من يكتب المدينة؟ بيروت بين السلطة والمخيال
قراءة في كتاب "Fin de Siècle Beirut" للمؤرخ ينس هانسن
كيف تحوّلت بيروت من مرفأ هامشي إلى عاصمة عثمانية؟ كتاب ينس هانسن لا يكتفي بالإجابة، بل يطرح السؤال بشكل معقّد: من صاغ هذه المدينة؟ ومن مُنح الحق في تمثيلها؟
لا يتعامل هانسن مع بيروت كخلفية لأحداث سياسية، بل ككائن حيّ يتشكّل من التفاوض اليومي، حقل تجريبي للحداثة العثمانية، لكنها ليست حداثة "مستوردة" ولا "محلية خالصة". بل مشروع هجين، شاركت في صوغه الدولة، والنخبة الوسيطة، والمجتمع المدني الناشئ. عبر تسعة فصول، يرسم المؤلف صورة مدينة لا تُبنى بالحجر فقط، بل بالكلمات، والمجلات، والمراسيم، وحتى بالسخرية الصحفية.
مدينة تُكتب كما تُبنى
لا يكتفي هانسن بالسرد التاريخي، بل يبني نصاً هجيناً يجمع بين التأريخ الحضري، والتحليل الاجتماعي، وتفكيك المخيال المديني، ليقدم أطروحة مركزية: لم تُصنع بيروت من فوق، ولا انبثقت من السوق وحدها؛ كانت “مشروعًا مشتركاً” جمع الإمبراطورية، والبرجوازية الوسيطة، ومثقفي المدينة.
في سياق الأدبيات المتنامية حول المدن العربية العثمانية، يُقْدم هذا العمل على إعادة رسم علاقة الدولة بالمجتمع من خارج ثنائية “القمع مقابل التحديث”. لا يصوّر العثمانيين كعقبة في وجه الحداثة، ولا كمجرد وكلاء لها. بل يقدّم قراءة أكثر تعقيداً لدور الدولة بوصفها فاعلاً تنظيمياً يسعى إلى بناء حضري، وإن ظل هذا المشروع مقيداً بطبقية نخبوية وإقصاء اجتماعي. يتوقف هانسن عند تحولات الصحافة، والتعليم، والعمارة، لا بوصفها أدوات سلطة فقط، بل كبؤر لصياغة ذات حضرية جديدة، تمارس التفاوض والتمثيل داخل المدينة.
في هذه المراجعة أنطلق من موقع نقدي متفاعل. فهو يتقاطع مع أطروحة هانسن حول “المدينة كفضاء اجتماعي”، ويثمّن محاولته تحرير التأريخ الحضري من مركزية إسطنبول أو استلاب النموذج الكولونيالي المقارن. لكنه يضع علامة استفهام عند الأساس الطبقي لهذا المشروع المديني: من صاغ المدينة؟ ومن مُنح الحق في تمثيلها؟ إلى أي مدى يمكن قراءة فكر النهضة البيروتية كأداة تحرر فعلي، لا فقط كتعالي ثقافي محكوم بشروط التمايز الاجتماعي؟ سنقرأ هذا الكتاب من زاوية العلاقة المعقّدة بين التمدين والتمثيل، متتبعين كيف كُتبت بيروت كمدينة – ولمن كُتبت.
يقسّم هانسن كتابه إلى ثلاث وحدات مترابطة، يضع من خلالها بيروت تحت المجهر من زوايا متداخلة: أولا، بوصفها عاصمة لولاية جديدة داخل جهاز الدولة العثمانية؛ ثانيا، كحيّز اجتماعي يلتقي فيه التجار، المعلمون، الصحفيون، والمصلحون؛ وثالثا، كرمز حضري محمّل بالمعاني والدلالات. هذه البنية لا تعرض تطوّر المدينة كمسار خطّي، بل تتيح قراءة بيروت كموقع يتشكل عبر نزاعات السيادة، تفاوضات الطبقات، وتنازع الرموز. كأن المدينة لم تُبنَ فقط بالحجر، بل بالكلمات، والعقود، والخطابات التي تداخلت في صوغ صورتها.
الرأسملة : السلطة، السوق، والتمثيل
يفتتح هانسن الفصل الأول بتحليل معركة بيروت الطويلة لنيل صفة العاصمة، لا بوصفها نزاعا إداريا تقليديا، بل كلحظة تشكّل رمزية لذات مدينية بدأت تكتشف أدوات تمثيلها. في الفصل الأول، يرسم مشهدا حيا لممارسات الضغط التي قادها وجهاء المدينة، من آل بيهم إلى سامي بك الصلح، الذين نسجوا تحالفات عريضة، ورفعوا عرائض جماعية إلى الباب العالي مدعّمة بحجج صحفية ظهرت في حديقة الأخبار ولسان الحال. هذه الحملة بلغت ذروتها في 1887 حين وُقّعت “وثيقة المطالبة بالعاصمة” (ص. 41)، مدعومة بتعاطف قناصل أوروبيين رأوا في بيروت فرصة تجارية لم تُستثمر بعد. هنا، لا تظهر الدولة كفاعل وحيد، بل كطرف ضمن شبكة من التفاوضات الرمزية والمصلحية.
في الفصل الثاني، يوسّع هانسن زاوية الرؤية. بيروت لم تكن مدينة مكتفية بذاتها، بل مفترقا مفتوحا على الداخل والخارج معا. يشير إلى أن خمس سكانها عام 1906 وُلدوا خارجها (ص. 61)، ما حوّلها إلى نقطة تداخل للانتماءات. عادت الهجرة لتلعب دورا مزدوجا: مهاجرون عائدون من الأمريكيتين أسّسوا طبقة وسطى جديدة، مزوّدة برؤية مغايرة لمسائل الدين والعمل والتعليم. لم يكن هذا مجرد تغيّر اجتماعي، بل إعادة تعريف هادئة لما يعنيه أن تكون “مدينيا” في مشرق يتغيّر.
أما الفصل الثالث، فينقل التحوّل من البُنى الاجتماعية إلى العمران والبنية التحتية. توسعة المرفأ عام 1894 بخبرة وتمويل فرنسي (ص. 91)، وخطوط الترامواي التي شقّتها شركة فرنسية-عربية (ص. 102)، لم تكن علامات حداثة هندسية فحسب، بل لحظات اصطدام بين منطق السوق ومنطق العيش. يُضيء هانسن على احتجاجات صامتة وأخرى علنية، جدل محتدم حول “قانون البناء الجديد” الذي خنق توسّع أحياء مثل زقاق البلاط، ومظاهرات نظّمها صغار المالكين في 1905 (ص. 99). حتى السخرية الشعبية دخلت المشهد، حين وصفت الصحف ساكني الشوارع المُنارة حديثا بـ”طبقة الفونيس”، “مستوردة من باريس” (ص. 105). لم تعد المدينة تحتفي بالتقدّم كهدية؛ بدأت تحاكمه كتمييز. هنا تتكوّن نواة وعي طبقي جديد، يقرأ الحداثة لا كعقد اجتماعي شامل، بل كامتياز مموّه بلغة الإنارة والنظام.
الواسطات : الدولة، النخبة، والمجتمع تحت التشكّل
في هذا الجزء، ينقلنا هانسن إلى قلب “النسيج الوسيط” الذي جعل من بيروت مختبرا للحداثة العثمانية. لم تكن هذه الحداثة عمرانية أو تجارية فقط، بل تجلّت في تشكّل شبكة ثلاثية الأطراف: دولةٌ تبني وتضبط، نخبةٌ تتوسّط وتفاوض، ومجتمعٌ مدني في طور التشكل يتعلّم كيف يتكلّم باسمه.
في الفصل الرابع، تصبح الصحة العامة نافذة لرؤية المدينة بوصفها حقلا للضبط والتخيّل معاً. حادثة تفشي الكوليرا عام 1900 ليست مجرد واقعة طبية، بل مثال على كيف تُنتج الأزمة أدوات حكم جديدة. طوّقت السلطات أحياء كالبسطة وزقاق البلاط (ص. 116)، وفرضت تقارير صحية دورية على السكان. لكن المدهش أن الخطاب الطبي خرج من الدوائر الرسمية إلى صفحات مجلة “ثمرات الفنون”، حيث قُدّمت المدينة كجسد “يختنق إن لم تُفتح مجاريه”. هذا التشبيه ليس عابرا؛ إنه انعكاس لتغيّر في تصور المدينة نفسها: لم تعد بيروت مجرد مساحة جغرافية، بل كائنا عضويا تُقاس مدنيته بنظافته. هكذا التحم الطب بالتهذيب، وتحوّل الصرف الصحي إلى مرآة للتمدّن.
الفصل الخامس ، يُبرز هانسن المجلس البلدي كبنية هجينة تجمع التمثيل الطائفي بالسلطة المحلية، حيث أعادت البرجوازية الوسيطة تعريف السياسة اليومية من موقع إداري–ثقافي. لا يتوقف التحليل عند توزيع المقاعد، بل يتّخذ من شخصية عبد القادر القبانّي نموذجا للوسيط الحديث، الذي يجمع بين الكتابة في مجلته “المفيد” وصياغة القرارات البلدية، من تسعير الخبز إلى ضبط المقاهي. لم تكن تلك القرارات مجرد إجراءات، بل أدوات لإنتاج "الأخلاق العامة" بوصفها وظيفة سياسية. (ص. 151–154). تجاوزت البلدية دورها كجهاز خدمة، صارت جهاز تهذيب، تراقب الأخلاق كما تراقب الأسعار. هانسن يشير إلى “المفيد” كمثال على دور النخب الثقافية–الإدارية في إنتاج خطاب مديني جديد، فالقبانّي لا يظهر فقط كموظف بلدي، بل كـ"مثقف–مشرّع" يكتب المقالات ويشارك في صناعة القرارات ضمن مشروع البرجوازية الوسيطة في بيروت.
أما الفصل السادس، ينتقل هانسن إلى ميدان التعليم، كأرض صراع رمزي على تعريف التمدّن، بين الدولة مع الكنيسة، والنهضويون مع المحافظين. تأسيس “المدرسة السلطانية للبنات” عام 1909، لم يكن ردًّا على تفوق تعليم الارساليات الاوروبية فحسب، بل محاولة لإعادة ضبط معنى “التقدّم” ضمن شروط الدولة الأخلاقية. (ص. 175). التوتر كان واضحًا بين خطاب بطرس البستاني الذي دعا لتحرير المرأة، والمواقف المتحفّظة للمجالس المحلية التي رفضت اختلاط الفتيات في الفصول الدراسية. تتشكّل بيروت كموقع تفاوض بين مشروع تربوي حداثي، وهاجس أخلاقي محافظ. هكذا، لا يعود التعليم حيّزًا تقنيًا، بل مختبرًا لإنتاج معايير المدينة الحديثة: من تُدرَّس، وكيف، ولماذا؟
عوالم حضرية : الأخلاق، المجاز، والسيادة الرمزية
في هذا الجزء، يفتح هانسن عدسة السرد لا المؤسّسة. لم تعد بيروت مجرّد مشهد إداري أو عمراني، بل حقلا رمزيا تُخاض فيه معارك المعنى والانتماء. اللغة، الصورة، والمخيال الأخلاقي، تتحوّل إلى أدوات تُعيد رسم حدود المدينة، من يدخلها ومن يُدفع إلى هوامشها، لا بالجغرافيا وحدها بل بالخطاب.
يتناول الفصل السابع “الأخلاق العامة والهامش الاجتماعي”، عبر تفكيك خطاب الصحافة حول ما سمّي بـ”الآداب المدينية”. يُظهر هانسن كيف تحوّلت أعمدة “البلديّات” في مجلة “لسان الحال” (1902–1907) إلى ساحات لضبط السلوكيات اليومية. البائعون الجوالون، المقاهي الليلية، البغايا المتخفيات: تُصوَّر لا كمظاهر هامشية، بل كمؤشرات على “احتقان أخلاقي” يُهدّد هيئة المدينة. الاستعارات الطبية “المدينة مريضة، تفيض بالشوائب”، لا تعبّر عن قلق صحي بقدر ما تعكس تقاطعا بين الأخلاق والطب كجهاز مراقبة. تتكشّف هنا بيروت مزدوجة: واحدة مضاءة، نظيفة، مهذبة؛ وأخرى مشوّشة، غير منظّمة، ملتصقة بـ”الأحياء الدنيا”. ليست ثنائية طبقية فحسب، بل مشروع رمزي يُقصي بقدر ما يُنظّم.
في الفصل الثامن، ينتقل التحليل إلى من يكتب المدينة، وكيف تكتب. يتتبّع هانسن ولادة السرد المديني في مقالات بطرس وسليم البستاني، وخليل الخوري، حيث تتشكّل بيروت لا كمكان، بل كقيمة. استعارة “بيروت العروس” التي انتشرت في صحف مثل الهدى والجنّة (ص. 214–218)، لم تكن محض رومنطيقيا أدبية. كانت بيانا حضريا عن مدينة يجب أن تكون: أنيقة، نقية، مرئية. كما يقرأ رسما أنجزه جبران عام 1905 لدار أوبرا متخيّلة (ص. 234)، بوصفه خريطة رغبة: بيروت التي تلتفت إلى الغرب، لكنها تعيد صياغته بلغتها الخاصة. هنا، تصبح المدينة مساحة مشتهاة بقدر ما هي منظّمة.
أما الفصل التاسع، فيقارب العمران كأرشيف للهيمنة والتمثيل. “مربع السراي” بما يحويه من برج، وساعة، ومستشفى عسكري (ص. 242)، يُفهم كخشبة عرض تُقدّم عليها الدولة العثمانية نفسها كمنظِّم للزمن، والصحة، والمشهد. هذه ليست عمارة حيادية، بل خطاب سلطة ناعم. في مقابل ذلك، تظهر مبادرات البرجوازية المحلية، قصور كبيرة تستلهم الطراز الأوروبي، لكنها تعيد دمجه بزخارف عربية، مثل قصر يوسف جداي في زقاق البلاط (ص. 223). ليست هذه محاكاة، بل توليف رمزي يفاوض على موقع بيروت بين المحلّي والعثماني والعالمي.
لا يختتم هانسن هذه الوحدة باستنتاج مغلق، بل بإعادة طرح السؤال المركزي: ما المدينة؟ ليست بيروت التي بُنيت بالحجر فقط، بل تلك التي كُتبت بالمجاز، ورُسمت بالخرائط، وتكوّنت عبر طبقات من التهذيب والإقصاء. المدينة هنا ليست وحدة، بل معركة دائمة على المعنى.
استدعاء المدينة ككائن غير مكتمل
يشكّل كتاب ينس هانسن محاولة لافتة لإعادة تعريف التأريخ الحضري في المشرق، عبر بيروت بوصفها مختبرا للحداثة العثمانية لا واجهة لها. لا يعامل المدينة كخلفية صامتة، ولا كمرآة لتحديث خارجي، بل كبنية اجتماعية تتشكّل بفعل فاعلين محلّيين، وخطابات صحفية، وممارسات يومية، ومؤسسات شبه رسمية. هذا الاقتراب يُقدّم بديلاً عن القراءات الاستشراقية التي جعلت من بيروت نقطة اختراق غربي، أو عن السرديات القومية التي قرأتها كمركز نهضة مكتفٍ بذاته. غير أن هذه الأطروحة، على ما فيها من جدة منهجية، تطرح بدورها أسئلة تحتاج إلى فحص دقيق.
تكمن إحدى أبرز نقاط قوة الكتاب في توظيفه الدينامي لنظرية “إنتاج الفضاء” عند هنري لوفيفر، التي تسمح بفهم المدينة لا كمكان فقط، بل كعلاقة اجتماعية مُنتجة باستمرار. التمييز بين “الفضاء المعاش” و”الفضاء المتخيل” و”الفضاء المدرك” يمنح هانسن أداة لفهم كيف تتشكّل بيروت، ومن يملك سلطة تعريفها. حين يقرأ أعمدة “البلديات” في الصحف مثل لسان الحال (ص. 193–197)، لا يعاملها كمجرد أخبار بلدية، بل كبنية لغوية تُعيد تشكيل معايير “الأدب العام” وتضبط الحيّز المديني بلغة طبقة صاعدة. هذا الربط بين الحياة اليومية والرمزية السياسية يشكّل مساهمة حقيقية في تفكيك المدينة بوصفها كائنًا مفاوضًا لا متلقّيًا.
يُضاف إلى ذلك عمق أرشيفي نادر، يمتد من الصحافة العربية إلى الوثائق العثمانية، ومن الأرشيفات الفرنسية إلى البطاقات البريدية والمخططات العمرانية. هذا التنوع لا يمنح النص ثراءً توثيقيًا فحسب، بل يمكّنه من مقارنة القول بالفعل. تحليله لتوسعة المرفأ (ص. 90–93)، مثلًا، لا يتوقف عند بيانات الاستثمار، بل يكشف كيف أعادت هذه المشاريع إنتاج خريطة طبقية تُميّز بين مدينة فوقية أنيقة ومدينة سفلية عاملة. لكنّ ما يميّز الكتاب أكثر، هو إبرازه للمقاومة الرمزية: سخرية صحفية، تحايل قانوني، ومظاهرات على هامش التمدّن. بهذا، يتجنّب فخ التحديث مقابل الاستعمار، ويقدّم سردية أكثر التباسا، مليئة بالمساحات الرمادية.
لكن رغم هذا الإحكام، يواجه النص ثلاث ثغرات تحليلية تستحق التوقف.
أولًا، يضع المؤلف “البرجوازية الوسيطة” في قلب التحوّل الحضري، بوصفها طبقة تمارس الوساطة وتنتج الرمز. لكن هذا التوصيف، رغم ذكائه، يتجنّب أحيانا تفكيك البنية الاقتصادية لهذه الفئة. الفصل الخامس (ص. 138–160) يوحي بوجود توازن بين الدولة والنخبة، لكن القراءة المتأنية تكشف منظومة تواطؤ أكثر منها علاقة تفاوض. الطبقة الحاكمة فعليا، من تجار عقارات ومموّلين ومقاولين، هي التي حدّدت الشكل النهائي للمدينة. والسؤال الذي يُفلت من قبضة التحليل: من أُقصي عن هذا المشروع؟ أين العاطلون عن العمل، البدو الوافدون من الداخل؟ الكتاب يلمّح، لكنه لا يغوص.
ثانيا، يُفرط النص أحيانا في استهلاك المجاز الحضري، “العروس”، “الجسد”، “المدينة المريضة”، دون مساءلته كأداة رمزية تُنتج معيارية مقنّعة. فبيروت، كما تتجسّد في المقالات والصور، تُقدَّم بوصفها أنثى أنيقة تحتاج إلى تهذيب. هذه الصور، التي تمر بسلاسة في السرد، لعبت دورا فعّالا في تهميش الهامش، وتحديد من يحق له أن “يمثّل” المدينة، ومن عليه أن يظل في الظل. كان يمكن للمؤلف أن يُضيء على العنف الرمزي المضمَر داخل جمالية الحداثة.
ثالثًا، تكاد تغيب بيروت الإسلامية من السرد، إلا في إشارات عابرة أو هامشية. لا يحضر السنّة، أو الشيعة، أو المتصوفة، إلا كطيف تقليدي خارج المعادلة الحضرية الحديثة. ورغم أن هانسن لا ينزلق نحو الطائفية، إلا أنه لا يستثمر بما يكفي في تفكيك الخطاب الديني داخل المدينة، ولا في تحليل كيفية تفاعل الجماعات غير البرجوازية مع مشروع “الدولة الأخلاقية” الجديدة.
ورغم هذه التحفظات، يظل الكتاب من أكثر الأعمال تركيبا وتماسكا في فهم بيروت كمدينة تُنتج نفسها عبر خطابها، لا فقط عبر مؤسساتها. قوته في أنه لا يبحث عن “أصل” المدينة، ولا يدّعي استعادة هوية نقية، بل يكشفها كصيرورة، كحقل صراعي دائم بين تمثيل وتهميش، بين بناء مادي وتأطير رمزي. نص يتحدث من داخل المدينة، لا عنها. لا يغرق في النوستالجيا، ولا ينحاز لأي سردية جاهزة، بل يقدّم بيروت كحقل كتابة لا يزال مفتوحا. مدينة لا تملك صوتا واحدا، بل عدة أصوات تتكلم في آن، وإن لم تُسمَع كلها بعد.
كتابة تمشي على الحافة
الكتاب ليس كتابا عن مدينة فقط، بل عن كتابة السرد. كيف نروي تحوّل مكان إلى كيان سياسي؟ من يُسمَح له بالكلام؟ ومن يُقصى من الخرائط؟
لا يكتب هانسن تاريخا لبيروت بقدر ما يتسلل إلى لحظة ولادتها ككيان مديني مفاوض. ليست المدينة هنا مكانا فحسب، بل احتمالا سرديا يخضع لإعادة إنتاج مستمرة، على يد محرّرين، ومهندسين، ومشرّعين، وشعراء أيضا. في بيروت التي يرسمها، لا توجد حداثة جاهزة، بل مفاوضات متراكبة، بين الدولة ووسيطها المحلي، بين التمدن والانضباط، بين المظهر والأثر.
لا يحاكم المدينة، بل يُنصت إلى تناقضاتها، ويمنحها صوتاً كفاعل تاريخي، لا كموضوع دراسة.
تكمن أهمية هذا العمل في قدرته على فتح أفق جديد لقراءة المدن العربية العثمانية، لا كمواقع “تنتظر” الحداثة الغربية، بل كأماكن صاغت حداثاتها الخاصة: بالأدوات المحلية، بالتحالفات الهشة، وبخطابات لم تَخْلُ من الانقسام والارتباك. وسط دعوات متكررة لتفكيك المركزية الأوروبية، يقترح هانسن سردية تُبنى من داخل المدينة نفسها لا تُمجّدها، ولا تُدين الدولة بوصفها وحشا بيروقراطيا. إنها كتابة تمشي على الحافة.




