ما هو المفهوم السياسي ولماذا نهتم به؟
المفهوم السياسي هو مادة التأويل، والنص السياسي هو شكلها. إذا لم نُعرف المادة أولا، سنُسيء قراءة الشكل
المقال الاول من سلسلة مقالات تركز على موضوع “قراءة وتأويل النصوص السياسية”
قبل أن نسأل كيف نؤول نصا سياسيا؟ يلزم أن نسأل أولا: بِمَ يفكر هذا النص؟
الجواب المباشر: يفكر بالمفاهيم. فالمفاهيم هي أدوات التفكير التي نبني بها المعرفة، ونحلل بها الوقائع، وننتقد بها، ونشرح بها الظواهر السياسية.
مجرد النظر إلى العالم لا ينتج معرفة، نحن نفرض معنى على العالم عبر مفاهيم نصنعها ونشغلها في الخطاب والممارسة. وكما يشير بيرنسكوتر ، فإن المفاهيم لا تكتسب معناها إلا داخل ما سماه فيتغنشتاين «ألعاب اللغة»، أي داخل طرائق استعمالها ضمن خطابات وسياقات محددة، بحيث تُستَعمل لا فقط لوصف العالم بل لإعادة تشكيله رمزيا. لذا فإن كل مفهوم سياسي هو أيضا فعل لغوي واستراتيجي، لا محض بنية دلالية.
المفهوم، في معناه العام، فكرةٌ كلية لا تحيل إلى حالة فردية بعينها، بل إلى بنية دلالية منسوجة من خصائص مميزة تتكرر عبر حالات متعددة. حين نقول الرئاسة لا نعني شخصا محددا، بل مجموع الترتيبات التي تُنشئ هذا الموقع: تنظيم السلطة التنفيذية، المدة، الصلاحيات، آليات العزل والتداول. وعلى المنوال نفسه، الدولة أو السلطة أو الديمقراطية ليست أوصافا لواقعة بعينها، بل حزما دلالية نستنفرها لفهم الوقائع وترتيبها وتأويلها.
هنا يفيد التمييز بين المضمون(intension) أي شبكة السمات التي تعرف المفهوم، والامتداد (extension) أي مجموعة الحالات التي ينطبق عليها هذا التعريف. كلما اتسع الامتداد دون ضبط للمضمون وقعنا في «ترهل مفهومي»، وهذه مشكلة تمطيط المفاهيم التي حذر منها جيوفاني سارتوري: توسيع تسمية ديمقراطية مثلا لتشمل نظما متباينة جذريا يجرد الكلمة من قدرتها التفسيرية. الحل هو ضبط سلم التجريد ووزن السمات اللازمة والكافية قبل تعميم الحكم.
لكن سارتوري، رغم تحذيره المهم من ترهل المفهوم، تعامل مع المفاهيم أحيانا كأنها «علب بيانات» جاهزة. وهو ما انتقده زاراكول وهييسكانن في دراستهما المفاهيمية التاريخية، حيث دعوا إلى تجاوز النموذج العلمي الجامد إلى فهم المفهوم كمجال تأويلي متغير تحكمه السياقات والتأطيرات لا فقط الخصائص المعيارية.
ولأننا لا نُلامس الواقع إلا عبر صوغ لغوي، يحتاج الباحث إلى صيغ نموذجية تُيسر المقارنة دون أن تُؤله كحقيقية مطلقة، وهذا هو دور «النموذج المثالي» عند فيبر: أداةٌ تحليلية تُبنى من انتقاء قصدي لسمات توضح الفوارق والأنماط، لا مرآة مطابقة للواقع. استعمالها الرصين يسمح بتمييز «الدولة-كجهاز قانوني-بيروقراطي» عن «الدولة-كشخص اعتباري سيادي» عن «الدولة-كرمز هوية»، ثم اختبار أي صيغة يعمل بها النص المدروس.
لكن المضمون نفسه ليس ثابتا عبر الأزمنة. يذكرنا ريمون ويليامز بأن الكلمات المفتاحية في الحياة العامة (ثقافة، مجتمع، حرية) حقول نزاع تاريخي تتغير مع تغير البنية الاجتماعية، لذا فتعريف المفهوم لا يُستمد من معجم مُحايد بل من خرائط استعماله في الخطاب. لهذا نسمي الديمقراطية أحيانا نظاما تمثيليا ليبراليا، وأحيانا مشاركة مباشرة، وأحيانا حكم القانون، بحسب لحظة الصراع التي تتكلم فيها الكلمة. الواجب إذن أن نلتقط حقل التداول وشبكة المعارضات التي يعمل فيها المفهوم عند الكاتب—لا عندنا نحن.
ومتى استقر هذا الضبط، جاز لنا أن نربط بين الوظيفة الحجاجية للمفهوم وبين بنيته الدلالية: هل يُستخدم لتوسيع الولاية أم لتقييدها؟ لتبرير الامتثال أم لتحفيز المقاومة؟ عندها فقط يصبح الحديث عن الدولة أو الديمقراطية حديثا ذا قوة تفسيرية بدل أن يكون تكرارا لشعارات. ومن دون هذا المسار—ضبط المضمون، صوغ نموذج تفسيري، تتبع الاستعمال—تتحول المفاهيم إلى ملصقات رخوة لا تهدي قارئ النص السياسي إلى شيء. وفي الخلفية يظل قانونٌ بسيط: معنى الكلمة هو استعمالها؛ أي إن المعنى يُستخرج من موضعه في الجملة والحجة واللحظة، لا من تعريف معزول.
المفاهيم السياسية معقدة، ويعود جوهر تعقيدها إلى ثلاثِ خصائصَ مترابطةٍ يمكن تمييزها على نحو منهجي :
1. تداخل القيم والإيديولوجيا:
حتى المفاهيم التي تبدو «وصفية» مثل السلطة والنظام محملة ضمنيا بأحكام عما ينبغي أن يكون؛ فهي لا تُشير إلى واقع محايد بقدر ما تُبرز أُطُرا تقويمية مُسبقة تُوجه الرؤية والحُكم. ولهذا شدد ماكس فيبر على تمييز أدواتنا التحليلية عن الوقائع من دون الادعاء بخلوها القيمي؛ فالملاحظة ذاتها مشروطة بأُفق تأويلي معين. وتضيف هيلاري بوتنام أن الفصل الصارم بين الحقائق والقيم وهم منهجي، إذ تتخلل القيم وصفنا للوقائع وتقييمَنا لها معا. وقد بين أستور ذلك بوضوح في تحليله لتعريف الدين، حيث أظهر كيف أن كل تعريف يتضمن افتراضا ضمنيا عن السلطة والشرعية والعنف الرمزي، بما يجعل حتى المفاهيم الدينية مرآة للصراع القيمي والسياسي، لا وصفا محايدا لحالة موضوعية.
لتوضيح هذا التداخل لنأخذ المثال التالي: عند توصيف حركة احتجاجية بأنها «إرهابية»، لا يجري فعل وصفي محايد، بل ترسيم معياري يحمل الفاعلين حكما أخلاقيا وسياسيا مسبقا ويعيد تأطير الحدث كتهديد وجودي، ما يبرر إجراءات استثنائية خارج المدار العادي للقانون. هنا تتجلى الخاصية موضوع الحديث: القيم تتخلل الوصف من الداخل. ما يؤكد ذلك أن مفهوم الإرهاب متنازع جوهريا، فالأدبيات تحصي عشرات التعريفات المتعارضة بحسب الجهة المُعرفة ومصالحها، من التركيز على استهداف المدنيين إلى ترهيب الحكومات إلى العنف السياسي غير المشروع، بما يجعل التعريف ذاته جزءا من الصراع الرمزي لا خلاصته.
وحين تُؤطر الدولة فعلاً ما بوصفه إرهابا، فإنها تُفعِّل ما يسميه بوزان ووايفر ودي فايلده التسييق الأمني (Securitization): أي تحويل قضية سياسية عادية إلى مسألة أمنية استثنائية عبر فعلٍ كلامي إنجازي ينقلها إلى حالة استثناء تُستدعى فيها أدوات قسرية غير مألوفة. وبذلك لا يعود الوصف مجرد تسجيل للوقائع، وأنما اختيار تقويمي يوزع الأدوار بين المحمي والتهديد، ويفتح المجال لتبرير سياسات بعينها، من التوسع في المراقبة إلى تقييد الحريات. وفي هذا السياق، يبرهن المثال عمليا أطروحة ماكس فيبر بشأن استحالة فصل أدوات التحليل عن أفقها القيمي، كما يجسد نقد هيلاري بوتنام لوهم الفصل الصارم بين الحقائق والقيم: إذ إنّ التسمية ذاتها تُؤطر ما نراه لاحقا، وتوجه ما نحكم به وما نُجيزه من إجراءات.
2. التنازع الجوهري (essential contestability)
مفاهيم مثل الديمقراطية والحرية والعدالة لا تنغلق على تعريف حاسم، لأن معيار انطباقها ذاته موضع صراع عقلاني مستمر، فما يعده طرف جوهر المفهوم يراه آخر انحرافا عنه. في هذا السياق، لا تكون الخلافات عرضية بل أساسية، إذ تنبع من طبيعة المفهوم ذاتها: عموميته، ومعياريته، وتعدد أمثلته التاريخية. لذلك تُفهم هذه المفاهيم من خلال خرائط استعمالها وسجالاتها، لا عبر حد معجمي واحد.
فعلى سبيل المثال، يعرف جوزيف شومبيتر الديمقراطية بوصفها إجراء تنافسيا لاختيار القادة عبر الانتخابات، بحيث يصبح معيارها الجوهري هو انتظام الاقتراع وتداول المناصب. وفق هذا التصور، تُعد الأنظمة التي تُنظم فيها انتخابات دورية حرة ديمقراطية، حتى وإن كان إشراك المواطنين محدودا بين دورتي اقتراع.
في المقابل، ترى كارول باتيمان أن الديمقراطية لا تقتصر على الآلية الانتخابية، بل تتطلب مشاركة فعلية ممتدة تشمل مواقع العمل والمجتمع المدني، حيث تُنمى الكفاءة المدنية وتُعاد هيكلة السلطة أفقيا؛ وعليه فالديمقراطية الإجرائية وحدها تظل ناقصة.
أما روبرت دال فيضيف بعدا ثالثا هو التعددية المنظمة (Polyarchy)، أي ضمان منافسة حقيقية على السياسات من خلال معارضة فاعلة، وحقوق سياسية راسخة، وإعلام مستقل، إذ لا تكفي الانتخابات في غياب تكافؤ الفرص أو المؤسسات الضامنة لبلوغ مرتبة البولياركية المكتملة.
وهذا ما يؤكد عليه ايضا البيرتو فريغا، اذ تقارب البراغماتية الديمقراطية لا بوصفها شكلا نهائيا، بل باعتبارها مجالا تأويليا متحولا يعاد تعريفه تبعا لنوعية الممارسات واتساع الافق الاجتماعي الذي يتيح التمثيل او المشاركة. في هذا السياق، تغدو الديمقراطية اختبارا دائما لحدود السلطة والمشاركة، لا وصفة معيارية جاهزة.
مثال آخر على التنازع الجوهري يظهر في مفهوم الحرية كما فصله برلين: حرية سلبية (غياب الإكراه) مقابل حرية إيجابية (القدرة على التمكن والفعل)، وهذان الإطاران ينتجان أحكاما متباينة جذريا على السياسة الاجتماعية نفسها.
فالمفهوم لا يُعرف في فراغ، بل عبر سجالاته: من يقول ماذا، ولماذا، وفي أي سياق.
3. خطر تشييء المفهوم وتقديسه:
حين نعامل المفهوم كأنه كيان مستقل خارج الاستعمال الأنساني، نحوله الى صنم معرفي يعطل التفكير بدل ان يوجهه. وعلى الرغم من الاغراء بتثبيته كحقيقة جاهزة، الا ان العلاج هو ابقاؤه اداة ارشادية تنير السمات وتنظم المقارنة لا مرآة للواقع، اي استخدام النموذج المثالي بوصفه بناء تحليليا مقصودا لا واقعا متخيلا.
في هذا السياق، يذكرنا برغر ولوكمان بان الحقائق الاجتماعية تُبنى وتُرسخ عبر الفعل والمعنى والمؤسسات، وبذلك لا معنى لمفهوم منبت عن ممارساته ومواقعه في العالم المعيش. وبهذا المعنى، يتشكل المعنى في الاستعمال لا في قواميس مفارقة للسياق.
على سبيل المثال، النظر إلى الدولة ككائن متعال. حين نتعامل مع الدولة كأنها شخص موحد ذو إرادة واحدة—قررت الدولة، تريد الدولة—نحول مفهوما تحليليا إلى كيان ميتافيزيقي منفصل عن ممارسات الفاعلين وأجهزة البيروقراطية وشبكات المصالح.
هذا ما حذر منه فيليب أبرامز: الدولة أثر إيديولوجي لعملية تاريخية ومؤسسية معقدة؛ موضوع الدراسة هو جهاز الدولة وممارساته لا جوهر مفارق. ويضيف جونيل أن أحد أخطر أشكال التشييء هو تحويل المفهوم ذاته إلى بُنية تسبق الفعل البشري، كما يحدث حين نُعامل السياسي باعتباره مجالا مستقلا أو قائما بذاته، بدل أن نراه كمحصلة للصراعات الرمزية والاستعمالات الخطابية داخل المجتمع.
وفي الاتجاه نفسه، يحذر بارييتي من إعادة التشييء (reification) لمفهوم السلطة حين يُعاد إنتاجها كهيكل مستقل او كحتمية سياسية، بدلا من فهمها كمحصلة لعلاقات قوى وصراعات داخل المجال العمومي. عند هذه النقطة يتحول المفهوم الى كيان صامت يغلف الهيمنة بلغة محايدة ويخفي طبيعته التأويلية والتنازعية. هذا التفكيك يعيد وصل السلطة بتوزيع القوة وبنياته، لا بوصف معياري مجرد.
بالمنطق نفسه، يفكك بورديو وهم الوحدة، فالدولة حصيلة صراعات داخل حقول متداخلة (بيروقراطي، قانوني، تعليمي)، تنتج رأس مال رمزيا يَظهر كشرعية عامة. العلاج هنا هو استعمال الدولة كنموذج مثالي يميز مستويات التحليل—القانوني، التنظيمي، الرمزي—بدل تقديسها كفاعل فوق-اجتماعي. هذا الضبط يُعيدنا إلى قاعدة الاستعمال: المعنى يُستخرج من كيفية استخدام الكلمة في الحجة والسياق (معنى الكلمة هو استعمالها) لا من هالة قاموسية ثابتة.
مثال آخر هو النظر إلى السوق كقوة طبيعية مكتفية بذاتها. يظهر تشييء السوق حين يُصاغ بوصفه قانونا طبيعيا ذا عقل ذاتي يُصحح نفسه باستمرار، فيُرفع إلى مرتبة معيار أعلى من السياسة والمجتمع. غير أن كارل بولاني يبين أن ما يسمى «السوق المنظم ذاتيا» ليس ظاهرة طبيعية، بل بناء تاريخي استدعى هندسة قانونية وسياسية كثيفة، فهو مؤسسة مصنوعة لا نتاج عفوية اقتصادية. وما يُقدم اليوم كانفلات طبيعي للسوق ليس سوى نتيجة مباشرة لترتيبات تشريعية محددة.
إذا قدسنا المفهوم تلاشى الفرق بين وصف آلية تبادل وبين تسويغ نظام معياري. المقاربة الرصينة تُبقي السوق أداة مقارنة: نشتق سماته التحليلية (الأسعار، المنافسة، حقوق الملكية، تدفق المعلومات)، ثم نختبرها إمبيريقيا في ممارسات ومؤسسات ملموسة، بدلا من تحويله إلى صنم يسبق المجتمع ويصدر أحكاما عليه.
التشييء يحدث عندما نقطع المفهوم عن شبكة ممارساته ونحوله إلى موجود مستقل. تفكيكه يقتضي:
(أ) رده إلى بناء نموذجي لا إلى جوهر،
(ب) تعقب كيف يُستعمل داخل خطاب ومؤسسات بعينها،
(ج) إظهار اجتماعيته: كيف يُنتج ويُستبقى عبر المعنى والمؤسسة،
(د) مقاومة الهالة الإيديولوجية.
إذا كانت السياسة صراعا على المعنى المشروع للمفاهيم، فأول واجب على الباحث قبل تفسير نص يوظف مفهوما ما أن يضبط هذا المفهوم: لا يكفي أن أقرأ فقرة عن الحرية، يلزمني أن أميز: أهي حرية من السيطرة؟ أم حرية كمشاركة في الحكم؟ أم الحرية بالمعنى الليبرالي الفردي؟ فلولا هذا الضبط سننسب إلى النص ما لم يقصده، أو نُسقط عليه معانينا نحن. عمليا، يبدأ الضبط بتحديد الحقل الدلالي الذي يتحرك فيه المفهوم (قرائن لغوية، أمثلة تطبيقية، خصوم مفترضون)، ثم بتعيين المعارضات المفهومية التي يشتبك معها (حرية/طغيان، حرية/مساواة)، وبعدها اختبار الاستخدام عبر شواهد نصية لاختزال التعميم.
والأهم، ربط المفهوم بوظيفته الحجاجية في النص—هل يُستخدم لتوسيع سلطة ما أم لتقييدها؟ لتبرير الامتثال أم لتحريك المقاومة؟ المثال نفسه ينسحب على مفاهيم أخرى: الدولة قد تُفهم جهازا إداريا، أو شخصا اعتباريا ذا سيادة، أو رمزا جامعا للهوية الوطنية، والقراءة الرصينة لا تفترض واحدا منها سلفا، بل تستخرج مراد الكاتب من سياق الاستعمال ومخاطَبيه وأهدافه. بهذه الخطوات نتجنب خطأ التصنيف الاعتباطي وخطر الأناكرونية، ونقرأ المفهوم كما يعمل في النص لا كما نحب أن يعمل.
وعلى هذا المنوال، تأتي الأناكرونية (Anachronism) بوصفها الخطر الأكثر خفاء: أن نُسيء ضبط المفهوم عبر إزاحته زمنيا، فنحمله دلالات لاحقة لم تكن متاحة في زمن النص ولا في لغته السياسية. الأناكرونية لا تعني مجرد خطأ تاريخي عابر، بل سوء مواءمة بين المفهوم وأفقه الزمني. ولها صور شائعة:
1. إسقاط تعريف متأخر على لفظ قديم، وهذا شكل كلاسيكي من الحاضرية التاريخية (presentism)
2. استنطاق النص بأدوات مفهومية لم تكن موجودة، وهو ما يقتضي رد المفاهيم إلى لغاتها الزمنية وشبكاتها التداولية
3. الصداقات الكاذبة بين الألفاظ حيث تُوهمنا المشابهة اللفظية بوحدة المعنى
4. الترجمة التي تنقل اللفظ وتُبدل الحقل الدلالي عبر خيارات تُعيد تشكيل شبكة المعاني لا مجرد نقلها الحرفي
ومن هنا تبرز أهمية دراسة ما يسميه وينكلر بالسفر المفاهيمي (Conceptual Travel)، حيث تنتقل المفاهيم عبر الخطابات والمؤسسات وتُعاد صياغتها في كل محطة تبعا للبنية السلطوية والمعرفية التي تستقبلها. فالمفهوم ليس مادة صلبة نُرحلها كما هي، بل يتشكل من جديد داخل كل سياق، بما يفرض علينا قراءة المفهوم في لحظة إنتاجه وليس في استعماله اللاحق وحده أو في المعنى الذي استقر بعد ذلك.
تفادي الأناكرونية يقتضي ربط المفهوم بحقل تداوله وشبكة معارضاته زمن الكتابة، ثم اختبار موقعه داخل حجة النص: ماذا يضم وماذا يستبعد؟ ما الذي يبرره وما الذي ينقضه؟ بهذه الدقة تبقى قراءتنا وفية للزمن الداخلي للنص، وتتجنب تحويله إلى صدى لاسئلتنا الراهنة.
وعلى هذا الاساس، لا تُفهم النظرية السياسية الا عبر استيعاب البنية اللغوية التي تصوغ مفاهيمها وتمنحها طاقتها التفسيرية؛ فكل تنظير سياسي يبدأ من اللغة قبل ان يصل الى النظرية، اذ لا نحلل افكارا معلقة في فراغ بقدر ما نواجه منظومة لغوية تُنتج المعنى وتقيّده في آن واحد. في هذا السياق، يغدو عمل المنظر السياسي اقرب الى عمل مؤرخ المفاهيم وفقيه اللغة منه الى واضع النماذج والقوانين؛ لان النظرية لا تُبنى على الواقع مباشرة، بل على الكيفية التي جرى بها تصور ذلك الواقع وصياغته في اللغة، بما يتضمنه ذلك من مفردات ومجازات وافتراضات معيارية تحدد مجال الرؤية وحدود التأويل. بهذه المقاربة، تصبح اللغة ليست قناة محايدة لنقل الوقائع، بل اطارا مفاهيميا يختار ما يرى وما يحجب، ويؤسس لممكّنات التفسير والنقد معا.
وينطبق هذا على تحليل الشعبوية كما أوضحه تاراغوني، الذي بين أن المعنى الدلالي للشعبوية لا يُفهم إلا عبر تتبع مساراته التاريخية من خطاب النخبة، إلى نقد المؤسسات، إلى تمثيل “الشعب النقي” في مواجهة النخبة الفاسدة. تتبدل معاني المصطلح بحسب اللحظة السياسية التي يُستعمل فيها، والجهة التي تتبناه. فالشعبوية قد تُفهم تارة كتهديد للديمقراطية، وتارة أخرى كتصحيح لمسارها التمثيلي. لهذا، أي محاولة لإسقاط تعريف لاحق على نص سابق—كأن نحمل نصا كلاسيكيا موقفا معاصرا من الشعبوية—هي خيانة للسياق التداولي الذي صدر فيه النص، وتشويش على أفقه المفاهيمي الأصلي الذي صدر منه المفهوم.
هذه الفكرة تقف في صلب التحول اللغوي الذي شهدته العلوم الاجتماعية منذ منتصف القرن العشرين، حين أشار لودفيغ فيتغنشتاين في تحقيقات فلسفية إلى أن معنى الكلمة يكمن في استعمالها داخل اللغة. وبناء على ذلك، فإن المفهوم السياسي لا يُفهم عبر تعريف معجمي ثابت، بل من خلال طرائق استعماله داخل خطاب محدد وسياق تداولي يمنحه دلالته ووظيفته.
وهذا ما تعززه أعمال منظرين لاحقين مثل ريمون ويليامز؛ إذ يبين أن المفاهيم السياسية ليست مفاتيح جاهزة للتفسير بقدر ما هي حقول نزاع لغوي وتاريخي يتبدل معناها بتبدل البنى الاجتماعية التي تتداولها. فالثقافة والمجتمع والحرية ليست مصطلحات تقنية محايدة، بل أدوات صراع رمزي يُعاد تشكيلها مع كل تحول في السلطة أو المعرفة. على هذا، لا تنتج النظرية السياسية مفاهيمها من فراغ، بل تعيد ترتيبها داخل نسق يفسر العلاقات بين هذه المفاهيم كما تُمارس وتُقال في الخطاب والسياق.
لذلك، حين نقول إن المفهوم السياسي هو مادة التأويل، فإننا نشير إلى أن كل محاولة لقراءة نص سياسي على أنها في جوهرها اشتغال على بنية اللغة ذاتها: على مفرداتها، وتمايزاتها، واستعاراتها التي تشكل نسيج الخطاب. فالنص، بما هو شكل لتلك المادة، لا يُفهم إلا من خلال فهم المادة التي يتكون منها. وكما لاحظ بول ريكور التأويل يبدأ من اللغة، لكنه لا ينتهي عندها، إذ إن الكشف عن بنية المفاهيم هو المدخل إلى فهم الخيال السياسي الذي أفرزها، أي ذلك الأفق الرمزي الذي يمنحها معناها ويحدد إمكانات القول والفعل في زمنها.
بهذا المعنى، لا تُفهم النظرية السياسية بوصفها نظاما من القواعد بقدر ما تُفهَم كإستراتيجية قراءة: قراءة تكشف كيف تُبنى الشرعية، وكيف تُؤسس السلطة رمزيا داخل اللغة، وكيف تتحول المفاهيم إلى أدوات للفعل السياسي. ومن دون هذا الوعي اللغوي، ينقلب التنظير إلى تجريد مفصول عن التاريخ، أو إلى إعادة إنتاج غير واعية للغة السلطة نفسها.
References:
Abrams, P. (1988). Notes on the difficulty of studying the state. Journal of Historical Sociology, 1(1), 58–89.
Astor, A. (2022). Defining religion: Between normativity and power. Theory and Society, 51(4), 531–552.
Berenskoetter, F. (2017). Concepts in world politics. In Concepts in World Politics (pp. 1–18). Sage.
Berger, P. L., & Luckmann, T. (1966). The social construction of reality: A treatise in the sociology of knowledge. Doubleday.
Berlin, I. (2002). Liberty. Oxford University Press. (Original work published 1958)
Bourdieu, P. (2014). On the State: Lectures at the Collège de France, 1989–1992 (D. Fernbach, Trans.). Polity Press.
Buzan, B., Wæver, O., & de Wilde, J. (1998). Security: A new framework for analysis. Lynne Rienner Publishers.
Dahl, R. A. (1971). Polyarchy: Participation and opposition. Yale University Press.
Frega, R. (2019). Pragmatism and the challenges of democracy. European Journal of Pragmatism and American Philosophy, 11(2).
Gallie, W. B. (1956). Essentially contested concepts. Proceedings of the Aristotelian Society, 56, 167–198.
Gunnell, J. G. (2017). Social science and political identity: Promises and ambiguities. Routledge.
Parietti, L. (2022). The power of abstraction: Conceptual reification and political critique. Constellations, 29(1), 140–153.
Pateman, C. (1970). Participation and democratic theory. Cambridge University Press.
Polanyi, K. (2001). The great transformation: The political and economic origins of our time. Beacon Press. (Original work published 1944)
Putnam, H. (2002). The collapse of the fact/value dichotomy and other essays. Harvard University Press.
Rawls, J. (2001). Justice as fairness: A restatement. Harvard University Press.
Ricoeur, P. (1976). Interpretation theory: Discourse and the surplus of meaning. Texas Christian University Press.
Sartori, G. (1970). Concept misformation in comparative politics. American Political Science Review, 64(4), 1033–1053.
Schmid, A. P. (2011). The definition of terrorism. In A. P. Schmid (Ed.), The Routledge handbook of terrorism research (pp. 39–157). Routledge.
Schumpeter, J. A. (1976). Capitalism, socialism and democracy. Harper. (Original work published 1942)
Tarragoni, F. (2024). Populism reconsidered: A conceptual history approach. Journal of Political Ideologies, 29(1), 1–20.
Williams, R. (2015). Keywords: A vocabulary of culture and society. Oxford University Press. (Original work published 1976)
Winkler, E. (2020). Conceptual travel and boundary work: On the international circulation of concepts in the social sciences. Sociological Theory, 38(1), 22–47.
Wittgenstein, L. (2009). Philosophical investigations (4th ed.). Wiley-Blackwell. (Original work published 1953)
Zarakol, A., & Heiskanen, J. (2025). Rethinking conceptual history in IR: Against fixed categories. European Journal of International Relations. Advance online publication.





