الفلسفة السياسية في زمن السوق
قراءة في فلسفة مايكل ساندل
هل يمكن للفضيلة أن تهدد الحرية؟
قد يبدو السؤال غريبًا في زمن تُتهم فيه السياسة بأنها فقدت بُعدها الأخلاقي، وانحسرت إلى تقنيات وتدابير فارغة من القيم. الفيلسوف السياسي مايكل ساندل يطرح هذا السؤال على نحو مختلف: ليس ليحذّر من الفضيلة، بل ليُعيدها إلى قلب الحياة العامة، ولكن دون أن تتحوّل إلى أداة قسر أو وصاية. ومع ذلك، فإن مسعاه هذا لم يمرّ دون إثارة المخاوف، خصوصًا في الغرب الليبرالي.
مفارقة استقبال مايكل ساندل تكشف ما هو أعمق من أطروحته. ففي الغرب الليبرالي، حيث تُختزل السياسة في إجراءات وقوانين، يُقابل ساندل أحيانًا بريبة مكتومة؛ فلسفته تُقلق الحراس التقليديين للحياد، وتُحرّك أسئلة اعتقدوا أنهم تجاوزوها. في الصين، حيث تمتزج الرأسمالية بالدولة، فيُستقبل كما لو كان "سقراط معاصر" أو "معلّم الفضيلة"، وتتحول محاضراته إلى مهرجانات أخلاقية يحجّ إليها الآلاف من الشباب الباحثين عن لغة بديلة للكرامة والخير العام. هناك، في قلب اقتصاد السوق المُوجَّه، يبدو أن أفكار ساندل عن المعنى، والجدارة، والمجتمع الفاضل، لا تثير الجدل بقدر ما تُلامس فقدًا عميقًا، ليس فقدان الإيمان أو الأيديولوجيا، بل غياب الشعور الأخلاقي المشترك الذي يمنح للسياسة معنى. وكما عبّر هو نفسه: "السؤال الحقيقي في الفلسفة السياسية ليس فقط ما هو الخير، بل كيف نعيش معًا حين نختلف حول الخير؟".
في عمق أطروحة ساندل يكمن سؤال لا يتعلق فقط بما يجب أن نفعله، بل كيف نفكر سياسيًا؟ فهو لا يدعو إلى الأخلاق بوصفها "نظامًا معياريًا" جاهزًا، ولا يريد للدولة أن تُملي على مواطنيها سلوكًا فاضلًا، بل يقترح أن تكون السياسة نفسها هي الحقل الذي نعيد فيه اكتشاف لغة القيم. في رأيه، أن الفضيلة لا تهدد الحرية إلا حين تُفرض دون نقاش، أما إذا نشأت من حوار جماعي حول معنى العيش المشترك، فهي الضامن الأعمق للحرية. وكما كتب: "من يظن أن طريق النجاة من الخلاف هو الحياد، يُفوّت حقيقة أن النقاش حول الفضائل المشتركة هو شرط للعيش في مجتمع حر".
بهذا المعنى، ساندل لا يعارض الليبرالية فقط، بل يكشف حدودها حين تتحوّل إلى حياد زائف. ففي عالم تتسرب فيه القيم إلى السوق، ويُقاس فيه النجاح بالاستحقاق المالي، تصبح استعادة النقاش حول الفضيلة ليس تهديدًا للحرية، بل شرطًا لإنقاذها. يقول ساندل "نحن لا نعيش في زمن فتور، بل في زمن غضب. ما نفتقده ليس الاستياء، بل العدالة ". ومن هنا تأتي أطروحته الشهيرة: "أنا لا أعارض السوق، بل أعارض أن نصبح مجتمعًا سوقيًا".
هوية فكرية بلا قناع: من الفلسفة إلى الجمهور
في سن الثالثة عشرة، غادر مايكل ساندل بلدته الهادئة "هوپكنز" في ولاية مينيسوتا، وانتقل مع عائلته إلى جنوب كاليفورنيا. شكلت هذه النقلة الجغرافية أولى بذور هويته الفكرية.
وسط مشهد اجتماعي صاخب، كان زملاؤه يهربون من المدرسة لركوب الأمواج، شعر بشيء من الغربة الثقافية، لا من باب التعالي بل من زاوية أخلاقية. ما الذي يعنيه أن يعيش الإنسان حياة ذات مغزى؟ وما موقع الالتزام في عالم يقدّس اللامبالاة؟ تلك الأسئلة كانت تحرّكه باكرًا نحو التأمل في العلاقة بين الذات والمجتمع. لاحقاً عبّر ساندل عن هذه اللحظة بقوله "لقد كان أثر جنوب كاليفورنيا عليّ أنني رأيت الذات غير المقيدة وهي تُمارس واقعًا".
كان ساندل يخطّط لدراسة الاقتصاد. إلا أن عطلة شتوية قصيرة غيّرت مساره بالكامل، وجد ساندل فيها وقتًا لقراءة بدأت بكلمات إيمانويل كانط، مرورًا بنقاشات جون راولز حول العدالة، وانتهاءً بتساؤلات هانا آرنت حول الشر والسلطة. تلك العطلة العفوية تحوّلت إلى لحظة تأسيسية، أدرك فيها أن الاقتصاد يدرس الحوافز، أما الفلسفة فتكشف الدوافع الأعمق وتعيد ترتيب الأسئلة .
لم يرَ في الفلسفة حقلًا تجريديًا أو نخبويًا، بل مساحة للنقاش العمومي، مجالًا يجب ألا يبقى حكرًا على الأكاديميين. رفض ساندل الفكرة القائلة إن الفيلسوف ينبغي أن يبقى في "البرج العاجي"، منعزلًا عن صخب الحياة العامة. بل رأى أن هذا الانسحاب هو ما سمح للفراغ الأخلاقي أن يتمدد في السياسة، حتى باتت قيم السوق تحكم العلاقات، وأصبحت الحرية تُختزل في حرية الاختيار الفردي فقط. في أحدى مقابلاته، قال ساندل "غياب الأخلاق من السياسة خلق فراغًا ملأه التطرف" هذا ليس مجرد تشخيص ثقافي، بل إعلان موقف فلسفي.
ساندل لا يكتفي بالتنظير، بل يقف في الساحات العامة، يحاور جمهورًا عريضًا بلغة الحياة اليومية. من كليّة هارفرد إلى الملاعب المفتوحة في سيول، ومن مدرجات أكسفورد إلى قاعات بكين، ظل يكرّر أن الفلسفة ليست ترفًا، بل حاجة جماعية. "الفلسفة، حين تُمارس علنًا، تتيح للمجتمعات أن تناقش القيم التي تحكمها". فالعدالة ليست مسألة قانون فقط، بل سؤال أخلاقي مشترك، يبدأ حين يسأل الناس من يستحق ماذا ولماذا؟، وهذا يتطلب حوارًا حول الفضائل التي يجب أن مكافأتها.
نقد الليبرالية من الداخل: الذات، العدالة، والحياد الزائف
حين نشر مايكل ساندل كتابه الأول "الليبرالية وحدود العدالة"عام 1982، كان لا يزال في أوائل الثلاثينات من عمره، لكن الكتاب سرعان ما تحوّل إلى نص محوري في الجدل الفلسفي حول الليبرالية السياسية. لم يكن نصًا دعويًا أو بيانًا سياسيًا، بل حفرًا مفاهيميًا عميقًا في قلب النظرية الليبرالية كما صاغها جون راولز في كتابه الأشهر"نظرية العدالة". غير أن ما ميّز نقد ساندل لم يكن خارجيًا أو أيديولوجيًا، بل نقدًا من الداخل، يصوّب على البنية المفاهيمية التي تأسست عليها الليبرالية الحديثة: تصوّرها للذات، فهمها للعدالة، ومزاعمها بالحياد.
في صميم هذا النقد، يهاجم ساندل فكرة "الذات المنفصلة" (the unencumbered self) التي يتبناها راولز. في صيغة راولزية مثالية، تُفترض الذات مستقلة عن انتماءاتها، قادرة على اختيار أهدافها وأولوياتها من موقع محايد، داخل "الموقف الأصلي" وخلف "حجاب الجهل". يرى راولز أن هذه التجريدات ضرورية لضمان العدالة، إذ تُبعد أي تحيزات اجتماعية أو دينية أو ثقافية. لكن ساندل يردّ متسائلا أيّ ذات هذه التي نستدعيها دون تاريخ أو انتماء؟، الإنسان ليس كائنًا يتحدد فقط عبر الاختيار، بل هو نتاج علاقات متجذرة وتقاليد والتزامات سابقة على الإرادة.
في المقابل، يطرح ساندل ما يسميه "الذات المتجذرة" (the encumbered self) كائن بشري لا يُمكن فصله عن شبكة المعاني التي تمنحه هويته. فالعدالة لا تُولد من نزع هذه الجذور، بل من الاعتراف بها بوصفها جزءًا من تكوين الفرد ومسؤوليته. لا يعود بهذا المعنى من الممكن الحديث عن "حقوق مجردة" سابقة على كل خير، بل يصبح النقاش السياسي ذاته مرهونًا بالسؤال عن أيّ خير نطلبه؟، ومن ثمّ ما الذي يترتب عليه من التزامات وعدالة؟
يرفض ساندل معادلة "الحق يسبق الخير" (the priority of the right over the good)، التي جعلت من الليبرالية ملاذًا حياديًا مفترضًا بين وجهات النظر المتصارعة حول الحياة الجيدة. ويجادل بأن الدولة حين تدّعي أنها محايدة، فإنها غالبًا ما تخفي تحيزاتها خلف خطاب الحياد. فالقانون الذي يدّعي الحياد في تعريف الحياة الفاضلة لا يظلّ محايدًا، بل يُرسي تصورًا معيّنًا للإنسان بوصفه ذاتًا استهلاكية مستقلة، لا مواطنًا ملتزمًا بجماعته السياسية. وهذا في تصور ساندل، ليس فقط خطأً فلسفيًا بل خطرٌ سياسي، إذ يضعف المعايير الأخلاقية التي تُمكّننا من العيش المشترك.
يُدرك ساندل خطورة الانزلاق إلى "الجماعاتية/الكوميونيتارية" الصلبة (communitarianism) التي تستبدل الفرد بالمجتمع وتُمجّد الجماعة على حساب الحريات. لذلك يسعى إلى التمايز عنها بدقة. فهو لا يدعو إلى "العودة إلى القيم التقليدية" أو إخضاع الفرد لـ"روح الأمة"، بل إلى جدل عمومي حول المعنى، لا ينطلق من ذات معزولة ولا من مجتمع مُقدّس، بل من مواطنين يعترفون بجذورهم ويناقشونها في الفضاء العام. هذا ما يُفسّر تحفظه اللاحق عن توصيفه بالكوميونيتاري، لأن مشروعه ليس تأسيس نظرية بديلة جاهزة، بل زعزعة الادعاءات الزائفة للحياد الليبرالي، وإعادة بناء النقاش السياسي حول الفضيلة لا بوصفها أداة فرض، بل باعتبارها سؤالًا مشتركًا.
لا يقدّم ساندل نظرية عدالة جديدة، بل يفتح أفقًا لنقاش أخلاقي أكثر تواضعًا، لكنه أكثر واقعية أيضًا. وهو نقاش يرى أن العدالة لا تبدأ من تجريدات عقلانية مثالية، بل من حياتنا المشتركة، من الالتزامات التي لم نخترها ولكن نتحمل مسؤوليتها، من تساؤلنا الصادق عن الخير العام الذي نريده لمجتمعنا. بهذه المقاربة، لا يكون ساندل خصمًا لراولز فقط، بل مكمّلًا له من زاوية لطالما تجاهلتها الليبرالية - المعنى .
ما الذي يجعل الفلسفة صالحة لحياة الناس اليومية؟
هذا السؤال يشكّل جوهر مشروع مايكل ساندل منذ أن قرر مغادرة قاعات التنظير الأكاديمي ليخوض تجربة الفيلسوف العمومي. لم تكن مهمته فقط شرح النظريات، بل اختبار قدرتها على لمس الحياة اليومية، على إثارة الأسئلة الأخلاقية العميقة في مواقف تبدو بسيطة أو عملية. هذا ما يُميز ساندل عن غيره، إنه لا يبدأ من المفهوم بل من التجربة، لا يفرض الموقف بل يُطلّ عبر السؤال.
أسلوبه الجدلي معروف ومقصود، ساندل لا يُقدّم أطروحة فلسفية جاهزة، بل يسأل ويستفز ويترك الباب مفتوحًا للنقاش. في قاعاته التدريسية التي تحوّلت إلى عروض جماهيرية في هارفرد، ثم إلى برنامج تلفزيوني ثم إلى محاضرات مكتظة في مدرجات آسيا، يبدأ من سؤال بسيط: هل من الأخلاقي أن تدفع لطفل فقير ليقرأ كتابًا؟ أن تدفع مقابل كلية بشرية؟
في إحدى محاضراته الشهيرة في الصين، سأل جمهورًا من مئات الطلاب "هل يجوز بيع الكلية؟"، وأجاب أحدهم من منظور ليبرالي صريح "طالما كان البيع حرًا وشفافًا، فلا شيء خاطئ". فردّ ساندل "وماذا لو باع الكلية الأولى لتعليم ابنه، ثم جاء وقت احتاج فيه إلى تعليم ابنه الثاني؟ هل نسمح له أن يبيع قلبه؟ طالما الأمر شفاف؟" ضجّت القاعة بالدهشة، وارتفعت أصوات بالرفض. لم يكن ساندل يُمارس السخرية، بل يكشف حدود المنطق النفعي حين يُطبَّق على الجسد الإنساني. المسألة ليست عن المال فقط، بل عن كيف نريد أن نعيش معًا.
هذا الأسلوب نفسه يشكّل البنية الداخلية لكتابه الشهير "العدالة: ما الشيء الصحيح الذي ينبغي نفعله"، الذي تحوّل إلى مقرر عالمي بفضل بساطته الفكرية وعمقه التربوي. الكتاب ليس درسًا نظريًا، بل سلسلة من المواقف الأخلاقية الواقعية: هل من العدل أن يُعفى الأغنياء من الجيش مقابل المال؟ هل يجوز تفضيل طالبة على أخرى في القبول الجامعي إذا كانت من أقلية مضطهدة؟ وهل يمكن تبرير الكذب إذا أنقذ حياة إنسان؟ كل سؤال يُطرح ليُستكمل بجدل فلسفي يربط الموقف بنظريات أرسطو، راولز، كانط، أو ميل.
يقدم ساندل في هذا السياق ما يمكن تسميته بـ"ثلاثية العدالة" الرفاه والحرية والفضيلة. أولًا، العدالة بوصفها تحقيقًا للمنفعة أو الرفاه العام، وهو ما نجده عند النفعية الكلاسيكية (بينثام وميل). ثانيًا، العدالة بوصفها احترامًا للحرية الفردية والحقوق، كما في فلسفة كانط والنزعة الليبرالية الحديثة. وثالثًا، العدالة بوصفها تجسيدًا للفضيلة والمواطنة الصالحة، وهي المقاربة التي يدعو إليها ساندل مستلهمًا من أرسطو، حيث لا يكفي أن نحترم الحريات، بل يجب أن نسأل عن نوع المجتمع الذي نريده، وعن الصفات التي نستحق أن نكافئها أو نحتفي بها.
ساندل لا ينكر أهمية الرفاه أو الحرية، لكنه يرى أنهما لا تكفيان لتأسيس مجتمع عادل إذا لم يُطرح السؤال الثالث: ما الذي يجعل حياتنا الجماعية ذات معنى؟ في ظل عالم تسوده ثقافة السوق، يُحذّر ساندل من أن الاقتصاد لا يُدير فقط الموارد، بل يُعيد تشكيل مفاهيمنا عن الجدارة، النجاح، والاستحقاق. العدالة، إذًا، ليست مجرد مسألة قوانين عادلة، بل ترتبط بالسؤال عن القيم التي نُعليها، وعن الفضاءات التي لا ينبغي أن تخضع لقوانين السوق.
بهذا المعنى، لا يعود ساندل مجرد مفكر أخلاقي بل ميسّر لمداولات سياسية حية، يعيد فيها تعريف السياسة من كونها صراع مصالح إلى كونها حوارًا حول الحياة الجيدة. ليس لأن لديه أجوبة جاهزة، بل لأنه يُعيد ترتيب الأسئلة. الفلسفة عند ساندل إلا هذا الفعل البسيط والثوري معًا: أن تسأل بصدق وسط الناس عن ما هو عادل وما هو خير وما هو ممكن.
المعركة مع السوق: من الاقتصاد إلى الاستحقاق
في عالم يتسرب فيه منطق السوق إلى كل زاوية من حياتنا، يطرح مايكل ساندل سؤالًا بسيطًا لكنه مخيف: هل هناك أشياء لا ينبغي أن تُشترى؟
هذا هو جوهر كتابه الجريء ما لا يمكن شراؤه بالمال: الحدود الأخلاقية للأسواق، حيث يميّز ساندل بين نوعين من المجتمعات: مجتمع له اقتصاد سوق (market economy) يستخدم السوق كأداة تنظيمية، ومجتمع سوقي (market society) تتسلل فيه قيم السوق إلى التعليم، الطب، العلاقات، وحتى الموت.
يرى ساندل أن المشكلة لا تكمن في وجود الأسواق، بل في تمدّد منطقها إلى مجالات غير اقتصادية، مثل التعليم، الصحة، المواطنة، وحتى الحب. يكتب ساندل "الأسواق لا توزّع السلع فحسب، بل تُعبر عن طرق معينة في تقييم الأشياء". فحين نسمح بشراء مكان في الصف الأول لمشاهدة البابا، أو عندما ندفع لطفل كي يقرأ، فإننا لا نُحفّز الأداء فقط، بل نُعيد تعريف المعنى: تصبح الصلاة خدمة، والقراءة عبئًا. المشكلة ليست في الشراء بحد ذاته، بل في ما يُفسده الشراء.
في أمثلة صارخة يسردها ساندل، نكتشف مدى التلاعب الخفي في القيم:
• يمكنك دفع 150,000 دولار لقتل وحيد قرن مهدد بالانقراض.
• يمكنك دفع 500,000 دولار لشراء حق الهجرة إلى الولايات المتحدة.
• في بعض الجامعات، يمكن قبول ابن متبرع بملايين الدولارات، حتى لو كانت علاماته متدنية.
• يمكن الدفع للحصول على مكان في طابور للمشاركة في جلسة استماع في الكونغرس.
يرى ساندل أن هذه الأمثلة تعكس مسألة أخطر هي فساد المعاني. عندما تتحول "الخدمة المدنية" إلى "فرصة استثمارية"، نفقد حسّ المواطنة. وعندما يصبح التعليم بوابة استهلاكية، يُمحى المعنى الأخلاقي للتكافؤ.
لكن لماذا لا ننتبه لهذا الانزلاق؟
يجيب ساندل على السؤال بأن الخطاب العام أصبح فارغًا أخلاقيًا، يخاف من مناقشة القيم، ويُسند كل شيء للخبراء. هكذا، تصبح السياسة إدارة تكنوقراطية لا مساحة لتداول الخير العام. وهنا يطرح ساندل فكرته الشهيرة "المشكلة في خطابنا السياسي ليست كثرة الأخلاق، بل قلّتها".
من السوق إلى الاستحقاق: طغيان الجدارة
في كتابه طغيان الاستحقاق: ماذا حلّ بالخير العام؟، ينتقل مايكل ساندل من نقد السوق إلى نقد أعمق، نقد أخلاقيات النجاح نفسها. فلم يعد الخطر فقط في ما يُشترى، بل في ما يُستحق. ما الذي يجعل الفائز يستحق فوزه؟ ولماذا يشعر الخاسر بالخزي؟
في قصة شهيرة يفتتح بها الكتاب، يتناول ساندل فضيحة القبول الجامعي في أميركا، استخدم أثرياء ومشاهير طرقًا ملتوية (رشاوى، صور مزوّرة، اختبارات مزيفة) لإدخال أبنائهم إلى جامعات النخبة. ورغم أن المجتمع الأمريكي دان هذه الممارسات، إلا أن ساندل يشير إلى ما هو أخطر، فالكل بما فيهم الغاضبون، يتبنى مبدأ الجدارة. أي أن الغضب ليس على مبدأ المنافسة، بل على من يخرق قواعدها. ساندل يسأل السؤال المزعج "حتى لو كانت الجدارة مضمونة، هل العدالة مضمونة؟ وهل الفائز حقًا يستحق كل شيء؟"
تقوم الجدارة على منطق أن النجاح نتيجة الموهبة والجهد. ساندل يعترض قائلاً بأن الموهبة ليست من اختيارنا، والبيئة التي تدعمها ليست متساوية. "هل من العدل أن نحكم على الناس بحسب شيء لم يصنعوه؟"
في رأيه، تُنتج الجدارة أخلاقيات سامّة: عند الفائز غرور بأنه صنع نفسه بنفسه بينما عند الخاسر إذلال بأنه يستحق فشله.
يبين ساندل كيف تتحول الديمقراطية إلى أرستقراطية مقنّعة، والجامعة إلى ختم تفوق طبقي. ويُظهر بالأرقام كيف تحتكر النخبة التعليم "في جامعة هارفرد، الطلاب من الطبقة العليا (أعلى 1%) أكثر من جميع الطلاب من الطبقات الدنيا مجتمعة". ويؤكد أن هذا النظام لا يُنتج فقط تفاوتًا اقتصاديًا، بل يُدمّر التضامن الاجتماعي. فمن يعتقد أنه "صنع نفسه" لا يشعر بأي دين تجاه غيره "كلما رأينا أنفسنا مكتفين بذاتنا، صَعُب علينا أن نتعلّم التواضع والامتنان... وبدونهما، يصعب أن نعتني بالخير العام".
في قلب أطروحة ساندل، يكمن السؤال الذي تتجاهله الليبرالية التكنوقراطية، ما معنى الحياة الناجحة؟
لا يرفض ساندل النجاح، بل يُشكّك في مقاييسه، لماذا نكافئ المبرمج أكثر من الممرّض؟ ولماذا نمنح الشهادات الجامعية وزنًا أخلاقيًا؟ إن المطلوب ليس مساواة في النتائج، بل نقاش أخلاقي حول الاستحقاق نفسه.
الحل عند ساندل ليس في تحسين الجدارة، بل في تجاوزها نحو رؤية مدنية مشتركة، ترى العمل قيمة، والمواطنة مسؤولية، والكرامة أساسًا لا مكافأة. ولهذا، يدعو إلى سياسة الخير العام، حيث لا يُقاس الإنسان بمدخوله أو درجته، بل بمساهمته في بناء عالم يمكن للجميع أن يشعروا بالانتماء إليه.
باختصار، يرى ساندل الصراع بين مجتمع يرى كل شيء سلعة، ومجتمع يرى بعض الأشياء لا تُقدّر بثمن.
ساندل والصين: حين تتكلّم الفلسفة لغة الفضيلة العامة
في إحدى أمسيات ديسمبر 2012، احتشد المئات من طلاب جامعة شيامن جنوب شرق الصين خارج القاعة قبل ساعات من بدء محاضرة من المقرر أن يقدمها مايكل ساندل. لم تكن هذه الحشود بسبب نجم سينمائي أو لاعب كرة سلة، بل بسبب فيلسوف أميركي هادئ الطباع، جاء ليطرح أسئلة حول العدالة والاستحقاق.
كان المشهد امتدادًا لتحوّل مذهل في حضور ساندل العالمي، وبخاصة في شرق آسيا. ففي الصين، لم يكن استقبال ساندل مجرد فضول أكاديمي تجاه فيلسوف غربي، بل ظاهرة ثقافية. في بلد تسوده نزعة تكنوقراطية وسيادة خطاب أداتي للتنمية، جاء ساندل ليقدّم شيئًا مختلفًا، فلسفة أخلاقية تُناقش الحياة اليومية، لكنها لا تنطوي على تهديد سياسي مباشر. ولهذا استطاع أن يدخل المساحة الرمادية بين الدولة والمجتمع، بين سؤال "ما هو المشروع السياسي؟" وسؤال "ما الذي يجعل الحياة تستحق أن تُعاش؟".
نجاح ساندل في الصين لا يُفسر لكونه أستاذًا بجامعة هارفرد، بل من خلال التوقيت. فقد عاش الصينيون لعقود ما يسميه المفكرون بـ"الفراغ الروحي" (jingshen kongxu). ومع تحوّل الصين السريع إلى اقتصاد السوق، ظهرت أزمة المعنى، ما الغاية من الحياة بعد تلاشي الأيديولوجيا؟ كيف نعرّف العدالة والواجب والكرامة في مجتمع تسلّع فيه كل شيء من مقاعد المدارس إلى قرارات القضاة؟.
جزء من سبب نجاحه هو قرب أفكاره من تقاليد الفكر الصيني، وخصوصًا الكونفوشية. فبينما تنتقد الليبرالية الغربية على أساس الفردية المطلقة، يرى ساندل – مثل كونفوشيوس – أن الفرد لا يُفهم إلا من خلال علاقاته. "أنا لا أبدأ من الفرد الحرّ، بل من الذات التي تنمو في سياقات تاريخية وأخلاقية… نحن لسنا ذرات" . هذا ما جعله يحظى باحترام المفكرين الصينيين، حتى وهو يختلف عنهم في التفاصيل.
أشاد بعض الباحثين الصينيين بنقده للفردانية الرولزية، ووجدوا في أطروحته حول "الذات المتجذرة" مساحة تقاطع مع مفهوم الكونفوشية عن "الذات الأخلاقية المرتبطة بالعلاقات"، رغم أنهم انتقدوا غياب مفهوم "الانسجام" (he) عن تصوره للمجتمع العادل. فبالنسبة للكونفوشيين، لا تكفي العدالة وحدها، بل يجب أن تقترن بتناغم بين مكونات المجتمع، لا بالتطابق القسري، بل بتفاعل متناغم يشبه السيمفونية، حيث تُبرز كل آلة صوتها دون أن تطغى.
نجح ساندل في خلق حوار أخلاقي مع النخبة والجمهور في الصين دون الاصطدام بخطوط السياسة الحمراء. لم يتحدث عن شرعية الحزب أو حرية التعبير، لكنه أثار قضايا مثل الفساد والتفاوت والجدارة، بطريقة سمحت للمستمعين بإعادة التفكير دون شعور بالمجابهة. كما قال أحد طلابه "لقد أنقذت محاضراته روحي … كنت أعيش بلا أسئلة. الآن، كل شيء يستحق التساؤل."
لم يكن ساندل فقط معلمًا للفلسفة، بل وسيطًا أخلاقيًا بين حضارتين. هو لم يقدّم الفلسفة الغربية على أنها معيار مطلق، بل جعلها مادة للنقاش، وأتاح للصينيين أن يتفاعلوا معها من موقعهم الخاص، ويعيدوا إنتاجها بلغة تتماشى مع حسّهم الجماعي.
ربما تكون تجربة ساندل في الصين درسًا في ما يمكن للفلسفة أن تفعله حين لا تُقدّم بوصفها عقيدة أو أداة هيمنة، بل دعوة إلى التفكير المشترك. نجح لأنه لم يأتِ ليفرض بل ليسأل. ولأن خطابه لم يكن "ليبراليًا متعاليًا" ولا "دعويًا سلطويًا"، بل نقاشًا حول الخير العام بصيغة تساؤلية. في عالم يغرق في الفردية والسلعنة وتآكل الثقة، قد تكون الفلسفة كما فهمها ساندل ليست ترفًا ثقافيًا، بل إحدى آخر أدوات التعافي الأخلاقي الممكن.
روبسبير أم سقراط في عباءة هارفرد
رغم جماهيريته الواسعة، لم ينجُ مايكل ساندل من سيل الانتقادات التي طالت مشروعه الفلسفي، لا من قبل النيوليبراليين التقليديين فحسب، بل من داخل التيار الليبرالي نفسه. واللافت أن أعنف هذه الانتقادات لم تأتِ من يمين السوق، بل من مفكرين ليبراليين يخشون أن تتحوّل دعوة ساندل إلى "الفضيلة العامة" إلى بوابة خلفية لعودة الاستبداد الأخلاقي، وإن جاء هذه المرة في هيئة خطاب هادئ، لا في صورة سلطة خشنة.
في كتابه "تشريح معاداة الليبرالية"، يصنّف أستاذ القانون بجامعة نيويورك ستيفن هولمز ساندل ضمن فئة "المعادين لليبرالية المتساهلين" (soft anti-liberals). يرى هولمز أن ساندل لا يستخدم لغة الشعبوية الصاخبة أو السلطوية المباشرة، لكنه يعيد إنتاج المنظور ذاته الذي يجعل من الفضيلة والمجتمع مصادر للتفوق الأخلاقي، مقابل الفرد الحرّ والمستقل. بحسب هولمز، فإن مفاهيم مثل "الخير العام" و"المجتمع الفاضل" قد تبدو بريئة، لكنها تخفي تحتها تراثًا مفاهيميًا خطيرًا، حيث تتحوّل الأخلاق من موضوع نقاش إلى معيار تقويمي يُقاس به الناس ويُحكم عليهم.
ويذهب هولمز إلى حد القول إن خطاب ساندل حول "الفضيلة" يستبدل مفاهيم كـ"الرجولة" و"الشعب" التي استخدمها مفكرو القرن التاسع عشر، بمصطلحات أخف وقعًا، لكنها تحمل في جوهرها التوتر نفسه، تفضيل نوع من القيم الجماعية على الحرية الفردية. وفي هذا السياق، لا تكون الدعوة إلى النقاش الأخلاقي أمرًا محايدًا، بل أداة ضمنية لإعادة إنتاج صور من الطاعة أو الامتثال، حتى لو جاءت بلغة التسامح.
أما المؤرخ البريطاني نيل فيرغسون، فقد وجّه نقدًا أكثر مباشرة وسخرية. خلال إحدى المناظرات، قال مخاطبًا ساندل: "في كل مرة أسمعك تتحدث عن الفضيلة، أرى روبسبير." في إشارة إلى القائد الثوري الفرنسي الذي قاد "عهد الإرهاب" باسم الجمهورية والفضيلة، قبل أن يُعدَم بدوره في النهاية. فيرغسون يقصد أن الفضيلة حين تُصبح مشروعًا سياسيًا لا تبقى مجرد قيمة، بل تتحوّل إلى أداة قسر، تُستخدم لتبرير العنف باسم الطهارة الأخلاقية.
يرفض ساندل هذا التأويل جملة وتفصيلًا. في أكثر من مناسبة، أكّد أن دعوته إلى الفضيلة ليست دعوة إلى فرض نمط معيّن من الحياة، بل فتح نقاش عام حول ماهية الحياة الجيدة. يقول في مقابلة له "أنا لا أدعو إلى فرض القيم، بل إلى النقاش حولها. إن الحياد السياسي حين يمنعنا من مناقشة القيم، لا يكون حيادًا، بل نوعًا من القسر الرمزي."
بالنسبة لساندل، المشكلة ليست في أن نطرح أسئلة أخلاقية، بل في أن نخشى طرحها باسم الحياد. فعندما تمتنع الدولة عن تفضيل قيمة معينة أو رؤية ما للحياة الجيدة، فإنها في الواقع تكرّس تصورًا ضمنيًا للفرد، ذلك الكائن المنعزل الذي لا علاقة له بجماعته أو تقاليده أو واجباته.
وهنا يبرز الفارق الجوهري بين أخلاقيات الفضيلة العامة وأخلاقيات القسر. الأولى تعني أن يُتاح للمجتمع أن يناقش، بصراحة، ما الذي يُعدّ خيرًا، وما الذي ينبغي الاحتفاء به أو مقاومته. وهي ليست دعوة لفرض رؤية أخلاقية بعينها، بل لتفعيل الفضاء العام كمكان لتداول القيم، لا فقط المصالح. أما القسر، فيقوم على فرض تلك القيم من فوق، دون حوار أو تفكير، وهو ما يرفضه ساندل بشدّة.
في هذا الإطار، يمكن اعتبار ساندل معارض لموقف اليقين الأخلاقي الأحادي. فهو لا يقول للناس ما عليهم أن يعتقدوه، بل يدعوهم ليعيدوا التفكير فيما يعتقدونه أصلاً. وهذا ما يجعله أقرب إلى سقراط منه إلى روبسبير، مُحاور مزعج لا مصلح متسلّط. قوته لا تأتي من يقين دوغمائي، بل من الشك الفلسفي الصادق، ومن الإيمان بأن العدالة لا تُفهم خارج النقاش العام، وأن الفضيلة ليست حكرًا على فرد أو جماعة، بل ملكية مشتركة قابلة لإعادة التفاوض دائمًا.
هكذا، لا تعود دعوة ساندل إلى الفضيلة مشروعًا لإحياء طهارة سياسية، بل سعيًا لإعادة المعنى إلى السياسة نفسها. ليست العدالة عنده مسألة إجرائية فقط، بل سؤالًا حول الخير العام، وحول نوع المجتمع الذي نستحق أن نعيش فيه لا كمستهلكين متساوين، بل كمواطنين مشتركين في تحديد مصيرهم الأخلاقي.
في الدفاع عن السياسة بوصفها نقاشًا أخلاقي
لا يقدّم مايكل ساندل فلسفة مغلقة أو نموذجًا مثاليًا للحكم العادل. في جوهره، ما يقدّمه هو إعادة فتح الأسئلة الكبرى التي حاولت الليبرالية المعاصرة أن تطويها باسم الحياد أو الكفاءة أو "الانتصار الأخلاقي للأسواق". فمشروعه لا يتمثل في إملاء تعريف جاهز للعدالة أو للخير، بل في إحياء المجال العمومي بوصفه ساحةً للجدل الأخلاقي الحيّ، حيث يُتاح للمواطنين أن يناقشوا لا فقط ما يفعلونه، بل لماذا يفعلونه ولأي هدف.
في زمن تغلغل فيه منطق السوق إلى كل زاوية من الوجود، وانهارت فيه الحدود بين الأخلاق والتسليع، يذكّرنا ساندل بأن السياسة ليست فقط إدارة لمصالح متضاربة، بل أيضًا طريقة للتفكير في نوع المجتمع الذي نريد أن نكونه. وأن العدالة لا تنفصل عن النقاش حول القيم. هي ليست نتيجة إجراء محايد، بل ثمرة تفاوض أخلاقي حول ما نعتبره مهمًا وذا معنى.
ولذلك، فإن ساندل لا يدعو إلى "الفضيلة" بوصفها معيارًا خارجيًا أو نمطًا معياريًا مفروضًا من فوق، بل يطرحها كبنية حوارية، كإطار يمكن من خلاله أن نعيد مساءلة الذات والمجتمع معًا.
من هنا، تأتي أهميته في السياقات المتعددة والممزقة، حيث لا يجمع الناس دين واحد ولا تاريخ واحد ولا رؤية موحّدة للخير. يجيب ساندل عن هذا التحدي لا بإلغاء الفروق، ولا بفرض اتفاق قسري بل بـفتح النقاش، عبر خلق فضاء عمومي يعترف بتعدديته لكنه لا يتهرّب من مسؤولية بناء خير مشترك. فالبديل عن النقاش ليس الحياد بل الصمت، والصمت ليس محايدًا بل انحياز مقنّع لصالح من يملك النفوذ لتعريف "الحياد" ذاته.
إن ساندل لا يعدنا بمجتمع فاضل بل بمجتمع يفكّر في الفضيلة. لا ينادي بدولة تفرض الخير بل بمواطنين يسائلون معنى الخير. ولهذا لا يشكّل خطرًا على الحريات كما يدّعي منتقدوه، بل يشكّل دعوة لتعميق الحرية عبر توسيع معناها من حرية الاختيار الفردي إلى حرية المشاركة الأخلاقية.
في واحدة من أكثر عباراته تلخيصًا لمشروعه، يقول: "السؤال الحقيقي ليس فقط ما الذي نشتريه، بل كيف نعيش معًا." وهذا هو قلب الفلسفة السياسية عند ساندل، أن نعيد طرح الحياة المشتركة كسؤال لا كقدر، وأن نرى في كل سياسة فرصة لفهم أنفسنا لا فقط لتحصيل منفعة.
تظل مساهمة ساندل فريدة: ليست دعوة لإحياء المدينة الفاضلة، بل لمحاولة بناءها، لا بالأوامر، بل بالحوار، لا باليقين، بل بالسؤال.
المراجع:
· Sandel, Michael J. Encountering China: Michael Sandel and Chinese Philosophy. Edited by Paul J. D’Ambrosio and Evan Osnos. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2018.
· ———. Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrar, Straus and Giroux, 2009.
· ———. Liberalism and the Limits of Justice. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1998.
· ———. The Tyranny of Merit: What’s Become of the Common Good? New York: Farrar, Straus and Giroux, 2020.
· ———. What Money Can’t Buy: The Moral Limits of Markets. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2012.
· Sandel, Michael J. "Parallel Worlds." The Focus Vol. XV, no. 1 (2023): 36–41. https://www.iias.asia/the-focus/parallel-worlds
· Sandel, Michael J. “Seeking Ethical Clarity.” Harvard Gazette, April 10, 2015. https://news.harvard.edu/gazette/story/2015/04/seeking-ethical-clarity/
· Sandel, Michael J. “The Global Philosopher.” Harvard Gazette, 2017. https://news.harvard.edu/gazette/story/2017/03/the-global-philosopher/
· Stewart, Heather. “Whether We Are Arguing About MPs’ Expenses or the Greek Bailout, There’s a Hunger for Political Debate.” The Guardian, May 18, 2015.
https://www.theguardian.com
· Malik, Kenan. “Michael Sandel: Master of Life’s Big Questions.” The Guardian, April 13, 2020.
https://www.theguardian.com
· Cowley, Jason. “The NS Profile: Michael Sandel.” New Statesman, July 2012.
https://www.newstatesman.com
· Holmes, Stephen. The Anatomy of Antiliberalism. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1993.
· Ferguson, Niall. Quoted in debate with Michael Sandel, The Guardian Events, 2020.




