كيف يتعاقد الطغاة الأجانب مع جماعات الضغط الأمريكية لتبييض جرائمهم
التاريخ الطويل للأموال السوداء والنفوذ المريب في أروقة واشنطن العاصمة المقدسة
في 19 مايو 1934، مثُل رجل يُدعى آيفي لي أمام لجنة في الكونغرس الأميركي، حيث انهالت عليه الأسئلة في جلسة تحقيق صاخبة. كان أعضاء اللجنة يسعون لمعرفة ما إذا كان لي، أحد أبرز الشخصيات في عالم الأعمال والسياسة آنذاك، على صلة سرّية بالنظام النازي الصاعد في ألمانيا.
لم يكن لي وجهًا غريبًا بالنسبة للمشرّعين. هناك، ببدلته المخططة وياقته المشدودة، وبخدّيه المتورمين المبللين بالعرق في غرفة خانقة، بدا مألوفًا تمامًا. فقد كان، بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، أحد أشهر رجال العلاقات والنفوذ في الولايات المتحدة. رجل يحظى بثقة السياسيين، ويحرك خيوط كبار رجال الأعمال، ويهمس في آذان الرموز الثقافية. كثيرون رأوا فيه المهندس الصامت لتحولات كبرى في سياسات البلاد واتجاهاتها العامة.
قبل سنوات قليلة فقط، كان آيفي لي قد ابتكر مجالًا جديدًا بالكامل: مزيج من الدعاية والنصح الإعلامي، سرعان ما تحوّل إلى صناعة مزدهرة. بالنسبة للبعض، كان هذا المسار الجديد طوق نجاة للرأسمالية الأميركية، في مواجهة ضغوط التحولات الاقتصادية والاجتماعية في بدايات القرن العشرين. أما بالنسبة للمنتقدين، فلم يكن سوى واجهة مخادعة، يجمّل بها الأكاذيب لخدمة مصالح زبائنه من الأثرياء، الذين كانوا يخشون على ثرواتهم من غضب الشارع.
لكن رغم شهرته، ظل هذا المجال الوليد — الذي سُمّي لاحقًا "العلاقات العامة" — غامضًا في نظر كثير من الأميركيين، بمن فيهم أعضاء الكونغرس الذين استدعوه. في جلسة التحقيق، نظر النائب الديمقراطي جون ماكورماك، رئيس لجنة الأنشطة غير الأميركية، مباشرة إلى لي وسأله بسخرية غير خافية: "وما هو عملك بالضبط؟"
في ربيع عام 1934، جلس آيفي لي، أحد أبرز العقول الدعائية في الولايات المتحدة، أمام لجنة الكونغرس الأميركي التي كانت تحقّق في علاقاته الخارجية. الاتهام الضمني كان صريحًا: هل قدّم خدماته للنازيين؟ وهل ساعدهم في تحسين صورتهم داخل الولايات المتحدة؟
كان لي، في تلك الحقبة، اسماً لامعًا في أروقة السياسة والأعمال والإعلام. رجلٌ برع في فنّ تلميع الصور المتصدعة، وصياغة الروايات التي تغلّف الاستغلال بالغموض، والمجازر بالكلمات الرصينة. فمن عائلة روكفلر، إلى أباطرة النحاس والصلب والسكك الحديدية، وصولًا إلى ساسة تحصّنوا خلف أوليغارشية المال، كان الجميع يلجأ إلى لي لتفادي المحاسبة، ووأد الرقابة، وتطويق المدّ التقدّمي.
ومع صعوده المحلي، لم تتأخر الأنظمة الأجنبية في طرق بابه. ففي إيطاليا، رحّب به الفاشيون. وفي موسكو، أبدى الشموليون اهتمامهم بخبراته. لكن الأهم، وربما الأخطر، كان ما جرى في برلين.
ففي أوائل الثلاثينيات، تلقّى لي عرضًا من شركة "آي جي فاربن" الألمانية العملاقة، وهي شركة كانت آنذاك على صلة وثيقة بالنظام النازي. كانت الشركة، كما قال لي خلال شهادته، "قلقة من صورة ألمانيا في الإعلام الأميركي"، وأرادت استشارته لتحسين العلاقات مع واشنطن. وقدّم لي خدماته – لقاء مبلغ يعادل أكثر من نصف مليون دولار اليوم – في إطار ما وصفه بـ"نصيحة علاقات عامة مهنية وغير سياسية".
لكنّ الواقع لم يكن بهذه البراءة. فقد أرشد لي نظراءه الألمان إلى تجنّب الدعاية المباشرة التي قد تُثير الريبة في الأوساط الأميركية، داعيًا بدلًا من ذلك إلى بناء علاقات مع الصحافيين الأميركيين في برلين، ودفعهم بهدوء لترويج خطاب النظام الجديد. كل ذلك، كما أوضح، من أجل "تحسين الفهم المتبادل بين الشعبين".
وحين سُئل عما إذا كان قد تورّط في الترويج للدعاية النازية، رفض التهمة بانفعال، مشددًا على أنه لطالما رفض نشر أي محتوى دعائي، "بغض النظر عن مدى براءته". ومع ذلك، اعترف لاحقًا بأنه كلّف أحد موظفيه بمراقبة تغطية الصحافة الأميركية لألمانيا، ونقل هذه المعلومات إلى شركائه في برلين، ما مكّنهم من تعديل رسائلهم بما يلائم الرأي العام الأميركي.
لم يكن آيفي لي مجرد مستشار علاقات عامة. لقد كان، كما يرى بعض المؤرخين اليوم، مهندسًا لمفهوم "تبييض السياسات"، رجلًا باع خبراته لتلطيف صورة ديكتاتوريات في طور التشكّل، وتقديمها إلى العالم بوجه إنساني مصطنع. وإن كانت شهادته في الكونغرس قد أنقذته من الملاحقة، إلا أن إرثه الأخلاقي ظل محل جدل، وشاهداً على تلك اللحظة التي أصبحت فيها "العلاقات العامة" أداةً لترويج الاستبداد.
لم تشهد جلسة الاستماع توترًا صاخبًا أو مشادات حادة. ظل آيفي لي هادئًا، بل مهذبًا على طريقته، يجيب بكل ما أوتي من لباقة: "سيدي العزيز، يسعدني تمامًا التعاون". لكن خلف هذا الهدوء المصطنع، كانت تتصاعد حرارة لا يفلح التبجيل في إخمادها. توترٌ جديد على لي، رجل الأقنعة والخطابات المنمقة، بدأ يطفو على سطح العاصمة الأميركية، ويتردد صداه في أنحاء أوروبا.
فرغم محاولاته الحثيثة للفصل بين تعاونه مع شركة "آي جي فاربن" ودعم النظام النازي، لم يقتنع أعضاء الكونغرس. فقد أشار النائب صموئيل ديكشتاين بوضوح إلى أن المواد التي تلقاها لي من الشركة الألمانية لم تكن سوى دعاية بسلطة الحكومة النازية نفسها. قال بصراحة: "التمييز الذي تطرحه هو أن الحكومة الألمانية لم ترسلها مباشرة إليك، بل عبر [آي جي فاربن]". لكن من منظور ديكشتاين، كانت الشركة مجرد قناة، لا أكثر. ردّ لي بهمسٍ مهزوم: "صحيح".
ومع توالي الأسئلة، بدأت القشرة اللامعة التي طالما حصّن بها نفسه تتشقق. اعترف بأنه جُنّد مباشرة من ماكس إيلجنر، أحد أعمدة النظام الاقتصادي النازي، وأنه التقى شخصيًا جوزيف غوبلز، وزير الدعاية في نظام هتلر، واصفًا اللقاء بأنه "محادثة شيقة للغاية". كما أقر بلقاء هتلر ذاته، قائلًا إنه أراد "أن يفهمه بشكل أفضل" — لا حبًا بالمعرفة، بل لإتقان مهمة تلميع صورته أمام الجمهور الأميركي.
حتى مخزون الأسلحة النازية، لم يسلم من مساهمته. فقد أشار إلى أنه نصح عملاءه الألمان بكيفية تقديم الترسانة المتنامية في ألمانيا على أنها غير تهديدية، بل ضرورية للدفاع الوطني، في محاولة مكشوفة لتضليل الرأي العام الأميركي.
عند ختام الجلسة، أعاد لي شكره للمحققين، بأسلوبه المتكلف ذاته. كان منهكًا، يعاني من ألم في رأسه وفروة شعره، وبدأ فورًا التخطيط لرحلة إلى ألمانيا، حيث اعتقد أن العلاج في منتجعاتها الصحية قد يخفف من وطأة الضغط النفسي. كان في السابعة والخمسين، يظن أنه استحق "استراحة"، استراحة من أسئلة مزعجة عن عملائه الحقيقيين، عن الرسائل التي ساعد في صياغتها، عن الأبواب التي فتحها أمام نظام استبدادي صاعد.
لكنه لم يكن يعلم أن تلك الجلسة ستكون بداية نهايته. فما كشفه — وما فشل في إخفائه — بدأ يقوّض سمعته التي بناها على مدى عقود. وبعد أشهر قليلة فقط، انهار كل شيء. سقط لي، لا بسبب فضيحة جنسية أو إفلاس مالي، بل بسبب ما كان يبدو حتى وقت قريب "فنًّا بريئًا" للعلاقات العامة. والروابط التي بناها مع النازيين، والتي اعتبرها مجرد "خدمة استشارية"، ستعود لاحقًا، بعد قرابة قرن، لتُستخدم كنموذج قاتم في فهم كيف تسهم الأكاذيب المنمقة في تهديد أعمدة الديمقراطية ذاتها.
في أوائل عام 1986، وبعد أكثر من نصف قرن على شهادة آيفي لي أمام الكونغرس، ظهر رجل آخر في العاصمة الأميركية حاملاً ملفًا مختلفًا، لكن بخلفية لا تقل التباسًا. اسمه جوناس سافيمبي. وعلى الرغم من ضجيج الشخصيات الغريبة التي تعج بها واشنطن، بدا سافيمبي – بلحيته السوداء وقبعته الثورية الحمراء – أكثرهم إثارة للانتباه.
كان مظهره مستوحى من الحركات الثورية التي اجتاحت العالم في الستينيات والسبعينيات، وتاريخه يؤكد ذلك: ابن لجنوب أفريقيا السياسي، نشأ بين الحركات اليسارية المناهضة للاستعمار، وتغذى خطابه الأولي على معاداة الهيمنة الأميركية. لكنه، كما كثيرين في حقبة الحرب الباردة، انقلب على ذاته.
ترك سافيمبي معطف الشيوعية خلفه، وتحوّل إلى "مناضل من أجل الحرية"، كما أرادت له ماكينة الدعاية الغربية أن يُعرّف. حارب رفاق الأمس من الحكومة الأنغولية الجديدة، مدعومًا من أحد أكثر الأنظمة رجعية وعنصرية في العالم: نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ومع الوقت، أصبح "تشي جيفارا اليمين"، بحسب وصف إحدى الصحف الأميركية، بفضل قدرته على تحويل المعركة الأنغولية إلى أداة ضغط في لعبة الحرب الباردة.
لكن "النجاح" الذي حصده كان ملطخًا بالدماء. ارتكبت قواته انتهاكات مروّعة ضد المدنيين، خاصة الأطفال والنساء. وثّقت تقارير إعلامية تجنيد النساء في العبودية الجنسية، ومهاجمة الصليب الأحمر، وقتل الأسر، بل حتى تعذيب زوجة وأطفال خصم سياسي. لقد كان، كما وصفه أحد الباحثين، "أمير حرب استثنائيًا في فظاعته وانعدام ندمه"، فبفضل تصميمه الدموي، استطاع إطالة أمد حربٍ أهلية دامية دمّرت أنغولا بعد نيلها الاستقلال، وفتّتت أحلام جيل كامل بدولة حرة ومستقرة.
بحلول منتصف الثمانينيات، كانت ترسانة سافيمبي تتآكل، والذخائر تشح، والدعم الدولي يتبخّر. واشنطن، التي كانت قد رفعت يدها عنه في وقت سابق بسبب سجلّه الأسود، رفضت تكرار التجربة. لم يفتح أحدٌ الأبواب. لم تأتِ أي مساعدات.
لكن سافيمبي، بمزيج من اليأس والعناد، عاد مجددًا إلى العاصمة الأميركية، يحمل قبعته الثورية بيد، ومطالب التسليح باليد الأخرى. كان يعرف ما يريد: دبابات، صواريخ، قنابل... كل ما وزعته الولايات المتحدة سابقًا على حلفائها المناهضين للشيوعية من أميركا اللاتينية إلى أفغانستان. وكان يأمل أن يقنع صناع القرار في واشنطن بأن فظائع الحرب مجرّد "تفاصيل مؤسفة"، أو شائعات مغرضة، أو حتى إن صحت، كانت "ضرورة تقتضيها مصلحة الحرب".
ما إن وطئت قدماه العاصمة الأميركية مطلع عام 1986، حتى صعد جوناس سافيمبي إلى سيارة ليموزين فاخرة، ليدشّن جولة علاقات عامة لم تكن كسابقاتها. فبعكس زياراته السابقة، التي قوبلت فيها طلباته بالصمت أو التجاهل، كانت الأبواب هذه المرة مشرعة، والاستقبالات حافلة بالتصفيق والوعود.
في واشنطن، لم يُعامل سافيمبي كمجرد قائد ميليشيا أفريقية مغمور، بل كـ"مناضل من أجل الحرية" من طراز استثنائي. تلقّى ترحيبًا رسميًا وشعبيًا في مراكز الفكر والإعلام والفعاليات السياسية. في معهد أمريكان إنتربرايز، أحد أبرز معاقل المحافظين الجدد، امتدحته جين كيركباتريك — السفيرة السابقة في الأمم المتحدة والمنظّرة الأيديولوجية لسياسة "الديمقراطية بالقوة" — بوصفه: "لغويًا، فيلسوفًا، شاعرًا، سياسيًا، ومحاربًا"، بل ذهبت إلى اعتباره "أحد الأبطال الأصيلين القلائل في عصرنا".
توالت اللقاءات الإعلامية. استضافته قناة ABC في برنامج نايت لاين، وCBS في 60 دقيقة، وبدأت الشائعات تنتشر عن احتمال ظهوره على غلاف مجلة تايم، كأيقونة نادرة تجمع بين الكاريزما السياسية والبعد الميداني.
الذروة كانت في فندق واشنطن هيلتون، حيث وقف سافيمبي نجمًا في حفل رسمي نظمه اتحاد المحافظين الأميركيين. إلى جانبه على المنصة: نائب الرئيس آنذاك، جورج بوش الأب. وقف الحضور مصفقين بحرارة، بينما خاطبهم سافيمبي مازحًا: "كنت أتابع مسيرة السيد بوش منذ فترة طويلة... من بعيد، من الأدغال!"
كانت هذه ذروة نجاحه الرمزي في واشنطن. لم يعد الرجل مجرد حليف تكتيكي، بل تجسيدًا لرواية أميركية مريحة: قائد أفريقي قاتل "التمدد السوفيتي"، تحدّى الحكومة اليسارية في بلاده، واستحق بجدارة أن يُعامل كرمز للمقاومة، لا كمجرم حرب. وهكذا، بنبرة شاعرية وخطاب محسوب، أعاد سافيمبي تقديم نفسه أمام النخب الأميركية، مغطّيًا على تاريخه الدموي بحلة فكرية مزيفة، ومتسلّحًا بالدعم الكامل من أجنحة المحافظين في إدارة ريغان.
لكن خلف الكواليس، كان الهدف واضحًا: استعادة التمويل والدعم العسكري من الولايات المتحدة، مهما كلف الثمن.
كانت رحلة جوناس سافيمبي إلى واشنطن في عام 1986 لحظة مفصلية، ليس فقط في مسيرته، بل في تاريخ تواطؤ العلاقات العامة الأميركية مع الطغاة. كما وصفتها واشنطن بوست حينها، كانت استقبالًا "لم تعرف له العاصمة مثيلًا من قبل لزعيم حرب عصابات أفريقي".
نجحت الزيارة في كسر الحظر الأميركي غير المعلن على دعم سافيمبي. لم يعد "منبوذًا" بسبب جرائمه، بل شريكًا "استراتيجيًا" في حرب أفريقية معقّدة، اختُزلت بسحر الدعاية إلى "صراع من أجل الحرية". وتدفقت المساعدات العسكرية التي طالما سعى إليها، دون اكتراث بالضحايا المدنيين الذين كانوا يسقطون على الجبهات، ولا بالفظائع التي وثّقتها الصحف والمنظمات الدولية.
وفي لفتة رمزية، تلقى سافيمبي نسخة مُسجّلة من خطاب "حالة الاتحاد" للرئيس رونالد ريغان، الذي خصّ أنغولا بالذكر، وتعهد فيه بدعم "حق الأنغوليين في النضال والموت من أجل الحرية". لم يعد سافيمبي مجرّد قائد ميليشيا مثير للجدل؛ صار جزءًا من سردية أميركية كبرى، تتجاهل الجرائم وتحتفي بالمظهر.
لكن التحوّل السريع لم يكن محض صدفة. فخلف هذا "الاختراق"، كان هناك رجلٌ يعمل من خلف الستار، ينسّق المواعيد، ويصيغ الرسائل، ويوجّه سافيمبي خطوةً بخطوة داخل دهاليز واشنطن. رجلٌ يشبه آيفي لي من حيث الأسلوب، لكنه ينتمي إلى عصر أكثر وقاحة في تسويق الاستبداد: بول مانافورت.
كان مانافورت قد أدرك أن بيع الطغاة ليس فقط ممكنًا، بل مربحًا أيضًا. وبتوقيع عقود بملايين الدولارات، بدأ بتلميع صورة سافيمبي، ثم توسّع لاحقًا إلى زعماء استبداديين حول العالم: من موبوتو في زائير، إلى يانوكوفيتش في أوكرانيا، وغيرهم. كان نموذجًا جديدًا من المرتزقة السياسيين: بدلة فاخرة، ابتسامة إعلامية، وكفاءة خارقة في إقناع الرأي العام بأن الحرب الأهلية مجرد "نزاع على الحريات"، وأن الطغيان هو "استقرار سياسي".
مانافورت لم يُقدّم نصائح فقط. لقد رسم مسارًا كاملاً، جعل من تسويق الأنظمة القمعية مشروعًا متكاملًا يمر عبر واشنطن، ويُعيد تعريف السياسة الخارجية الأميركية. ومثل آيفي لي، انتهى هذا المسار بالعار: تُهم فساد، تلاعب باللوائح، تواطؤ مع قوى أجنبية، وسقوط مدوٍ في المحاكم والرأي العام.
لكن الأهم من مآله الشخصي، هو ما كشفه مسار مانافورت عن تحول عميق: أن السياسة الأميركية لم تعد تُصاغ في أروقة المؤسسات فقط، بل في كواليس شركات العلاقات العامة، عبر وسطاء غير منتخبين، يشكّلون أجندات العالم لحساب العملاء من الطغاة، مقابل المال فقط.
لقد أعاد مانافورت إحياء إرث آيفي لي، لكن على نطاق عالمي، أكثر احترافية، وأشد وقاحة. رجال مثل لي ومانافورت لا يصنعون السياسة، بل يبيعونها. يجمّلون القبح، يروّجون للقتل، ويعيدون تعريف الاستبداد بوجه حضاري، في خدمة من يدفع أكثر.
وهم بذلك لا يهددون فقط الحقيقة، بل يلوّثون صلب الديمقراطية التي يتظاهرون بخدمتها.
تشكل سيرة كل من آيفي لي وبول مانافورت فصلين متقابلين في قصة واحدة أكبر: صعود عالم الضغط الأجنبي في الولايات المتحدة، وتحول شركاتها ومؤسساتها إلى أدوات بيد أنظمة خارجية تسعى إلى التلاعب بالسياسة الأميركية وتوجيهها بما يخدم مصالحها، لا مبادئها.
لي، "أب العلاقات العامة" بحسب الأوساط الأكاديمية، كان أول من مهّد الطريق. انطلق من عالم الأعمال في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ليصبح صوتًا لا غنى عنه للنخب الصناعية والسياسية الأميركية. لكنه سرعان ما وسّع نشاطه خارج الحدود، حيث بدأ بتقديم خدماته لجهات أجنبية ذات مشاريع استبدادية. وكان أبرز زبائنه شركة "آي جي فاربن"، الذراع الصناعية للنظام النازي، التي استخدمته كوسيط لتحسين صورة ألمانيا الهتلرية في نظر الرأي العام الأميركي. في البداية، قدّم لي خدماته تحت شعار "المشورة المهنية"، لكن مع الوقت، انكشفت مهمته الحقيقية: تبييض وجه ديكتاتورية نازية صاعدة. وسرعان ما انهارت سمعته، ومعها إرثه.
أما مانافورت، فقد بدأ مساره في عالم الاستشارات السياسية ضمن حملات الحزب الجمهوري، قبل أن يتحوّل إلى تاجر نفوذ خارجي على نطاق واسع. استبدل الحملات الانتخابية الأميركية بالعقود الدولية، وبدأ يمثّل طغاة من أميركا اللاتينية إلى أوروبا الشرقية. سافيمبي كان مجرد بداية، تلته عقود بملايين الدولارات مع أنظمة فاسدة ومستبدة، وصولًا إلى ذروة انخراطه في الحملة الرئاسية لدونالد ترامب، وما تبعها من تهم جنائية طالت صلب النظام السياسي الأميركي.
القاسم المشترك بين لي ومانافورت هو فهمهم المبكر لوظيفة واشنطن الجديدة: ليست فقط عاصمة لصنع القرار، بل سوق مفتوح يمكن فيه لأي جهة، مهما كانت دمويتها، أن تجد لنفسها موطئ قدم، ما دامت تملك المال والخبرة المناسبة في فنّ العلاقات.
قصة الرجلين ليست عن فساد فردي فحسب، بل عن نظام متكامل يتغاضى عن المبادئ عندما يتعلق الأمر بالعقود والمصالح. لقد أصبح الضغط الأجنبي صناعة قائمة بحد ذاتها، تتسلل عبر مكاتب المحاماة، وشركات العلاقات العامة، والمراكز البحثية، وحتى وسائل الإعلام، لتشكل سرديةً بديلة عن الحقيقة. سردية تحوّل الطغاة إلى "مصلحين"، والحروب الأهلية إلى "نضال من أجل الحرية"، والدعاية إلى "اتصالات استراتيجية".
من آيفي لي إلى بول مانافورت، ومن هتلر إلى سافيمبي، تُظهر هذه الحكاية كيف أمكن للنفوذ الأجنبي أن يتجذر في قلب الديمقراطية الأميركية، وكيف أن من يروّجون للاستبداد — باسم الاحتراف المهني — ليسوا مجرد أدوات في لعبة الآخرين، بل شركاء في إعادة تشكيل العالم على صورة عملائهم، ولو على حساب قيمهم.
====
مقتطف من كتاب العملاء الأجانب: كيف تُهدد جماعات الضغط والمشرّعون الأمريكيون الديمقراطية حول العالم، تأليف كيسي ميشيل.
عن المؤلف | كيسي ميشيل
كيسي ميشيل هو كاتب وصحفي أميركي، يشغل منصب مدير برنامج مكافحة الكليبتوقراطية في "مؤسسة حقوق الإنسان" (Human Rights Foundation). عُرف بتحقيقاته المعمّقة في قضايا الجريمة المالية العالمية، والفساد العابر للحدود، ونفوذ جماعات الضغط الأجنبية في واشنطن.
نال كتابه الأول الكليبتوقراطية الأمريكية إشادة واسعة، واعتبرته مجلة الإيكونوميست واحدًا من "أفضل الكتب لفهم الجريمة المالية"، لما قدّمه من تحليل دقيق حول كيف أصبحت الولايات المتحدة ملاذًا مفضلًا للأموال غير المشروعة العالمية.
تنشر كتاباته بانتظام في أبرز الصحف والمجلات العالمية، منها فاينانشال تايمز، وول ستريت جورنال، ذا أتلانتيك، فورين أفيرز، وواشنطن بوست. كما ظهر على منصات إعلامية كبرى مثل NPR، وBBC، وCNN، وMSNBC. وقد أدلى بشهادته أمام لجنة القضاء في مجلس الشيوخ الأميركي، متحدثًا عن الروابط بين الشبكات المالية غير القانونية والأمن القومي الأميركي.
يحمل ميشيل درجة الماجستير في الدراسات الروسية والأوراسية وأوروبا الشرقية من معهد هاريمان بجامعة كولومبيا، وعمل متطوعًا في فيلق السلام الأميركي في شمال كازاخستان.
عملاء أجانب هو كتابه الثاني، وفيه يواصل تفكيك منظومة النفوذ الأجنبي التي تخترق البنية السياسية الأميركية، وتحوّل مؤسساتها إلى أدوات لخدمة الأنظمة الاستبدادية حول العالم.
الترجمة بتصرف لمقال منشور على موقع lithub



