إريك هوبزباوم: عبقرية التاريخ وحدود الالتزام
التاريخ كصراع طويل بين الرأسمالية والطبقة والإمبراطورية
يصعب فهم إريك هوبزباوم خارج التوتر الذي صنعه: مؤرخ من طراز رفيع، وماركسي لم يتخل عن إيمانه السياسي حتى بعدما انكسرت الشيوعية أخلاقياً وتاريخياً. لم تكن ماركسيته شعاراً حزبياً عابراً، ولا انتماءً وجدانياً فحسب، وإنما عدسة قرأ عبرها الثورة الصناعية والثورة الفرنسية وصعود الرأسمالية والإمبراطورية والحرب العالمية، وانهيار القرن العشرين. منحته هذه العدسة عناصر قوته، وكذلك نقاط عماه الكبرى. منحته قدرة نادرة على رؤية البنى التكتونية التي تتحرك تحت سطح الأحداث، لكنها جعلته أبطأ وأكثر تردداً في مواجهة الكارثة الأخلاقية للستالينية.
لا تُقرأ أعمال هوبزباوم كتاريخ محايد، ولا كدعاية أيديولوجية. قيمتها تكمن في موضع أكثر تعقيداً: إنها نموذج شديد الكثافة للمؤرخ الملتزم، تجمع بين الذكاء التفسيري والحدود السياسية. كتب هوبزباوم تاريخاً واسعاً للعالم الحديث، من الثورة والرأسمالية إلى القومية والإمبراطورية، ومن العمال والفلاحين وقطاع الطرق إلى الدولة والأيديولوجيا والحرب. غير أن السؤال الذي يلاحقه لا يتعلق بما أنجزه فقط، وإنما أيضاً بما عجز عن رؤيته بالحدة نفسها.
كان هوبزباوم مؤرخاً عظيماً لأن التزامه السياسي دفعه إلى طرح أسئلة كبرى عن السلطة، والطبقة، والعنف، واللامساواة. وكان مثيراً للشك في الوقت نفسه لأن الالتزام نفسه قيد حكمه الأخلاقي في بعض أكثر قضايا القرن العشرين دموية. لذلك تبدو سيرته الفكرية درساً في قوة التاريخ الملتزم وخطره: كيف تمنحك الفكرة قدرة على رؤية العالم، وكيف تستطيع في اللحظة نفسها أن تحجب ما لا تريد رؤيته.
حياته والخلفيات والسياق التاريخي
تشبه حياة هوبزباوم تاريخ القرن العشرين الذي كتب عنه: منفى، حرب، فاشية، شيوعية، إمبراطورية، جامعة، وثقافة عالمية. وُلد عام 1917 في الإسكندرية لأبوين يهوديين من أصول أوروبية، ليوبولد هوبزباوم ونيلي غرون. كانت ولادته في مدينة متوسطية مفتوحة على التجارة والهجرة والإمبراطورية. لم يبدأ هوبزباوم حياته داخل وطن قومي صافٍ، وإنما داخل عالم مختلط، متعدد اللغات، محكوم بحركة البشر والبضائع والإمبراطوريات. ظل هذا الحس العابر للحدود حاضراً في طريقته في كتابة التاريخ.
قضى طفولته في فيينا، قبل أن يعيش سنوات حاسمة في برلين أواخر جمهورية فايمار. وجد نفسه يتيماً في سن مبكرة، رحل والده وهو في الثانية عشرة، ثم توفيت والدته بعد عامين. انتقل مع أخته نانسي إلى رعاية أقاربه. كانت تلك السنوات أكثر من مأساة عائلية. تشكل وعيه السياسي في مدينة تهتز تحت أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، وفي شارع صار مسرحاً للقمصان الموحدة، والهتافات والعنف المنظم وصعود النازية.
لم تكن الفاشية بالنسبة إليه فكرة في كتاب أو خبراً بعيداً. عايشها وهي تسيطر على المجال العام وتحول الخوف إلى سياسة يومية. قال لاحقاً إن من عاش في برلين بين عامي 1932 و1933 لم يكن يستطيع أن يكون محايداً. تلك العبارة تكشف شيئاً أساسياً في تكوينه: السياسة لم تدخل حياته من باب النظرية، وإنما من باب الخطر المباشر. صار ماركسياً لأن الرأسمالية المأزومة والفاشية الصاعدة بدتا له وجهين لكارثة تاريخية واحدة تحتاج إلى تفسير ومقاومة.
بعد وصول هتلر إلى السلطة، انتقل إلى بريطانيا عام 1933. هناك بدأ حياة جديدة في لندن، التحق بمدرسة سانت ماريليبون، ثم حصل على منحة للدراسة في كامبريدج. في كامبريدج ترسخت خياراته الفكرية والسياسية، وانضم إلى الحزب الشيوعي البريطاني. كانت الماركسية في نظره، تمنح تفسيراً لأزمات الرأسمالية، وتقدم وعداً أخلاقياً بعالم أعدل، وتربط المثقف بجبهة تاريخية واسعة ضد الفاشية والاستغلال والاستعمار.
خلال الحرب العالمية الثانية خدم في الجيش البريطاني، خلفيته السياسية أثارت حفيظة المؤسسة العسكرية. كان مؤهلاً لغوياً وثقافياً لأعمال استخباراتية، غير أن انتماءه الشيوعي أغلق هذا الباب. خدم أولاً في المهندسين الملكيين، ثم في فيلق التعليم العسكري. تلك التجربة ساهمت في صقل قدرته على شرح الأفكار المعقدة بوضوح، وهي قدرة ستصبح لاحقاً من أسرار تأثيره: كان يستطيع أن يكتب للقارئ العام دون أن يفرط في التحليل.
بعد الحرب، بدأ مساره الأكاديمي الطويل، وارتبط اسمه بكلية بيركبيك في جامعة لندن. لم يكن مؤرخاً جامعياً بالمعنى الضيق. كان مثقفاً عاماً، يكتب في التاريخ والسياسة والثقافة، ويتابع الفنون والموسيقى، ويخاطب جمهوراً يتجاوز قاعات الدرس. أحب موسيقى الجاز وكتب عنها باسم مستعار هو فرانسيس نيوتن، في إشارة إلى عازف البوق الشيوعي الأميركي فرانكي نيوتن. لم ير الجاز فناً صوتياً فقط، وإنما شكلاً ثقافياً خرج من تجربة الاضطهاد العنصري، ثم دخل السوق، فحمل في داخله توتراً بين الإبداع والسلعة، بين الحرية والاحتواء.
في حياته السياسية ظل قريباً من الشيوعية حتى النهاية، لكنه ابتعد عملياً عن النشاط الحزبي بعد عام 1956. صدمه قمع الانتفاضة المجرية، كما أزعجته تطهيرات ستالين، غير أنه لم يفعل ما فعله كثير من أبناء جيله، لم يعلن القطيعة النهائية مع الحزب الشيوعي. رأى بعض منتقديه في هذا الموقف عجزاً أخلاقياً واضحاً. أما هو فاعتبر أن التخلي الكامل عن ذلك الإرث يعني بطريقة ما، التخلي عن جيل قاتل الفاشية وحلم بعدالة اجتماعية أوسع. كان يرى الشيوعية كتجربة تاريخية أوسع من جرائم الأنظمة التي حكمت باسمها.
عندما توفي عام 2012 عن خمسة وتسعين عاماً، انقسمت الردود كما انقسمت حياته. أشاد به معجبوه باعتباره واحداً من أعظم مؤرخي القرن العشرين، وهاجمه خصومه بسبب وفائه السياسي العتيق. لكن الجميع تقريباً سلموا بحقيقة واحدة: أن حياته الشخصية والفكرية لم تكن منفصلة عن التاريخ الذي كتبه. كان لاجئاً، ويهودياً أممياً، وماركسياً، ومعلماً، ومثقفاً عاماً، ومؤرخاً جعل من القرن العشرين موضوعاً وسيرة في آن واحد.
المشروع التاريخي: الرأسمالية والعالم الحديث
جوهر مشروع هوبزباوم هو كتابة تاريخ العالم الحديث من زاوية الرأسمالية وتحولاتها. لم يتعامل مع التاريخ كتعاقب ملوك وحكومات وحروب، وإنما كبنية عميقة تتحرك فيها القوى الاقتصادية، والطبقات، والدول، والإمبراطوريات، والأيديولوجيات. كان الحدث مهماً عنده، لكنه لا يكتمل إلا حين يوضع داخل منطق أوسع: كيف تغيرت علاقات الإنتاج؟ كيف صعدت طبقات جديدة؟ كيف أعادت الدولة تشكيل المجتمع؟ كيف امتدت الرأسمالية خارج أوروبا؟ وكيف تحولت القومية من شعور محلي إلى جهاز تعبئة حديث؟
أول لبنة كبرى في مشروعه كانت فكرة «الثورة المزدوجة». في كتاب عصر الثورة: أوروبا 1789–1848 رأى أن العالم الحديث خرج من تداخل ثورتين: الثورة الفرنسية سياسياً، والثورة الصناعية البريطانية اقتصادياً واجتماعياً. الأولى حطمت الامتيازات القديمة، وأعادت تعريف المواطنة والدولة والسيادة. الثانية غيرت الإنتاج والعمل والزمن اليومي والمدينة والأسرة والطبقة. لم تكن الثورة الفرنسية مجرد إسقاط ملكية، ولم تكن الثورة الصناعية مجرد مصانع وآلات. الاثنتان معاً صنعتا عالماً جديداً، تقوده البرجوازية، وتولد فيه الطبقة العاملة الحديثة، وتتبدل فيه علاقة الإنسان بالعمل والدولة والسوق (Hobsbawm, 1962).
في عصر رأس المال: 1848–1875 انتقل هوبزباوم إلى لحظة أخرى: لحظة الثقة البرجوازية. بعد هزيمة ثورات 1848، استعاد النظام الرأسمالي زخمه. توسعت الصناعة، ونمت التجارة، وامتدت السكك الحديدية، وارتفعت ثقة الليبرالية بنفسها. بدت الرأسمالية كأنها قدر العصر. لكن هوبزباوم لم يقرأ هذا الازدهار كقصة نجاح بسيطة. تحت التفاؤل الليبرالي كانت تظهر تناقضات جديدة: اتساع اللامساواة، اشتداد المسألة الاجتماعية، وتحوّل السوق العالمي إلى بنية تربط المدن الصناعية بمصادر خام وعمالة وأراضٍ بعيدة (Hobsbawm, 1975).
في عصر الإمبراطورية: 1875–1914 كشف الجانب المظلم من الازدهار الأوروبي. لم تكن Belle Époque* زمناً ذهبياً صافياً، رغم بريق باريس ولندن وبرلين. كان الرخاء الأوروبي متصلاً بالاستعمار، وبالعمل القسري، وبالتدرج العنصري، وبالعنف الإمبراطوري المنظم. كان يرى أن أوروبا لا تُفهم من داخلها فقط. مصانعها وأسواقها ومدنها اللامعة كانت مشدودة إلى القطن، والمعادن، والقمح، والعمالة، والأراضي التي جرى إخضاعها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. قوة هوبزباوم أنه جعل التاريخ الأوروبي تاريخاً عالمياً حتى حين ظل مركز الثقل أوروبياً (Hobsbawm, 1987).
ثم جاءت صيغته الأشهر: «القرن العشرون القصير». في عصر التطرفات: القرن العشرون القصير 1914–1991 اقترح أن القرن العشرين التاريخي لا يبدأ عام 1900 ولا ينتهي عام 2000، وإنما يمتد من اندلاع الحرب العالمية الأولى إلى سقوط الاتحاد السوفييتي. هذه الفترة، في نظره، وحدة تاريخية متماسكة: حرب شاملة، ثورة بلشفية، فاشية، كساد عظيم، حرب عالمية ثانية، نظام دولي ثنائي القطبية، دولة رفاه، تصفية استعمار، رخاء ما بعد الحرب، ثم أزمة السبعينيات وانهيار الاشتراكية السوفييتية. لم يكن سقوط الاتحاد السوفييتي مجرد نهاية دولة، وإنما نهاية توازن عالمي كامل ونهاية أفق سياسي صاغ أحلام ملايين البشر في القرن العشرين (Hobsbawm, 1994).
هذا المشروع جعل هوبزباوم مؤرخاً للحداثة الرأسمالية لا لمجرد أوروبا. صحيح أن أوروبا ظلت مركز السرد، غير أن الرأسمالية عنده كانت بنية عالمية. كان يرى أن مانشستر لا تنفصل عن بومباي، وأن المصنع البريطاني لا ينفصل عن القطن الهندي أو الأميركي، وأن القومية الأوروبية لا تنفصل عن الإمبراطوريات، وأن السوق لا تعمل داخل حدود الدولة وحدها. قبل أن تصبح “العولمة” مصطلح متداول، كان هوبزباوم يكتب تاريخاً عالمياً للرأسمالية.
المنهج: ماركسية غير اختزالية
كان هوبزباوم ماركسياً بوضوح، لكنه لم يكن ماركسياً ميكانيكياً. انطلق من الطبقة، والإنتاج، والرأسمالية، والصراع الاجتماعي، لكنه لم يحول التاريخ إلى معادلة اقتصادية جامدة. كان يعرف أن البنية لا تعمل وحدها، وأن الناس لا يعيشون داخل مفاهيم مجردة. فهم الطبقة كعلاقة اقتصادية وثقافة وخبرة وذاكرة وممارسة يومية. لم يكتب عن العمال كأرقام في جدول الأجور، وإنما كجماعات تصنع عاداتها وأغانيها ونقاباتها وطقوسها ومؤسساتها ومخيلتها السياسية.
اهتمامه بحس الحياة اليومية كان مصدر فرادته الذي ميزه عن كثير من المؤرخين الماركسيين انشغلوا بالبنية الكبرى إلى درجة فقدوا فيها هذا الحس. حاول أن يجمع بين الاثنين: الرأسمالية كنظام عالمي، والعمال والفلاحون والمتمردون كفاعلين يعيشون آثار ذلك النظام ويقاومونه. لم يرى التاريخ كمسار حتمي نحو الاشتراكية. اهتم بالأزمات والانقطاعات والاحتمالات الضائعة. التاريخ عنده لا يسير في خط مستقيم، وإنما عبر صراعات وتناقضات وانفجارات وهزائم.
في كتاباته عن العمل، خصوصاً رجال العمل وعوالم العمل، درس تشكل الوعي الطبقي لا عبر النقابات والأحزاب فقط، وإنما عبر أنماط العيش الجماعي: ثقافة الحانة، النوادي العمالية، الأغاني، طقوس التضامن، تقاليد الإضراب، والذاكرة المشتركة. لم تكن الطبقة شيئاً جاهزاً يوجد في الاقتصاد ثم ينتقل إلى السياسة. كانت تتشكل عبر التجربة، وعبر اللغة، وعبر العداوات المشتركة، وعبر الإحساس المتراكم بالظلم (Hobsbawm, 1964, 1984).
وفي المتمردون البدائيون واللصوص وسع مفهوم السياسة ليشمل الفلاحين وقطاع الطرق والحركات الألفية والتمردات الريفية. لم يتعامل مع هذه الظواهر كفوضى اجتماعية أو بقايا من ماضٍ غير عقلاني. رأى فيها أشكالاً مبكرة من الاحتجاج، محدودة وغير منظمة، لكنها تكشف عن اقتصاد أخلاقي شعبي وعن رفض للاستغلال والقهر. كان “اللص الاجتماعي” عنده شخصية تعاقبها الدولة كمجرم، بينما يراها الفلاحون المحليون رمزاً للثأر والعدالة. روبن هود ليس مجرد حكاية، وإنما شكل من أشكال الذاكرة الشعبية التي تعيد تعريف الجريمة والعدالة من موقع المقهورين (Hobsbawm, 1959, 1969).
غير أن هوبزباوم لم يقع في رومانسية الشعب. كان يعرف أن قطاع الطرق لا يسقطون الأنظمة، وأن التمردات الفلاحية كثيراً ما تنكسر، وأن التضامن العمالي لا ينتصر دائماً. لكنه أصر على أن الفاعلية الشعبية تستحق أن تُكتب، حتى حين تفشل. فالهزيمة أيضاً مادة تاريخية. بل إن دراسة الهزائم تكشف أحياناً عن بنية السلطة أكثر مما تكشفه الانتصارات.
التاريخ من أسفل دون التخلي عن السردية الكبرى
أحد أهم إسهامات هوبزباوم أنه ساعد في تثبيت منهج «التاريخ من أسفل» داخل الكتابة التاريخية الحديثة. كان جزءاً من جيل واسع من المؤرخين الماركسيين البريطانيين، إلى جانب أسماء مثل إي. بي. تومبسون، وكريستوفر هيل، ورودني هيلتون. غير أن هوبزباوم امتاز بقدرته على وصل التاريخ الاجتماعي بالسردية العالمية الكبرى. تومبسون كتب بكثافة استثنائية عن تشكل الطبقة العاملة الإنجليزية، أما هوبزباوم فحاول أن يربط الطبقة العاملة بتاريخ الرأسمالية العالمية كله.
كان التاريخ التقليدي يميل إلى رجال الدولة، والمعاهدات، والجيوش، والملوك، والجنرالات. هوبزباوم لم يلغِ هذا كله، لكنه أزاح مركز الرؤية. سأل عن العمال، والفلاحين، والمهاجرين، والباعة، والحركات غير الرسمية، والذاكرة الشعبية. وسأل أيضاً عن علاقة هؤلاء بالبنية الكبرى: السوق، الدولة، الإمبراطورية، الحرب، والقومية.
هنا تظهر قيمة التوازن في عمله. التاريخ من أسفل، عنده، لا يعني الاكتفاء بالقصص الصغيرة. والسردية الكبرى لا تعني سحق الخبرة الفردية. كان يحاول أن يرى العامل داخل المصنع، والمصنع داخل الرأسمالية، والرأسمالية داخل الإمبراطورية، والإمبراطورية داخل صراع عالمي على القوة. هذه القدرة على تغيير مستوى العدسة من اليومي إلى الكوني هي ما جعل كتابته مؤثرة ومقروءة في الوقت نفسه.
التحقيب وإطار العصور
التحقيب من أقوى أدوات هوبزباوم المنهجية. لم يكن تقسيمه للتاريخ الحديث مجرد ترتيب زمني، وإنما طريقة في التفكير. فكل عصر عنده يحمل تركيباً خاصاً من الرأسمالية، والطبقات، والدولة، والثقافة، والأيديولوجيا، والعنف. لذلك أصبحت كتبه الأربعة الكبرى عن “العصور” خريطة شبه كلاسيكية للعالم الحديث.
في عصر الثورة تبدأ الحداثة السياسية والاجتماعية مع التداخل بين الثورة الفرنسية والثورة الصناعية البريطانية. في عصر رأس المال تظهر البرجوازية في لحظة صعودها وثقتها. في عصر الإمبراطورية تصل الرأسمالية الأوروبية إلى ذروة توسعها العالمي، ومعها تظهر تناقضات القومية والاستعمار والصراع الاجتماعي. في عصر التطرفات ينفجر القرن العشرون عبر الحرب الشاملة، والأيديولوجيات الجماهيرية، والفاشية، والشيوعية، ودولة الرفاه، والحرب الباردة، ثم الانهيار السوفييتي.
قوة هذا التحقيب أنه يمنح القارئ قدرة على رؤية التاريخ كتعاقب مراحل لها منطق داخلي. لكنه في الوقت نفسه يخلق مشكلة. كل تحقيب يضيء شيئاً ويحجب شيئاً آخر. تقسيم 1789–1848 ممتاز لفهم أوروبا الثورية والصناعية، لكنه أقل قدرة على التقاط مسارات أميركا اللاتينية أو آسيا أو أفريقيا في الفترة نفسها. و1914–1991 يفسر قرن الحرب الباردة والأيديولوجيات الكبرى، لكنه لا يلتقط بالحدة نفسها تاريخ الطاقة، والبيئة، والاستيطان الاستعماري، والجندر، والتحولات الديموغرافية الطويلة.
لهذا لا ينبغي التعامل مع تحقيب هوبزباوم كخريطة نهائية. الأفضل قراءته كنظرية في الزمن التاريخي. هو لا يقول لنا فقط متى بدأ عصر وانتهى؛ يقول لنا أي قوى تستحق أن نعدّها محركة للتاريخ. وفي حالته، كانت هذه القوى: الثورة، الرأسمالية، الطبقة، الإمبراطورية، الحرب، والأيديولوجيا الجماهيرية.
الأثر في كتابة التاريخ والخطاب العام
يصعب تخيل كتابة التاريخ الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين دون هوبزباوم. أثره لا يعود إلى غزارة إنتاجه فقط، وإنما إلى نوع الكتابة التي مارسها: تاريخ واسع، مقروء، تحليلي، قادر على مخاطبة الجامعة والجمهور العام معاً. قلّة من المؤرخين استطاعوا أن يجعلوا مفاهيم مثل «الثورة المزدوجة»، و«القرن العشرين القصير»، و«اختراع التقاليد»، و«اللصوصية الاجتماعية» أدوات متداولة خارج الدرس الأكاديمي.
ساهم هوبزباوم، مع جيله من المؤرخين الماركسيين البريطانيين، في نقل مركز البحث التاريخي من السياسة الرسمية إلى التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. مجلة Past & Present، التي ارتبط بها هذا المناخ الفكري، لعبت دوراً بارزاً في توسيع مفهوم التاريخ نفسه: لم يعد التاريخ تاريخ القادة والدول وحدهم، وإنما تاريخ البنى الاجتماعية، والحركات الشعبية، والعمل، والطقوس، والذاكرة، وأشكال المقاومة.
في دراسة القومية، ترك هوبزباوم أثراً عميقاً عبر الشعوب و القوميات منذ عام 1780. رفض التصورات التي ترى الأمة حقيقة أزلية. الأمة عنده بناء حديث، صنعته الدولة، والتعليم الجماهيري، واللغة الموحدة، والإدارة، والخرائط، والجيش، والطقوس العامة. هذا لا يعني أن الانتماءات السابقة لا قيمة لها، لكنه يعني أن القومية الحديثة لا تفهم كاستمرار طبيعي لجماعة قديمة، وإنما كمشروع سياسي وثقافي حديث يعيد ترتيب الذاكرة والهوية (Hobsbawm, 1990).
وفي اختراع التقاليد، الذي حرره مع تيرنس رينجر، قدم أداة مؤثرة لفهم العلاقة بين السلطة والرمز. كثير من الممارسات التي تبدو قديمة جداً، كالأزياء القومية، والمراسم الملكية، والطقوس العسكرية، والاحتفالات الوطنية، جرى تصنيعها أو إعادة تنظيمها حديثاً لتبدو عريقة. ليست التقاليد دائماً بقايا من الماضي؛ أحياناً تكون أدوات حديثة لإنتاج الطاعة والهوية والاستمرارية الرمزية (Hobsbawm & Ranger, 1983).
امتد أثره أيضاً إلى طرق تدريس التاريخ. رباعيته الكبرى صارت إطاراً مألوفاً في مقررات التاريخ الحديث: الثورة، رأس المال، الإمبراطورية، التطرفات. أعطى الطلاب والقراء خريطة ذهنية للعالم الحديث، وربط بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والحرب دون أن يحول التاريخ إلى سرد جاف. كان يعرف كيف يكتب الجملة الواسعة دون أن تفقد مادتها. هذه موهبة نادرة. كثيرون يعرفون التفاصيل ولا يعرفون كيف يبنون منها عالماً. هوبزباوم كان يبني العالم ثم يعود إلى التفصيل ليجعله حياً.
حدود هوبزباوم ونقده
الطبقة وما لا تفسره وحدها
أقوى نقد منهجي لهوبزباوم يتعلق بالمكانة الكبيرة التي منحها للطبقة والرأسمالية. لا شك أن هذه العدسة كشفت الكثير، لكنها لم تكشف كل شيء. فالعرق والدين والبيئة والاستعمار الاستيطاني، ليست دائماً مجرد نتائج ثانوية للبنية الاقتصادية. لها منطقها الخاص وقدرتها الخاصة على تشكيل السلطة والعنف والهوية.
في أعمال هوبزباوم تظهر الكولونيالية غالباً كامتداد للرأسمالية الأوروبية، وهذا صحيح جزئياً، لكنه لا يكفي. دراسات ما بعد الكولونيالية اللاحقة بينت أن العرق لم يكن غطاءً أيديولوجياً للاستغلال الاقتصادي فقط، وإنما كان تقنية حكم، ونظام معرفة، وطريقة لتصنيف البشر، وتوزيع الحقوق، وتبرير العنف.
الدفاع الممكن عن هوبزباوم أنه لم يهمل الثقافة والرمز والهوية. كتب عن التقاليد، والقومية، والذاكرة الشعبية، والطقوس. لكن الثقافة عنده ظلت غالباً مشدودة إلى البنية المادية، لا تقف معها على قدم المساواة. لذلك جاءت الدراسات اللاحقة لا لتلغي هوبزباوم، وإنما لتوسع خريطته.
الشيوعية والحكم الأخلاقي
النقد الأخطر يتصل بموقفه من الشيوعية. كان هوبزباوم شديد الوضوح في إدانة الفاشية، لكنه لم يبلغ الدرجة نفسها من الحسم تجاه الستالينية. اعترف بالعنف والقمع والتطهير، لكنه رفض اختزال التجربة الشيوعية في جرائمها. كان يرى أنها جزء من معركة عالمية ضد الفاشية والكولونيالية والرأسمالية، وأنها منحت ملايين البشر لغة للعدالة والتحرر.
صحيح أن الشيوعية جذبت ملايين العمال والمثقفين والمضطهدين، وأن الاتحاد السوفييتي لعب دوراً حاسماً في هزيمة النازية، وأن حركات تحرر كثيرة وجدت في الماركسية لغة مقاومة. لكن هذا كله لا يعفي من مواجهة الغولاغ والتطهير والمجاعات السياسية وسحق الانتفاضات وتحطيم المجتمعات باسم المستقبل. حين تصبح المأساة جزءاً من “السياق التاريخي” دون حكم أخلاقي واضح، يتحول التعقيد إلى تبرير صامت.
هنا يظهر عطب المؤرخ الملتزم. هوبزباوم لم يكن دعائياً رخيصاً، ولم يكن جاهلاً بالفظائع. عطبه أنه كان يعرف، لكنه لم يشأ أن يجعل المعرفة تقطع آخر خيط يربطه بحلمه القديم. وهذا ما يجعل إرثه مأساوياً بقدر ما هو عظيم.
المركزية الأوروبية
رغم اتساع رؤيته العالمية، بقي مركز الثقل في كتاباته أوروبياً. تبدأ القصة غالباً من أوروبا: الثورة الفرنسية، الصناعة البريطانية، الرأسمالية الأوروبية، الإمبراطورية الأوروبية، الحرب الأوروبية التي تصير حرباً عالمية. العالم غير الأوروبي حاضر بقوة، لكنه يظهر كثيراً في موقع المتأثر أو المُستغَل أو المدمَج في السوق العالمية، لا دائماً في موقع المنتج المستقل للتاريخ.
هذا النقد لا يعني أن هوبزباوم تجاهل الجنوب العالمي. على العكس، أدخل الاستعمار والإمبراطورية والأسواق العالمية في قلب السرد. لكن طريقة ترتيب الحكاية ظلت تمنح أوروبا موقع المبادرة الأكبر. دراسات ما بعد الكولونيالية والتاريخ العالمي الجديد دفعت المسألة أبعد: ماذا لو بدأنا القصة من الهند، أو الكاريبي، أو الصين، أو أفريقيا، أو العالم العثماني؟ ما الذي سيتغير في معنى الرأسمالية والحداثة والقومية؟ هذا السؤال لا يبطل هوبزباوم، لكنه يكشف حدود خريطته.
التحقيب كنظرية منحازة
تحقيب هوبزباوم شديد القوة، لكنه منحاز إلى قضاياه الكبرى. 1789، 1848، 1875، 1914، 1991 ليست تواريخ بريئة. إنها علامات تختار قصة معينة: الثورة، رأس المال، الإمبراطورية، الحرب الباردة. لكن تواريخ أخرى تنتج قصصاً أخرى. 1492 مثلاً يفتح تاريخ الاستعمار الأطلسي والإبادة والتوسع الأوروبي. 1945 يفتح تاريخ النظام الدولي الأميركي. 1973 يفتح تاريخ النفط، ونهاية الازدهار الفوردي، وبداية النيوليبرالية. 2001 يفتح تاريخ الأمن العالمي والحرب على الإرهاب.
كل تحقيب يختار أبطاله وأسبابه ومراكزه. وهوبزباوم اختار الرأسمالية والطبقة والإمبراطورية والحرب الأوروبية. لهذا بقي تحقيبه رائعاً ومحدوداً في آن واحد.
هوبزباوم والصهيونية: القومية كاختراع حديث
موقف هوبزباوم من الصهيونية لا ينبغي عزله عن نظريته في القومية. لم ينكر يهوديته، لكنه رفض أن تتحول اليهودية إلى ولاء سياسي لإسرائيل أو إلى قبول بالصهيونية. قال في مقابلة عام 2002 بوضوح: «لم أكن صهيونياً قط». كان يميز بين اليهود كجماعة تاريخية وثقافية ودينية متعددة، وبين الصهيونية كمشروع قومي حديث يسعى إلى تحويل هذه الجماعة إلى أمة ذات دولة، محكومة بمنطق الأرض والسيادة والحدود والجيش.
ينتمي هذا الموقف إلى تقليد أوسع مثله إسحاق دويتشر في فكرة «اليهودي غير اليهودي»: يهودي بالخبرة التاريخية والذاكرة والاضطهاد والمنفى والتضامن مع المضطهدين، لا بالولاء الديني المغلق أو القومي الضيق. كانت يهودية هوبزباوم كوزموبوليتية وأممية، قريبة من تجربة المنفى الأوروبي ومن اليسار المعادي للفاشية، أكثر من قربها من فكرة الدولة القومية اليهودية.
لم ير الصهيونية استثناء خارج تاريخ القوميات الحديثة. في تصوره، القومية لا تعبر عن جماعات أزلية نائمة في التاريخ، ثم تستيقظ فجأة. إنها تنشأ داخل شروط حديثة: الدولة، والتعليم الجماهيري، والسوق، والبيروقراطية، وتوحيد اللغة، وصناعة الذاكرة العامة. ومن هذه الزاوية قرأ الصهيونية كحركة تبني سردية تاريخية، وتعيد تنظيم الرموز واللغة والذاكرة والأرض لإنتاج جماعة سياسية حديثة. ينسجم هذا تماماً مع الأمم والقومية منذ 1780 ومع أطروحة اختراع التقاليد (Hobsbawm, 1990; Hobsbawm & Ranger, 1983).
كان نقده للصهيونية جزءاً من نقد أعمق للقوميات المغلقة. فالقومية، حين تجعل المعاناة التاريخية أساساً لحق حصري في الأرض والدولة، تتحول بسهولة إلى جهاز إقصاء. تتحدث بلغة تقرير المصير، لكنها تمنح هذا الحق لجماعة محددة وتعيد تنظيم المجال السياسي حول حدود الانتماء إليها. لذلك لم يكن اعتراضه على الصهيونية اعتراضاً على اليهودية، وإنما اعتراضاً على تحويل اليهودية إلى مشروع سيادة قومية، ثم استخدام هذا المشروع لتبرير الاستيطان والسيطرة ونزع حقوق الفلسطينيين.
امتد نقده إلى سياسات إسرائيل نفسها، خاصة في عهد اليمين والليكود وتوسع الاستيطان. رأى أن سياسات أرييل شارون كارثية، وأن منطقها يدفع باتجاه تطهير عرقي في الأراضي المحتلة. في هذا الموقف يظهر هوبزباوم في أكثر صوره اتساقاً مع نظريته: القومية الحديثة تصنع ذاكرة وهوية، لكنها تستطيع أيضاً أن تصنع حدوداً قاتلة بين من يملكون حق التاريخ ومن يُطردون منه.
خاتمة
يحتل إريك هوبزباوم موقعاً مركزياً في كتابة تاريخ القرن العشرين. لا تعود أهميته إلى غزارة أعماله فقط، وإنما إلى قدرته على تحويل التاريخ الحديث إلى بنية مفهومة: الثورة، الرأسمالية، الطبقة، الإمبراطورية، القومية، الحرب، والأيديولوجيا. كتب تاريخاً واسعاً دون أن يكون سطحياً، ومقروءاً دون أن يكون مبسطاً، وماركسياً دون أن يتحول دائماً إلى اختزال اقتصادي. رأى البنى الطويلة التي تحرك الأحداث، لكنه لم ينسَ العمال والفلاحين والمتمردين وقطاع الطرق، أي أولئك الذين تصنعهم التحولات الكبرى ثم يردون عليها بوسائلهم المحدودة.
غير أن عظمته لا تلغي عماه. ظل حكمه على الشيوعية أضعف من حكمه على الفاشية. منح الطبقة والرأسمالية قدرة تفسيرية هائلة، لكنه لم يمنح العرق والجندر والاستعمار والبيئة الوزن نفسه. كتب تاريخاً عالمياً، لكن أوروبا بقيت نقطة البداية ومركز السرد. لذلك يبقى إرثه ضرورياً لا لأنه كامل، وإنما لأن نقصه نفسه تعليمي. يعلمنا كيف تعمل الفكرة الكبرى: تفتح العالم أمامنا، ثم تغلق بعض نوافذه.
هوبزباوم مؤرخ لا يمكن تجاوزه، ولا ينبغي التسليم له بلا مساءلة. أفضل قراءة له هي القراءة التي تحفظ قوته وتواجه عماه في الوقت نفسه. فقد علّم أجيالاً كاملة أن التاريخ لا يكتب من سطح الأحداث، وأن العالم الحديث لا يفهم دون الرأسمالية والطبقة والإمبراطورية. لكنه يذكّرنا أيضاً بأن المؤرخ، مهما بلغت براعته، لا يكتب من خارج السياسة. كل كتابة للتاريخ تحمل موقعاً، وحكماً، واختياراً لما يستحق أن يرى. ومأساة هوبزباوم، مثل عبقريته، أنه عرف ذلك أكثر من غيره وعاشه حتى النهاية.
* Belle Époque تعني حرفياً بالفرنسية: العصر الجميل.
تسمية تُطلق غالباً على الفترة الممتدة من نهاية الحرب الفرنسية-البروسية عام 1871 إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، خصوصاً في فرنسا وأوروبا الغربية. لاحقاً، بعد صدمة الحرب العالمية الأولى، صار الأوروبيون ينظرون إلى تلك الفترة بحنين، كأنها زمن ازدهار وثقة وتقدم قبل الكارثة.
لذلك حين يستخدم هوبزباوم المصطلح، فهو لا يقصد فقط “الزمن الجميل” بمعناه الرومانسي. بل يقصد المفارقة: أوروبا كانت تبدو براقة ومستقرة ومتفائلة، لكن تحت هذا البريق كانت تتراكم التوترات التي ستنفجر عام 1914: سباق التسلح، القومية العدوانية، الصراع الإمبراطوري، المسألة العمالية، وأزمة النظام الليبرالي.
المصادر:
Hobsbawm, E. J. (1959). Primitive Rebels: Studies in Archaic Forms of Social Movement in the 19th and 20th Centuries. Manchester University Press.
Hobsbawm, E. J. (1962). The Age of Revolution: Europe 1789–1848. Weidenfeld & Nicolson.
Hobsbawm, E. J. (1964). Labouring Men: Studies in the History of Labour. Weidenfeld & Nicolson.
Hobsbawm, E. J. (1969). Bandits. Weidenfeld & Nicolson.
Hobsbawm, E. J. (1975). The Age of Capital: 1848–1875. Weidenfeld & Nicolson.
Hobsbawm, E. J. (1984). Worlds of Labour: Further Studies in the History of Labour. Weidenfeld & Nicolson.
Hobsbawm, E. J. (1987). The Age of Empire: 1875–1914. Weidenfeld & Nicolson.
Hobsbawm, E. J. (1990). Nations and Nationalism since 1780: Programme, Myth, Reality. Cambridge University Press.
Hobsbawm, E. J. (1994). Age of Extremes: The Short Twentieth Century, 1914–1991. Michael Joseph.
Hobsbawm, E. J. (2002). Interesting Times: A Twentieth-Century Life. Allen Lane.
Hobsbawm, E. J., & Ranger, T. (Eds.). (1983). The Invention of Tradition. Cambridge University Press.
Evans, R. J. (2019). Eric Hobsbawm: A Life in History. Little, Brown.
Deutscher, I. (1968). The Non-Jewish Jew and Other Essays. Oxford University Press.













