فلسفة هيغل الاجتماعية والسياسية
المصدر: The Internet Encyclopedia of Philosophy (IEP)
طور غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل (1770–1831) فلسفة تتمحور حول الحرية داخل نسق فلسفي شامل، صاغ فيه رؤى مبتكرة ومتماسكة حول موضوعات متنوعة، تمتد من الملكية والعقاب إلى الأخلاق والدولة، مقدماً معالجة متكاملة ومترابطة لهذه القضايا.
يعد كتابه الأبرز «مبادئ فلسفة الحق» (PR)، الذي صدر عام 1821، محورياً في صياغة رؤيته الاجتماعية والسياسية، إذ تضمن تحليلات معمقة امتدت إلى أعماله الأخرى ومقالاته السياسية العديدة التي تُرجم الكثير منها (Hegel 1999). وقد تركت هذه الأعمال أثراً بالغاً في مفكرين بارزين مثل كارل ماركس وشارلز تايلور وغيرهما، مما عزز حضور فلسفته في النقاشات الفكرية الحديثة.
تقدم هذه المادة عرضًا شاملًا لكيفية تداول أفكار هيغل في النقاشات والقراءات المتنوعة، مع إبراز إسهاماته المحورية في فلسفة الحق، واقتراح قراءات إضافية للتعمق والمتابعة. وفيما يلي، نستعرض موقع فكر هيغل الاجتماعي والسياسي ضمن هذا الإطار الثري من التفسيرات، مع تسليط الضوء على تعدد المقاربات التي تناولت أعماله.
1. موقع فكر هيغل الاجتماعي والسياسي
شكّل فكر هيغل الاجتماعي والسياسي محورًا لجدالات واسعة ومتنوعة، سواء من حيث بنائه المنهجي وشكله، أو من حيث مضمونه والدلالات السياسية التي ينطوي عليها. وقد أسهم هذا التنوع في إذكاء النقاشات حول موقع فلسفته بين التيارات الفكرية المختلفة.
1.1 قراءات محافظة وقراءات تقدمية
أثار فكر هيغل السياسي والاجتماعي جدلاً عميقًا حول طبيعته: هل يجسد نزعة محافظة خطِرة أم يوفر أرضية لمواقف تقدمية؟ استند بعض المفسرين إلى مقولته الشهيرة «العقلاني هو الواقعي، والواقعي هو العقلاني» لتبرير الواقع السياسي لبروسيا في زمانه، معتبرين إياه عقلانيًا ومسوغًا. غير أن القراءة المتعمقة لكتاب «فلسفة الحق» تكشف أن أهداف هيغل غالبًا ما تقترب من روح الإصلاح البروسي، وهي إصلاحات رفضها المحافظون أنفسهم، ما يعقّد تصنيف موقعه السياسي.
بلغت هذه القراءة المحافظة أقصى تجلياتها لدى كارل بوبر (1966)، الذي اعتبر هيغل «أبا التاريخانية والشمولية الحديثتين». إلا أن هذا التصور اعتمد انتقاءً محدودًا لبعض ملاحظات «فلسفة الحق» حول الدولة بوصفها «مسيرة الله في العالم»—وهي عبارة لا تظهر في نص هيغل الأصلي، بل جاءت في «الإضافات» المستمدة من مذكرات محاضرات دوّنها طلابه، والمدرجة اليوم في أغلب طبعات الكتاب (§258، إضافة). فضلًا عن ذلك، يبدو أن هذه القراءة تأثرت بمواقف فلسفية وسياسية لا ترتبط بالضرورة بما ورد فعلاً في أعمال هيغل.
لاحقًا، تصدى لهذا التفسير المحافظ طرحٌ ليبرالي أبرز الفروق الثقافية والسياسية بين بروسيا وكتاب «فلسفة الحق»، موضحًا أن هيغل لم يدعم حكمًا سلطويًا، بل اقترح تصورًا جديدًا لمؤسسات ديمقراطية تشمل المحاكمات أمام هيئات محلفين، وهو توجه أكثر تقدمية (Avineri 1972, Knox 1970). كما ظل هيغل طوال حياته معجبًا بالثورة الفرنسية، وكان يحتفي سنويًا بسقوط الباستيل.
اليوم، يميل كثير من الباحثين إلى أن هيغل لم يكن نصيرًا للتسلطية كما زعم بوبر، بل أن إسهاماته تجمع بين عناصر تقدمية كالدفاع عن مؤسسات ديمقراطية، وأخرى تقليدية مثل دعمه للأسرة الملكية. لذلك يصعب تصنيف فلسفته تصنيفًا حاسمًا كمحافظة أو تقدمية، لأن اهتمامه الأساسي كان منصبًا على نقد تلك التصنيفات التقليدية ذاتها وتجاوزها.
1.2 قراءات ميتافيزيقية وقراءات غير ميتافيزيقية
برز سجال طويل حول مدى ترابط فكر هيغل الاجتماعي والسياسي مع منطقه الفلسفي الأشمل، خاصة في النقاشات الأنكلو-أمريكية. تميل القراءات غير الميتافيزيقية إلى تحليل فلسفته السياسية بمعزل عن الأسس الميتافيزيقية، معتبرة أن «فلسفة الحق» نص يمكن تناوله بعيدًا عن سياق النسق المتكامل، في حين يرى آخرون أن هذا الفصل غير مبرر، ويؤكدون ضرورة وضع العمل دائمًا ضمن إطاره النسقي الأشمل.
في المقابل، تجادل القراءات الميتافيزيقية بأن الفصل بين الفكر السياسي والمنطق الفلسفي يؤدي إلى مقاربة أحادية الجانب، كما أشار عدد من الباحثين (Beiser 2005, Goodfield 2009, Rosen 1984, Taylor 1975, Thompson 2018). فبحسب هذا الاتجاه، تصوّر هيغل كتاب «فلسفة الحق» كجزء من نسق أوسع، ويعتبر عزل أي نص عن سياقه العام إضعافًا لرسالته، إذ لا تفي أي قراءة بحق تصور هيغل لذاته إلا إذا أمسكت بجميع الأسس الميتافيزيقية لفكره (Houlgate 2005).
1.3 قراءات نسقية وقراءات غير نسقية
في السنوات الأخيرة، انصب الجدل بين القراءات الميتافيزيقية وغير الميتافيزيقية تحديدًا على العلاقة بين فلسفة الحق ونسق هيغل الفلسفي الشامل. ففي حين تفصل القراءات غير الميتافيزيقية النص عن بنية النسق، تؤكد القراءات الميتافيزيقية ضرورة دمج فلسفة الحق ضمن هذا النسق، مشيرة إلى أن جوهر النقاش يدور حول موقع النص في البنية الفكرية الكاملة، وليس فقط حول دور الميتافيزيقا.
تذهب القراءة غير النسقية إلى فصل فلسفة الحق صراحة عن النسق الأوسع، وهو موقف نادر ويصطدم مباشرة مع تصور هيغل نفسه. فقد أشار في مقدمة فلسفة الحق إلى أن هذا الكتاب هو “عرض أوسع، وبوجه خاص عرض أكثر نسقية، للمفاهيم الأساسية ذاتها، التي كانت، فيما يتعلق بهذا الجزء من الفلسفة، واردة من قبل في عمل سابق صُمم لمرافقة محاضراتي، وهو موسوعتي في العلوم الفلسفية” (PR, p. 9). كما يصرح بأن فلسفة الحق تمثل تفصيلاً لقسم “الروح الموضوعية” ضمن النسق الفلسفي، ما يجعلها جزءًا جوهريًا منه.
أما الرأي الذي بات سائدًا اليوم فهو القراءة النسقية، التي تعترف بأن منطق هيغل ونسقه يحملان قوة تفسيرية حاسمة لفهم فلسفة الحق (Brooks 2013, Brooks and Stein 2017). فلا يمكن إنكار الصلة الوثيقة بينهما، والخلاف الجاري يدور حول طبيعة هذه الصلة ودرجتها. وما تزال هناك فروق تتعلق بمدى حضور النسق في التفسير، ومدى ضرورة قبوله، فضلًا عن القضايا الميتافيزيقية المرتبطة بذلك (Redding 2012, Wood 2017). ورغم شبه الإجماع على ضرورة فهم فلسفة هيغل السياسية ضمن سياقها النسقي، يبقى الجدل قائمًا بشأن مدى الحاجة لاعتناق حججه حول النسق الفلسفي الأوسع لقبول إسهاماته السياسية. وستتبع هذه المقالة عمومًا القراءة النسقية السائدة مع الإقرار بغياب اتفاق نهائي حول الدور التبريري الذي يؤديه النسق في فكر هيغل السياسي.
1.4 فلسفة الحق
يُعد «فلسفة الحق» العمل الأبرز لهيغل في مجال الفكر الاجتماعي والسياسي، وقد نشره عام 1821 أثناء تدريسه في برلين. تستعرض هذه المقالة إسهاماته المحورية في هذا الكتاب مستعينة بنصوصه الأخرى وكتاباته السياسية ذات الصلة.
يؤكد هيغل أن «فلسفة الحق» يمثل توسيعًا لقسم «الروح الموضوعية» (Objective Spirit) ضمن نسقه الفلسفي الشامل المسمى موسوعة العلوم الفلسفية (انظر: PM). وقد صُممت الأقسام ذات الصلة في الموسوعة لمرافقة المحاضرات التي نُشرت لاحقًا في صورة هذا الكتاب. تبدأ الموسوعة بفحص المنطق، ثم تنتقل إلى تطبيقه في فهم الطبيعة والروح الإنسانية، وتشمل الأخيرة تحليلات لعلم النفس والفن والتاريخ والدين والفلسفة، بالإضافة إلى الفكر الاجتماعي والسياسي.
وتتميز مقاربة هيغل في هذا العمل من حيث الشكل والمضمون؛ فكتاب «فلسفة الحق» مقسم بمعظمه إلى فقرات مرقمة (§)، وتلحق بهذه الفقرات أحيانًا «ملاحظات لاحقة» توسع فيها هيغل في طبعات تالية، أو «إضافات» جاءت في صورة مذكرات محاضرات دوّنها طلابه أثناء تدريسه الكتاب. ويعرض هيغل مواقفه بطريقة جدلية غير خطية، تهدف إلى الكشف عن كيفية ذوبان التناقضات الظاهرة بين وجهات نظر متعارضة داخل منظور أعلى أكثر شمولاً.
فعلى سبيل المثال، قد يبدأ إدراكنا لشيء ما أو لموضوع فكري بوصفه كينونة خالصة تبدو بلا تعيينات، أي كأنها لا شيء. من هنا يرى هيغل أن الفكر ينتقل من الكينونة الخالصة إلى العدم الخالص، ثم ينتقل إلى مقولة أرقى هي الصيرورة، أي ما يظهر عندما تكتسب الموضوعات شكلاً أكثر تحديدًا كلما تعمق فهمنا لها. تسري هذه الطريقة الجدلية في جميع أنحاء كتاب «فلسفة الحق»، حيث يشير هيغل إلى ضرورة الإلمام بمقاربته كما تتجلى في منطقه وفلسفته العامة (PR, p. 10، انظر أيضًا SL, EL).
وبالمثل، تنتقل فلسفة الحق من أسس أولية ذات طبيعة «خالصة» لم تتحدد بعد في الواقع، إلى نقيضها، ثم إلى تركيب أعلى يتجسد في واقع أشد عينية. فبعد مقدمة تؤسس لفلسفة الحق كعمل معني أساسًا بالحرية، ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول، وهو «الحق المجرد»، يتناول الملكية والعقاب؛ ويليه قسم الأخلاق الذي يناقش مسائل الضمير والمسؤولية الأخلاقية؛ ثم يتوحد القسمان في الجزء الأخير «الحياة الأخلاقية»، حيث تتجسد الحرية في واقع أكثر عينية عبر بحث الأسرة والمجتمع المدني والقانون والدولة، وصولًا إلى الحرب والعلاقات الدولية. وسيجري تناول كل جزء منها على حدة.
2. الحرية والحق
ينظر هيغل إلى كتاب «فلسفة الحق» بوصفه في جوهره فلسفة للحرية، وهو ما يتجلى بوضوح في مقدمة الكتاب التي يصرح فيها بأن «موضوع علم الحق الفلسفي هو فكرة الحق، أي مفهوم الحق [Recht] وتحققه» (PR §1). إذن، يتمثل هدف هذا العمل في تقديم تحليل فلسفي معمق لمعنى «الحق» وكيفية تجسده في الواقع.
ويؤكد هيغل أن وجود الحق مفترض سلفًا ضمن نسقه الفلسفي، حيث تمثل فلسفة الحق تفصيلاً لأحد أجزائه (PR §2). وتلخص المقدمة الحجة الجدلية حول الإرادة الحرة، وهي حجة يناقشها بمزيد من التفصيل في مواضع أخرى من نسقه. فالإرادة، عند هيغل، «تحدد ذاتها» (PR §4 Addition)، لكن التحدي يكمن في التمييز بين ما إذا كان هذا التحديد نابعًا من الحرية أم من مجرد الاعتباط. هنا تظهر أهمية التمييز بين سعي بلا معيار يجعلنا أسرى رغباتنا، وبين الفعل العقلي الإنساني المنظم. ولهذا يرى هيغل أن فلسفة الحق تفحص كيف يمكن معرفة «الإرادة الحرة التي تريد الإرادة الحرة» من حيث الشكل والمضمون (PR §27).
ويعرّف هيغل «الحق» [Recht] بأنه وجود الإرادة الحرة في العالم (PR §29). لذا، فإن فلسفة الحق هي في عمقها فلسفة للحرية، تهدف إلى فهم الحرية كما تتجلى في علاقاتنا الاجتماعية وطريقة بناء المؤسسات الاجتماعية والسياسية.
وبالانسجام مع منهجه الجدلي، يتتبع هيغل تطور فهمنا للحق عبر ثلاث مراحل: الحق المجرد، الأخلاق، ثم الحياة الأخلاقية. ننتقل من مرحلة إلى أخرى عبر دينامية جدلية خاصة، حيث تذوب التناقضات الناشئة في كل مرحلة مع الوصول إلى مستوى أعلى، وتتكرر هذه الدورة بطريقة تراكميّة تجعل ما تحقق في البداية يظل حاضرًا، بينما يتحول ما كان مجردًا وغامضًا إلى ما هو أكثر واقعية ووضوحًا مع كل تقدم في العمل. تمنح هذه البنية الجدلية متعددة الطبقات عمل هيغل عمقًا وتعقيدًا يستحقان القراءة المتأنية. ومن هنا، تكشف دراسة فلسفة الحق ليس فقط عن آليات الحرية داخل المجتمع، بل تتيح أيضًا فهماً أعمق لكيفية إعادة تشكيل الفكر الفلسفي لأسس العلاقات الإنسانية وبناء المؤسسات.
3. الملكية
تُعد مرحلة «الحق المجرد» أولى مراحل بناء فلسفة الحق عند هيغل. قد توحي عناوين أقسامها—«الملكية»، «العقد»، و«الخطأ»—بأنها تناقش مسائل عملية كالحيازة أو بيع الملكية أو العقاب على خرق العقد، لكن هيغل يستخدم هذه المفاهيم الشائعة في أطر فلسفية غير مألوفة، مانحًا إياها أبعادًا جديدة.
المحور الأساسي هنا هو محاولة هيغل فهم كيف يمكن للإرادة الحرة أن تريد ذاتها بحرية، لا أن تتحرك بشكل اعتباطي. لهذا يبدأ بتحليل فعل تملّك الملكية، ليس بغرض تأسيس نظرية اقتصادية، بل باعتبار التملك نقطة انطلاق لتجسيد الحرية في العالم الخارجي. ولهذا يؤكد: «ما أملكه وكيف أملكه هو… أمر عرضي محض من حيث الحق» (PR §49)، أي أن جوهر المسألة ليس في تفاصيل الملكية ذاتها بل في تحقق الإرادة الحرة من خلالها.
تبرز أهمية الملكية هنا في إسهامها في تشكيل وعينا الذاتي (Benhabib 1984). فالإرادة الحرة تمنح نفسها وجودًا خارجيًا ملموسًا يمكن للآخرين التعامل معه. ولا تُحدد الملكية بقرار فردي صرف، بل تتأسس «ضمن سياق إرادة مشتركة» بين شخصين (PR §71).
يطلق هيغل على هذا الاعتراف المتبادل اسم «العقد» (PR §71–75)، لكنه ليس عقدًا بالمعنى القانوني المألوف: فالسياق افتراضي ويقتصر على شخصين فقط، دون نقود أو بيع أو اتفاق مكتوب. المصطلحات مألوفة، لكن مدلولاتها ووظائفها هنا فلسفية ومجردة.
النقطة المفصلية عند هيغل أن إرادة فرد حر لا تكتمل إلا عندما تُقابل باعتراف من إرادة حرة أخرى (Stillman 1980). يصبح الشيء ملكًا لي فقط إذا اعترف به الآخر بوصفه حيازتي، وهنا يتجسد الحق لأول مرة كصورة من صور تحقق الحرية في التملك، لا بشكل اعتباطي. ولهذا يولي هيغل أهمية مركزية للاعتراف المتبادل الذي يتجسد في شكل عقد، إذ يسمح بتطوير فهم أكثر واقعية للحرية كحق في العالم. وإذا اختل هذا الاعتراف، اهتز الأساس الذي تقوم عليه الإرادة الحرة نفسها.
4. العقاب
في ختام «الحق المجرد»، يعالج هيغل مسألة الإخفاق في الاعتراف المتبادل ضمن قسم «الخطأ» [Unrecht]. وقد رأى باحثون كُثر أن هذا القسم يقدم نظرية انتقامية في الجريمة والعقاب، قائمة على الاستحقاق الجزائي لا على المنفعة (Cooper 1971, Primoratz 1989)، وهو انطباع يمكن تفهمه عند القراءة الأولى.
يميز هيغل بين ثلاثة أنواع من الخطأ: أولها غير مقصود (PR §84–86)، حيث يلتزم الطرفان باعتراف متبادل لكن أحدهما يقع في خطأ غير مقصود، ولا يُعد هذا النوع قابلاً للعقاب، لأن الطرفين يحتكمان بصدق إلى الاعتراف بالحق (PR §85). النوع الثاني هو الخداع (PR §87–89)، وهو أشد خطورة لأن أحد الطرفين يدعي الاحتكام إلى الحق بشكل غير صادق، ما يجعله أكثر جسامة من الخطأ غير المقصود.
أما النوع الثالث فهو «الجريمة» (PR §90)، إذ لا يحتكم أحد الطرفين إلى الحق إطلاقًا، بل ينفي وجوده، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لفكرة الاعتراف المتبادل، لأن الفعل هنا يتم خارج إطار الحق وبشكل اعتباطي وغير حر.
يعرّف هيغل الجريمة بأنها اعتداء على الحق، أي على الاعتراف المتبادل (PR §95 Remark)، ويستلزم ذلك العقاب باعتباره «استعادة للحق»، أي إعادة تثبيت ما تم انتهاكه (PR §99). فعقاب السارق، على سبيل المثال، يوجه رسالة بأن الجريمة غير مقبولة، وبمعاقبتها يُعاد تثبيت الحق في الجماعة.
لهذا كثيرًا ما تُوصف نظرية هيغل في العقاب بأنها انتقامية، وهو وصف يجد دعمه في نقده لمقاربات الردع وإعادة التأهيل بقوله إن «العقاب في ذاته ولذاته عادل» (PR §99 Remark)، ويذهب أبعد من ذلك بقوله إن إلغاء الجريمة «هو انتقام» (PR §101).
لكن هذا الفهم يظل محل نقاش. صحيح أن هيغل يصف هذا النوع من الخطأ بأنه «جريمة»، لكن مفهوم الجريمة هنا محدد سياقيًا (Nicholson 1982): فلا توجد دولة أو قوانين أو شرطة أو محاكم (Stillman 1976). فالسياق افتراضي لا يشمل أجهزة الدولة أو قضاة أو محلفين. لذلك لا يقدم هيغل في هذا السياق نظرية مكتملة للعقاب، بل يؤسس لمفاهيمه الأساسية حول الخطأ وأشكاله، ويشير إلى أن الجرائم قد تستحق العقاب من دون أن يشرح نظريته الكاملة في هذا الموضع.
ومع ذلك، يلمح هيغل إلى نقاش لاحق أكثر توسعًا حول العقاب، يتميز بأنه غير انتقامي خالص (Brooks 2017a). فهو يبرز أن لعوامل مثل تعريض الأمن العام للخطر أثرًا في تحديد العقوبة (PR §96 Remark). كما يشير إلى أن شدة الجريمة تؤثر في تبرير العقوبة، ويؤكد منذ البداية أن عوامل النتائج والعواقب مهمة في تعيين العقوبة، حتى وإن لم يفصل القول هنا (PR §96 Remark). ويصرح أيضًا بأن غياب الدولة يجعل أي فعل عقابي مجرد انتقام يولد مشكلات جديدة (PR §102).
من المهم ملاحظة أن هذه الأقسام، التي يستخدم فيها هيغل مفاهيم مألوفة مثل الملكية والعقد والجريمة والعقاب بدلالات غير مألوفة، ستعاود الظهور لاحقًا في القسم الأخير حول الحياة الأخلاقية.
5. الاخلاق
حين ينهي هيغل قسم الحق المجرد، يسعى الى حل توتر داخلي. فقد انصب الحق المجرد على المظهرالخارجي المحض للحق، من خلال فعل التملك وتكوين «عقد» عبر الاعتراف المتبادل. لكن عندما نعيد تقرير الحق ونستعيده عبر «العقاب»، لا يقتصر الأمر على تكريم كلية الحق التي تضم الجميع، بل يشكل هذا التحول أيضًا تقدمًا إضافيًا في تعيين الإرادة من الداخل عبر مفهومها (PR §104). فبينما ركزنا على الملكية والأخطاء من منظور الاعتراف المتبادل الخارجي، يدفعنا ذلك إلى ضرورة الإمساك بخصوصية امتلاكنا الداخلي للحق. ومن هنا يفتح هيغل مرحلة ثانية يسميها «الأخلاق» Morality، لكنه مجددًا يستخدم مصطلحًا مألوفًا بدلالة غير مألوفة.
النقطة الأساسية في نظرية هيغل الأخلاقية هي إعادة تعريف الأخلاق بشكل غير تقليدي. فـ«المنظور الأخلاقي» عنده تمرين تجريدي وافتراضي بحت يسبق منطقياً، وينفصل عن، الطريقة التي تتصل بها الأخلاق بالعالم (PR §105). يركز هيغل هنا على قدرة الفرد على الاختيار، فيكون بذلك نصيرًا للحرية الفردية لا خصمًا لها، مؤكدًا ضرورة وجود مجال للحرية الذاتية.
لكن مشكلة قدرة الفرد على الاختيار تكمن في إمكانية الخطأ في ما نختاره (PR §140 Remark). ومع استدعاء انفصالنا عن الآخرين في مرحلة الأخلاق، يرى هيغل أننا قد نقصد الخير، لكن الدليل الوحيد لدينا هو تصورنا الفردي للخير (PR §140 Addition). أما الدليل الأكثر رسوخًا فينتظرنا حين ننظر إلى أنفسنا كفاعلين في علاقة ملموسة مع الآخرين داخل الحياة الأخلاقية.
وإلا فإن الخطر الناشئ عن هذا التجريد الباطني الخالص أن الأخلاق تتحول إلى «كلية مجردة… بلا مضمون» (PR §135). ولهذا يعتبر هيغل الفلسفة الأخلاقية، أيًا كان نوعها، بطبيعتها جوفاء.
ربما لا يوجد جزء في فلسفة الحق أثار جدلاً أكثر من ما يسمى بتهمة «الفراغ» التي وجهها هيغل إلى كانط. فكانط، بحسب هذا الاتهام، لا يقدم سوى صيغة فارغة قوامها «الواجب لأجل الواجب»، حيث يصبح عملنا مجرد تجنب التناقض مع صيغة ثابتة (PR §135، انظر Hoy 1989، Freyenhagen 2012، Stern 2012). وتتركز انتقادات هيغل على صيغة القانون الكلي عند كانط، التي تقول بوجوب أن «نتصرف فقط وفقًا لتلك القاعدة التي يمكن أن نريد في الوقت نفسه أن تصبح قانونًا كليًا» (Kant 1997، 4:421). ولا شك أن كانط يوفر لهيغل بعض الذخيرة لهذا النقد، إذ يقول مثلًا: «كل ما أحتاجه من أجل الأخلاق هو أن الحرية لا تناقض نفسها، ومن ثم يمكن على الأقل تصورها، ولا أحتاج إلى أي بصيرة إضافية فيها» (Kant 1996، B xxix). ومن النظرة الأولى قد يبدو أن الأخلاق الكانطية ليست إلا اتباع صيغة ولا شيء أكثر.
لكن، كما يشير المدافعون عن كانط عن حق، فإن نقد هيغل غير منصف ويفوّت هدفه (Wood 1989). فكانط يقدم عمدًا أكثر من صيغة لمبدئه ليصرف نظرنا عن تصور الأخلاق كتمرين عقلي صرف، ويقربها «أكثر إلى الشعور» (ملاحظة 15). كما أن للأنثروبولوجيا البشرية وزنًا في فلسفة كانط، وهو لا يرى الحياة الأخلاقية مجرد حياة بلا تناقض.
ومن المهم التذكير بأن تهمة الفراغ لدى هيغل يمكن أن توجه أيضًا إلى الفلسفة الأخلاقية عمومًا؛ فهو أعاد تعريف الأخلاق بوصفها تمرينًا افتراضيًا خالصًا يجري من مقعد مريح، ويكون بذاته «بلا مضمون» (PR §135). ومن البديهي أن هذا ليس تصور من يهاجمهم هيغل للأخلاق. ومن ثم، يستخدم هيغل إعادة تعريفه الخاصة لهذا المصطلح لينتقد تصورات أخرى تعرف الأخلاق بشكل مختلف.
وربما تكون المقارنة الأنسب هي ربط مقاربة كانط المبدئية بتعليقات هيغل عن علاقة الدين بالدولة (PR §270 Remark). فبحسب هيغل، يمكن للمنظور الديني أن يمنح الأفراد مبادئ أخلاقية ويعينهم على عيش حياة أكثر التزامًا بالأخلاق (PR §270 Addition). وهذا النوع من التفكير الصيغي داخل فلسفة الحق، الذي يراد به توجيه الأفراد نحو سلوك أخلاقي ملتزم بالقانون، قد يكون أقرب للمشروع الأخلاقي الذي كان كانط منشغلًا به، وتظهر هنا مناطق اشتراك أوضح مما توحي به نصوص هيغل في قسم الأخلاق (Brooks 2013).
غير أن مرحلة الأخلاق لا يمكن أن تتقدم بعيدًا ما دامت محصورة في تجريد الفرد. المطلوب هو انتقال يجمع بين كلية الحق المجرد التي تؤسس للاعتراف المتبادل، وبين خصوصية الأخلاق التي تمسك بتطور الحق خارجيًا وداخليًا. هذا الجسر يقود إلى الفردية العينية، حيث يُفهم الحق لا كتجريد، بل كواقع قائم في العالم ومؤسساته.
6. الحياة الأخلاقية
يحتل مفهوم «الحياة الأخلاقية» [Sittlichkeit] مكانة جوهرية في فلسفة هيغل السياسية والقانونية. في هذا القسم، يعيد هيغل معالجة مفاهيم سبق أن تناولها في الحق المجرد—كالعقد والملكية والعقاب—إلى جانب ما ناقشه في مرحلة الأخلاق، لكنه يدمجها الآن ضمن سياق اجتماعي أكثر واقعية ووضوحًا. ورغم احتفاظ النقاش بجوانب تجريدية أحيانًا، إذ يتناول مؤسسات عصره مثل الأسرة والمجتمع المدني والدولة، إلا أن الهدف الأساسي هو إبراز التداخل الجدلي بين العقلاني والواقعي (انظر Stern 2006). تظهر كذلك الأفكار الأساسية المتعلقة بمفهوم الخطأ مجددًا في سياق العقاب، لكن بفهم أعمق وأكثر نضجًا لدورها في البنية الاجتماعية، ما يكشف عن تعقيد متزايد ومقصود في تصورات هيغل، يهدف لتحليل البنية الداخلية للعقلانية في العالم الاجتماعي. وتنقسم الحياة الأخلاقية إلى ثلاثة أقسام، يبنى كل منها على التحليل السابق لطبيعة الحق المجرد والأخلاق، ويتطور كل جزء بشكل جدلي عن سابقه. هذا الترتيب ليس مجرد تسلسل زمني، بل هو تطور جدلي متداخل: فعضوية الأفراد في المجتمع المدني أو الدولة لا تأتي فقط بعد المرور الحياتي البسيط بالأسرة، بل تمثل مفاهيم المجتمع المدني والدولة تطورًا إضافيًا وانبثاقًا من مفاهيم الأسرة، كما ستوضح الأقسام التالية.7. الاسرة
يبدأ هيغل نقاشه لاول تجسد للحق في العالم عبر مجال الاسرة. وكما هو متوقع، يعود هنا ايضا الى استعماليستخدم هيغل المصطلحات الشائعة بمعانٍ جديدة وغير معتادة.في مرحلة الحق المجرد، تقتصر علاقة الأفراد على اعتراف متبادل بملكية شيء ما، حفيظلكل فرد منفصلًا عن الآخر. أما في الحياة الأخلاقية، فتظهر الأسرة بكمجاليجتمع فيه أفراد حقيقيون تجمعهم رابطة محبة متبادلة (PR §158). هوذه الرابطة لايست مجردتلبية حلاجات آنية كما في عالم الحيوان، بل تهيعلاقة تهدف، من حيث المبدأ، إلى الاستمرارية والديمومة فيما يصسمي هيغل بالزواج» (PR §161).
لزواج هنا لا يُعرّف بمفردات تعاقدية، بل أخلاقية؛ فالعقدهو اتفاق بين أطراف متميزة يمكنهم الدخول فيه أو الخروج منه برضا متبادل، ما يجعل الوحدة المشتركة مؤقتة. وهذا يقريب منما رأيناه في الحق المجرد من اعتراف متبادل.
ما في الزواج، فتتكون وحدة أعمق وأكثر ديمومة تختلف عن أغلب العقود. ولا يعني ذلك أن هيغل يحرم الطلاق؛ فانهاء الزواج يظل احتمالًا مؤسفًا ينشأ مع كون الزواج مؤسسًا على مشاعر مثل الحب، التي قد تكتغيرمع الزمن (PR §163 Addition).
مع السماح بالطلاق، لا يجقبلهيغل ابلزواج المدبر (PR §162)، لأن الزواج يمثل تطورًا في الحرية الإنسانية ويفترض قدرة الأفراد على اختيار شريك احياتهم بهذا ينتقل الاعتراف المتبادل من مستوى «عقد» حول ملكية إلى مستوى تكوين وحدة طويلة الأمد مع شخص آخر.
ترى فلسفة هيغل أن الأسرة تحقق وحدتها عبر إنجاب الأطفال (PR §173 Addition). من هذه الزاوية، يبرز هتأييد هيغلللأسرة التقليدية (انظر Haldane 2006)، لكن هذا التدعميستند إلى منطق جدلي يجمع بين المتضادات في وحدة خلاقة تولّد مفهومًا جديدًا أعلى (PR §165). ويذهب إلى أن الرجال والنساء يجسدون صفات مختلفة، وأن اتحادهم الجنسي قادر على إنجاب الأطفال، في تشبيه باتحاد الكلي والجزئي الذي ينتج الفرد العيني (PR §165).
وقد تعرضت ذه التصورات لنقد واسع من النسويات وغيرهن (Halper 2001, Hutchings and Pulkkinen 2010, Knowles 2002, Ravven 1988, Stone 2002). فالنقد الشائع يرى أن تبرير هيغل للأسرة يكرس تفضيل الرجال على النساء بحسب منطقه الجدلي ففي تصوره، الرجال وفقطيملكون فرصة الانخراط خارج المنزل والمشاركة الكاملة في المجتمع المدني والدولة، بينما يرى هؤلاء النقاد أن هذا الامتياز يجب ألا يقتصر على الرجال ويجادلون أيضًا أن مفهوم هيغل الواسع للزواج بوصفه رابطة دائمة قائمة على الحب يمكن أن يتحقق ضمن أسر غير تقليدية. مون المهم الإشارة إلى أن حديث هيغل عن الأسرة هو عن نموذج مثالي، فقد أنجب طفلًا خارج الزواج وتكفل به طوال حياته. وهو يعتبر نفسه كاشفًا عن اكتمال تطور الحق أينما اتجه، وما يقتضيه منا أو من مؤسساتنا قد يختلف عما هو قائم بعل.يًا
8. المجتمع المدني
ييعرض هيغل المجتمع المدني بوصفه مجالاً للعمل والتفاعل الاقتصادي، وهو الإطار الذي تظهر فيه القوانين والنظام القانوني (انظر Sect. 5). ففي مقابل الأسرة، النموذج الطبيعي القائم على الميل المتبادل، يمنح المجتمع المدني الفرد إمكانية متابعة خصوصيته ضمن «نسق الحاجات» (PR §182). ففي الأسرة يسود مبدأ الجميع لأجل الواحد والواحد لأجل الجميع، أما في المجتمع المدني فتلبى حاجات الجميع عبر مساهمات فردية خاصة ضمن إطار اقتصادي يدعم السوق ويعتمد تقسيم العمل (PR §189, 198).
يصف هيغل عالم العمل بأنه «منزل خارج المنزل» أو «أسرة ثانية» (PR §252). وبدلاً من روابط المحبة العائلية، تنشأ روابط أخوية جديدة من خلال اندماج الفرد في «مؤسسة مهنية» تجمع الأعضاء حسب الحِرَف، وتوفر لهم التعليم والدعم المهني.
ويبرز هيغل أهمية علاقات السوق في بناء هويات الأفراد الأحرار وتعزيز التضامن الاجتماعي. فالفرد يطور وعيه الذاتي من خلال أنشطته الاقتصادية وشبكة العلاقات الواسعة التي يقيمها خارج إطار الأسرة، في فضاء غير سياسي.
غير أن التحدي الأبرز هنا هو مشكلة الفقر؛ إذ رغم أن امتلاك الملكية ضروري لتطور الشعور بالحق وإشباع الحاجات، يعترف هيغل بأن النظام الرأسمالي يجعل الفقر أمرًا لا مفر منه لبعض الفئات، ما يثير أسئلة حول مدى واقعية مثالية فلسفته الاجتماعية والسياسية لكل المواطنين (Avineri 1971, Whitt 2013).
ولا تقتصر مشكلة الفقر على البعد المادي فقط؛ إذ يرى هيغل أن الفقراء قد يتحولون إلى ما يسميه «الرعاع»، موضحًا أن الفقر بذاته لا يصنع الرعاع، بل التمرد الداخلي المصاحب للفقر—كالاحتجاج على الأغنياء والمجتمع والحكومة—هو ما ينتج هذه الفئة (PR §244, Addition). ويمكن فهم «الرعاع» هنا كحالة اغتراب قد تبرز بين الفقراء لكنها لا تقتصر عليهم، فالفقر يعني العيش في حالة اغتراب ورؤية الدولة كطرف آخر منفصل وغير ودود (Brooks 2020). وعلى الرغم من إيمان هيغل بأن العمل يطور الحرية الفردية ويحقق التصالح مع المجتمع، إلا أنه لا يقدم حلاً مقنعًا لتجاوز مشكلة الفقر دون تغيير النظام الاقتصادي ذاته (Plant 1972).
9. القانون
يبحث هيغل في المجتمع المدني مسألة القانون وإدارة العدالة، ويلاحظ صعوبة تقديم توصيف مستقر لنظريته القانونية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اعتماده على ألفاظ مألوفة بدلالات جديدة.
يؤكد هيغل وجود صلة وثيقة بين الأخلاق والقانون، ما يوحي بتبنيه لصيغة من صيغ القانون الطبيعي. فعلى غرار فقهاء القانون الطبيعي، يقرر أن «ما هو قانون [Gesetz] قد يختلف في مضمونه عما هو حق في ذاته» (PR §212)، فقد يكون الشيء قانونيًا لكنه ظالم. وامتلاك معيار أعلى للعدالة لتقويم القانون الوضعي سمة شائعة في فقه القانون الطبيعي.
لكن ما يميز هيغل عن فقهاء القانون الطبيعي التقليديين هو أن هؤلاء كانوا يصيغون معيار العدالة اأاخلاقية المراد تطبيقه علم القانونمسبقًا ثم يطبقونه، ما دفع بعض النقاد للقول إن هذا النهج يعتمد على معايير خارج قانونية ويجعل من الفكر القانوني فلسفة أخلاقية.
أما منظور هيغل فمختلف (Brudner 2017): فهو يتبنى تصورًا وضعيًا يرى أن فهم القانون يجب أن يتمحور حول القانون ذاته لا حول اعتبارات خارجية. يقول: «ما هو قانوني [gesetzmāßig] هو… مصدر المعرفة بما هو حق [Recht]، أو أدق، بما هو مشروع قانونًا [Rechtens]» (PR §212 Remark). لذا يبدأ بفحص دقيق للقانون القائم بدل تطوير معيار مسبق منفصل. فالمعيار عند هيغل كامن داخل القانون ويُستنبط من داخله.
ويضيف أن «نطاق القانون [Gesetz] ينبغي، من جهة، أن يكون كاملًا ومكتفيًا بذاته، لكن من جهة أخرى، هناك حاجة دائمة إلى تعيينات قانونية جديدة [gesetzlicher Bestimmungen]» (PR §216). أي أن القانون يطمح للكمال، ومهمتنا عند مواجهة ثغرات أو تناقضات هي استخراج حلول من داخل القانون ذاته. هذه الفكرة تسبق ما سيقوله رونالد دوركين لاحقًا عن المبادئ القانونية، وينظر هيغل للقانون كحقل نستخرج منه المبادئ الأخلاقية اللازمة لإصلاح النظام القانوني حتى يقترب من الكمال المنشود. يمكن تسمية ذلك بـ«الداخليّة في القانون الطبيعي»، أي استنباط المبادئ من داخل القانون لا من خارجه (Brooks 2017b).
ولا رى هيغل أن تطور القانون شأن خاصا بالمحترفين وحده؛ بلو يقدم حجة قوية لصالح حق المحاكمةأامام هيئة محلفين (PR §228 Remark). يرى أان غياب هيئة محلفين من المواطنين العاديين يعني غياي ضمانةلفهم المواطن لما يجري في المحاكمة، لأن لغة القانون قد تصبح حكرًا على طبقة مهنية. وأفضل ضمانةل لعلنية القانون وصلته اللحق هيأان تقتنع هيئة المحلفي، فإذا فهمت هيئة المحلفين المحاكمة فهناك ما يبرر توقع فهم المتهم لما يجري.
في هذا السياق، يعيد هيغل النظر في تبرير العقاب: فالجريمة والعقاب لا يبحثان كتجريد بل كواقع عيني. ويلاحظ أان «الوجود الخارجي» للجريمة أاثرها قد لا يغيران ماهية الجريمة في مفهومه، لكنه يغير كيفية استجابتنا لها. وهذا يعنيأن نفسن الجريمة قد يعاقب عليا بشكل أشد أو أخف حسب الظروف، بخلاف التصورات الانتقامية التقليدية التي ترى أن العقابن يحددفقطا بحسب ما يستحقه الجان.
يوضح هيغلأان «خطر الجريمة على المجتمع المدني هو تعيين لمقدارها»، أان الظروف تؤثرعلى قرار العقوبة وشدتها وصيغتها، مشيرًا إلى أان «قانون العقوبات هو لذلك، قبل كل شيء، نتاج زمنه وحالة المجتمع المدني الراهنة» (PR §218 Remark). ويضيفأن «العقوبات ليست ظالمة في ذاته، بلا تتناسب مع شروط زمنه» (PR §218 Addition).لذا، الجريمة نفسهات في ظروف مختلف، قد تعاقب بصورة مختلف؛. فالجريمةفي الحرب الأهلية أخطر وتعاقب بشدة أكبر من زمن السلم، بصرف النظر عني الجانيأوي مسؤوليته.الاستحقاق له أهمية، لكنه ليس العامل الوحيد، وبهذا يختلف موقف هيغل عن التقليد الانتقامي الذي يربط العقوبة فقط باستحقاق الجاني دون اعتبار لعوامل أخرىة مثل استقرار المجتمع المدني.هذه الملاحظات ترسم صورة للعقاب عند هيغل ليست انتقامية خالصة، وتنسجم مع ما ورد في علم المنطق (SL)، الذي اعتبره هيغل أساسًا لفلسفة الحق:
العقاب له تعيينات متعددة: فهو انتقامي، ورادع، وتهديد تستخدمه الشريعة، وهو أيضًا وسيلة لإصلاح المجرم. وكل تعيين من هذه التعيينات اعتُبر أساسًا للعقاب، لكن لا أحد منها يمثل العقاب كله (SL, p. 465).حجة هيغل اهنا أوضح:الاستحقاق يأسا العقاب، بأي أ من لا يستحق لا يكعاقب،لكنه لا يحتكر مقدار العقاب وألشكله. وهذه الصرؤي تتطابق مع ما يقؤكد هيغل في فلسفة الحق عحول تغير العقوبة بحسب الظروف. ومن الطبيعي أن يسعى هيغل، الذي يفضل البنى الثلاثية، إى جمع الانتقام والردع واإادة التأهيل في صيغة جموحدة، أي إعادة تركيب المفاهيم الشائعة في إطار جديد. وقد رصد أوائل المفسرين البريطانيين مثل غرين وبرادلي ذلك ورفضوا الصيغ الانتقامية التقليدية (Bradley 1894, Brooks 2003, 2011, Green 1986:138–59, Seth 1916:310–23). وقميت هذه الرؤية بـ«نظرية العقاب الموحدة» (Brooks 2017a, 2021:143–79).
10. الدولة
القسم الاخير من «الحياة الاخلاقية» عند هيغل هو الدولة. فالمحبة تجاه الاخرين، التي تقوم في الاسرة على الشعور، ثم تقوم في المجتمع المدني على اشباع الحاجات، تتحول هنا الى محبة وطنية للمواطنين بعضهم لبعض، بوصفها سندا لجماعة مشتركة تتجسد في الدولة الحديثة (انظر PR §268). بل ان السعي الفردي لاشباع الحاجات يفضي، في ذاته، الى تطور الدولة.
عند هيغل، لا تتطور الاسرة الى مجتمع مدني، ولا يكتسب المجتمع المدني «واقعية» اعظم، الا داخل الدولة (PR §256–57). فالدولة هي الموضع الذي تتحقق فيه «حريتنا العينية»، حين نفهم انفسنا داخل واقعنا الاجتماعي والسياسي الكامل (PR §260). هنا فقط يتصور الفرد في آن واحد عضوا في اسرة، وجزءا من المجتمع المدني، ومواطنا في دولة. وعلى الرغم من ان هذه المرحلة هي الاكثر عينية في تحقق الحرية، فليس معنى ذلك ان الحرية الفردية تصبح مشكلة. بل ان حرية الفرد تبلغ اقصى واقعية لها حين يعترف بها الاخرون اعترافا متبادلا من خلال القانون. ويلاحظ هيغل ان «انه قيل كثيرا ان غاية الدولة هي سعادة مواطنيها. وهذا صحيح بلا ريب، لان الدولة اذا قصرت في رعاية رفاههم، واذا لم تشبع غاياتهم الذاتية، واذا لم يجدوا ان الدولة بوصفها دولة هي الوسيلة الى هذا الاشباع، فان الدولة ذاتها تقوم على اساس غير آمن» (PR §265 Addition). دولة هيغل هي جماعة يفترض ان يزدهر فيها الافراد وفرادتهم.
غير ان تصور هيغل لتكوين الدولة مثار للجدل. فهو يسعى الى توحيد النماذج الثلاثة التقليدية للحكم، الارستقراطية والديمقراطية والملكية، ضمن شكل جديد من الحكم التمثيلي مع ملك دستوري (Deranty 2001). ويقترح هيئة تمثيلية تقوم على مجلسين، احدهما يضم «الارستقراطية الطبيعية» للطبقة الزراعية، والاخر يضم ممثلين عن المهن المختلفة. وكان هيغل يرى ان تمثيل المناطق وفقا للجغرافيا تمثيل اعتباطي يفتقر الى مضمون، في حين يمكن لت representation عبر العمل ان يؤسس علاقة اخلاقية اقوى، لان الناس يمثلون عبر مواقعهم في نسق الحاجات والانتاج.
وترأس دولة هيغل ملكية وراثية (§273 Remark, Brudner 1981, Redding 1994). فالدولة، بحسبه، تحتاج شخصا يوفر لها الوحدة بوصفها فردا في هيئة فردية للدولة، شخصا يعلن ان الدولة تؤكد قانونا ما بوصفه قانونها، او توافق على معاهدات مع دول اخرى. اما الملك المنتخب او الرئيس المنتخب بوصفه رأس الدولة فمرفوض، لان مثل هذا الشخص سيمثل مصالح انصاره. وهذا يصنع حاجزا يمنع رأس الدولة من ان يتكلم بصوت واحد حقا باسم البلد كله. ومن ثم ينبغي للملك ان يكون فوق التحزب. والملكية الوراثية توفر، في نظر هيغل، اساسا لوجود رأس دولة يمكنه تمثيل الجميع وتقديم الوحدة المطلوبة.
ومع ان شبه لا احد من المعلقين يقتنع بتبرير هيغل للملكية الدستورية، فان الرأي الغالب هو ان دور الملك لا يتعدى كونه ختم موافقة (Yack 1980). ويشير هيغل الى انه «في دولة منظمة تنظيما تاما… كل ما يحتاجه الملك هو ان يقول نعم، وان يضع النقطة على حرف I، لان المنصب الاعلى ينبغي ان يكون بحيث لا تكون لخصوصية شاغله اي اهمية» (PR §280 Addition). وقد عقد بعضهم مقارنة مع الملكية الدستورية في المملكة المتحدة، حيث تتطلب القوانين موافقة جلالة الملكة، لكنها تمنح تلقائيا حين يطلبها البرلمان مثلا (Findlay 1958).
اما القوة الحقيقية فتوجد خلف العرش، وتمسك بها حكومة متعلمة [Ministerium]، يشار اليها غالبا بالبيروقراطية. فهؤلاء مستشارو الملك هم من يقترحون القوانين الجديدة عبر الوزير المسؤول. وهؤلاء الوزراء، لا الملك، هم من يخضعون للمساءلة امام الهيئة التشريعية التي ينحصر دورها في النظر في المقترحات واقرارها او رفضها.
لكن ثمة ما يدعو الى التشكيك في هذه الصورة (Brooks 2007). فالملك لا يستطيع ان يتصرف اعتباطا. وكونه «مقيدا بالمضمون العيني للنصيحة التي يتلقاها» يعني انه ينبغي ان يكون قادرا على تمييز هذا المضمون وفهمه (PR §279 Addition). كما ينتقد هيغل الملكية الدستورية البريطانية بعد الحرب الاهلية، ملاحظا انه «منذ 1692 لم تقع حالة واحدة استخدم فيها الملك حق النقض ضد قرار برلماني»، وان نتيجة ذلك انها «تجعله تقريبا مجرد رقم»، ولذلك ينبغي ان يكون اكثر فاعلية في شؤون الدولة، بما يوحي بانه ينبغي ان يصدر احكامه الخاصة في شأن دعم التشريعات المقترحة او عدم دعمها عند التوصية باقرارها (LNR §133 Remark). صحيح ان الوزراء الذين يقدمون النصح يفترض ان يكونوا متقاربين في الكفاءة بحيث لا يحدث فرقا كبيرا من يشغل اي موقع، لكن الملك يملك سلطة تقديرية كاملة في تعيين اي شخص او اعفائه من منصبه، من ضمن مجموعة مؤهلة. فضلًا عن ذلك، فالملك، بمشورة وزيره المختص، هو من يوافق على المعاهدات ويقرر شؤون الحرب والسلم كلها (PR §329). وبما ان الملك لا يمكن عزله، فان ذلك يمنحه سلطات معتبرة في السياسة الخارجية، ويثير اسئلة حول مدى كونه عديم القوة فعلا، ان كان كذلك اصلا.
11. الحرب والعلاقات الدولية
للدولة «واقعية مباشرة» من حيث تنظيمها الداخلي كما تقدم، لكنها تتعين ايضا دوليا في علاقتها بالدول الاخرى (PR §259). وهذا الجزء من فلسفة الحق هو الاقل تفصيلا واحكاما.
يتبنى هيغل تصورا عاما يمكن وصفه بالوستفالي والواقعي للعلاقات الدولية، حيث الفاعلون الاساسيون هم الدول، وكل دولة تعطي الاولوية لملاحقة رفاهها الخاص (PR §336, Smith 1983). وتتفاعل الدول مع بعضها كما يتفاعل الافراد في فضاء عالمي فوضوي. وفي غياب سلطة عالمية حاكمة، يمكن ان تدخل الدول في صراع. ويقول هيغل ان «الحروب ينبغي ان تعد ضرورية لان شعوبا مستقلة توجد جنبا الى جنب» (LNR §160 Remark). وهذا ليس تبريرا للحرب ولا تمجيدا لها، بل اعتراف بان الدول تعيش حالة طبيعة تجعل الحرب غير قابلة للاستبعاد دائما (انظر LNR §162 Remark). وينبغي للدول ان تسعى الى تمكين غيرها «من ان تعيش في سلام معها»، وان «الحرب هي شيء ينبغي ان ينتهي» (PR §338).
ومع ذلك، يرى هيغل ايضا ان الحرب تختبر الصحة النسبية للدول، بحيث يفترض ان تنتصر الدول الاكثر تنظيما عقلانيا على الدول الاقل تماسكًا من حيث بنيتها الاخلاقية. واذا جمعنا هذا مع رفضه لمقترحات كانط عن السلام الدائم، فقد دفع ذلك بعض الباحثين الى التساؤل عما اذا كانت الحرب تؤدي دورا ايجابيا، وبذلك دورا مقلقا، في فلسفته (Avineri 1961, Black 1973, Shelton 2000, Walt 1989). ويعلق هيغل ايضا بان «الحروب الحديثة تخاض على نحو انساني، ولا يتواجه كل الاشخاص مع بعضهم بعضا في كراهية»، وهو تعليق قد يعطي انطباعا بان الحروب الحديثة ذات جودة اخلاقية افضل من حروب الماضي، حين يبدو العكس هو الاقرب الى الواقع (PR §338 Addition).
اما القاضي الوحيد للحقوق والاخطاء في المجال الدولي فهو «تاريخ العالم بوصفه محكمة العالم» (PR §340). ومن هنا تنتقل فلسفة الحق الى بداية عرض لفلسفة التاريخ في الجزء التالي من نسقه، وهو جزء يفترض كل الاجزاء السابقة عليه، وفي مقدمتها فلسفة الحق نفسها.
Primary Literature
English Translations of Key Texts
[EL], The Encyclopaedia Logic: Part 1 of the Encyclopaedia of Philosophical Sciences with the Zusätze, translated by T. F. Geraets, W. A. Suchting and H. S. Harris. Indianapolis: Hackett, 1991.
[LNR], Lectures on Natural Right and Political Science: The First Philosophy of Right, Heidelberg 1817–1818 with Additions from the Lectures of 1818–1819, translated by J. Michael Stewart and Peter C. Hodgson. Berkeley: University of California Press, 1995.
[PW], Political Writings, edited by Laurence Dickey and H. B. Nisbet. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.
[PM], Hegel’s Philosophy of Mind, translated from the 1830 Edition, together with the Zusätze by William Wallace and A.V. Miller, with Revisions and Commentary by M. J Inwood, Oxford: Clarendon Press, 2007.
[PR], Elements of the Philosophy of Right, edited by Allen W. Wood, translated by H.B. Nisbet, Cambridge: Cambridge University Press, 1991.
[SL], Science of Logic, trans. A. V. Miller. Amherst: Humanity Books, 1969.
Secondary Literature
Avineri, Shlomo, 1961, “The Problem of War in Hegel’s Thought,” Journal of the History of Ideas, 22: 463–74.
–––, 1971, “Labor, Alienation, and Social Classes in Hegel’s Rechtsphilosophie,” Philosophy and Public Affairs, 1: 96–119.
–––, 1972, Hegel’s Theory of the Modern State, Cambridge: Cambridge University Press.
Beiser, Frederick, 2005, Hegel, London: Routledge.
Benhabib, Seyla, 1984, “Obligation, Contract and Exchange: On the Significance of Hegel’s Abstract Right,” in Z. A. Pelczynski (ed.), The State and Civil Society: Studies in Hegel’s Political Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 159–77.
Black, Edward, 1973, “Hegel on War,” The Monist, 57: 570–83.
Bradley, F. A., 1894, “Some Remarks on Punishment,”International Journal of Ethics, 4: 269–84.
Brooks, Thom, 2003, “T. H. Green’s Theory of Punishment,” History of Political Thought, 24: 685–701.
–––, 2007, “No Rubber Stamp: Hegel’s Constitutional Monarch,” History of Political Thought, 28: 91–119.
–––, 2011, “Is Bradley a Retributivist?” History of Political Thought, 32: 83–95.
–––, 2013, Hegel’s Political Philosophy: A Systematic Reading of the Philosophy of Right, 2nd edition, Edinburgh: Edinburgh University Press.
–––, 2017a, “Hegel on Crime and Punishment,” in T. Brooks and S. Stein (eds.) 2017, pp. 202–21.
–––, 2017b, “Hegel’s Philosophy of Law” in Dean Moyar (ed.), The Oxford Handbook of Hegel, Oxford: Oxford University Press, pp. 453–74.
–––, 2020, “More than Recognition: Why Stakeholding Matters for Reconciliation in Hegel’s Philosophy of Right,” Owl of Minerva, 51: 59–86.
–––, 2021, Punishment: A Critical Introduction, 2nd edition, New York: Routledge.
Brooks, Thom and Sebastian Stein (eds.), 2017, Hegel’s Political Philosophy: On the Normative Significance of Method and System, Oxford: Oxford University Press.
Brudner, Alan, 1981, “Constitutional Monarchy as the Divine Regime: Hegel’s Theory of the Just State,” History of Political Thought, 2: 119–40.
–––, 2017, The Owl and the Rooster: Hegel’s Transformative Political Science, Cambridge: Cambridge University Press.
Cooper, David E., 1971, “Hegel’s Theory of Punishment,” in Z. Pelczynski (ed.), Hegel’s Political Philosophy: Problems and Prospects, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 151–67.
Deranty, Jean-Philippe, 2001, “Hegel’s Parliamentarianism: A New Perspective on Hegel’s Theory of Political Institutions,” Owl of Minerva, 32: 107–33.
Dworkin, Ronald, 1977, Taking Rights Seriously, Cambridge, MA: Harvard University Press.
Freyenhagen, Fabian, 2012, “The Empty Formalism Objection Revisited: §135R and Recent Kantian Responses,” in Thom Brooks (ed.), Hegel’s Philosophy of Right, Oxford: Blackwell, pp. 43–72.
Gledhill, James and Sebastian Stein (eds.), 2020, Hegel and Contemporary Practical Philosophy: Beyond Kantian Constructivism, New York: Routledge.
Goodfield, Eric, 2009, “The Sovereignty of the Metaphysical in Hegel’s Philosophy of Right,” Review of Metaphysics, 62: 849–73.
Green, T H., 1986, Lectures on the Principles of Political Obligation and Other Writings, Cambridge: Cambridge University Press.
Haldane, John, 2006, “Family Matters,” Philosophy, 81: 581–93.
Halper, Edward C., 2001, “Hegel’s Family Values,” Review of Metaphysics, 54: 815–58.
Haym, Rudolf, 1857, Hegel und seine Zeit, Berlin: Verlag von Rudolph Gaertner.
Houlgate, Stephen, 2005, The Opening of Hegel’s Logic: From Being to Infinity, West Lafayette: Purdue University Press.
Hoy, David, 1989, “Hegel’s Critique of Kantian Morality,” History of Philosophy Quarterly, 6: 207–32.
Hutchings, Kimberly and Tuija Pulkkinen (eds.), 2010, Hegel’s Philosophy and Feminist Thought: Beyond Antigone?, New York: Palgrave Macmillan.
Kant, Immanuel, 1996, Critique of Pure Reason, Werner S. Pluhar (trans.), Indianapolis: Hackett.
–––, 1997, Groundwork of the Metaphysics of Morals, Mary Gregor (trans.), Cambridge: Cambridge University Press.
Knowles, Dudley, 2002, Hegel and the Philosophy of Right, London: Routledge.
Knox, T. M., 1970, “Hegel and Prussianism,” in Walter Kaufmann (ed.), Hegel’s Political Philosophy, New York: Atherton Press, pp. 13–29.
Neuhouser, Frederick, 2000, Foundations of Hegel’s Social Theory: Actualizing Freedom, Cambridge, MA: Harvard University Press.
Nicholson, Peter P., 1982, “Hegel on Crime,” History of Political Thought, 3: 103–21.
Patten, Alan, 1999, Hegel’s Idea of Freedom, Oxford: Oxford University Press.
Pelczynski, Z. A., 1964, “An Introductory Essay,” in ed., Hegel’s Political Writings, Oxford: Oxford University Press, pp. 5–137.
Pinkard, Terry, 1994, Hegel’s Phenomenology: The Sociality of Reason, Cambridge: Cambridge University Press.
Pippin, Robert, 2008, Hegel’s Practical Philosophy: Rational Agency as Ethical Life, Cambridge: Cambridge University Press.
Plant, Raymond, 1972, Hegel, London: George Allen & Unwin.
Primoratz, Igor, 1989, Justifying Legal Punishment, Atlantic Highlands: Humanities Press.
Popper, Karl, 1966, The Open Society and Its Enemies (Vol. II: The High Tide of Prophecy: Hegel, Marx, and the Aftermath), 5th edition, London: Routledge & Kegan Paul.
Ravven, Heidi, 1988, “Has Hegel Anything to Say to Feminists?” Owl of Minerva, 19: 149–68.
Redding, Paul, 1994, “Philosophical Republicanism and Monarchism – and Republican and Monarchical Philosophy – in Kant and Hegel,” Owl of Minerva, 26: 35–46.
–––, 2012, “Thom Brooks’s Project of a Systematic Reading of Hegel’s Philosophy of Right,” Hegel Bulletin, 33: 1–9.
Rosen, Michael, 1984, Hegel’s Dialectic and Its Criticism, Cambridge: Cambridge University Press.
Seth, James, 1916, A Study of Ethical Principles, 13th edition, London: William Blackwood and Sons.
Shelton, Mark, 2000, “The Morality of Peace: Kant and Hegel on the Grounds for Ethical Ideals,” Review of Metaphysics, 54: 379–408.
Smith, Steven, 1983, “Hegel’s Views on War, the State and International Relations,” American Political Science Review, 77: 624–32.
Stone, Alison, 2002, “Feminist Criticism and Reinterpretations of Hegel,” Bulletin of the Hegel Society of Great Britain, 45–46: 93–109.
Stern, Robert, 2006, “Hegel’s Doppelsatz: A Neutral Reading,” Journal of the History of Philosophy, 44: 235–66.
–––, 2012, “On Hegel’s Critique of Kant’s Ethics: Beyond the Empty Formalism Objection,” in Thom Brooks (ed.), Hegel’s Philosophy of Right, Oxford: Blackwell, pp. 73–99.
Stillman, Peter G., 1976, “Hegel’s Idea of Punishment,” Journal of the History of Philosophy, 14: 169–82.
–––, 1980, “Property, Freedom and Individuality in Hegel’s and Marx’s Political Thought,” in J. Roland Pennock and John W. Chapman (eds.), Property, New York: New York University Press, pp. 130–67.
Taylor, Charles, 1975, Hegel, Cambridge: Cambridge University Pres.
Thompson, Michael J. (ed.), 2018, Hegel’s Metaphysics and the Philosophy of Politics, New York: Routledge.
Walt, Steven, 1989, “Hegel on War: Another Look,” History of Political Thought, 10: 113–24.
Whitt, Matt S., 2013, “The Problem of Poverty and the Limits of Freedom in Hegel’s Theory of the Ethical State,” Political Theory, 41: 257–84.
Wood, Allen, 1989, “The Emptiness of the Moral Will,” Monist, 72: 454–83.
–––, 1990, Hegel’s Ethical Thought, Cambridge: Cambridge University Press.
–––, 2017, “Method and System in Hegel’s Philosophy of Right,” in T. Brooks and S. Stein (eds.) 2017, pp. 82–102.
Yack, Bernard, 1980, “The Rationality of Hegel’s Concept of Monarchy,” American Political Science Review, 74: 709–20.




سؤال ليش ماكو كتابات العلي الوردي
ديم