مدخل موجز إلى المنهج السياقي في قراءة النصوص التاريخية
المقال الثاني من سلسلة مقالات تركز على موضوع “قراءة وتأويل النصوص السياسية”
1. تشخيص المشكلة: الميثولوجيا التأويلية وقراءة الماضي بعين الحاضر
في منتصف القرن العشرين، كان حقل تاريخ الأفكار، وخصوصا تاريخ الفكر السياسي في العالم الناطق بالإنجليزية، محكوما ببنية مؤسسية ومعرفية محددة. أقسام الفلسفة سيطر عليها المنطق التحليلي والنقاش المعياري حول مفاهيم مثل العدالة والعقل والحرية، فيما تولت أقسام التاريخ ما عرف بتاريخ الأفكار في صيغه الكلاسيكية، خاصة مع إرث آرثر لوفجوي ومدرسته.
هذا الوضع كان انعكاسا لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي سادها مناخ سياسي وفكري حاول فيه الغرب الليبرالي إعادة تأسيس شرعيته، داخليا في مواجهة الفاشية والشيوعية، وخارجيا في مواجهة موجة الاستقلالات ونهاية الإمبراطوريات التقليدية.
في هذه الأجواء، كان من المغري أن يعاد سرد تاريخ الفكر السياسي الأوروبي بوصفه مسارا تصاعديا نحو حكم القانون والحقوق الطبيعية والعقد الاجتماعي. بالتوازي، عزز صعود الفلسفة التحليلية فكرة أن العمل الجاد مع النصوص الكلاسيكية هو العمل الذي يستخرج منها نظريات أو حججا قابلة للصياغة بلغة منطقية معاصرة، دون الانشغال بالظروف التاريخية لإنتاج تلك النصوص.
في الستينيات، بدأت هذه البنية تهتز من أكثر من جهة. من ناحية، أحدث «المنعطف اللغوي» في الفلسفة – مع فيتجنشتاين المتأخر، ثم أوستن وسيرل – تحولا في فهم اللغة. ومن ناحية أخرى، أدت التحولات الاجتماعية والسياسية (أزمة الدولة الإمبراطورية، صعود الحركات الطلابية، نقد السرديات القومية) إلى تشكيك أوسع في القصص التقدمية المبسطة عن الماضي. في هذا المناخ، بدا أن طرق قراءة النصوص السياسية الكلاسيكية لا تزال متأخرة عن الأسئلة الجديدة المطروحة في الفلسفة والعلوم الإنسانية.
من داخل هذا التراكم ظهرت مساهمات كوينتن سكينر وجون بوكوك وغيرهما في ما عرف لاحقا بمدرسة كامبريدج أو المنهج السياقي في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. لم يأت المنهج السياقي بوصفه تقنية تفسيرية جديدة فقط، بل كاستجابة معرفية وسياسية لمأزق أوسع: كيف نكتب تاريخ الفكر السياسي من دون أن نحوله إلى مرآة للمسلمات الليبرالية، ومن دون أن نختزل النصوص إلى مواد خام لإنتاج شرعية معاصرة؟
كان تقليد تاريخ الافكار عالقا في ثلاث أنماط مهيمنة من القراءة يصعب التمييز بين نتائجهما، وان اختلفا في الاسلوب.
النمط الاول كان قراءة فلسفية اختزالية تتعامل مع النصوص بوصفها اجابات عن اسئلة ابدية من نوع: ما العدالة؟ ما طبيعة السلطة؟ ما الحرية؟ كأن افلاطون وهوبز وروسو متعاصرون ويجلسون في ندوة واحدة، يتناول كل واحد منهم السؤال نفسه من زاويته الخاصة، من غير اعتبار لاختلاف ازمنتهم وملفاتهم السياسية.
النمط الثاني كان قراءة استمرارية تاريخية، من النوع الذي وصفه هربرت باترفيلد بالقراءة الويغية للتاريخ (Whig interpretation of history). في هذه القراءة يسرد الفكر السياسي بوصفه تطور خطي، يقود بصورة شبه حتمية الى الليبرالية الحديثة والدولة الدستورية. سلسلة افكار كبرى تُروى وكأنها فصول متتابعة في كتاب واحد، والجميع يمهدون لظهور افق نهائي للتقدم السياسي.
يظهر هذا المنطق الويغي بوضوح في الطريقة التي يُقرَأ بها جون لوك عادة. فعلى الرغم من شيوع القراءة التقليدية التي تُظهِر لوك مدافعًا “خالدا” عن الحرية وحقوق الملكية والحكومة المقيَّدة، بوصفه مهندسا لليبرالية الكلاسيكية والديمقراطية الدستورية، إلا أن القراءة السياقية/السكينرية تعيد ترتيب الأولويات وتطرح سؤالًا مختلفًا: ماذا كان لوك يفعل بكتابته في تلك اللحظة بعينها؟ فقد كُتبت «المُعالجتان» أواخر ثمانينيات القرن السابع عشر إبّان أزمة إنجلترا حول الخلافة والمطلقية، ونُشرت مباشرة بعد “الثورة المجيدة” (1688) التي عزلت جيمس الثاني ونصّبت وليام وماري مع تقييدات دستورية. في هذا السياق، لا يظهر نص لوك كأطروحة فلسفية خالدة، بل كتدخل سياسي ملموس: يبرر خلع جيمس الثاني، ويقدم دفاعا نظريا عن الثورة مؤسسا على الحقوق الطبيعية والرضا، وينزع الشرعية عن الملكية المطلقة لصالح سلطة دستورية محدودة. هكذا لا يعود لوك منظرا لحقوق مجردة فحسب، بل فاعلا في صراع سياسي فعلي، يستعمل الفلسفة أداة لإضفاء الشرعية على تغيير واقعيّ راديكالي.
النمط الثالث يمثله نموذج آرثر لوفجوي (Lovejoy) في «وحدة الأفكار» الذي يتتبع مسار أفكار كبرى عابرة للقرون، تتحرك من مفكر إلى آخر عبر سلسلة من التحولات التدريجية. في هذا النموذج، تصبح مهمة المؤرخ رصد استمرارية فكرة «الطبيعة البشرية» أو «السلسلة الكبرى للوجود» أو «التقدم»، أكثر من إعادة بناء اللحظات التي صيغت فيها تلك الأفكار بوصفها أجوبة على نزاعات بعينها.
رأى كوينتن سكينر (Skinner) في هذه الانماط أوجه متعددة لمشكلة واحدة، اسقاط الحاضر على الماضي. في مقاله المؤسس “معنى وفهم تاريخ الافكار”، اعتبر سكينر أنها تنتج ميثولوجيا تأويلية، أي مجموعة من الاوهام المنهجية التي تنشأ عندما نتعامل مع النصوص بوصفها حوامل لمعان خالدة، لا بوصفها افعالا لغوية أنجزها مؤلفون محددون في لحظات نزاع بعينها.
يبين سكينر أن جذور هذه الميثولوجيا تعود الى فشل عميق في ادراك اللغة كسياق تواصلي مشروط. فالكلام لا يُفهم بوصفه شحنة دلالية يمكن فصلها عن لحظة انتاجها ثم تدويرها عبر القرون، بل يُفهم من ثلاثة مواضع، أولها موقعه في التفاعل، والثاني دوره في النزاع، وأخيرا نوع الفعل الكلامي الذي ينجزه المتكلم. على سبيل المثال، عندما نقرأ هوبز بوصفه صاحب “نظرية في الدولة الحديثة”، نتجاهل انه كان في لحظة الحرب الاهلية الانجليزية، منخرط في صراع حول الالزام والطاعة وشرعية السلطة، لذلك فنصوصه التي انتجها ليست مجرد تجريدات مفاهيمية، لأنها تدخل في نزاع ومشاركة في ملف خطابي واستجابة لرهانات آنية.
ينطلق سكينر مسلمة حاسمة لا وجود “لمعنى حقيقي خالد” لكلمات مثل حرية (freedom) او سيادة (sovereignty) . ما يهم مؤرخ الأفكار عند سكينر ليس أن يكتب سيرة لمفهوم الحرية أو السيادة عبر القرون، بل أن يلاحق كيف استُخدمت هذه الكلمات في لحظات نزاع محددة، أي ما الفعل الكلامي الذي أنجزه المؤلف حين استدعاها في نصه، وأي موقع سياسي حاول أن يثبته أو يزعزعه عبر هذا الاستدعاء. في هذا الافق لا نقرأ المفاهيم السياسية في فراغ ولا نستخرجها من المعجم، بل نستعيدها من داخل الحقل الجدلي الذي ظهرت فيه، اي من خلال شبكة النزاعات والخطابات والخصوم والاسئلة التي كان المؤلف يرد عليها او يتفاعل معها. لذلك من الخطأ الجسيم أن نفهم النص السياسي على أنه حامل لمعنى جاهز.
ينبغي أن نفهمه على أنه أنخراط في نزاع قائم ينجز فيه المؤلف فعلا كلاميا مقصودا. ولذلك مهمة مؤرخ الافكار أن يعيد بناء المشهد التاريخي الذي شهد ظهور المعنى عبر البحث عن من خاطب المؤلف؟ ضد من كتب؟ ما الموارد اللغوية والفكرية التي استند اليها، او قلبها على رؤوسها، وهو يدخل نصه في قلب نزاع محدد؟، بدلا من التنقيب على معنى خالد في النص.
جوهر المنهج السياقي هو مشروع لتفكيك الميثولوجيا التأويلية، عبر اقتراح بديل منهجي يساعدنا في أن نفهم نصا سياسيا من الماضي.
2. الاساس النظري: اللغة كفعل، والمفهوم كأداة نزاعية
إذا كان المنهج السياقي يبدأ من نقد القراءة اللا تاريخية، فأن قلبه النظري يكمن في الطريقة التي ينظر بها الى اللغة ذاتها، والى المفاهيم السياسية على وجه الخصوص. يؤسس ذلك على قاعدة إبستمولوجية للقراءة تتبنى نظرية افعال الكلام (Speech Act Theory) كما طورها جون أوستن (Austin ) في عمله “كيف نفعل أشياء بالكلمات” (1962)، ووسعها جون سيرل (Searle) في عمله “أفعال الكلام” (1969) .
تنطلق نظرية افعال الكلام من رفض التصور الكلاسيكي للغة بوصفها مجرد وسيط شفاف ومحايد لنقل المعاني من عقل الى آخر، اي نموذج النقل (The Transmission Model) الذي يصور الكلام كوعاء حامل لمعنى جاهز من المتكلم الى المخاطب دون أن يغير شيئا في العالم. في المقابل، تقترح النظرية نموذجا بديلا يرى اللغة فعلا (Language as Action)، اي انتقالا من منظور النقل الى منظور الاداء. لا يعود الكلام مرآة تعكس الواقع، بل يصبح شريكا في صنع الواقع الاجتماعي والتدخل في تشكيله.
يستخدم اوستن مفهوم الجمل الادائية (Performatives) كمدخل لتفكيك الوهم القائل بوجود فصل صارم بين جمل خبرية “تنقل معاني” و اخرى ادائية “تنجز افعالا”. ويبين أن معظم الكلام في السياسة والدين والقانون يحمل بعدا ادائيا حتى حين يظهر في صورة تعريفات او اوصاف محايدة.
يميز اوستن بين ثلاث طبقات متداخلة في الفعل الكلامي:
1. الفعل التلفظي(Locutionary Act) : ان ننطق جملة ذات معنى لغوي ونحوي.
2. الفعل الانجازي (Illocutionary Act) : ما نفعله بهذه الجملة هل نعلن؟ نأمر؟ نَعِد؟ نبرر؟ نحتج؟
3. الفعل التأثيري(Perlocutionary Act) : الاثر الذي نحدثه في المخاطب، هل نقنعه؟ نرعبه؟ نطمئنه؟
المنهج السياقي يتمركز حول المستوى الثاني تحديدا، أي حول الفعل الإنجازي. فالنص السياسي لا ينتج بوصفه مقالة تعريفية موضوعها مفاهيم مجردة، بل بوصفه اداء لغويا ضمن حقل جدلي مرتبط بنزاع تاريخي محدد. الجملة السياسية لا تقول “ما هي السيادة؟” او “ما هي الحرية؟”، بل تستخدم هذه المفاهيم لترجيح سلطة او نزع شرعية او فتح ملف نزاع او إغلاقه. عند هذه النقطة يتغير السؤال من ما معنى هذا المفهوم إلى ما الفعل والدور الذي أداه المفهوم داخل صراع لغوي وسياسي معين. لا يعود المفهوم السياسي جوابا عن سؤال نظري، بل اداة تدخل في نزاع فعلي.
عندما كتب هوبز عن السيادة في الليفياثان (Leviathan)، لم يكن يصوغ تعريفا قانونيا محايدا يمكن نقله كما هو الى قرن آخر، وإنما كان، كما يقرأه سكينر، يتدخل في قلب الحرب الاهلية الانجليزية لنزع الشرعية عن خطابات المعارضة الدينية، والدفاع عن فكرة السلطة المطلقة، وتحويل الطاعة من عبء ديني او اجتماعي الى واجب عقلاني. في هذا السياق، لاتكون السيادة “مفهوم الدولة الحديثة” في ذاته، وإنما صيغة لغوية لحسم صراع محدد حول من يملك حق الامر ومن يلتزم بالطاعة.
3. ادوات المنهج: الاساطير التأويلية والقاعدة الذهبية
يقدم سكينر حزمة ادوات منهجية للضبط، يقترح أنها تمنع اعادة انتاج الميثولوجيا التأويلية؟، يمكن تلخيصها في حزمتين رئيسيتين، الأولى تفكيك عدد من “الاساطير” التأويلية التي تشوه قراءة النصوص، أما الحزمة الثانية تتمثل في صياغة قاعدة ذهبية واختبارات تحكم ما يجوز وما لا يجوز نسبته الى المؤلفين.
أولا - الميثولوجيات التأويلية الاربع
يرى سكينر ان الخلل يبدأ عندما نتعامل مع مفاهيم الماضي واعتقاداته كما لو كانت وحدات ثابتة عابرة للزمن، يمكن تركيب نظريات منها بحسب حاجاتنا. ومن هنا يصوغ اربع ميثولوجيات ينبغي تفكيكها اذا اردنا قراءة سياقية لتاريخ الافكار.
1- ميثولوجيا العقيدة (mythology of doctrine)
تفترض ان كل مفكر كبير لابد ان يحمل عقيدة مكتملة حول المفاهيم الكبرى: الدولة، السيادة، الشرعية، الحرية… وعلى هذا الأساس نبدأ بتجميع شذرات متفرقة من نصوصه لصياغة نظرية متماسكة، ثم ننسب اليه هذه النظرية كما لو كان قد صاغها بنفسه. يرفض سكينر هذا المنطق من اساسه، يرى أن ليس من واجب كل مفكر ان يقدم نسقا نظريا مغلقا، والبحث عن عقيدة مكتملة غالبا ما يقود إلى اختراع نص ثان في ذهن القارئ، لا قراءة النص الموجود فعلا.
2- ميثولوجيا الاتساق (mythology of coherence)
تفترض أن المفكر الجاد لابد ان يكون متسقا دائما مع نفسه، وان اي تناقض ظاهري في نصوصه دليل على سوء فهم منا، لا على تعقيد في مواقفه او تغير في موقعه. هنا يبدأ التأويل القسري عبر تشذيب للتناقضات، إعادة صياغة للمقاطع المربكة، والافتراض المسبق بوجود نسق منطقي خفي يوحد كل ما كتب. سكينر يقلب الفرضية رأسا على عقب، لا يُبنى التاريخ الفكري على افتراض عصمة المؤلف من التردد والتطور والتناقض، بل على اخذ هذه الانعطافات على محمل الجد.
3- ميثولوجيا الاسقاط المستقبلي (mythology of prolepsis)
وهي أن ننسب لنص من القرن السادس عشر افكارا لم تتبلور الا في القرن التاسع عشر او العشرين، لمجرد ان قراء لاحقين وجدوا فيه “بذورا” تناسب نظرياتهم. مثل ان نقرأ هوبز من خلال كلسن او مكيافيللي من خلال غرامشي، ثم نزعم ان الاول كان يقصد ما قاله الثاني. يحذر سكينر من هذا النوع من القراءة لأن الافعال الكلامية لا تنتظر المستقبل حتى تُفهم، بل تتحدد معانيها في لحظة ادائها وبين معاصريها.
4- ميثولوجيا الانسنة المفهومية (mythology of personification)
وهي ترويض مفاهيم الماضي الغريبة بجعلها شبيهة بمفاهيمنا عبر ترجمتها مباشرة الى معجمنا المعاصر. فيصبح “السلطان” مقابل “الدولة القومية”، و”الجماعة” كأنها “المجتمع المدني”، و”الرعية” هم “المواطنون”. ما يبدو تسهيلا للفهم هو في نظر سكينر وهم خطير، لأننا هنا لا نترجم، بل نُلبس الماضي لغتنا، ونشطب المسافة التي تفصل عالمه عن عالمنا. يعتبر هامشر مونك أن التعامل مع عالم مفهومي غريب كما لو كان مألوفا هو نوع من الخيانة النصية، فالتاريخ لا يكتب بلغة الماضي وحدها، لكنه لا يفهم الا عبر اخذ تلك اللغة على محمل الجد.
هذه الميثولوجيات الاربع ليست مجرد ثغرات عرضية، بل انماط تفكير مترسخة تجعل القارئ يرى في النص ما يريد ان يراه، لا ما كان النص يفعله فعلا في زمانه. لذلك لا يكفي تفنيدها نظريا، بل يجب تحويلها الى “محظورات منهجية” واعية تضبط عملية التأويل من البداية.
ثانيا - القاعدة الذهبية واختبارات الفهم التاريخي
في مواجهة هذه الميثالوجيات الأربع، يقترح سكينر قاعدة يمكن اعتبارها خلاصة المنهج السياقي في صيغة امر منهجي واحد: لا تنسب الى مؤلف ما لم يكن قادرا على قوله. القدرة هنا ليست حالة نفسية أو مسألة نوايا باطنية، بل هي امكان مفهومي ولغوي وسياسي.
ويصبح السؤال المفتاحي هنا هو هل كانت الادوات المتاحة للمؤلف، من لغة ومفاهيم وجمهور وملف جدلي، تسمح له بان يصوغ هذا المعنى بعينه؟ اذا لم تكن هذه الادوات متاحة، فان نسبته اليه ليست قراءة تأويلية، بل اختراع لمؤلف آخر.
لتطبيق هذه القاعدة، يصوغ سكينر ثلاثة اسئلة اختبارية ينبغي ان تمر بها اي عملية تأويل:
اولا: هل كانت البنية المفهومية متاحة في زمن المؤلف؟
اذا لم تكن المفاهيم او التركيبات الخطابية اللازمة لصياغة معنى معين موجودة في معجمه السياسي، فلا يجوز ان ننسب اليه هذا المعنى. الحديث عن دولة بالمعنى الحديث في نص من القرن الثاني عشر هو اسقاط زمني، حتى لو وجدنا عناصر يمكن اعادة قراءتها بهذا الاتجاه.
ثانيا: هل كان السؤال مطروحا في مجاله؟
اذا لم يكن احد يناقش المسألة في البيئة الفكرية والسياسية للمؤلف، فمن التعسف ان نحمله جوابا عنها. يجب أن نتحقق من أن السؤال الذي نطرحه على نص المؤلف كان جزءا من جدول اعمال عصره.
ثالثا: هل كان الجمهور سيفهم هذه الرسالة؟
لا يتم الفعل الكلامي في الفراغ، فالمؤلف يخاطب جمهور معاصر له يشترك معه ضمن افق لغوي. اذا كان المعنى الذي ننسبه الى المؤلف لا يمكن أن يفهمه جمهوره، فالراجح اننا ننسب إليه ما لم يقله.
4. الفضاء الخطابي
إذا كان المنهج السياقي يعيد تعريف النص بوصفه فعلا كلاميا داخل نزاع، فإن الخطوة التالية لا بد أن تكون توسيع زاوية النظر من الجملة والمفهوم إلى الحقل الأوسع الذي يتحركان فيه. هنا يدخل جون بوكاك (Pocock) ليؤكد بأن الأفكار لا تسبح في فراغ، بل تصاغ داخل «لغات فكر سياسي» وتقاليد منظمة لصنع المعنى. تمثل اللغة حزمة من الأدوات البلاغية والمفاهيمية والقيمية المتاحة في حقبة معينة، تحدد ما يمكن قوله وكيف يقال، بينما يشير التقليد إلى سلسلة طولية من الافتراضات والأسئلة والمشكلات التي تعطي لهذه اللغة استمرارية تاريخية.
يوضح بوكاك في اللحظة الماكيافيلية، لا يظهر مكيافيللي منفردا، بل داخل تقليد جمهوري طويل يمتد إلى هارينغتون وجيفرسون، تشكله أسئلة الفضيلة المدنية والفساد والمواطنة الفاعلة، المهم هنا ليس تفاصيل هذا التقليد بل الفكرة العامة، الأفكار تتحرك داخل لغات وتقاليد تعرف مسبقا ما هو سؤال السياسة وما الذي يعد جوابا مفهوما.
إسهام بوكوك الحاسم أن المؤلف يكتب دائما من داخل كون من اللغات السياسية (Linguistic universes) أو فضاء خطابي له قواعده وأعرافه وخصومه. ليس المقصود بالفضاء الخطابي مجرد اللغة بالمعنى التقني، أو مجرد السياق العام بوصفه خلفية ضبابية، بل شبكة ملموسة من الأنساق الخطابية والأنماط الحجاجية والمفاهيم المتنازع عليها. يتحرك المؤلف ضمن فضاء من اللغات السياسية: لغة الجمهورية، لغة القانون الطبيعي، لغة الحقوق، لغة الفضيلة المدنية، لغة المصلحة، وغيرها. كل لغة من هذه اللغات ترسانة من المفاهيم والقواعد والأفضليات القيمية. المؤلف أشبه بمن يناور بين تلك معاجم سياسية مختلفة ويركب بينها، ويرفع تقليد ليبرزه على حساب تقليد آخر.
يقدم جان بودين مثالا تطبيقيا غنيا على هذه الفكرة، فهو يشتغل داخل فضاءات خطابية متعددة، ويوازن بين لغات متنافسة ويعمل على حدود متشابكة بين فرنسية داخلية مرتبطة بالأزمة وأخرى لاتينية إنسانية - قانونية موجهة لأوروبا. يضبط صورته الذاتية داخل كل فضاء.
في النسخة الفرنسية من كتابه “الكتب الستة في الجمهورية” الصادرة سنة 1576، يكتب بودين داخل فضاء فرنسي مشحون تمزقه حروب دينية، موجها خطابه كما يصرح في مقدمته إلى “الفرنسيين الطبيعيين” الذين أراد أن يخاطبهم بلغتهم. تتحرك لغته داخل معجم سياسي عملي، حيث السياسة (la politique) كلمة حية تعني فن الحكم العملي وتدبير شؤون الدولة في مملكة مهددة بالتفكك، وتشير في الوقت نفسه إلى فئة السياسيين (les politiques) الذين ينظر إليهم بكثير من الشك بسبب براغماتيتهم وتلفيقهم بين المعسكرات الدينية. لذلك تظهر كلمة سياسة (politique) ومشتقاتها عشرات المرات، بوصفها اسما لخبرة سياسية عملية يحملها “الأساتذة السياسيون” وقواعد “القوانين السياسية” للمدن المزدهرة. في هذه الصياغة يتبنى بودين لغة سياسة عملية قريبة من إدارة الأزمة لغة السيادة والإلزام والطاعة وتنظيم اعلاقة الملك بالرعايا في سياق فرنسي داخلي يسعى لحلول لإنقاذ المملكة.
بعد عشر سنوات، أعاد بودين كتابة الكتاب باللاتينية تحت عنوان “De Republica Libri Sex” (1586)، فتبدل الفضاء الخطابي جذريا. الجمهور هذه المرة هو “جمهورية الأدب” الأوروبية من حقوقيين ولاهوتيين ومثقفين إنسانيين، والأفق المرجعي هو التراث الروماني واللاتيني الكلاسيكي. في هذه النسخة، يتفادى بودين متعمدا العائلة اللغوية المرتبطة بـ politique في الفرنسية، فيختفي تقريبا اللفظ اللاتيني politicus لصالح معجم آخر. تتراجع التعابير التي تشير إلى “أفعال سياسية” لصالح صيغ من قبيل أفعال عامة (publicae actiones)، وتستبدل “القوانين والقواعد السياسية” بالحديث عن “أفضل القوانين في المدن الأكثر ازدهارا”. تبرز النسخة اللاتينية كيف أن تغيير الفضاء الخطابي يفرض إعادة هندسة المعجم.
بينت دراسات مقارنة بين النسختين، خاصة دراسة ماريو توركيتي، أن هذا الغياب ليس مصادفة أسلوبية، بل نتيجة اختيار منهجي واع لإعادة صوغ المعجم السياسي لبودين بلغة لاتينية أكثر انسجاماً مع الذوق الإنساني–القانوني في عصره. فهو لا يهرب من المضمون، بل يفكك مفهوم “السياسة” العملية إلى شبكة من أوصاف وأفعال مرتبطة بالحكم المدني الجيد، ويعيد تجميعها داخل قاموس إنساني–قانوني لاتيني. إنه ينتقل من لغة “السياسة العملية” الفرنسية إلى لغة “الإنسانية القانونية” الرومانية التي تميل إلى تصور جمهورية مدنية–مسيحية يمكن تلخيصها تحليليا بصيغة (res publica civilis et Christiana).
لا يعود هذا الاختيار فقط إلى مراعاة الذوق الفيلولوجي للإنسانيين، مع أن هؤلاء كانوا يحتقرون لفظة politicus كلفظة هجينة وغير شيشرونية، بل يرتبط أيضا بسياق اتهامي فرنسي ربط «السياسيين» بالماكيافيللية والهراطقة وببراغماتية لا مبدئية. في النسخة الفرنسية، قبل بودين إلى حد معين أن يُقرأ كمشرع «قوانين سياسية» لإنقاذ المملكة. أما في النسخة اللاتينية، الموجهة إلى فضاء كاثوليكي أوروبي أوسع، فضل أن يقدم نفسه إنسانويا قانونيا قريبا من منظور مسيحي أوروبي لا خبيرا سياسيا عمليا (maître politique) فرنسيا. على هذا الأساس، يظهر حذف politicus حركة واعية داخل «كون اللغات السياسية»: إقصاء للغة سياسية ملتبسة ومشبوهة، لصالح تبني مقصود لمعجم بديل يمنح العمل مكانة مختلفة ويعيد تموضع بودين في الحقل.
يجسد بودين بدقة فكرة بوكوك. المؤلف لا يتحرك داخل لغة سياسية واحدة، بل داخل فضاءات متعددة من اللغات، يبدل بينها بحسب الجمهور والهدف والسياق. والترجمة في هذا الأفق، ليست عملية تقنية لنقل المعاني، بل فعلا كلاميا ثانيا يعيد تموضع النص داخل كون لغوي–سياسي جديد. ففي الفرنسية تدخل “الجمهورية” نزاعا فرنسيا أهليا بلغة la politique، وفي اللاتينية يُعاد توليف النص ليدخل نزاعا أوروبيا أوسع حول السيادة والقانون والجمهورية المسيحية بلغة res publica وcivilitas، لا بلغة politicus.
هنا ينبغي الحذر من تصور الفضاء الخطابي كترسانة حيادية من الأدوات يختار منها المؤلف ما يشاء. فاللغات السياسية التي يتحرك فيها، وإن بدت متاحة للاستخدام والمناورة، هي في الوقت نفسه بنى تشكل أفق القول والتفكير، تحدد ما يُرى سؤالا مشروعا وما يُستبعد، وما يمكن تسميته وما يبقى بلا اسم. المؤلف لا يقف خارج هذه اللغات ثم يهبط إليها بحرية كاملة، بل يتكوّن وعيه السياسي داخلها، ويتعلم من خلالها طرائق الحجاج وحدود ما يمكن تبريره أو الاعتراض عليه. لذلك فإن رسم الفضاء الخطابي لا يكشف فقط عن موارد المؤلف، بل أيضا عن القيود التي يعمل تحتها، أي عن ذلك المستوى البنيوي من اللغة الذي يمكنه ويقاومه في آن واحد.
5. الخصم الضمني
إذا كان الفضاء الخطابي يضبط ما يمكن قوله وما لا يمكن وكيف، فإن خطوة بوكاك التالية هي تذكيرنا بأن كل قول سياسي ليس مطلقا لأنه موجه، في الغالب، ضد أحد طرف ما أو أكثر. فهم النص يقتضي إذن إعادة بناء هذا الفضاء مع خصومه. ويترجم ذلك إلى أسئلة عملية مثل من هم الحاضرون في خلفية النص، حتى لو لم يذكروا بالاسم؟ ما الأعراف اللغوية التي يلتزم بها المؤلف طلبا للشرعية، وأي أعراف يتعمد يخرقها؟ ما “الملفات الجدلية” المفتوحة في زمنه، وأي ملف يختار أن يدخله مباشرة أو يلتف حوله بالصمت أو التلميح؟ الفكرة هنا أن الخصومة لا تظهر فقط في محتوى الموقف، بل في اختيار صياغات معينة وخرق صياغات أخرى. عند هذه النقطة يتحول السؤال من ماذا يقول النص؟ إلى أين يتموضع هذا النص داخل خريطة خطابية قائمة سلفا، وضد أي موقع يتحرك؟
من هنا تنشأ فكرة “الخصم الضمني”، أي الطرف الذي يخاطبه النص أو يهاجمه، يفضل المؤلف تركه تحت السطح. الخصم قد يكون أشخاصا أو أحزابا، وقد يكون أنساقا كاملة مثل نظرية لاهوتية، أو مدرسة قانونية، أو تقليدا جمهوريا راسخا، أو لغة سياسية منافسة. بعبارة أخرى الخصم هو نمط معين في فهم السياسة. وتتحدد هوية النص بقدر كبير عبر ما يعارضه أو يسكت عنه، لا فقط عبر ما يصرح به. مهمة القارئ السياقي هي أن يستخرج الخصم من بين السطور، من طبيعة الأمثلة وطريقة اختيار المفاهيم ومن الانحرافات الصغيرة عن المألوف. يقرأ آثار الخصم في البنية، لا في التصريحات فقط.
مثال مكيافيللي يكشف هذه النقطة بوضوح. في قراءة بوكاك وسكينر، “الأمير” لا يُفهم كدليل مجرد في تقنيات الحكم، بل كتدخل داخل فضاء فلورنسي تهيمن عليه لغة جمهورية إنسانية تمجد الحرية المدنية. حدة نبرة مكيافيللي لا تظهر إذا قرأناه في عزلة عن جانب الخطاب الجمهوري المعاصر له، فنرى كيف يعيد مكيافيللي تعريف الفضيلة بما يخدم الحفاظ على السلطة، ويُنزل السياسة من سماء الأخلاق إلى حسابات القوة والبقاء.
وبذلك يصبح اختلاف مقاربات مكيافيللي في كل من “الأمير” و”المطارحات” ذا دلالة منهجية. فـميكافيللي في”الأمير” يتحرك داخل ملف نزاعي يركز على إنقاذ الحكم واستعادة الاستقرار بأي ثمن، بينما ينفتح في “المطارحات” على أفق جمهوري أوسع يتأمل في الحرية المدنية وديناميات جمهورية. المنهج السياقي لا يحاول رد النصين إلى “عقيدة ميكافيللية” واحدة متسقة، بل يرى أن نص فعل كلامي مستقل نسبيا، له فضاؤه، خصومه الضمنيون، معجمه السياسي. وبدلا من القول بعقيدة ميكافيللية واحدة، نحصل على تموضعات مختلفة لمكيافيللي داخل نزاعات متعددة. الخصم في “الأمير” هو الخطاب الأخلاقي–الجمهوري الذي يعرقل الفعالية بسبب دمج الفضيلة في السياسة، أما في “المطارحات” فالخصم هو قراءات معينة للتاريخ الروماني وتصورات لنظام الحكم المختلط، أي أنه داخل نزاع تأويلي–تاريخي حول ما تعنيه الجمهورية. لخصم إذن متغيّر باختلاف الفضاء والملف.
في كلا الحالتين، الخصم لا يُسمى صراحة، لكنه حاضر في بنية النص بوصفه الخلفية التي يعمل مكيافيللي على تقويضها أو إعادة ترتيبها. بهذا المنظور، لا يعود تحليل النص السياسي مجرد تحليل لغوي لجمله ومفاهيمه، بل إعادة بناء للميدان الجدلي الذي ظهر فيه بوصفه تدخلا في نزاع قائم. الفضاء الخطابي والخصم الضمني هنا أداتان إبستمولوجيتان متكاملتان، بفضلهما يتحول النص من وثيقة نقرأها بوصفها “رأيا” إلى فعل نضعه في مكانه داخل شبكة الصراعات اللغوية والسياسية التي حاول التأثير فيها.
هكذا يكتمل المسار الذي بدأ بتعريف النص فعلا كلاميا يتحقق دائما «في مواجهة» و«داخل» فضاء خطابي محدد، يتكفل المنهج السياقي برسم حدود هذا الفضاء وحدود ما يعارضه النص في إطاره.
6. حدود المنهج: هل يضيّق افقنا ام يحرره؟ وماذا يفيدنا اليوم؟
كثير من النقاد رأوا في المنهج السياقي تقيدا لحرية المؤرخ في التفكير النظري وطرح الأسئلة الكبرى: إذا كان عليه أن يبقى دائما داخل لغة النص وملفه الجدلي الخاص، فهل يبقى ذلك لمساحة للفلسفة والسؤال المعياري وربط الماضي بالحاضر، حتى لا يتحول التاريخ إلى مجرد أرشيف ؟
لم يتجاهل سكينر هذا الاعتراض، وتعامل معه مباشرة بدون اللجوء إلى دفاع اعتذاري. سكينر قلب المعادلة عبر توضيح أن المشكلة ليست في الصرامة الانضباطية التي يفرضها المنهج السياقي، بل في الوهم بأن الفهم يمكن أن يتحقق من دون هذا الانضباط. حين يطالب سكينر المؤرخ بإعادة بناء الفعل الكلامي والفضاء الخطابي قبل أن يطرح أسئلته، فهو لا يمنعه من التفكير، بل يطالبه بتوفير الشروط المعرفية لحرية التأويل، يطالبه بالاستماع إلى المؤلف قبل تأويل نصه. وإذا كان سكينر يعيد الاعتبار للمؤلف كفاعل يقصد فعلا كلاميا بعينه، فإن بوكاك يذكّرنا في المقابل بأن هذا الفعل نفسه مقيد بما تتيحه اللغات والتقاليد الخطابية، أي إن السياقية تتحرك دائما بين حدين: وكالة المؤلف وحدود اللغة.
هنا يظهر مثال غرامشي ومكيافيللي بوصفه حالة اختبارية. عندما قرأ غرامشي كتاب مكيافيللي «الأمير» بوصفه صورة «للأمير الحديث»، أي الحزب الثوري القادر على تنظيم البروليتاريا وقيادتها، كان يمارس قراءة سياسية خلاقة لا قراءة تاريخية دقيقة. من منظور سكينر، لا يمكن نسب «نظرية في الحزب السياسي» إلى مكيافيللي لأن مفهوم الحزب، كما تشكل في القرن التاسع عشر، لم يكن جزءا من معجمه، ولا من أفق أسئلته، ولا من توقعات جمهوره. ما فعله غرامشي مشروع تماما كتوظيف سياسي للنص، لكن الخطأ يقع عندما يُقدم هذا التوظيف بوصفه ما كان يعنيه مكيافيللي حقا.
بهذا التمييز الدقيق يصر عليه سكينر، يضع المنهج السياقي فاصلا حادا بين مستويين متمايزين:
مستوى الفهم التاريخي، حيث يلتزم المؤرخ بإعادة النص إلى شروط إنتاجه، وبقواعد صارمة تمنع الأناكرونية.
ومستوى الاستخدام أو التوظيف، حيث يمكن للفيلسوف أو المفكر السياسي أن يستعير نصوص الماضي، ويعيد تفسيرها، ويشركها في حوارات جديدة مع قضايا معاصرة.
ليس الإشكال في التوظيف ذاته، بل في الخلط بين المستويين، حين يقدم استخدامنا السياسي للنصوص بوصفه الفهم الحقيقي لما قاله المؤلف، وحين تدخل أسئلتنا المعاصرة إلى الماضي كأنها كانت مطروحة فيه سلفا. التمييز الذي يقترحه السياقيون لا يضيق أفق المؤرخ بل يحصنه، فالمؤرخ الذي لا يفرق بين الفهم والتوظيف ينتهي غالبا إلى كتابة تاريخ يعيد إنتاج مواقفه مغلفة بسلطة الماضي، ونجد نماذج صارخة لهذا الخلط (المتعمد) في التواريخ القومية الرسمية، حيث يعاد تركيب الماضي وفق حاجات الهوية المعاصرة، تنتقى لحظات بعينها وتضخّم وتطوى أخرى، ثم يقدم هذا البناء الإيديولوجي بوصفه ما وقع فعلا لا بوصفه توظيفا سياسيا للذاكرة.
تتعاظم أهمية هذا التمييز في في عصر تدور فيه المعاني بسرعة داخل فضاءات رقمية وسياسية مشبعة بالشعارات الشعبوية، حيث يصبح الميل إلى الأناكرونية أقوى من أي وقت مضى. يُستدعى الماضي ليحشر داخل حروب السردية المعاصرة.
7. خاتمة
يقدم المنهج السياقي تحولا إبستمولوجيا هادئا لكنه عميق في طرائق فهمنا لتاريخ الأفكار، خاصة في السياقات التي تعاني من توتر مستمر بين التقديس والتسييس. فبدلا من التعامل مع النصوص بوصفها أوعية لمعان خالدة أو مقدمات ضرورية لحاضرنا، يقترح هذا المنهج كما طوره سكينر وبوبوكاك أن نفهم النص السياسي كفعل كلامي منخرط في نزاع، يستثمر لغة خاصة بزمنه، ويتحرك داخل فضاء خطابي مقيد بشروطه وسجالاته، في مواجهة خصوم معلنين أو ضمنيين.
بهذا التحديد، يرفض المنهج السياقي كل أشكال الأناكرونية، ويضع حدودا صارمة بين الفهم التاريخي والتوظيف الإيديولوجي. يفرض قراءة النص التاريخي ضمن ملفه الجدلي الخاص ولغته، وبما يتيحه معجمه السياسي. هذا لا يقيد حرية القارئ، بل يوفر لها قاعدة معرفية صلبة، لا تسمح بإسقاط أسئلتنا الحاضرة على أجوبة لم تصغ أصلا في سياقها.
تتجلى في السياق الإسلامي أهمية المنهج السياقي بوصفه أداة لفصل الفهم التاريخي عن التوظيف المعاصر. كثير من نصوص التراث السياسي الإسلامي تُقرأ اليوم وكأنها بيانات لعقيدة سياسية مكتملة، أو تُستدعى كخزان جاهز لعبارات شرعية تخدم مشروعات راهنة. القراءة السياقية تعيد هذه النصوص إلى لحظات إنتاجها الأولى، بوصفها أفعالا كلامية تدخل في أزمات سلطة بعينها، وتتحرك داخل ملفات نزاع محددة حول من يملك الشرعية، وكيف تُصاغ لغة الطاعة والمعارضة.
هذه المنهجية لا تفصل كتابات الجويني في الإمامة عن أفق انهيار السلطة العباسية وصعود القوى الطرفية. ما يكتبه هنا لا يُفهم كـ«نظرية دولة» مكتملة، بل كاجتهاد فقهي يتدخل في نزاع قائم حول شروط بقاء الإمامة وإمكان الاستعاضة عن النموذج الكلاسيكي. وبالمثل، فإن قراءة الماوردي من خارج التوتر بين الخلافة والسلطة البويهية تسقط البعد الإنجازي لنصه «الأحكام السلطانية» فعل كلامي يفاوض موقع الخليفة والسلطان، وويعيد رسم حدود كل منهما بلغة فقهية–سياسية موجهة إلى جمهور محدد من الفقهاء وأهل الحل والعقد وأصحاب السلطان.
لا بد من الاعتراف بأنه قراءة التراث سياقيا أمر لم يختبر بعد، لكن قول لم يختبر لا يعفي من بدء الاختبار فعليا.
المتوقع أن يواجه المؤرخ اختبارات أكثر تعقيدا، لأن الحقول الخطابية في التراث (فقه، كلام، فلسفة، أدب مرايا، تصوف) متداخلة، ولكل منها أعرافه اللغوية وموارده الخاصة. الأسئلة العملية التي يفرضها المنهج تصبح من نوع: ما الملف الجدلي الذي يدخل فيه نص معين؟ ما المعجم السياسي المتاح للمؤلف في لحظته؟ من الخصم الضمني في كتاب مثل «الأحكام السلطانية»؟ أهو فقهاء آخرون ينازعونه التعريف؟ أم الخليفة؟ أم السلطان العسكري؟ أم جمهور باحث عن صيغ جديدة للطاعة والمعارضة؟
فضلا عن أن دور الفتوى كفاعل مفاهيمي لا يندرج بسلاسة تحت أدوات السياقية الغربية؟، فالفتوى ليست نصا قانونيا، وليست بيانا سياسيا فقط. إنها مزيج من القول والفعل والتشريع والعرف والسياق الاجتماعي. وهذا ما يصعب إدراجها ضمن تعريف أوستن لأفعال الكلام، لكنها أيضا لا تقع خارجه تماما. ما يستدعي الحاجة إلى توسيع فهمنا لأفعال الكلام الدينية/الشرعية، بدل الاكتفاء بنقل المفهوم من الفضاء البروتستانتي-الأنغلوفوني إلى فضاء فقهي إسلامي.
عظم التحدي يجب أن لا يمنع إنتاج تاريخ أفكار سياسي إسلامي ملتزم بالمنهج السياقي، لأن ذلك من شأنه أن يحرر القارئ من إسقاطات الحاضر، ويكشف أن المفاهيم الكبرى مثل الإمامة والسلطان والأمة، ليست مفردات في معجم ثابت، بل أدوات جدلية تشكلت داخل نزاعات وموازنات خطابية وسياسية متغيرة.
ميزة المنهج السياقي أنه لا يقتصر على إعادة ترتيب الماضي، بل يدفع نحو مساءلة الحاضر بأدوات أكثر دقة واتساق في زمن تتسارع فيه وتيرة التوظيف السياسي للتراث، واستدعاء نصوصه إلى جبهات الحروب السياسية والثقافية المعاصرة. وميزته الاخرى أنه ليس فقط أداة لفهم التراث، بل ممارسة نقدية ضرورية لتحصين التأويل من الاستعمال الأيديولوجي، ولإعادة الاعتبار للفهم التاريخي بوصفه شرطا أوليا لأي حوار مسؤول مع الماضي.
References:
Austin, J. L. (1962). How to do things with words (J. O. Urmson & M. Sbisà, Eds.). Oxford: Clarendon Press.
Searle, J. R. (1969). Speech acts: An essay in the philosophy of language. Cambridge University Press.
Skinner, Q. (1969). Meaning and understanding in the history of ideas. History and Theory, 8(1), 3–53. https://www.jstor.org/stable/2504188
Skinner, Q. (2002). Visions of politics, Volume I: Regarding method. Cambridge University Press.
Pocock, J. G. A. (1975). The Machiavellian moment: Florentine political thought and the Atlantic republican tradition. Princeton University Press.
Butterfield, H. (1931). The Whig interpretation of history. London: G. Bell & Sons.
Bodin, J. (1576). Les six livres de la République [The Six Books of the Republic]. Paris.
Bodin, J. (1586). De Republica Libri Sex. Geneva.Gramsci, A. (1971). Selections from the prison notebooks (Q. Hoare & G. Nowell Smith, Eds. & Trans.). New York: International Publishers.
Machiavelli, N. (1532). Il principe [The Prince].
Machiavelli, N. (1531). Discorsi sopra la prima deca di Tito Livio [Discourses on Livy].Hampsher-Monk, I. (1998). Political languages in time: The work of Quentin Skinner. British Journal of Political Science, 8(1), 79–99. https://doi.org/10.1017/S000712340000120X
Kelsen, H. (1945). General theory of law and state (A. Wedberg, Trans.). Harvard University Press.
Locke, J. (1689). Two treatises of government. London: Awnsham Churchill.
Hobbes, T. (1651). Leviathan, or the matter, forme, and power of a commonwealth ecclesiasticall and civil. London: Andrew Crooke.
Rousseau, J.-J. (1762). Du contrat social [The Social Contract]. Amsterdam.
Torquati, M. (2008). Jean Bodin et le vocabulaire politique de la République. Revue de Métaphysique et de Morale, 58(2), 145–170.





