النخب المراوغة
رغم الاهتمام الواسع اليوم بمسألة اللامساواة، فإن علماء الاجتماع والمؤرخين غالبًا ما يتجنبون الحديث عن "النخب". يرجع ذلك جزئيًا إلى ما تحمله الكلمة من دلالات سلبية، وإلى تفضيل الكثيرين استخدام مصطلح "الطبقة" بدلاً منها. لكن هناك سببًا آخر لا يقل أهمية: غموض مفهوم "النخبة" نفسه، وعدم وضوح حدوده واستخداماته.
أحيانًا تعلق جملة في الذهن وتُلازمك لسنوات، تطفو فجأة إلى السطح كلما مررت بمكان أو لحظة بعينها. بالنسبة لي، لا يمكنني السير قرب مقبرة دون أن أهمس لنفسي: "التاريخ مقبرة للأرستقراطيات". وقد يكون ذلك متكلفًا، لكنني أرددها دائمًا بالإيطالية: la storia è un cimitero di aristocrazie. هذه العبارة صاغها المفكر الإيطالي فيلفريدو باريتو، وهي تُلخص رؤيته لطبيعة التحول الاجتماعي: كيف تختفي جماعات النخبة القديمة، لتحل محلها نخب جديدة، في عملية دائمة من تداول السلطة وتدويرها. بهذا المعنى، يصبح التاريخ أشبه بمقبرة مزدحمة بجماعات كانت ذات يوم في القمة، ولم تعد كذلك.
نادراً ما يُشير الباحثون المعاصرون في دراسات النخب إلى فيلفريدو باريتو (1848–1923)، أو إلى غيره من منظّري النخبة الكلاسيكيين مثل غايتانو موسكا (1858–1941) وروبرت ميشيلز (1876–1936)، الذين كانوا من روّاد دراسة النخبة علميًا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
لكن رغم ذلك، فإن الأسئلة التي طرحوها – والتي تكاد تكون خارج حدود الزمن – لا تزال حاضرة بقوة في الأبحاث الحديثة: من هم أفراد النخبة؟ كيف يحافظون على مواقعهم في السلطة؟ كيف يؤثرون على المجتمع ككل؟ وكيف تتغير النخب بمرور الزمن؟ هذه الأسئلة تواصل توجيه البحوث المعاصرة، حتى وإن تغيرت اللغة والمناهج.
الأسس
في السويد اليوم، يكاد يُعدّ تنظيم ندوة حول موضوع "النخب" مهمةً تتطلب جهدًا قسريًا.
قلّة من الباحثين يصفون أنفسهم بأنهم "باحثون في شؤون النخبة" – وربما لا يساعد المصطلح نفسه، الذي يبدو ثقيلًا وغير مريح. ومع ذلك، لطالما استُخدمت دراسة النخب لفهم المجتمع بأسره.
ولكي نفهم لماذا تقلّص هذا النوع من الدراسات في السويد وخارجها، ولمعرفة كيف تطوّر البحث في موضوع النخبة خلال القرن الماضي، لا بدّ من العودة إلى باريتو ومقبرته. فالأفكار لا تولد من فراغ.
الباحثون الذين يُشار إليهم غالبًا باسم "المدرسة الإيطالية" أو "منظّرو النخبة الكلاسيكيون" عاشوا في لحظة تاريخية بالغة الحيوية. فعبر أوروبا، كانت "النخب القديمة" (النبلاء) تواجه تحديًا متصاعدًا من قِبل "النخب الجديدة" (البرجوازية)، مع تحوّل المجتمع من بنيته القائمة على الامتيازات الطبقية إلى مجتمع طبقي بالمعنى الحديث.
ومع ذلك، فإن التفسير السائد لنظريات موسكا وباريتو وميشيلز لا يرى أن صراع النخب القديمة والجديدة كان في صلب اهتمامهم. بل كان الدافع الأعمق وراء تنظيراتهم هو فكرة "الشعب" أو "الجماهير". فقد اعتُبرت هذه الكتلة المتنامية – بفعل النمو السكاني، وظهور الطبقة العاملة، والنزعات الثورية المنتشرة في أوروبا – تهديدًا محتملاً للاستقرار الاجتماعي، لا سيما في أعين الطبقة الوسطى العليا التي انتمى إليها هؤلاء المنظّرون.
هناك غموض متأصل يحيط بتاريخ مفهوم "النخبة" في العصر الحديث. ففي القرن الثامن عشر، كانت كلمة "نخبة" بمثابة شعار نضالي للبرجوازية الفرنسية في صراعها ضد امتيازات النبلاء الوراثية. مع أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تغيّرت دلالات المفهوم. أصبح يُستخدم كحجة ضد "الجماهير" ومخاطر تصاعد نفوذها الديمقراطي. وبذلك، جاء الاستخدام العلمي المبكر لمفهوم النخبة في سياق مضاد للفكر الماركسي، فالنظرية التي تبنّاها منظّرو النخبة الأوائل رأت في حُكم النخبة حقيقة لا مهرب منها، بل ضرورة تنظيمية. في كتابه عناصر العلم السياسي (Elementi di Scienza Politica، 1896)، والذي يُعد أول دراسة سوسيولوجية كبرى حول النخبة، قدّم غايتانو موسكا نظرية مفادها أن حكم النخبة أقرب إلى "قانون طبيعي".
فالنخب كانت دائمًا في موقع القيادة، وستظل كذلك. وبرأيه، حتى مع التوسع الديمقراطي، فإن توازن القوة لن يتغير، إذ إن أقلية منظمة ستحكم دائمًا أغلبية غير منظمة.
كانت العلاقة بين السلطة والتنظيم محورية في تفكير غايتانو موسكا، ثم لاحقًا في أعمال روبرت ميشيلز. لكن موسكا لم يربط هيمنة النخبة بالتنظيم فقط، بل كان يعتقد أيضًا أن الأقلية الحاكمة تتمتع بتفوّق فكري يجعلها أكثر أهلية أخلاقيًا لإدارة شؤون المجتمع. ورغم أن الاستمرارية التاريخية كانت مكوّنًا أساسيًا في رؤيته، فإن موسكا شدّد كذلك على أهمية التغيير. ففي كتابه عناصر العلم السياسي (1896)، وصف كيف أن النخب في العصور السابقة كانت تعتمد في سطوتها على القوة العسكرية، بينما باتت النخب في عصره – أواخر القرن التاسع عشر – تستمد سلطتها من الثروة الاقتصادية. لم يعد من يحكم هم "الشجعان"، بل "الأثرياء".
هذه العملية – أي تحوّل الثروة إلى الأداة الأساسية لبلوغ السلطة، تختصر في نظر موسكا منطق التاريخ، مجموعة نخبوية تؤسس احتكارًا للسلطة وتسعى إلى توريثه. ومجموعة أخرى تظهر لتحدي هذا الاحتكار والسعي للسيطرة. في فترات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، يسهل على النخبة القائمة تعزيز موقعها. أما في لحظات الاضطراب، فتزداد فرص "المتحدّين" لتغيير موازين القوة بسرعة.
ومع ذلك، لم يكن تغيّر بنية النخبة دائمًا عنيفًا أو سريعًا. في فترات الاستقرار الطويل، حيث تُنقل السلطة بالوراثة من جيل إلى آخر، يحدث ما أسماه موسكا "تداولًا بطيئًا للنخبة"، فمن خلال ضمّ أفراد موهوبين من خارج النخبة تدريجيًا، بمرور الوقت تُضعف هذه العناصر الجديدة النخبة القائمة من الداخل، إلى أن تسقط وتُستبدل. وكما يغيّر الثعبان جلده، على المجتمع أن يُجدّد نخبته بين حين وآخر.
رغم التشابهات الكثيرة بين موسكا ومواطنه فيلفريدو باريتو، فإن الأخير ارتبط أكثر بمفهوم "تداول النخبة" (Elite Circulation). فبالنسبة لباريتو، فإن صعود النخب وسقوطها يكاد يُعد قانونًا تاريخيًا، يتكرّر في كل المجتمعات على مرّ العصور. جاءت نظريات باريتو حول النخبة ضمن إطار أوسع لتحليل المجتمع، عرضه في كتابه رسالة في علم الاجتماع العام (Trattato di Sociologia Generale، 1916). وفيه قدّم تعريفًا واسعًا للنخبة يشمل كل من بلغوا أعلى المراتب في مجالاتهم – حتى اللصوص!
وبداخل هذا التعريف العريض، ميّز باريتو بين "نخبة حاكمة" و"نخبة غير حاكمة"،
رغم أن هذا الفصل لم يكن واضحًا دائمًا في الواقع. وكما لدى موسكا، اعتقد باريتو أن تداول النخبة قد يحدث على مستوى الأفراد أو الجماعات. غير أن الخطر الأكبر، في نظره، كان يكمن في غياب التداول. فعلى النخبة الحاكمة أن "تتخلّص" من أعضائها غير الأكفاء. أما إذا تم استبعاد الأفراد الأكفأ في المجتمع من الانضمام إلى النخبة الحاكمة، فإن ذلك يُمهّد لانقلاب عنيف عليها.
مستعيراً من نيكولو مكيافيلي (1469–1527)، استخدم فيلفريدو باريتو استعارة "الثعالب" و"الأسود" لوصف التفاعل داخل النخبة الحاكمة بين القوى المحافظة وتلك التي تميل إلى المخاطرة والتجديد. ورغم أن هذا التشبيه يبدو أقرب إلى الحكايات الرمزية منه إلى النظرية الاجتماعية، إلا أن باريتو رأى أن التوازن بين "الثعالب" الماكرة و"الأسود" القوية هو التوليفة المثلى لضمان بقاء النخبة في السلطة. ومن هذا المنطلق، شدّد على ضرورة أن تعمل الطبقة الحاكمة على استقطاب أفضل العناصر من الطبقات المحكومة. فهنا تعود مسألة "التنظيم" إلى الواجهة، فمن دون النخب الأكثر كفاءة فيها، لن تتمكّن الطبقة المحكومة من بناء مقاومة فعّالة ضد من يسيطرون على السلطة.
أما ثالث منظّري النخبة الكلاسيكيين، روبرت ميشيلز، فقد أعاد هو الآخر التأكيد على مركزية التنظيم. غير أن تركيزه كان أوضح على الأحزاب السياسية الحديثة، وهو ما بلوره في أطروحته الشهيرة "قانون الأوليغارشية الحديدي" (Iron Law of Oligarchy)، والتي أصبحت حجر زاوية في دراسات النخبة. قدّم ميشيلز هذه الفرضية في كتابه في سوسيولوجيا الأحزاب في الديمقراطية الحديثة (Zur Soziologie des Parteiwesens in der modernen Demokratie، 1911)، حيث جادل بأن كل تنظيم – مهما كانت أهدافه ديمقراطية – ينتهي به المطاف إلى تطوير نزعة أوليغارشية داخلية لا مفر منها. دراسته التطبيقية تناولت الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني (SPD)، واللافت بالنسبة لميشيلز أن حزبًا تأسس لمحاربة الأوليغارشية انتهى بإنتاج أوليغارشية جديدة بداخله. وهذا، في نظره، كان دليلًا قاطعًا على قوة أطروحته.
تنبع هذه النزعة من مفارقة حادة: فالطبقة العاملة لا تستطيع انتزاع السلطة دون تنظيم نفسها،
لكن عملية التنظيم ذاتها تُنتج نخبة قيادية داخل الحزب. وبذلك، فإن السعي لكسر هيمنة القلة ينتهي – من حيث لا يُراد – إلى خلق قلة جديدة. وبحسب ميشيلز، فإن هذه المفارقة لا تقتصر على الأحزاب السياسية. فكل تنظيم قوي يتطوّر تدريجيًا نحو بنية قيادية هرمية، فيما تنجذب الجماهير غير المنظمة بطبيعتها إلى القادة الأقوياء. وبمرور الوقت، تقوم النخبة الحاكمة بكل ما في وسعها للحفاظ على سلطتها – وغالبًا على حساب مبادئها الأولى – فتنغلق على ذاتها وتتحوّل إلى ما يشبه "الطبقة المغلقة" أو "الطائفة". وهكذا، فإن ثوّار الأمس يغدون رجعيي اليوم.
رغم أن روبرت ميشيلز كان يرى في الحكم الديمقراطي خيارًا أفضل من البدائل المطروحة، فإن تصوّره بأن أقلية صغيرة وذات كفاءة لا بدّ أن تحكم الأغلبية غير المنظمة والأقل قدرة، أصبح محل إشكال عميق في ضوء ما شهدته أوروبا خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين. فالعلاقة التي ربطت بين نظريات "المدرسة الإيطالية" في دراسة النخبة، وبين التبريرات الإيديولوجية التي استخدمها كل من الفاشيون في إيطاليا والنازيون في ألمانيا، دفعت إلى مراجعة نقدية صارمة لمفهوم "النخبة" نفسه. ومع تصاعد هذه الشبهات، أصبح الاستشهاد بأسماء مثل موسكا، وباريتو، وميشيلز، أمرًا يثير الريبة أكثر من كونه مرجعًا علميًا موثوقًا.
الردود والتحولات
في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، اتّجهت دراسات النخبة إلى الابتعاد عن فكرة "النخبة الواحدة"، وركّزت بدلًا من ذلك على "النخب" بصيغة الجمع. جاء هذا التحول جزئيًا كردّ فعل على الإرث الفكري للمدرسة الإيطالية، وأيضًا كمحاولة للفصل المعرفي عن التجارب السياسية الكارثية التي رافقت صعود الفاشية والنازية في أوروبا.
استُبدل مفهوم "الطبقة الحاكمة" بمفهوم "النخب الوظيفية التعددية" السياسية والاقتصادية والأكاديمية والثقافية وغيرها. وأصبح التركيز على دراسة مواقع النخبة المختلفة، انطلاقًا من فرضية أن توازن القوى بين هذه النخب المتعددة يمنع هيمنة أي مجموعة واحدة على المجتمع بأكمله.
اتجه الباحثون أيضًا إلى دراسة الحدود والعلاقات بين هذه النخب، وكيف تتفاعل مع المجتمع العام. رغم هذا التحول، فإن فكرة "النخبة الواحدة الحاكمة" لم تختفِ تمامًا، بل عادت للظهور بصيغ جديدة. إحدى أبرز هذه الصيغ جاءت في أعمال عالم الاجتماع الأميركي سي. رايت ميلز (1916–1962)، الذي قدّم مفهوم "نخبة السلطة" (power elite)، مُشيرًا إلى اندماج النخب الاقتصادية والسياسية والعسكرية في أميركا ما بعد الحرب ضمن شبكة مصالح مشتركة تُدير البلاد. وفقًا لميلز، سهّل هذا الاندماج كون الأفراد في مواقع النخبة ينتمون إلى خلفيات اجتماعية متشابهة تشمل المدارس والجامعات والنوادي الاجتماعية ذاتها، وأحيانًا حتى المصايف المشتركة.
لهذا السبب، ركّز جزء كبير من أبحاث النخبة بعد الحرب على البيئات الاجتماعية التي تربط بين النخب المختلفة، وفي مقدمتها المؤسسات التعليمية، ولاحقًا الأحياء السكنية الراقية. استند هذا التوجه إلى أعمال عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو الذي رأى أن مثل هذه البيئات تُمثّل "نُظُم تنشئة" تنقل نمطًا معينًا من العيش والتفكير – ما يسميه الهابيتوس – من جيل إلى آخر داخل النخبة. وفقًا لهذا المنظور، لا يُولد الإنسان "نخبويًا" فحسب، بل يتم "تكوينه" منذ الطفولة داخل فضاء ثقافي–اجتماعي معيّن.
ومن الأمثلة السويدية اللافتة على هذا النوع من الأبحاث:
دراسات المؤرخ إيسبيورن لارسون حول تكوين الهابيتوس بين الأرستقراطيين الشباب في الأكاديمية العسكرية بكارلبرغ،
وأبحاث الاقتصادي ميكائيل هولمكفيست حول ضاحية ديورسهولم الثرية شمال ستوكهولم،
التي "تُقدّس" سكانها وتُعيد تشكيلهم كقادة مستقبليين.
ومع تزايد تأثير العولمة، باتت دراسات النخبة تركز أكثر على النخب العابرة للحدود، وعلى المؤسسات والبيئات التي تُنتجها وتُعيد تشكيلها عالميًا. رغم أن نظريات النخبة المعاصرة – في السويد والعالم – تعتمد بشكل رئيس على أفكار ميلز وبورديو، إلا أن كثيرًا من عناصر المدرسة الإيطالية لا تزال حاضرة، وإن بشكل غير مُعلن. فمثلًا، كان غايتانو موسكا يؤمن بأن وراثة المواقع النخبوية لا تُفسَّر بيولوجيًا، بل من خلال التنشئة داخل بيئة نخبوية.
الفرق الجوهري بين أبحاث النخبة اليوم وتلك في أوائل القرن العشرين، يكمن في تفتت مفهوم النخبة، والاعتراف بوجود نخب متعددة لا طبقة حاكمة واحدة. فإذا كان موسكا، وباريتو، وميشيلز هم منظّرو الجيل الأول، فإن ميلز وبورديو يُمثّلان الجيل الثاني النقدي في دراسات النخبة
موجة ثالثة أم تطوير منهجي؟
رغم أن بعض الباحثين يرون أننا نعيش حاليًا في "الموجة الثالثة" من دراسات النخبة، فالأدقّ، بحسب التوجه السائد، هو اعتبار الأبحاث الراهنة تطورًا منهجيًا لأفكار ميلز وبورديو، وليست قطيعة معرفية معها. فما نراه اليوم من تحليل شبكات القوة، ودراسات إثنوغرافية معمّقة، وأساليب بحث نوعي متقدمة، ليس سوى تعميق لأدوات الجيل الثاني من نظريات النخبة. ولم تُطرح مراجعة جذرية أو رفض حقيقي لتصورات ميلز أو بورديو. وتظل الفكرة الجوهرية قائمة، وهي دراسة النخبة هي دراسة للّامساواة – ولكن من الأعلى لا من الأسفل. فالباحث لا يدرس الفقراء ليعرف لماذا فشلوا، بل يدرس الأثرياء ليعرف لماذا نجحوا في البقاء في القمة. ويحلّل مواقع السلطة لفهم سبب تهميش آخرين.
في العقود الأخيرة، تصاعدت التقارير حول تنامي اللامساواة. وباتت الفجوة لا تُقاس فقط بالثروة،
بل تشمل أيضًا الصحة والتعليم ومتوسط العمر. وقد أدى ذلك إلى عودة الاهتمام بالنخب، سواء في الأوساط الأكاديمية أو في الخطاب العام.
الباحثون الذين ينتمون إلى "الموجة الثانية" من دراسات النخبة، ويرون فيها أداة نقدية لكشف جذور اللامساواة، يعتبرون هذه العودة حافزًا لمزيد من البحث. لكن هذا الاهتمام المتجدد بالنخبة في المجال العام لا يخلو من إشكاليات. فمن داخل الحقل ذاته، بدأ بعض الباحثين ينتقدون التوسّع المفرط في استخدام مصطلح "نخبة"، لدرجة تهدد بفقدانه لقيمته التفسيرية. ومع انخراط المصطلح في الخطاب الشعبي، يزداد خطر تحوّله إلى تعبير فضفاض فاقد للدقة.
لطالما حملت كلمة "نخبة" دلالات سلبية في السويد –باستثناء استخدامها في سياق الرياضة أو الجيش. لكن في السنوات الأخيرة، تصاعد الاستخدام السياسي للمصطلح، خصوصًا من قبل الحركات الشعبوية، التي باتت تُصوّر "النخبة" كعدوّ للجمهور.
ورغم أن نظريات المؤامرة حول "نخبة سرّية تحكم العالم" ليست جديدة، فقد عادت لتكتسب زخمًا متجددًا. وهذا، أيضًا، ليس بجديد. فمنذ بدايات البحث في موضوع النخبة، كان هذا المفهوم عرضة دائمًا للاختطاف والتشويه. ما جعل استخدامه العلمي محاطًا دومًا بالتحفّظ والجدل.
المسكوت عنه في دراسات النخبة
في مقدمة الأنطولوجيا السويدية «النخب التي تخلّت عن دورها» (Eliterna som abdikerade، 1998)، استخدم بيتر لوترشون وأندش بيورنشون تعبير "beröringsskräck" – أي "الخوف من الملامسة" – لوصف علاقة الباحثين السويديين بمفهوم النخبة. قالا صراحة إن "البحث الاجتماعي السويدي، كما الدراسات التاريخية، نسيَ الاهتمام بالنخب المجتمعية". لكن هذا "النسيان" أو "الإهمال" لا يقتصر على السويد، فقد قيل الشيء نفسه عن أبحاث النخبة في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا.
من الملاحظات المتكررة أن علم الاجتماع منح الفقراء اهتمامًا أكبر بكثير من الأغنياء. في مقترحات البحوث، وعناوين المقالات والكتب، بل وحتى أسماء المقررات الجامعية، كثيرًا ما يُستخدم مصطلح "اللامساواة" مقترنًا بكلمة "نخب". هذا التوجه يُجسّده التعريف الشهير لعالم الاجتماع شاموس خان "دراسة النخبة هي دراسة السلطة واللامساواة من الأعلى." ويُحتمل تفسير هذا الاقتران بطريقتين إما كعلامة على القلق من أن موضوع النخب لم يعد يتمتع بأهمية بحثية مستقلة، أو كمحاولة لتعزيز فرص الحصول على التمويل من خلال ربطه بخطاب العدالة الاجتماعية. لكن التوصيف الأدق هو أن مفهوم "النخبة" قد جرى تحاشيه لفظيًا، بينما استمرت دراسة الأفراد والمجموعات والمؤسسات ذات النفوذ والهيبة بشكل فعّال. ببساطة، هناك نفور من الكلمة لا من الموضوع. بدلاً من "نخبة"، يستخدم الباحثون مصطلحات مثل "فاحشو الثراء" (super-rich)، "البرجوازية"، "أصحاب السلطة" أو "الأوليغارشيون"
ويعود هذا النفور جزئيًا إلى حقيقة أن لا ماكس فيبر ولا كارل ماركس استخدما مفهوم "النخبة".
فعند الباحثين المتأثرين بالماركسية، يُشتّت مصطلح "النخبة" الانتباه عن التحليل الطبقي.
أما من يدرسون النخبة من زاوية "السلطة"، فهم عادةً ما يتفادون المفردات الماركسية عن الطبقة والرأسمالية. ميلز نفسه – الذي صاغ مفهوم "نخبة السلطة" – كان من هؤلاء، تجنّب مصطلح "الطبقة" وفضّل الحديث عن بنى القوة. ورغم هذا التحفظ المتبادل بين مفهومي "النخبة" و"الطبقة"، فقد جرت بعض المحاولات للجمع بينهما، وأبرزها استخدام مصطلح "الطبقة الحاكمة" – الذي يجمع بين الانتماء الطبقي والموقع السلطوي. لكن غالبًا ما كانت هذه المحاولات تؤدي إلى ضبابية مفاهيمية، إذ يُدرج مصطلح "النخبة" في العنوان لأغراض تسويقية، بينما ينصبّ محتوى البحث فعليًا على الطبقات الاجتماعية أكثر من النخب بوصفها شبكة قوة وامتياز.
مفهوم النخبة: التردد في اللفظ، لا في الموضوع
حتى أبرز من ساهموا في بلورة دراسات النخبة تفادوا استخدام مصطلح "النخبة" نفسه. فبيير بورديو، على سبيل المثال، كان يفضل الحديث عن الطبقة المهيمنة (la classe dominante) بدلًا من "النخبة". أما موسكا، فاستخدم تعبير الطبقة الحاكمة (classe dirigente)، والذي تُرجم لاحقًا إلى "النخبة الحاكمة". وباريتو نفسه – صاحب عبارة la storia è un cimitero di aristocrazie (التاريخ مقبرة للأرستقراطيات) كان يُكثر من استخدام مصطلحات مثل "الأرستقراطية"، "الطبقة العليا"، "الطبقة السياسية"، أو "الطبقة الحاكمة".
منذ نشأة مفهوم النخبة داخل المدرسة الإيطالية، لم يحظ بتعريف محدد أو متماسك، وهو ما ترتب عليه أن جزءًا كبيرًا من الأبحاث التي تُعد اليوم دراسات نخبوية ظهر في سياقات نُفذ فيها البحث من دون استخدام مصطلح النخبة صراحة. فعلى سبيل المثال، يمكن اعتبار الكتب الأكاديمية التي تناولت موضوعات مثل النبلاء، البرجوازية، أو نظام التعليم في السويد خلال القرن التاسع عشر – مثل المدرسة الثانوية الملكية (gymnasium) جزءًا من دراسات النخبة،
حتى إن لم يستخدم مؤلفوها هذا المصطلح لا في العنوان ولا في المتن.
بالتالي، يمكن اعتبار دراسات النخبة أقرب إلى دراسات مناطقية (Area Studies)، أي حقل بحثي متعدد التخصصات يتمحور حول موضوع محدد، فيما تُستخدم "النخبة" كمصطلح مظلّي يشمل أيضًا من لا يستخدمونه. القاسم المشترك بين هذه الدراسات هو الإيمان بضرورة فهم اللامساواة والسلطة والمجتمع من الأعلى، لا فقط من الأسفل. وظهور مصطلحات جديدة باستمرار لوصف أولئك الذين في القمة لا يجب أن يُنظر إليه كضعف في الحقل، بل كقوة دلالية تعكس نقاشًا متجددًا حول كيفية فهم الديناميات السلطوية في المجتمع. فكما أن التاريخ مقبرة للنخب السابقة،
فهو أيضًا مقبرة لتعريفات "النخبة" القديمة.
المراجع :
Vilfredo Pareto, Trattato di sociologia generale (1924 [1916]), p. 262 , § 2053. English translation: The Mind and Society (1935).
Michael Hartmann, The Sociology of Elites (2007 [2004]).
Gaetano Mosca, Elementi di Scienza Politica (1896). English translation: The Ruling Class (2015).
Niccolò Machiavelli, Fursten (2012 [1532]), chapter 18.
Robert Michels, Zur Soziologie des Parteiwesens in der modernen Demokratie. Untersuchungen über die oligarchischen Tendenzen des Gruppenlebens (1911).
C. Wright Mills, The Power Elite (1956).
See for example Pierre Bourdieu, La noblesse d’État. Grandes écoles et esprit de corps (1989).
Esbjörn Larsson, Från adlig uppfostran till borgerlig utbildning: Kungl. Krigsakademien mellan åren 1792 och 1866 (2005); Mikael Holmqvist, Djursholm: Sveriges ledarsamhälle (2015).
See for example Laslie Sklair, The Transnational Capitalist Class (2001); Didier Georgakakis och Jay Rowell (red.), The Field of Eurocracy. Mapping eu Actors and Professionals (2013); Thomas Birtchnell och Javier Caletrío (red.), Elite Mobilities (2013).
Surinder S. Jodhka and Jules Naudet (red.), Mapping the Elite. Power, Privilege, and Inequality (2019).
See for example John Scott, ‘Modes of Power and the Re-Conceptualization of Elites’, in The Sociological Review volume 56, no 1 (2008), p. 25–43.
Peter Luthersson and Anders Björnsson (red.), Eliterna som abdikerade: 12 artiklar om frånvaron, behovet och nyttan av eliter (1998).
Mike Savage and Karel Williams, ‘Elites: Remembered in Capitalism and Forgotten by Social Sciences’, in The Sociological Review volume 56, no 1 (2008), p. 1–24.
Shamus Khan, ‘The Sociology of Elites’, in Annual Review of Sociology volume 38 (2012), p. 361.
Adriano Codato and Renato M. Perissinotto, (2010). ‘Marxism and elitism: two opposite social analysis models?’, in Revista Brasileira de Ciências Sociais volume 5 (2010)
For a thorough analysis of the relationship between ‘class‘ and ‘elite‘ see Hartmann, The Sociology of Elites (2007), p. 41–61 and 89–110.
المقال بقلم Petter Sandgren نشرته Fronesis 80-81 النسخة السويدية



