتزايد أثار استياء الحرفيين المسلمين ومُلّاك الأراضي، الذين واجهوا اضطرابا في أسواقهم التقليدية.
تبرز فواز مثالا لافتا يتمثل في تراجع القرى الدرزية اقتصاديا مقارنة بازدهار المدن الساحلية المسيحية، مما عمّق الفوارق بين الريف والمدينة. كما تلاحظ أن "التحولات الاقتصادية غذّت مشاعر الاستياء، التي لم ترتبط كثيرا بالدين بقدر ما تعلقت بالصراع من أجل البقاء" .
في الريف كما في المدن، كانت الهياكل الاجتماعية التقليدية تتفكك، مما جعل الخصومات القديمة أكثر قابلية للاشتعال. تحذر فواز من أنه بحلول 1858–1860، كان نسيج الحياة الاجتماعية قد تآكل بما يكفي لجعل أي حدث بسيط شرارة لعنف واسع.
تلخّص فواز فكرتها الرئيسية بوضوح: "كانت العلاقات الطائفية، رغم مرونتها، تصبح مسيّسة ومرتبطة بأشكال جديدة من السلطة والشكوى" (21). هذا التآكل المستمر لأنماط التعايش القديمة تحت ضغط التغير السريع وغير المتكافئ هو الإطار الذي يجب أن يُفهم ضمنه عنف عام 1860.
من التفاوض إلى الانهيار: آليات صنع لحظة العنف
تشدد فواز على أن العنف الطائفي لم يكن حتميا، بل نتاج مسار طويل من التفاوض والتوترات المتصاعدة. ففي البداية، حاولت الأطراف المحلية احتواء الخلافات عبر آليات تقليدية من الوساطة والحل العرفي. غير أن التغيرات الاجتماعية–الاقتصادية المتسارعة قوضت هذه الوسائل.
توضح فواز أن "تصاعد الضغوط الاقتصادية، وتآكل أنظمة الوساطة التقليدية، وغياب سلطة مركزية فاعلة، جعلت من الخلافات اليومية قابلية للاشتعال السريع". لقد أُفرغت أدوات احتواء النزاعات من مضمونها، وبدأت الحوادث المحلية تأخذ طابعا طائفيا متزايدا، تغذيه مشاعر الخوف والريبة.
تورد فواز أمثلة على هذا الانزلاق: مشاحنات حول المياه أو الأراضي تتحول بسرعة إلى اشتباكات طائفية، حيث لم تعد تُفهم الخلافات كصراعات مصالح عادية، بل كتهديدات لهوية الجماعة بأكملها.
وتبرز لحظة بالغة الأهمية: "تدهورت أدوات التفاوض تدريجيا، وفي النهاية أصبح الانتماء الطائفي هو الإطار الوحيد الممكن لفهم الخصومة وتعبئتها". لم يعد هناك مجال لمفردات التسوية التقليدية، وأخذ العنف يحتل تدريجيا مكانه بوصفه لغة السياسة الوحيدة الممكنة.
تلاحظ فواز بذكاء أن هذا التحول لم يكن مجرد انعكاس لانهيار البُنى التقليدية، بل نتيجة لجهود واعية من بعض الفاعلين المحليين. زعماء دينيون وقبليون سعوا إلى تعبئة أتباعهم طائفيا لضمان النفوذ في عالم يتغير. تكتب: "التعبئة الطائفية لم تكن تلقائية، بل كانت مشروعا سياسيا واعيا لدى بعض النخب".
وتضيف أن الضغوط الخارجية، خصوصا تدخل القناصل الأوروبيين، غذت هذا الانزلاق، حيث اصطفّ المسيحيون مع فرنسا، والدروز مع بريطانيا، مما أضفى بعدا دوليا على التوترات المحلية، وزاد من استقطاب المواقف.
بهذا التحليل، تُظهر فواز أن الانهيار لم يكن لحظة فجائية، بل مسارا تدريجيا، حيث التآكل البطيء للثقة، والفشل التراكمي لآليات التفاوض، والصعود التدريجي لخطاب الهوية الحصرية، أنتجوا معا لحظة الانفجار العنيف.
تدخل الإمبراطوريات: الحماية بوصفها تفخيخا للفضاء المحلي
تُبرز ليلى فواز أن لحظة العنف في جبل لبنان ودمشق لا يمكن فصلها عن السياق الدولي المتغير. القوى الأوروبية، خصوصا فرنسا وبريطانيا، تدخّلت بادعاء حماية الأقليات المسيحية، لكنها في الواقع أعادت تشكيل الخريطة المحلية للصراع.
توضح فواز أن التدخلات الأجنبية منحت الطوائف أدوات سياسية للتمايز والمطالبة، وزودتها بإحساس متزايد بالاستقواء أو التهديد حسب موقعها من التحالفات الإمبريالية. هذا ما جعل النزاعات المحلية تأخذ بعدا دوليا لم يكن موجودا بهذه الصورة من قبل.
ومع أن تحليل فواز يُبرز التداخل المعقد بين المحلي والدولي، إلا أنه يظل محتشما عند استكشاف منطق "سياسة الحماية" بوصفه جزءا من بنية الهيمنة الحديثة. كان يمكن لتعميق هذا البعد أن يوسّع فهمنا لكيفية تَشكُّل الهويات القتالية الحديثة.
تلاحظ فواز أن الحماية لم تكن مجرد تدخّل خيّر، ولا حتى مجرد استغلال لأداة موجودة، بل كانت فعلا بنيويا لإعادة صياغة الفضاء السياسي المحلي حول تصنيفات هوياتية ضيقة، أصبح المسيحيون لا مجرد جماعة دينية، بل "رعايا أوروبا" المرمزين، وأصبح المسلمون والدروز يُصوَّرون كخطر محتمل على النظام الدولي.
لم يفاقم التدخل الأوروبي الصراع الطائفي فحسب، بل أعاد تعريف الطائفة نفسها. لم تعد الطائفة إطارا أهليا للتعايش، بل تحولت إلى وحدة سياسية قابلة للاستدعاء كطرف في نزاع دولي.
هنا تظهر إحدى الثغرات في سردية فواز، وهي تصف التدخلات الأجنبية كعامل ضغط، لكنها لا تفكك بما يكفي كيف ساهمت هذه التدخلات في تصنيع الطائفية بوصفها علاقة قوة دولية. كان يمكن ربط تحليلها بمفاهيم لاحقة مثل "السيادة المجزأة"، التي طبعت مشهد الدولة–الأقلية في المشرق من عهد المتصرفية إلى الانتداب الفرنسي.
تصل فواز إلى فكرة محورية: القوى الأوروبية لم تترك المجتمعات المحلية تدير أزماتها، بل قفزت إلى قلب أزماتها الرمزية، محوّلة كل شكوى أهلية إلى ذريعة لإعادة هندسة النظام السياسي والاجتماعي بمنطق طائفي تدعمه القوة الدولية.
الطائفية كاختراع حديث: قراءة متقاطعة مع دراسات الهوية
تشير ليلى فواز إلى أن الطائفية كما تجلت عام 1860 لم تكن مجرد استمرار لهويات دينية قديمة، بل تشكلت بوصفها ظاهرة حديثة، مرتبطة بتحولات السوق، والإصلاحات العثمانية، والتدخلات الأجنبية. لم تكن الهويات الطائفية ساكنة أو جوهرية، بل كانت قابلة لإعادة التصنيع وفق متطلبات السلطة والصراع.
تعالج فواز هذه النقطة دون الغوص العميق في الأطر النظرية التي طورها باحثون مثل بنديكت أندرسون في تحليله لـ “الجماعة المتخيلة”، تشارلز تيلي في تحليله لـ"التعبئة السياسية"، أو روجرز بروبيكر في نقده لمفهوم الجماعة، واللذين أظهروا كيف أن الهويات يمكن أن تُخترع أو يُعاد ترميزها كوسيلة للضبط أو التمرد السياسي.
في هذا السياق، كان يمكن لتعميق النقاش حول فكرة أن الهويات الطائفية لم تكن فقط معطى ثقافيا، بل نتاجا لإعادة تشكيل بنيوي للسوق، وللقوانين، ولشبكات الولاء السياسي، أن يعطي تحليل فواز بعدا إضافيا.
تُلمّح فواز إلى أن السياسات الأوروبية، تحت غطاء حماية الأقليات، أدت إلى تضييق الهوية حول الانتماء الطائفي، لكنها لا تذهب بعيدا في تحليل كيف أصبح هذا الانتماء أداة لإعادة رسم الفضاء السياسي والاجتماعي.
كان من الممكن أن تُثري فواز سرديتها لو قاربت الطائفية بوصفها إنتاجا حداثيا مركبا، يتقاطع فيه الاقتصادي والسياسي والرمزي، بدلا من النظر إليها بوصفها فقط تجددا لانقسامات أزلية.
تُتيح قراءة فواز إمكانية الربط بين نشوء الطائفية الحديثة وبين عمليات أوسع لإنتاج الجماعات المتخيلة، وصناعة حدود الهوية بوصفها حدا سياسيا وقانونيا جديدا، لا مجرد تراث ثقافي مستمر.
مقارنة بين جبل لبنان ودمشق: أنماط العنف والتفاوض
تولي ليلى فواز اهتماما خاصا للفروقات بين مسار العنف في جبل لبنان ومساره في دمشق، رافضة النظر إليهما كظاهرتين متطابقتين. تبرز أن السياقين كانا مختلفين في تركيبة القوى الاجتماعية، وأنماط الاقتصاد، وعلاقة المجتمعات المحلية بالسلطة العثمانية.
في جبل لبنان، تشير فواز إلى أن العنف انبثق عن شبكة متراكبة من التوترات الريفية، التي غذتها تحولات ملكية الأراضي، وفشل نظام القائمقاميتين في تحقيق التوازن السياسي، وتدخلات القوى الأجنبية في الشؤون المحلية. هناك، كانت الطائفية تتحول تدريجيا إلى لغة صراع اقتصادي وسياسي، مع تصاعد الاستقطاب بين الدروز والموارنة.
أما في دمشق، فالسياق كان حضريا أكثر، وتشرح فواز أن "العنف لم ينبثق من نزاعات ريفية حول الأرض، بل من احتقانات سوقية وسياسية في مدينة متغيرة". فالمدينة كانت تشهد صعود برجوازية مسيحية مزدهرة بفضل انفتاح الأسواق الأوروبية، مما أثار استياء الحرفيين المسلمين التقليديين. هذا الاستياء تفجّر في ظل ضعف السلطة العثمانية، وعجزها عن حماية جميع رعاياها بشكل متساوٍ.
تشير فواز إلى أن العلاقة بين الدولة والمجتمع كانت أكثر هشاشة في دمشق، وأن الشكوك المتبادلة بين الطوائف تزايدت مع الشعور بأن الحماية الأوروبية تميل لصالح المسيحيين. هنا، لا يُفهم العنف فقط كرد فعل اجتماعي، بل أيضا كإخفاق سياسي في إدارة التنوع، حيث "انهارت شبكات الوساطة التقليدية، وتحول الانتماء الطائفي إلى مصدر للخوف والعداء"، كما تقول فواز.
في كلتا الحالتين، تؤكد فواز أن العنف لم يكن تعبيرا عن كراهية دينية دفينة، بل نتاج سيرورات اجتماعية–اقتصادية وسياسية معقدة، تفاقمت بفعل تدخلات خارجية واحتقانات داخلية لم تجد منفذا سياسيا سلميا.
غير أن الأثر البعيد لهذين المسارين تباين لاحقا بصورة لافتة، في جبل لبنان، أسفرت الحرب الأهلية عن طائفية مؤسسية، جرى تثبيتها ضمن أنظمة الحكم والتمثيل السياسي، وأصبحت الهوية الطائفية إطارا مشروعا للتنظيم الاجتماعي والحقوقي. أما في دمشق، فقد فضّلت النخب السياسية دفن ذكرى الأحداث، وطُمست الحساسيات الطائفية، عدم تركها تغادر من ساحة الشعور العام إلى الحيز السياسي، ظل الخطاب الطائفي في دمشق يحتاج لتبرير لم يكن يحتاجه في بيروت.
هذا التباين ترك أثره العميق على تمثلات الوعي الطائفي، ففي لبنان، تمأسست الطائفة كمكون سياسي معلن، بينما بقيت الطائفية في دمشق قابعة تحت السطح، حاضرة في المخيال الشعبي بشكل نفسي واجتماعي، لكنها غائبة في المجال السياسي.
أين نجحت فواز وأين بقيت المساحات الغامضة؟
تتميّز قراءة ليلى فواز للحظة 1860 بقدرتها على مقاومة السرديات الجوهرانية. فهي ترفض تفسير العنف الطائفي كامتداد طبيعي لكراهيات دينية كامنة، وتُصرّ على ربطه بتحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية ملموسة. هذا التحليل يُعد نقطة قوة أساسية في الكتاب، حيث يعيد تأطير الأحداث ضمن سيرورة تاريخية معقدة، تكسر اختزال الصراع إلى مجرد تناحر أهلي.
نجحت فواز أيضا في تقديم سردية متعددة المستويات، تدمج بين المحلي والدولي، وبين الاقتصاد والسياسة والهوية. ومن خلال دراستها للعلاقات بين الزعامات الطائفية، والمجتمعات المحلية، والدولة العثمانية، والقوى الأوروبية، تبني شبكة تحليلية متماسكة تتيح للقارئ فهم طبيعة العنف المركبة.
تُحسب لفواز كذلك براعتها في تجسيد الواقع الاجتماعي اليومي. أوصافها للتوترات الريفية، للمخاوف الحضرية، ولتحولات الأسواق والملكيات، تخلق سردا حيا لا يكتفي بتأريخ العنف من فوق، بل ينزل إلى مستوى التفاصيل المعيشية.
تترك سردية فواز مساحات غامضة لم تُفكّك بما يكفي. رغم إبرازها لتدهور آليات التفاوض التقليدي، إلا أنها تميل إلى تفسير العنف بوصفه نتاج انهيار بطيء للبُنى أكثر من كونه أيضا نتاج تعبئة سياسية واعية. يغيب عن تحليلها تفكيك دقيق لدور الفاعلين الذين سعوا لتسييس الهويات وتحويلها إلى أدوات صراع، وهي ثغرة مهمة لفهم كيف انتقل المجتمع من التوترات القابلة للاحتواء إلى المجازر المفتوحة.
كما أن معالجة فواز للبعد الدولي، رغم أهميته، بقيت أحيانا حذرة. فهي ترى القوى الأوروبية كعوامل ضغط فاقمت التوترات، لكنها لا تغوص بما يكفي في تحليل كيف صاغ منطق الحماية الاستعمارية أنماط الهوية والصراع نفسها. هنا، كان يمكن لفواز أن تستفيد من أدوات تحليلية مثل مفهوم "السيادة المجزأة"، لفهم كيف أن التدخل الأجنبي لم يكن مجرد عامل مفاقمة، بل كان جزءا من إعادة هندسة الفضاء السياسي المحلي.
يُسجل أيضا أن فواز، مع تأكيدها على ديناميات السوق والإصلاحات، تُعطي حيزا محدودا لدور الذاكرة الجماعية والسرديات الرمزية في تفسير لحظة الانهيار. فتساؤلات مثل: كيف تحولت المظالم إلى قصص تعبئة؟ وكيف أُعيدت كتابة معاني الانتماء الطائفي خلال الأزمة؟ تبقى أسئلة معلّقة في خلفية النص دون إجابة حاسمة.
تظل قراءة فواز علامة فارقة في دراسات العنف الطائفي، لأنها تحرر السرد من الحتمية وتعيد العنف إلى سياقه التاريخي الملموس، دون الوقوع في فخ التبرير أو الاختزال.
عنف الأمل المكسور
حين يطوي القارئ صفحات "مناسبة للحرب"، لا يغادره الشعور بأن العنف ليس لحظة انحراف استثنائية، بل إمكانية كامنة في كل مشروع اجتماعي غير مكتمل، تهدد بالخروج إلى السطح حين تتكسر قواعد التفاوض، ويتسرب الخوف إلى ثنايا الهوية.
إن ما ترويه فواز عن 1860، من جبل لبنان إلى دمشق، ليس فقط عن مجتمعات انزلقت إلى العنف تحت وطأة الضغوط البنيوية. إنه عن هشاشة الفضاء العام ذاته حين يُترك دون آليات صلبة لإدارة الاختلاف، وحين يتحول الفشل السياسي إلى فراغ تملؤه الذاكرة المثقوبة، والمرارة الصامتة، والخطابات المتطرفة.
يتجاوز الكتاب حدود لحظة تاريخية بعينها ليقدّم حجة ثقيلة حول طبيعة الاجتماع السياسي نفسه، أن المجتمعات لا تُختبر في لحظات السلم الظاهري، بل في قدرتها على التفاوض تحت الضغط، وفي مرونة سردياتها الجمعية أمام أزمنة الأزمة.
ما يغيب نسبيا عن تحليل فواز هو استكشاف كيف يتولّد العنف أيضا من خيبة الأمل بالحداثة نفسها. فالإصلاحات العثمانية التي استبشرت بها قطاعات اجتماعية بوصفها وعدا بالعدالة والمساواة، سرعان ما تحوّلت إلى خيبة مضاعفة، لا هي أنقذت البنى التقليدية، ولا أنشأت توازنا جديدا. كانت وعود الحداثة، كما تبيّن فواز، وقودا غير مقصود للعنف حين فشلت في الوفاء بوعودها ضمن شروط واقعية.
بهذا المعنى، يمكن قراءة أحداث عام 1860 لا فقط كحرب طائفية، بل كـ"عنف الأمل المكسور" حين تفشل الوعود الكبرى، وتتحلل التراتبيات القديمة دون أن تقوم مكانها أنظمة شاملة قادرة على دمج الاختلاف.
ليس كتاب مناسبة للحرب درسا في الماضي فقط، بل تحذيرا دقيقا للحاضر، أن المجتمعات التي لا تنتج باستمرار أدوات تفاوض حية بين مكوناتها، تظل عرضة لأن تصنع عنفها بيديها، لا بفعل الحتمية، بل بفعل الغفلة عن هشاشة الاجتماع الإنساني ذاته.
يهمس لنا السطر الاخير في الكتاب، أن التعايش مشروع مفتوح، لا ضمانة لاستمراره سوى صيانته الدؤوبة، لا بتمجيد الاختلاف، بل بترويضه ضمن آفاق مشتركة قابلة للنقاش والمراجعة.




