هل أمريكا دولة كليبتوقراطية؟
هكذا يمكن أن تتغيّر الحياة للأثرياء، للفقراء، ولكل من يقع بينهما.
بقلم جودي فيتوري، أستاذة ممارسة ورئيسة مشاركة لقسم السياسة العالمية والأمن في كلية الشؤون الدولية بجامعة جورجتاون.
مارس، 2025
عندما تلوح في الأفق تحولات كبرى، نبحث عن دليل إرشادي. ستكون هناك أنماط جديدة للحياة وتوقعات جديدة للمستقبل. ولن يشذّ المشهد المتسارع للفساد في الولايات المتحدة عن هذه القاعدة.
انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نوفمبر الماضي، والتغييرات المؤسسية والشخصية المتسارعة منذ توليه منصبه، دفع بالأمريكيين إلى منطقة سياسية جديدة. وعلى وجه الخصوص، تتفكك مؤسسات وقواعد مكافحة الفساد. أمرت المدعية العامة بام بوندي وزارة العدل بإعطاء الأولوية للقضايا المتعلقة بالكارتلات الإجرامية وأغلقت وحدة "KleptoCapture" ومبادرة استعادة أصول الكليبتوقراطية، ومن جهته، أمر ترامب بوقف التحقيقات الجديدة أو تنفيذ قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة لمدة ستة أشهر.
بينما تركز تلك التطورات على أنشطة الشركات الأمريكية المتورطة في الفساد في الخارج وليس في الداخل، فإن قواعد مكافحة الفساد الأخرى تتعرض أيضا لضغوط متسارعة ومقلقة. فقد أقالت إدارة ترامب ما لا يقل عن 17 مفتشاً عاماً، وهي مكاتب تم إنشاؤها بعد فضيحة ووترغيت كرقابة مستقلة على سوء الإدارة وإساءة استخدام السلطة داخل الوكالات الحكومية، بالإضافة إلى العديد من كبار موظفي وزارة العدل. كما أصدر الرئيس أمرًا تنفيذيًا قوض استقلالية وكالات مثل لجنة التجارة الفيدرالية ولجنة الأوراق المالية والبورصات، وكلاهما له دور مهم في اكتشاف الفساد والمعاقبة عليه.
بالنسبة للبعض، لا تندرج هذه التغيّرات ضمن التحوّلات المعتادة في السياسات التي ترافق تغيّر الإدارات، بل تتجاوزها إلى حدّ يتطلّب مفردات جديدة لفهمها. فعلى سبيل المثال، لم يكن مصطلح كاكيستوقراطية "kakistocracy" (أي حكم الأقل كفاءة أو أهلية من المواطنين) مألوفاً لدى الجمهور، حتى اختارته مجلة الإيكونوميست "كلمة العام" في 2024. بعض المعلّقين السياسيين وصفوا كبار التنفيذيين في شركات التكنولوجيا، الذين حصلوا على مقاعد مميّزة في حفل تنصيب ترامب، بأنهم "الأوليغارشيون الجدد" في أمريكا. وفي خطابه الوداعي إلى الأمة، حذّر الرئيس جو بايدن من أن "أوليغارشية آخذة بالتشكّل في أمريكا". أما السيناتور بيرني ساندرز، فقد استخدم توصيفاً أشدّ قسوة حين قال في فبراير إن إدارة ترامب "تدفع هذا البلد بسرعة نحو كليبتوقراطية".
ما الذي تعنيه هذه المصطلحات، من حيث التعريف والممارسة؟ وأيّ منها، إن وُجد، يمكن وصفه بدقّة كنموذج يعكس النظام السياسي الأمريكي المتشكّل اليوم؟
أوّل ما ينبغي تحديده هنا هو تعريف الفساد نفسه. فالفساد يُعدّ حجر الأساس للأنظمة التي يعتبرها الأمريكيون نقيضاً لقيمهم وتقاليدهم، ومع ذلك، بات يُستدعى بكثرة عبر الطيف السياسي الأمريكي في الآونة الأخيرة. صرّح دونالد ترامب في ظهور مشترك مع مستشاره إيلون ماسك في البيت الأبيض خلال فبراير الماضي "لقد خضتُ حملتي الانتخابية على أساس أن الحكومة فاسدة—وهي فاسدة فعلًا".
في الواقع، يُعدّ تطهير البيروقراطية المعروفة بما يُسمّى "الدولة العميقة"، من مظاهر الفساد أحد الأهداف المعلَنة لماسك في إطار "وزارة كفاءة الحكومة" (DOGE)، التي أُنشئت بموجب أمر تنفيذي في يناير. ومن بين الادعاءات التي أطلقها ماسك أن فريقه في DOGE كشف عن "محتالين معروفين" كانوا يتقاضون مدفوعات من الحكومة الفيدرالية، وأشار إلى أن بعض الموظفين في البيروقراطية، بمن فيهم العاملون في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، كانوا يتلقّون " عمولات".
قليلون هم من ينكرون أن الاحتيال والهدر المالي غائبان تماماً عن إنفاق الحكومة الفيدرالية الأمريكية. قدّر مكتب المحاسبة الحكومية في الولايات المتحدة، العام الماضي، أن الحكومة تخسر سنوياً ما بين 233 مليار و521 مليار دولار بسبب الاحتيال، وأن الوكالات الحكومية أجرت ما يقرب من 2.7 تريليون دولار من المدفوعات غير السليمة خلال العقدين الماضيين. الأرقام ضخمة، وهو أمر متوقّع من مؤسسة تُنفق أكثر من 6 تريليونات دولار سنوياً. لكن يبقى السؤال: هل ترقى حالات الاحتيال الموثقة في الحكومة الأمريكية إلى مستوى يُعدّ فساداً فعلياً؟
لا يوجد تعريف عالمي موحّد للفساد، لكن من أكثر التعريفات شيوعا وفقا لمنظمة الشفافية الدولية هو: "إساءة استخدام السلطة الموكلة لتحقيق منفعة خاصة." وبناء على هذا التعريف، فإن استخدام ماسك لهذا المصطلح في وصفه للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) يتطلّب إثبات أن موظفي الوكالة أو المتعاقدين معها قد استغلوا صلاحياتهم الرسمية لتحقيق مكاسب شخصية، كأن يتلقّوا رشاوى أو هدايا مقابل منح عقود مربحة. أما الحصول على راتب حكومي رسمي مقابل تنفيذ السياسات المُدرجة ضمن نطاق الوظيفة، فلا يُعدّ "إساءة استخدام للسلطة الموكلة" ولا "منفعة خاصة"، وبالتالي لا يرقى إلى تعريف الفساد.
تتعدّد أنماط الفساد، لكن أكثرها إثارة للقلق حالياً هو الفساد الكبير أو "الفساد المؤسسي". يحدث هذا النوع عندما تستولي شبكات من النخب الحاكمة على مؤسسات الدولة، لتسخيرها في خدمة مصالحها الخاصة ونهب الموارد العامة. ويشمل هذا النمط طيفاً واسعاً من الممارسات: من الرشوة والابتزاز، إلى المحسوبية والمحاباة، والغش القضائي، والتلاعب في الحسابات، وتزوير الانتخابات، والاحتيال في الخدمات العامة والاختلاس، واستغلال النفوذ وتضارب المصالح.
في ظل تفكيك الأنظمة التي كانت تشكّل خطوط الدفاع ضد الفساد، تزداد المخاوف من أن إدارة ترامب تمهّد الطريق لظهور فساد كبير في المستقبل. النائب مارك بوكَان وجّه انتقادات لوضع إيلون ماسك كـ"موظف حكومي خاص" ذو صلة بعقود فيدرالية قائمة، لا يقل عددها عن 52 عقداً مع سبع وكالات حكومية، واصفاً هذا الوضع بأنه "مهيأ للفساد"، معلناً عزمه طرح مشروع قانون يمنع الموظفين الحكوميين الخاصين، مثل ماسك، من الحصول على مثل هذه العقود. يُذكر أن ماسك قدّم ما لا يقل عن 277 مليون دولار لدعم حملة ترامب والجمهوريين في الانتخابات الأخيرة.
وفي مقال رأي نُشر في نيويورك تايمز خلال فبراير، أعرب خمسة وزراء خزانة سابقين عن قلقهم إزاء سماح وزارة كفاءة الحكومة (DOGE) لشخصيات سياسية بالوصول إلى نظام المدفوعات الأمريكي. وكتبوا أن هذا الوصول يهدّد أمن منظومة كانت، حتى وقت قريب، تُدار حصريًا من قِبل موظفين مدنيين غير حزبيين، بهدف الحيلولة دون استخدامها لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية.
(من جهته، صرّح ماسك في حديث مع بودكاست جو روغان خلال فبراير أن موظفي DOGE "يخضعون لنفس إجراءات التدقيق التي يخضع لها الموظفون الفيدراليون الآخرون").
في مقابل الفساد الكبير، هناك الفساد الصغير، الذي يصادفه المواطنون في حياتهم اليومية، كأن يُطلب منهم دفع رشوة أو تقديم خدمة مقابل الحصول على معاملة في مستشفى أو مدرسة أو مركز شرطة. وعلى الرغم من أن الثقافة الشعبية الأمريكية مليئة بقصص رجال شرطة وموظفين فاسدين، مثل مسلسل The Sopranos، إلا أن معظم الأمريكيين لم يعتادوا تقديم "مبلغ إضافي" لتجديد رخصة القيادة أو تسجيل طفل في مدرسة حكومية.
لكن كما تقول المقولة القديمة: "السمكة تتعفّن من الرأس." فعندما يتصاعد الفساد في المستويات العليا، قد يشعر الموظفون الأدنى مرتبة بجرأة أكبر لطلب الرشاوى، بطرق قد تكون جديدة تمامًا على المواطن الأمريكي العادي.
تأخذ الكليبتوقراطية (حكم اللصوص) الفساد، حتى الفساد الكبير، إلى مستوى أعلى وأكثر تعقيداً. لا يوجد تعريف محدّد صارم للكليبتوقراطية، سوى معناها الحرفي "حكم اللصوص". وكما في حالة الفساد الكبير، تقوم الكليبتوقراطية على شبكات مترابطة بإحكام من النخب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والإجرامية، تنخرط في أنشطة مثل الرشوة والابتزاز وسلوكيات تخريبية أخرى.
لكن ما يميّز الكليبتوقراطية ويفصلها عن مجرد "الفساد الكبير" هو خصائص إضافية تجعلها أكثر تجذّراً وخطورة.
أول ما يميّز الكليبتوقراطية هو أن الفساد الكبير فيها يكون ممنهجاً، متجذراً في شبكات مترابطة، ويغذّي نفسه باستمرار. فليس من الصعب نسبياً إنشاء مخطط فساد معقّد ومربح، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل المؤسسات نفسها إلى أدوات تُبقي تدفّق شبكات الفساد الكبرى قائماً عبر مسارات متعددة، ولسنوات أو حتى لعقود. هذا المستوى من التنظيم والتكيّف يعكس البنية العميقة لقدرة الكليبتوقراطية على البقاء والتوسّع.
ثانياً، تؤدي الكليبتوقراطية إلى تشوّهات عميقة في المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المدى البعيد. ففي حين قد تُراكم مخططات الفساد الكبير ثروات بمليارات الدولارات للنخب، فإن وقوع هذه الممارسات ضمن اقتصاد ضخم قد يجعل تأثيرها المباشر على المواطن العادي محدودًا أو غير ملموس. أما في ظل كليبتوقراطية، فإن حجم التشوّهات يكون بالغاً إلى درجة تجعل آثارها ملموسة بشكل لا يمكن تجاهله في حياة الناس اليومية.
ثالثاً، في الدول التي لا تحكمها كليبتوقراطية، تُعدّ فضائح الفساد الكبير صادمة للضمير العام وتتصدّر عناوين الأخبار لأنها لا تُعتبر من الممارسات المعتادة. أما في ظل الكليبتوقراطية، فالفساد الكبير لا يُعدّ انحرافاً عن القاعدة، بل هو الهدف الجامع والوظيفة الأساسية للدولة. وتأتي الفضائح بوتيرة سريعة، وبنطاق واسع، وبحجم هائل، إلى درجة تجعل كثيراً من المواطنين يشعرون بالعجز التام عن المواجهة أو التأثير.
تشكل النخب الأساسية، المعروفة شعبياً بلقب "الأوليغارشيين"، عنصراً محورياً في نظام الكليبتوقراطية. تعود كلمة "أوليغارشية" إلى أصل يوناني قديم، من oligoi بمعنى "القلة"، وarkhein بمعنى "الحكم". وقد وصف أرسطو الأوليغارشية بأنها "حين تمسك طبقة المال بالحكم". وبحسب هذا التعريف، لا يُعد النظام أوليغارشياً إلا إذا استطاع الأثرياء التأثير في سياسات الدولة بما يحفظ ثرواتهم ونفوذهم، ولو على حساب بقية السكان.
ورغم أن هذا المصطلح ارتبط في السنوات الأخيرة بالنخبة الثرية المحيطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلا أن بعض الباحثين يرون أن من يُوصَفون بالأوليغارشيين الروس لا يلبّون هذا التعريف بدقة، لأنهم، رغم امتلاكهم ثروات ضخمة، لا يبدو أن لهم تأثيرًا مباشرًا يُذكر على السياسات الداخلية أو الخارجية. ولهذا، يفضّل الباحث إيليا زاسلافسكي تسميتهم بـ"الكريمليغارشيين" (Kremligarchs)، للدلالة على ثرائهم الكبير من دون نفوذ سياسي حقيقي.
أما في الكليبتوقراطيات ذات الطابع الديمقراطي، فثمة نموذج مغاير من السلطة السياسية. ففي المجر، تمكّن حزب فيدس الحاكم بقيادة رئيس الوزراء فيكتور أوربان من إحكام قبضته على البرلمان، والجهاز القضائي، والبيروقراطية، ووسائل الإعلام. وقد وصف السفير الأمريكي السابق لدى المجر، ديفيد بريسمن، هذا النظام بأنه "احتضان للفساد العدمي".
على سبيل المثال، تحظى الشركات المرتبطة بأسرة أوربان وأفراد دائرته المقرّبة بفرص حكومية مجزية وشبه حصرية من حيث التوريد والعقود، بينما تُقيَّد قدرة الفاعلين من خارج هذه الدائرة على دخول السوق أو التنافس العادل. وعلى الرغم من موقع المجر في قلب أوروبا، فإن حرية الصحافة فيها تدهورت إلى درجة أجبرت إحدى آخر الإذاعات المستقلة في البلاد على التوقّف عن البث عام 2021.
لكل كليبتوقراطية طابعها الخاص، وإذا ما ظهرت كليبتوقراطية أمريكية بالفعل، فمن المرجّح أن تختلف في آلياتها ووظائفها عن تلك الموجودة في دول مثل المجر، إيران، روسيا، السعودية، الإمارات، أو فنزويلا. ومع ذلك، فإن الكليبتوقراطيات تتقاسم سمات مشتركة، وهناك مؤشرات متزايدة على أن شكلاً أمريكياً فريداً من هذا النمط قد بدأ بالتشكّل بالفعل.
في محاولة لتصنيف أنماط الكليبتوقراطية بحسب اختلاف السياقات الوطنية، حدّد الباحث مايكل جونستون أربعة "أنماط متكررة" للفساد. وتندرج الولايات المتحدة، وفق تصنيفه، تحت ما يُسمّى "أسواق النفوذ" (Influence Markets)—وهي الدول الديمقراطية الرائدة في الحكم الرشيد.
لم تتحوّل أي دولة من هذا النوع، حتى الآن، إلى كليبتوقراطية مكتملة الأركان. ففي "سوق النفوذ"، يُعدّ الفساد الصغير نادراً، وحالات الفساد الكبير يمكن أن تؤدي إلى السجن أو تشريعات جديدة أو حتى خسائر انتخابية. غير أن الجدل يبقى قائماً حول الحدود الفاصلة بين الضغط السياسي المشروع أو تمويل الحملات، وبين الفساد الصريح. هذه الدول تتميّز بوجود معايير ديمقراطية قوية، وحماية للحريات الفردية، ودفاع عن حقوق الإنسان، فضلًا عن مؤسسات قضائية وتنفيذية مستقلة. وتدار الدولة فيها من خلال جهاز إداري مهني، نظيف نسبياً، وغير خاضع للحزبية.
تُعدّ الولايات المتحدة الدولة الأبرز في هذا التصنيف داخل النظام الدولي. فهي تمتلك عملة الاحتياط العالمية، وإحدى أقوى الاقتصادات والجيوش. كما أن مؤسسات مكافحة الفساد وقواعدها كانت، وفق فهم تلك الحقبة، جزءاً من البناء الدستوري الذي صاغه الآباء المؤسسون أو استُحدث بعد ذلك مباشرة، مثل نظام الفصل بين السلطات، وبنود تضارب المصالح (emoluments clauses)، و"وثيقة الحقوق"، واشتراط إقامة الممثلين المنتخبين في الدوائر والمناطق التي يمثلونها.
وفي عام 1977، كانت الولايات المتحدة أول دولة تجرّم دفع رشى لمسؤولين أجانب، عبر قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة (Foreign Corrupt Practices Act)، وهو القانون الذي أمر ترامب بتجميد تطبيقه مؤقتًا.
لا يوجد في التاريخ نموذج سابق لما قد يحدث إذا تحوّلت قوة عظمى، تُعدّ في الوقت نفسه "سوق نفوذ"، إلى كليبتوقراطية. وإذا ما سقطت الولايات المتحدة في هذا المسار، فسيفوز قلة من المستفيدين على نحو كبير. صحيح أن التفاوت الطبقي ليس ظاهرة جديدة، وقد أظهرت دراسات عدّة أن الحراك الاجتماعي في الولايات المتحدة في تراجع مستمر منذ سنوات، إلا أن التحول نحو كليبتوقراطية وتراجع الضوابط المؤسسية سيعزّزان مسارًا مقلقًا للغاية.
في عام 2023، بلغ عدد المليارديرات في الولايات المتحدة 1,050 شخصاً، بثروة إجمالية تُقدّر بنحو 5 تريليونات دولار. وفي الربع الثالث من عام 2024، امتلك أعلى 1٪ من السكان ما مجموعه 49.23 تريليون دولار من الثروة المنزلية، في حين لم تتجاوز ثروة الـ50٪ الأدنى 3.89 تريليون دولار. وإذا ما ترسّخ نموذج كليبتوقراطي أمريكي، فمن المرجّح أن يتزايد عدد المليارديرات، إلى جانب اتساع الفجوة بين الأعلى 1٪ وبقية السكان.
في ظلّ الكليبتوقراطية، تعني امتيازات الوصول إلى السياسات، إضافة إلى الفساد الكبير المباشر لصالح الأوليغارشيين، أن أسعار التوريد الحكومية ترتفع، وأن الخدمات العامة تتجه نحو المزيد من الخصخصة، وتكثر الرسوم الدقيقة والجزئية. وبالتالي، تتحوّل المزيد من الطرق العامة إلى طرق برسوم عبور، وتُغرق الشركات، من شركات الطيران إلى الفنادق وبطاقات الائتمان، المستهلكين بالرسوم الإضافية والتكاليف غير المعلنة. محاولة إدارة ترامب إغلاق مكتب حماية المستهلك المالي (Consumer Financial Protection Bureau)، ووقف تحقيقاته الرقابية، قد تكون مؤشرًا مبكرًا على هذا الاتجاه.
ومع تمكّن الأوليغارشيين من التهرّب من الضرائب، يقع العبء الضريبي بشكل أكبر على كاهل الطبقتين الفقيرة والمتوسطة. وتُعدّ الرسوم الجمركية مثالاً نموذجياً على هذه الحالة، لأنها في الواقع ضرائب يدفعها المستهلك، لا المورّد. وستؤثر الزيادات في أسعار الغذاء الناتجة عن الرسوم بشكل خاص على الفقراء؛ إذ أن الشريحة الأدنى دخلاً من الأسر الأمريكية أنفقت 33٪ من دخلها بعد الضرائب على الغذاء في عام 2023، مقارنة بـ8٪ فقط لدى الشريحة الأعلى دخلاً.
وتتّجه البرامج الاجتماعية، وخاصة تلك المخصصة للفئات الأكثر فقراً، إلى التقلّص أو نقص التمويل، أو حتى الإلغاء الكامل في النظم الكليبتوقراطية. ففي الميزانية التي أقرّها مجلس النواب مؤخرًا، طُرحت مقترحات لتمديد التخفيضات الضريبية التي أقرّها ترامب عام 2017، والتي أفادت بالدرجة الأولى الطبقات الثرية، مع تقليص الإنفاق الحكومي بمقدار تريليوني دولار خلال عشر سنوات، من ضمنها 880 مليار دولار تُترك صلاحية اقتطاعها للجنة مجلس النواب المكلّفة بالإشراف على تمويل برنامجي الضمان الصحي Medicare وMedicaid.
وفي مؤشر إضافي مقلق، صرّح وزير التجارة الحالي، هاورد لَتنيك، وهو شخص ثري للغاية، أن برامج الضمان الصحي Medicaid وMedicare "خاطئة من حيث المبدأ". صحيح أن ترامب ليس أول رئيس جمهوري يتحدث عن تقليص هذه البرامج، لكن خطواته الأولى، ومن ضمنها مقترحات لخفض مئات العقود المتعلقة بشؤون المحاربين القدامى، تُشير إلى أن تخفيضات هذه الإدارة قد تكون أوسع وأعمق من سابقاتها.
تُعدّ المؤسسات المسيّسة، ولا سيما أجهزة إنفاذ القانون، ضرورية لاستمرار الكليبتوقراطية. وكما قال الديكتاتور البيروفي السابق أوسكار بينافيديس: "لأصدقائي كل شيء، ولأعدائي القانون." تدرك الشركات في دول مثل فنزويلا وروسيا أن الوقوف في الجانب الخطأ من السلطة يمكن أن يجلب إليها مصلحة الضرائب، وفواتير ضريبية كارثية، وانهيارًا ماليًا، مما يجعل تسليح الهيئات الضريبية، مثل مصلحة الضرائب الأمريكية (IRS)، تهديدًا قائمًا للجميع.
وقد فهم الرئيس ريتشارد نيكسون هذا المنطق جيداً، حين سلّم مفوّض مصلحة الضرائب "قائمة أعداء" تضم حوالي 200 ديمقراطي، طالباً إخضاعهم للتدقيق الضريبي بهدف فتح تحقيقات ضدهم وربما سجن بعضهم. لكن المفوّض، بدلاً من تنفيذ التعليمات، قام بحفظ القائمة دون أن يتخذ إجراء.
اليوم، تُنذر بعض التطورات بعودة هذا النمط من التسييس. من بينها رحيل مفوّض مصلحة الضرائب بالإنابة مؤخراً، وإقالة 6,700 موظف تحت الاختبار خلال موسم الضرائب، فضلاً عن مساعي وزارة كفاءة الحكومة (DOGE) للوصول إلى بيانات دافعي الضرائب ومعلومات من مصلحة الضرائب. كلها مؤشرات مقلقة على اتجاه متصاعد نحو تسييس المؤسسات الرقابية.
في المستقبل، قد تؤدي أوامر تنفيذية وسياسات أخرى إذا ما طُبّقت إلى دفع الولايات المتحدة بشكل أعمق نحو مسار الكليبتوقراطية. من أكثر هذه السياسات أهمية ما يُعرف بـ"الجدول F" (ويُطلق عليه حالياً "جدول السياسة/المسار الوظيفي")، الذي طُرح في أكتوبر 2020 خلال إدارة ترامب الأولى، وتم إلغاؤه لاحقاً من قبل بايدن، ثم أُعيد العمل به بأمر تنفيذي في أول يوم من ولاية ترامب الثانية. يتيح هذا القرار إعادة تصنيف الموظفين المدنيين ضمن فئة وظيفية توفر حماية أقل بكثير في العمل، مما ينسف أكثر من 150 عامًا من إصلاح الخدمة المدنية. تطبيق هذا النظام يعني عمليًا العودة إلى ما يُعرف بـ"نظام الغنائم" الذي كان شائعاً في القرن التاسع عشر.
نتيجة هذا التراكم من الأوامر التنفيذية، والاختيارات الإدارية المشكوك فيها، وشلّ وزارة العدل، وتقويض استقلالية الوكالات الفيدرالية، وتجريد الخدمة المدنية من تمويلها وصلاحياتها، هي أن الأشخاص الذين يسعون لتشكيل مؤسسات الدولة الفيدرالية بما يخدم مصالحهم الشخصية أصبحوا بالفعل في مواقع تخوّلهم ذلك. وفوق هذا، فإن تسارع وتيرة هذه التغييرات يجعل من الصعب على الولايات، والمحاكم، والمجتمع المدني، والصحافة أن تردّ بفعالية. وهذا بالضبط ما عبّر عنه مستشار ترامب السابق، ستيف بانون، في عبارته الشهيرة: "اغمر الساحة بالقمامة."
أما الصحفيون في ظل كليبتوقراطية، فمساحتهم تضيق أكثر بفعل قوانين التشهير التي قد يُعاد تفسيرها بطريقة تمكّن المتنفذين من استخدام الدعاوى القضائية كسلاح ضد الإعلام والمجتمع المدني، بل وحتى الأفراد العاديين الذين يحاولون الإبلاغ عن التجاوزات، بهدف إسكاتهم. طريقة تعامل ماسك وإدارة ترامب مع التقارير التي كشفت عن هوية موظفي وزارة كفاءة الحكومة (DOGE) تُعدّ مثالًا مبكرًا على هذا التوجّه.
التحكّم في السرد الإعلامي لا يتم فقط عبر القمع القانوني، بل عبر السيطرة على أدوات البث. وبينما يحظى استحواذ جيف بيزوس على واشنطن بوست، أو امتلاك إيلون ماسك لمنصة X (تويتر سابقاً)، باهتمام كبير، فإن الملكية المحافظة لشبكات الإعلام المحلي في الولايات المتحدة، مثل شبكة سينكلير التي تضم ما يقرب من 200 محطة، تلعب دوراً محورياً في صياغة الرسائل المؤيدة لترامب. وفي عالم معولم، ستظل وسائل الإعلام عالية الجودة، وغالباً النخبوية والمحمية بجدران دفع، متاحة لمن يملكون المال والوقت والرغبة في الوصول إليها. وكما يشير كل من سيرغي غورييف ودانييل تريسمان في كتابهما Spin Dictators، فإن وجود هذا النوع من الإعلام لا ينفي سلطوية النظام، بل يخدم غرضين: إثبات شكلي أن النظام ليس سلطويًا بالكامل، وخلق صورة "النخب المعولمة" ككبش فداء، لأنها وحدها من تستهلك هذا الإعلام الدولي النخبوي.
منذ قرار المحكمة العليا في قضية Citizens United عام 2010، الذي سمح بتدفّق غير محدود للأموال المظلمة إلى الحملات الانتخابية الفيدرالية، تمّ تقليص تعريف "الفساد" لأغراض قانونية بشكل حاد. لكن القرار الأشد إثارة للقلق جاء مؤخراً في قضية ترامب ضد الولايات المتحدة (2024)، حيث منح الحكم الرئيس حصانة واسعة طالما أن أفعاله مرتبطة بشكل ما بـ"مهام رسمية". كما حدّ الحكم من نطاق الأفعال الرئاسية التي يمكن التحقيق فيها أصلاً. ومع الجمع بين هذا الحكم وصلاحية العفو الرئاسي عن المتورطين في القضايا الفيدرالية، بات لدى ترامب، أو أي رئيس مقبل، هامش قانوني واسع لتطويع الحكومة الأمريكية وفق إرادته.
عفو ترامب عن "بطل" العملات الرقمية روس أولبريخت الذي أدار سوقاً سوداء للمخدرات على الإنترنت المظلم وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج المشروط، إلى جانب ما تردّد عن ضغوط مارستها إدارته على رومانيا للسماح بمغادرة أندرو وتريستان تايت (اللذين يواجهان هناك تحقيقات جنائية بتهم تشمل الاتجار بالبشر وغسل الأموال)، تُعدّ إشارات مقلقة. وعندما سُئل ترامب عن قرار رومانيا رفع حظر السفر، قال إنه لا يعلم شيئاً عنه. (من الإشارات الإيجابية نسبياً أن المدعية العامة في ولاية فلوريدا فتحت تحقيقاً بشأن الأخوين العائدين مؤخراً إلى البلاد، واللذين ينفيان التهم الموجهة إليهما).
إلى جانب ذلك، تُضعف الأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب مؤخراً ضد شركتي محاماة، إحداهما تمثّل المحقّق الخاص السابق جاك سميث، من سلطة القانون، وتزيد من تقويض استقلالية المؤسسات القضائية.
رغم الوعود بإتاحة المجال أمام القطاع الخاص، لا يمكن للكليبتوقراطيات أن تتجنّب التدخّل الواسع في الاقتصاد. إذ لا يمكن ضمان ذهاب المنافع الاقتصادية إلى المجموعات المقرّبة إذا تُرك السوق يعمل بحرّية. في الدول التي تُدار بشكل جيد، تذهب عقود التوريد إلى الشركات التي تقدّم أفضل العروض، وتملك سجلًا يُثبت قدرتها على تنفيذ العمل. أما في الكليبتوقراطية، فغالبًا ما تذهب هذه العقود إلى من ينتمون للشبكات النافذة، أو من يدفعون الرشى المناسبة، لا إلى الأكفأ.
أوضح مثال موثّق على استيلاء كليبتوقراطي على اقتصاد دولة هو ما حدث في جنوب إفريقيا، حيث كشفت لجنة قضائية أن الرئيس السابق جاكوب زوما وعددًا من المسؤولين تعاونوا مع عائلة غوبتا لضمان حصول شركاتهم على عقود مربحة مع الحكومة وشركات القطاع العام، مقابل توظيف أفراد من عائلة زوما أو أصدقائه. أدّت تلك العقود المُبالغ في قيمتها إلى سحب عشرات المليارات من الدولارات من الاقتصاد، وخلّفت فجوة كبيرة في ميزانية الدولة. ومن آثار هذا الفساد العميق، الذي استمر حتى بعد استقالة زوما في عام 2018، التدمير الواسع لشبكة الكهرباء الوطنية، ما قوّض النمو الاقتصادي على نطاق أوسع.
ومع أن الولايات المتحدة لا تزال بعيدة عن الحالة الجنوب أفريقية في هذا الصدد، وقد أخفقت مرارًا في تحقيق مثلها الأعلى من دون أن تفقد صفتها كديمقراطية ليبرالية، فإن الأميركيين يمكنهم قياس ما إذا كانوا ينزلقون نحو الكليبتوقراطية من خلال مراقبة مدى تحوّل الثروة الشخصية والعلاقات الاجتماعية إلى محددات أساسية للحقوق والحصول على الخدمات.
وبما أن الولايات المتحدة كانت أصلاً الدولة الأكثر لا مساواة بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن نمط الحياة بالنسبة للأثرياء، في ظل كليبتوقراطية، سيبقى إلى حد كبير على حاله، بل ربما يتحسّن. سيبقون خلف أسوار مجتمعاتهم المحصّنة، ويؤمّنون حماية خاصة، ويرسلون أبناءهم إلى مدارس خاصة راقية، ويدخلون نوادي رياضية مغلقة. التأمين الصحي والرعاية الصحية متاحان أساساً لمن يملك المال أو يعمل في شركة توفرهما. بعض المجتمعات الثرية ستتمكّن من الحفاظ على خدمات عالية الجودة في الشرطة والإطفاء والخدمات العامة الأخرى. أما من لا يستطيع الدفع، أو لا يسكن أو يعمل في هذه البقع "المحظوظة" من الضواحي، فستتآكل حصته من الخدمات العامة تدريجيًا، تمامًا كما ستتآكل مستويات الأمان.
وتُعدّ المعارضة المتّحدة ضد الأوليغارشيين الخطر الأكبر على الكليبتوقراطية، ولذلك تلجأ هذه الأنظمة إلى استراتيجيات التفريق والسيطرة. في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، زاد ترامب من نسبة تأييده بين الناخبين السود واللاتينيين، بينما لم تتغير نسبة دعمه بين البيض، ما دفع بعض المراقبين للقول إن الاستقطاب بدأ بالتراجع. إلا أن العديد من قرارات ترامب المبكرة تبدو وكأنها تهدف لإعادة تأجيج الاستقطاب.
فعلى سبيل المثال، قراره العفو الشامل عن أكثر من 1,500 شخص متهمين بارتكاب جرائم تتعلّق بهجوم 6 يناير 2021 على مبنى الكابيتول لا يبدو خطوة في اتجاه المصالحة الوطنية. كما أن حملة الإقالات الجارية في صفوف القيادات العسكرية، والتي يبدو أن بعضها مرتبط بمواقف حول التنوع والعدالة والمساواة، زادت من حدة الانقسام. ومن أبرز تلك الإقالات: رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال تشارلز ك. براون الابن، وقائد العمليات البحرية، ونائب رئيس أركان القوات الجوية، وكبار المستشارين القانونيين في الجيش والقوات الجوية والبحرية. صحيح أن رؤساء أمريكيين سابقين، مثل هاري ترومان وباراك أوباما، سبق أن أقالوا جنرالات، لكن في حالة براون، لم يكن هناك سبب واضح أو أداء سيئ يُستند إليه. واللافت أن وزير الدفاع الحالي، بيت هيغسِث، كان قد تساءل في وقت سابق عمّا إذا كان تعيين براون ذو الأصول الأفريقية يرجع إلى لون بشرته.
ما إذا كانت هذه الأفعال، إذا نُظر إليها ككل، ترقى إلى كليبتوقراطية مكتملة الأركان، لا يزال أمراً غير محسوم. لكن ما هو مؤكّد أن الكليبتوقراطية ليست صدفة، بل استراتيجية متعمّدة. لا وجود لـ"كليبتوقراطية عرضية". ولهذا، تُظهر دراسات تفكيك الكليبتوقراطية (Dekleptification) أن أنسب وقت لتفكيك نظام كليبتوقراطي هو عندما تكون القواعد والمؤسسات في حالة تغيّر—وهو ما ينطبق على الولايات المتحدة اليوم.
عادةً، تبقى "نافذة التفكيك" مفتوحة لمدة تصل إلى عامين. لكن في الحالة الأميركية الحالية، تسير التحولات بوتيرة سريعة إلى درجة قد تجعل الهامش الزمني المتاح لا يتجاوز بضعة أشهر، لا سنوات.
وقد تَمثّل أكثر ردّ فعّال حتى الآن في تحرّك المجتمع المدني من خلال المحاكم. إذ بدأت منظمات مثل Democracy Forward، وهي تحالف من جمعيات المجتمع المدني التي تدعم الحوكمة الرشيدة—برفع دعاوى قضائية نيابةً عن قدامى المحاربين والمعلمين والمواطنين العاديين. كذلك، تقدّمت عدة ولايات، خصوصًا تلك ذات التوجّه الديمقراطي (الولايات الزرقاء)، بدعاوى قانونية، منها واحدة تطعن في شرعية السلطات التي منحها ترامب لوزارة كفاءة الحكومة (DOGE)، واصفة إياها بأنها غير دستورية.
لقد خاض الناس حول العالم معارك ضد شبكات الحكم الكليبتوقراطي، وغالبًا ما حققوا نجاحاً. وهذا يعني أن هناك حصيلة كبيرة من الدروس والخبرات في مجال تفكيك الكليبتوقراطية يمكن للأميركيين القلقين الاستفادة منها لصياغة استراتيجياتهم وتكتيكاتهم الخاصة. ويُعدّ دليل تفكيك الكليبتوقراطية الذي أعدّته الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) من أهم المراجع التي جمعت خلاصة هذه التجارب، حيث درس حالات ناجحة وفاشلة من مختلف أنحاء العالم لاستخلاص أنجع الأساليب. ورغم أن الوثيقة لم تعد متاحة عبر الإنترنت، إلا أن المجتمع الدولي المعني بمكافحة الفساد يعمل على إتاحتها مجددًا للجمهور.
وهي ليست الدليل الوحيد. فقد أسّس سردجا بوبوفيتش، أحد رموز الحراك في صربيا، مجموعة أوتبور!، التي ساهمت بطرق سلمية في إسقاط كليبتوقراطية الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش. ومنذ ذلك الحين، يواصل بوبوفيتش نشاطه عبر "مركز العمل والتكتيكات اللاعنفية التطبيقية"، لنشر الاستراتيجيات المجربة في مقاومة الأنظمة الفاسدة بطرق مدنية.
هذان المثالان لا يمثّلان سوى اثنين من بين مصادر عديدة متاحة عالمياً. وبعد عقود من محاولات الأميركيين إرشاد شعوب أخرى حول كيفية إصلاح حكوماتهم، قد يكون قد حان الوقت لأن يُقلب المشهد.
أما في ما يخصّ الفساد الكبير، فللأميركيين تاريخهم الخاص في مقاومته، بما في ذلك خلال "عصر التذهيب" (Gilded Age). يمكنهم البحث عن مصلحين ملتزمين بمكافحة الفساد وانتخابهم، كما فعلوا مع ثيودور روزفلت، وإحياء تقاليد الصحافة الاستقصائية التي مارستها شخصيات مثل آيدا ب. ويلز وآيدا تاربيل، والانخراط مجددًا في أساليب مثل الاعتصامات، والمسيرات الاحتجاجية، والمقاطعة، وغيرها من أشكال المقاومة المدنية.
فهذه الوسائل، في نهاية المطاف، شكّلت العمود الفقري لكل الحركات الحقوقية الكبرى في تاريخ الولايات المتحدة.
نُشرت هذه المقالة في عدد ربيع 2025 من مجلة فورين بوليسي (Foreign Policy).



