الهيمنة في العصر الرقمي
إطار متعدد المستويات لتحليل الهيمنة في ضوء الواقعية والغرامشية الجديدة
مقدمة
تظل الهيمنة من أكثر مفاهيم العلاقات الدولية كثافة والتباساً، فهي لا تحيلنا إلى ظاهرة واحدة متفق عليها، بل تضعنا أمام تقاطع أربعة مستويات تحليلية يصعب اختزال أحدها في الآخر: القوة، النظام، الشرعية، والتراتبية. لهذا يتركز الجدل حول الهيمنة على الأسئلة النظرية المتعلقة بما يجعل النظام الدولي مستقراً، وكيف يتحقق الامتثال فيه، وما إذا كانت السيطرة تعني فقط التفوق المادي أو أنها تشمل نظاماً أوسع يُعاد إنتاجه من خلال المؤسسات والمعايير والممارسات اليومية .
في بعض التقاليد النظرية، تعني الهيمنة تركز القدرات المادية في يد دولة قوية، خاصة في المجالين العسكري والاقتصادي. بينما في تقاليد أخرى، تشير الهيمنة إلى نمط أوسع من الحكم، تُدمَج فيه اللامتكافئات داخل المؤسسات والمعايير وادعاءات الشرعية على نحو يثبت نظامًا غير متكافئ على المدى الطويل. الفرق بين هذين التصورين لا يتعلق فقط باتساع أو ضيق التعريف، بل أيضًا بمستوى الظاهرة التي يتم تفسيرها. فعندما يُعرَّف مفهوم الهيمنة تعريفًا ماديًا ضيقًا، يتركز التحليل على الردع، والإكراه، واختلال القوة (Waltz, 1979). أما في التعريف الأوسع، فلا تعود الهيمنة مجرد تفوق، بل تصبح عملية تحويل التفوق إلى نظام مستقر يُعاد إنتاجه عبر المؤسسات والأفكار وأشكال القبول والاعتياد (Cox, 1983).
تنطلق هذه المقالة من فكرة أن الواقعية والغرامشية الجديدة لا تقدمان فقط تعريفين مختلفين للهيمنة، بل تفسران أيضاً مراحل وآليات مختلفة في بناء النظام الهيمني. تركز الواقعية على الشروط التي تجعل الهيمنة ممكنة، مثل التفوق المادي، الامتداد الاستراتيجي، القدرة على الردع، وإمكانية فرض الإرادة عند الحاجة. في المقابل، تشرح المقاربات الغرامشية والغرامشية الجديدة ما يحدث بعد ذلك، أي كيف تتحول السيطرة إلى نظام، وكيف تدخل في المؤسسات، وكيف تُعرض كأنها عقلانية أو عامة أو طبيعية، وكيف يعاد إنتاجها من خلال الرضا المنظم والاعتياد والممارسة اليومية .
مع ذلك، فإن القوة التفسيرية للغرامشية الجديدة ليست مطلقة، ولا يجب اعتبارها الجواب الشامل لكل أسئلة أشكال السلطة الحديثة. تظهر حالة الهيمنة الرقمية الأمريكية جانباً من قوة هذا المنظور، لأنها تكشف عن نظام لا يعتمد فقط على التفوق التكنولوجي، بل على مزيج معقد يشمل السيطرة على البنية التحتية، وضع القواعد، نفوذ الشركات الكبرى، اعتماد الآخرين على أنظمة يصعب الانفصال عنها، وتطبيع الحياة اليومية عبر المنصات. في الوقت نفسه، تكشف هذه الحالة عن حدود هذا المنظور، مثل خطر توسع مفهوم الهيمنة وفقدان الدقة، وصعوبة التمييز بين الرضا الحقيقي والتكيف المفروض، وتعقيد العلاقة بين الدولة ورأس المال التقني، والميل إلى تجاهل اللحظات التي يستخدم فيها النظام أدوات القسر المباشر .
تسعى هذه المقالة إلى تحقيق ثلاث أهداف مترابطة. أولاً، تهدف إلى ضبط مفهوم الهيمنة وتمييزه عن مفاهيم مجاورة مثل الغلبة المادية، التبعية البنيوية للبنية التحتية، قوة الاحتكار، والإكراه المؤقت. ثانياً، تعيد النظر في الواقعية والغرامشية الجديدة لا كبديلين متقابلين، بل كمقاربتين تتوزع بينهما القدرة التفسيرية حسب مستوى التحليل ومرحلة عمل السلطة. ثالثاً، توضح أن المجال الرقمي يمثل مختبراً مهماً لفهم الهيمنة المعاصرة، لأنه يجمع في آن واحد بين السيطرة المادية، الضبط المؤسسي، السلطة الخاصة، التطبيع اليومي، والدفاع القسري في الوقت نفسه .
ينتظم برهان المقالة في خمسة محاور. المحور الأول يوضح سبب استمرار الجدل حول مفهوم الهيمنة. المحور الثاني يقارن بين المقاربتين الواقعية والغرامشية الجديدة. المحور الثالث يطور إطاراً تحليلياً للمقارنة بينهما بناءً على مصدر القوة، آلية الامتثال، دور المؤسسات، موقع السلطة الخاصة، واستمرارية النظام. المحور الرابع يطبق هذا الإطار على حالة الهيمنة الرقمية الأمريكية. أما المحور الخامس فيناقش حدود التحليل الغرامشي الجديد ويقترح تصوراً متعدد المستويات للهيمنة في العصر الرقمي.
1. الهيمنة بوصفها مفهوماً متنازعاً عليه
ظهر مفهوم الهيمنة في نظريات العلاقات الدولية محملاً بدلالات متعددة، وأحياناً متضاربة. استخدم للدلالة على التفوق المادي، أو القيادة في النظام الدولي، أو السيطرة في بنية هرمية، أو وضع القواعد، أو تحويل مصالح معينة إلى ما يبدو مصلحة عامة أو هدفاً عالمياً. هذه الاستخدامات لا تعود إلى مدرسة نظرية واحدة، بل إلى اتجاهات فكرية مختلفة قد تتقاطع أو تتعارض، رغم استخدام المصطلح نفسه.
في هذه المقالة، لا ينظر إلى الهيمنة فقط على أنها اختلال في توزيع القدرات أو كمصطلح يشمل كل أشكال عدم المساواة المستقرة. المقصود هو نوع من النظام تثبت فيه القوة غير المتكافئة داخل في المؤسسات والممارسات والمعايير، وتعرض كأمر مشروع أو طبيعي أو بديهي في نطاق أوسع من العلاقات الاجتماعية والسياسية. هذا التعريف أضيق من بعض الاستخدامات الأوسع للمفهوم، وأوسع من تلك التي تقتصر عليه في التفوق العسكري أو الاقتصادي فقط. لا ينكر أهمية القوة المادية، لكنه لا يساوي بينها وبين الهيمنة بشكل مطلق.
كي يكون هذا التعريف واضحاً ومفيداً في التحليل، من المهم توضيح ما لا يُعد هيمنة. فليس كل احتكار أو تركز في البنية التحتية أو اعتماد تكنولوجي أو تصرف قسري مؤقت يُعتبر هيمنة بالضرورة. تسهم هذه العوامل في بناء نظام هيمني أو دعمه، لكنها لا تعني الهيمنة تلقائياً. في كثير من الحالات، يكون من الأدق الحديث عن التراتبية بدلاً من الهيمنة حين تكون العلاقة أقرب إلى بنية تفاضل مستقرة بين وحدات غير متكافئة (Lake, 2009)، أو عن السلطة الخاصة حين تمارس جهات غير دولية أدواراً تنظيمية ذات أثر عام واسع (Hall & Biersteker, 2002). وبالمثل، قد تكون مفاهيم مثل التبعية أو السيطرة المحدودة أكثر دقة من الهيمنة في وصف بعض أشكال الاعتماد أو الإكراه الجزئي. يكتسب مفهوم الهيمنة أهميته التحليلية على نحو أدق عندما يكون السؤال هو كيف يُرسخ نظام غير متكافئ ويُعاد إنتاجه بحيث يبدو طبيعياً أو مشروعاً أو عاماً، أو يصعب الاعتراض عليه.
تزداد أهمية هذا التمييز في السياق الرقمي. فسيطرة الولايات المتحدة على البنية التحتية الأساسية والمعايير والشركات الكبرى لا تكفي وحدها لإثبات وجود هيمنة بمعناها الكامل. يجب أيضاً توضيح كيف تندمج هذه السيطرة في ترتيبات مؤسسية، وتعاد إنتاجها اجتماعياً، وينظر إليها كأنها الوضع الطبيعي أو الخيار الافتراضي (DeNardis, 2014; Mueller, 2010). بدون هذا الشرط، يصبح مفهوم الهيمنة مصطلحاً عاماً لأي تفوق ناجح ويفقد دقته.
2. الواقعية والغرامشية الجديدة بوصفهما مقاربتين متمايزتين للهيمنة
لا يمكن إجراء مقارنة جادة بين الواقعية والغرامشية الجديدة إذا اختزلت الواقعية إلى تصور مبسط للقوة المادية فقط. فالواقعية، في جوهرها، تمثل مجموعة من المقاربات التي تتقاسم افتراضات أساسية حول الفوضى الدولية، ومركزية البقاء، وأولوية القوة، مع اختلافها في التفاصيل وفي تفسير سلوك الدول وطبيعة النظام الدولي. تبرز الواقعية البنيوية بشكل خاص في هذا السياق، إذ تعتبر توزيع القدرات المحدد الرئيسي لمخرجات النظام الدولي(Waltz, 1979). وتدفع الواقعية الهجومية هذا المنطق إلى أقصى حد من خلال اعتبار تعظيم القوة الاستجابة الأكثر أماناً في بيئة تفتقر إلى سلطة عليا. (Mearsheimer, 2001). يضيف الاقتصاد السياسي الواقعي بعداً إضافياً من خلال الربط بين التفاوت في النمو، والتحولات الهيمنية، وبنية النظام الدولي (Gilpin, 1981, 1987).
تفسر الواقعية الهيمنة باعتبارها امتداداً للغلبة المادية. فالهيمنة، وفق المنظور الواقعي، ليست علاقة اجتماعية قائمة أساساً على الرضا، بل تمثل حالة قصوى من اختلال توزيع القدرات، تتيح للدولة الأقوى فرض قيود على الآخرين، وردع المنافسين، والتأثير في النمط العام للنظام الدولي. وتكمن قوة هذا المنظور في وضوحه وقدرته التفسيرية، إذ يوضح أسباب قدرة الدول الأقوى على تقييد الأضعف وظهور التراتبية في نظام يفترض المساواة الشكلية بين الوحدات السياسية. ومع ذلك، يظل هذا المنظور أقل قدرة على تفسير كيفية تحول السيطرة إلى انتظام مستقر، وكيفية ترسخها مؤسسيا واجتماعيا، وكيف يصبح الامتثال لها جزءاً من الممارسة اليومية وليس مجرد نتيجة للخوف أو الردع.
تقدم بعض الأدبيات القريبة للواقعية فهماً أكثر تركيباً للهيمنة مما توحي به الصياغات التي تختزلها في الغلبة المادية المباشرة. فتصورات الاستقرار الهيمني، على سبيل المثال، لا تتعامل مع الدولة المهيمنة على أنها مصدر تهديد أو أداة إكراه، بل بوصفها فاعلاً قادراً على إنتاج حد أدنى من الانتظام الدولي عبر توفير بعض المنافع العامة، وبناء المؤسسات، وتنظيم قواعد التفاعل بين الوحدات السياسية. وبهذا تُفهم الهيمنة بوصفها مصدراً للاستقرار. تُظهر هذه الأدبيات أن بنية النظام الدولي لا تتحدد حصراً بتوازنات القوة المجردة، بل كذلك بقدرة الفاعل المتفوق على تحويل تفوقه إلى قدرة تنظيمية تُنتج قدراً من الاستقرار القابل للاستمرار (Keohane, 1984; Kindleberger, 1973).
من زاوية أخرى، تذهب أعمال من خارج التقليد الواقعي إلى أن الهيمنة لا تستقر على المدى الطويل بمجرد امتلاك التفوق المادي، بل حين يُعاد تضمين هذا التفوق داخل ترتيبات مؤسسية تمكّن القوة الراجحة من تقديم التزامات أكثر مصداقية، وتقييد استخدامها الأحادي للقوة، وجعل قيادتها أقل إثارةً للمخاوف وأكثر قابليةً للاستمرار. فالمؤسسات، في هذا المنظور، لا تنشأ من فراغ معياري مستقل، بل من قدرة قوة راجحة على تحويل تفوقها إلى نظام منظم وملزم نسبياً. وعند هذا المستوى، لا يعود السؤال متعلقًا فقط بكيفية امتلاك القوة، بل بكيفية تقييدها وتأطيرها مؤسسياً بحيث تُمارس بوصفها قيادة منظمة للنظام الدولي، لا مجرد تفوق مادي يدفع الآخرين سريعاً إلى التوازن المضاد (Ikenberry, 2001).
لكن حتى في هذه الصياغات الأكثر تعقيدا، تظل قوة الواقعية في تفسير مرحلتين رئيسيتين: مرحلة البناء الاستراتيجي ومرحلة الدفاع الإكراهي. تحدد الواقعية الشروط التي تجعل الهيمنة ممكنة، مثل التفوق التكنولوجي، والمركزية المالية، والامتداد العسكري، وتركيز رأس المال، والسيطرة على البنية التحتية. كما تفسر أسباب تعرض النظام الهيمني المستمر لتهديدات من منافسين صاعدين، ولماذا تلجأ القوى المهيمنة إلى أدوات مباشرة للضغط والعقاب عند شعورها بتهديد مصالحها الأساسية أو مواقعها المركزية. ومع ذلك، تظل الواقعية أقل قدرة على تفسير كيفية تحول الغلبة إلى نظام يعاد إنتاجه اجتماعيا، ولماذا يساهم الفاعلون الأضعف في كثير من الأحيان في استدامته.
هنا يبدأ المجال الغرامشي. طور غرامشي مفهوم الهيمنة لتفسير كيفية استقرار حكم طبقة اجتماعية معينة رغم أنه لا يقوم على الإكراه وحده. انطلق من أن المجتمعات الرأسمالية المتقدمة لا يمكن فهمها عبر الدولة القسرية فقط، لأن السلطة تمارس أيضاً من خلال مؤسسات المجتمع المدني التي تنتج الرؤى الشائعة للعالم وتنظم أشكال الإدماج السياسي والأخلاقي والثقافي. لذلك، يقوم الحكم المستقر على تداخل الإكراه والرضا، لا على أحدهما بمعزل عن الآخر (Gramsci, 1971). طورت الأدبيات الغرامشية الجديدة هذا الفهم في حقل العلاقات الدولية (Gill, 1993).
يتضح ذلك في التمييز بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني. فالمجتمع السياسي يشير إلى مؤسسات الحكم المباشر والقسر المنظم، بينما يشير المجتمع المدني إلى المجال الذي تتشكل فيه أنماط القبول والاعتياد والقيادة الأخلاقية والفكرية. ولا تعني الهيمنة هنا إلغاء الإكراه، بل تعني أن الإكراه وحده غير كاف لتفسير استمرارية الحكم. لا يعتمد استقرار النظام على قدرته في قمع المعارضين فقط ، بل أيضاً على قدرته في الظهور كأمر طبيعي أو معقول أو مقبول لدى قطاعات واسعة من الخاضعين له (Gramsci, 1971).
كان إسهام روبرت كوكس محورياً في نقل هذا المنظور من تحليل العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى تحليل النظام الدولي، من خلال ربط القوى الاجتماعية والدول والنظام العالمي في إطار واحد (Cox, 1981). لم ذلك يكن استنساخاً للمنطق الغرامشي على مستوى أعلى، إذ أعاد كوكس تكييف المفهوم الغرامشي للهيمنة لفهم كيفية نشوء النظام الدولي ومشكلاته. وعلى هذا الأساس، تُفهم الهيمنة كبنية تاريخية تتكامل فيه القدرات المادية مع الأفكار والمؤسسات، بما يجعل النظام القائم قابلاً للاستمرار لأنه لا يُفرض بالقوة فقط، بل يُعاد إنتاجه عبر ترتيبات تبدو عامة أو طبيعية أو عقلانية (Cox, 1987). مثل هذا المسار لاحقاً الركيزة الأساسية لما وصفه بيلر ومورتون بالطريق الغرامشي الجديد في العلاقات الدولية (Bieler & Morton, 2004).
لا يخلو هذا الانتقال من صعوبات نظرية ومنهجية، لأن الفئات الغرامشية صيغت أصلًا لتفسير الحكم الطبقي داخل تشكيل اجتماعي وطني، نقلها إلى مستوى النظام الدولي يثير أسئلة تتعلق بالمقياس، وبإمكان العثور على مكافئات وظيفية للمجتمع المدني في سياق عابر للحدود Lacher, 2007). تزداد هذه الإشكالات حدة في المجال الرقمي، حيث تتوزع السلطة بين الدول، والشركات، وهيئات وضع المعايير، وترتيبات الحوكمة الهجينة، بما لا يسمح بافتراض بنية متماسكة من النوع الذي كان حاضرًا في التحليل الغرامشي الكلاسيكي. لذلك لا يكون التحليل الغرامشي الجديد مفيداً هنا إلا عبر إعادة بناء واعية لأدواته ومفاهيمه، لا من مجرد نقل استعاري لفئات نشأت في سياق تاريخي ومجتمعي مغاير (Worth, 2015).
3. إطار مقارن لتحليل الهيمنة
تتضح الفروق بين الواقعية والغرامشية الجديدة عبر خمسة أبعاد رئيسية: مصدر القوة، وآلية الامتثال، ودور المؤسسات، والعلاقة بين الدولة والسلطة الخاصة، ومسألة الديمومة والأزمة.
يركز البعد الأول على مصدر القوة. في المنظور الواقعي، تستند القوة إلى القدرات المادية، وفي مقدمتها القوة العسكرية والموارد الاقتصادية والموقع الاستراتيجي والقدرة على الردع والحرمان (Waltz, 1979). في المقابل، لا تنكر الغرامشية الجديدة أهمية هذه العناصر، لكنها ترفض أختزلها الهيمنة في حيازة الموارد، بل عندما تُدمج داخل مؤسسات ومعايير وأفكار تمنحها الاستمرارية وتحولها إلى جزء من نظام أوسع قابل لإعادة الإنتاج (Cox, 1983).
يرتبط البعد الثاني بكيفية تحقق الامتثال. تفسر الواقعية الامتثال بالخوف أو الحوافز أو التبعية أو الحسابات الاستراتيجية، إذ يطيع الفاعل بسبب تقديره لكلفة الاعتراض ولموازين القوى القائمة. أما الغرامشية الجديدة، فتركز على أن الامتثال قد يتحول إلى اعتياد أو إلى قبول عملي أو إلى مساهمة غير واعية في إعادة إنتاج النظام. مع ذلك، لا يعني كل امتثال وجود رضا، ولا تدل كل مشاركة على قبول فعلي. فثمة درجات تفصل بين منح الشرعية على نحو نشط وبين المسايرة الصامتة أو التكيف المفروض، وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين الشرعية والاعتياد والإذعان القسري (Beetham, 2013; Hurd, 1999). وتزداد أهمية هذا التمييز في السياق الرقمي، حيث قد يكون البقاء داخل النظام ناتجاً عن غياب البديل، أو ارتفاع كلفة الانفصال، أو الانخراط في مسارات استخدام مترسخة، لا عن قبول حقيقي بالنظام نفسه (Lukes, 2005).
يرتبط البعد الثالث بدور المؤسسات. في المنظور الواقعي، تعكس المؤسسات غالباً اختلالات القوة القائمة، وتُقرأ كأدوات تنظم نتائج تحددها موازين القوى. أما في الغرامشية الجديدة، فالمؤسسات ليست مجرد قنوات للقوة، بل تشارك في بناء النظام الهيمني نفسه. فهي تعمم قواعد وتثبت توقعات بعينها، وتجعل بعض الافتراضات تبدو طبيعية، وتحول علاقات القوة التاريخية إلى ممارسات روتينية لا ينظر اليها دائما كأمور سياسية (Bieler & Morton, 2004; Cox, 1983). وبين هذين المنظورين، تبرز اعمال ترى أنه رغم أن المؤسسات هي نتاج الغلبة المادية، إلا أنها تكتسب بمرور الزمن قدرة مستقلة نسبياً على تثبيت النظام وإطالة عمره عبر تأطير استخدام القوة وتنظيم التوقعات، وجعل القيادة أقل استفزازاً وأكثر قابلية للاستمرار (Ikenberry, 2001; Keohane, 1984).
يرتبط البعد الرابع بموقع السلطة الخاصة في بنية الهيمنة، وهي مسألة تكتسب أهمية متزايدة في المجال الرقمي. فهنا لا تُمارَس السلطة عبر الدول وحدها، بل عبر شركات كبرى، وبنى سحابية، ومتاجر تطبيقات، وأنظمة دفع، ومنظومات بيانات، أي عبر فاعلين خواص تؤدي مواقعهم الوظيفية إلى إنتاج آثار عامة تتجاوز المجال الاقتصادي الضيق (Cutler et al., 1999; Hall & Biersteker, 2002). لذلك، لا يمكن اختزال الهيمنة الرقمية الأمريكية في علاقة هيمنة دولية مباشرة بين دول، كما لا يمكن فصلها تمامًا عن الدولة. فالعلاقة بين الدولة ورأس المال التقني تتسم بالتشابك، والتغذية المتبادلة، والتوتر في آن واحد. ومن الأدق وصفها بأنها تركيب تاريخي غير متجانس، تتفاعل فيه الاستراتيجية الجيوسياسية، والقدرة التنظيمية، وتراكم رأس المال، والبنى القانونية على نحو غير متساو وغير مكتمل (Hall & Biersteker, 2002; Cutler et al., 1999).
يركز البعد الخامس على ديمومة النظام وأزماته. تفسر الواقعية استمرار النظام باستمرار التفوق المادي، بينما تفسر الانهيار أو التآكل بتحولات ميزان القوى وصعود منافسين جدد. في المقابل، ترى الغرامشية الجديدة أن ديمومة النظام يعتمد على قدرته على الظهور كعقلاني وعام وطبيعي، وعلى إعادة إنتاجه من خلال المؤسسات والممارسات اليومية. وتعتبر الازمات لحظات يضعف فيها هذا التماسك او ينهار الادعاء بالكونية او يقل الرضا. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين أنماط القوة المختلفة — الإلزامية، والمؤسسية، والبنيوية، والإنتاجية — لأن النظام الهيمني يعمل في آن واحد عبر الردع ووضع القواعد وإنتاج الاعتماد وتشكيل الفاعلين وإدراكهم للعالم، وهي ديناميات تتجلى بوضوح في المجال الرقمي (Barnett & Duvall, 2005).
4. الهيمنة في المجال الرقمي: البنية والآليات وإعادة الإنتاج
تكشف الهيمنة الرقمية الأمريكية عن نمط من السلطة يتجاوز التصورات التقليدية للهيمنة بوصفها غلبة عسكرية أو اقتصادية فحسب. فهي تقوم على تراكب السيطرة على البنية التحتية، والسلطة الخاصة للمنصات، وصياغة القواعد المؤسسية، والتطبيع اليومي للمجال الرقمي. لا يعمل المجال الرقمي فقط كساحة لتوظيف القوة، بل كبنية تنظم عبرها شروط الوصول، والتفاعل، والظهور، والاعتماد (DeNardis, 2014; Mueller, 2010; Van Dijck et al., 2018).
يستند هذا النظام إلى قاعدة مادية كثيفة تتمثل في السيطرة على البنى التحتية الحيوية، من الخدمات السحابية وأنظمة التشغيل وبيئات التطبيقات إلى سلاسل أشباه الموصلات المتقدمة، فضلًا عن التحكم في جمع البيانات ومعالجتها، والقدرة على تعبئة التمويل، وتوجيه البحث العلمي. غير أن هذا الأساس المادي لا يكتمل إلا عبر بعد مؤسسي يحدد، من خلال المعايير والبروتوكولات وترتيبات الحوكمة والقوانين، ما يمكن فعله وما يظل متاحاً داخل البيئة الرقمية. وإلى جانب ذلك، يتخذ النظام بعداً اجتماعياً وثقافياً بالغ الأهمية، لأن المنصات الكبرى لا تستضيف التفاعل فقط، بل تعيد تشكيل شروطه، وتحدد أنماط الظهور والتواصل، وما يُرى وما يُحجب، وصور المشاركة التي تُقدم بوصفها مألوفة أو مشروعة (DeNardis, 2014; Van Dijck et al., 2018).
توضح الواقعية أن التفوق الرقمي الأمريكي يعكس تفوقاً استراتيجياً ومادياً في مجال أصبح ركيزة أساسية للأمن والقوة. فتمركز الولايات المتحدة في الشركات التكنولوجية الكبرى، والبرمجيات، والبنى السحابية، والبحث العلمي، وأسواق رأس المال منحها مزايا بنيوية عميقة، ووضع فاعلين آخرين في مواقع اعتماد يمكن تحويلها إلى أدوات ضغط واستغلال. لذلك، تفسر الواقعية الهيمنة الأمريكية على العقد المركزية في النظام الرقمي العالمي بوصفها امتداداً لاختلال القوة، كما تفسر النظر إلى التبعية التكنولوجية باعتبارها خطراً استراتيجياً يتجاوز الحساب الاقتصادي المباشر (Waltz, 1979; Mearsheimer, 2001).
غير أن القراءة الواقعية، على أهميتها، لا تفسر سبب انتشار البنى الرقمية الأمريكية بوصفها جزءاً من الحياة الرقمية الحديثة. فانتشار المنصات المهيمنة لا يعود إلى الردع أو الخوف وحدهما، بل إلى تأثيرات الشبكة، وسهولة الاستخدام، والتشغيل البيني، والحوافز التجارية، فضلاً عن تصورات تجعل بعض البنى التحتية تبدو كأنها الشكل الطبيعي للحداثة الرقمية. وفي هذا السياق، يتيح التحليل الغرامشي الجديد فهماً أعمق لآليات التطبيع وإعادة الإنتاج، شرط عدم الخلط بين شيوع الاستخدام وبين وجود رضا منظم أو قبول حقيقي بالنظام (Srnicek, 2017; Van Dijck et al., 2018).
لتحليل هذه الهيمنة بدقة أكبر، من المفيد تقسيمها إلى ثلاث آليات مترابطة: الاعتماد البنيوي على البنية التحتية المهيمنة، ووضع القواعد المؤسسية، والتطبيع.
تتمثل الآلية الأولى في اعتماد بنيوي يتولد من المركزية الرقمية الأمريكية التي تقوم على بنى وأنظمة يصعب الانفصال عنها، مثل البنى السحابية، وأنظمة التشغيل، وبيئات التطبيقات، والمعايير البرمجية، والاعتماديات الشبكية المعقدة. وفي هذه الحالات، لا يعكس استمرار المشاركة شرعية النظام بالضرورة، بل يرتبط غالباً بكلفة التحول، والاعتماد على المسار، وقلة البدائل، وصعوبة الانفصال دون خسائر اقتصادية وسياسية كبيرة. لذلك تبدو مفاهيم مثل التبعية، والتراتبية، وقوة الاختناق أدق من رد هذه الظواهر إلى الرضا أو القبول وحدهما (Farrell & Newman, 2019; Lake, 2009; Tusikov, 2021).
تتمثل الآلية الثانية في وضع القواعد المؤسسية، حيث لا يُعاد إنتاج النظام الرقمي الأمريكي بالقوة وحدها، بل أيضًا من خلال المعايير وأطر الحوكمة والإجراءات التقنية والترتيبات القانونية التي تحول تفضيلات تاريخية إلى قواعد افتراضية للتنسيق. ويتجلى ذلك في إدارة النطاقات، وحوكمة الإنترنت والمنصات، ومعايير الأمن السيبراني، والنفوذ التنظيمي الناتج عن التشابك بين الشركات الأمريكية والمنظومات القانونية والمالية المرتبطة بها. ولا تكتفي هذه الترتيبات بعكس اختلالات القوة السابقة، بل تشارك في إعادة إنتاجها عبر تثبيت التوقعات، وضبط شروط الوصول، وتحويل قرارات سياسية تاريخية إلى ما يبدو ضرورات تقنية محايدة (DeNardis, 2014; Mueller, 2010).
أما الآلية الثالثة فتتمثل في التطبيع، حيث لا تقتصر المنصات الأمريكية على استضافة الحياة الرقمية، بل تحدد أيضًا معايير التواصل الفعال، والظهور المشروع، والبنية التحتية الموثوقة، والمشاركة المرغوبة. ومن هذا المنظور، تصبح المنصات مواقع لإنتاج وترسيخ أشكال الحس المشترك الرقمي. ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في هذا البعد، لأن استمرار استخدام هذه المنصات لا يعني بالضرورة إيماناً أيديولوجياً بالنظام، بل قد يعكس القبول النشط أو الاعتياد أو الضرورة العملية، أو الاندماج في بنى اتصال واقتصاد بيانات يصعب الفكاك عنها. لذلك، من الأدق القول إن المستخدمين والدول يساهمون بدرجات ودوافع مختلفة في إعادة إنتاج النظام الرقمي الأمريكي، بما يجعله يبدو طبيعياً وفعالاً وصعب التغيير (Couldry & Mejias, 2019; Srnicek, 2017; Van Dijck et al., 2018).
تزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى مسألة السلطة الخاصة، إذ لا تقتصر الهيمنة الرقمية الأمريكية على الدولة وحدها، بل تشمل أيضاً شركات تؤدي أدواراً شبيهة بالحكم في مجالات مثل التواصل والتجارة والتخزين السحابي وتوزيع التطبيقات، وأنظمة الدفع، والبنية التحتية للبيانات. ولا يمكن اختزال هذه الشركات في الدولة، لكنها لا تعمل أيضًا بصورة مستقلة عنها، بل تتحرك داخل بيئة تتشكل بفعل القوة القانونية الأمريكية والمركزية المالية والحماية الجيوسياسية، وإمكان الوصول إلى السوق والتقنية. النظام الرقمي الأمريكي أقرب إلى هيمنة هجينة تتقاطع فيها السلطتان العامة والخاصة، وتتبادلان التعزيز، من دون أن تتطابقا تطابقاً كاملاً (Cutler et al., 1999; Hall & Biersteker, 2002).
علاوة على ذلك، فإن الجغرافيا الفعلية لهذه الهيمنة ليست موحدة. ففي البيئات الرأسمالية المركزية، قد تظهر التبعية الرقمية كنوع من الراحة والاندماج الوظيفي، بينما تظهر في العديد من بلدان الجنوب العالمي بصورة أوضح من خلال نقص البنية التحتية، والاعتماد على خدمات سحابية خارجية، واستخراج غير متكافئ للبيانات، وضعف القدرات التنظيمية. وهذه النقطة أساسية، إذ يجب على أي تحليل غرامشي جاد أن يحدد من يُنظم رضاه، وعبر أية مؤسسات، وتحت أية شروط مادية. فبدون هذا التحديد، تميل تحليلات التطبيع إلى التركيز على خبرة الأسواق والمستخدمين في المركز، وتفقد قدرتها على تفسير التفاوت بين مواقع الهيمنة المختلفة (Couldry & Mejias, 2019).
ومع ذلك، لا يُعاد إنتاج هذا النظام فقط من خلال الروتين والمؤسسات، بل يدافع عنه أيضًا بالإكراه عندما ترتفع الرهانات الاستراتيجية. فالضوابط التصديرية والعقوبات والقيود على شركات معينة، ونقاط الاختناق في سلاسل أشباه الموصلات، ومحاولات استبعاد المنافسين من البيئات التكنولوجية الحساسة، تكشف أن النظام الرقمي يمكن أن يتحول بسرعة من الحوكمة المعتادة إلى الإكراه الصريح. وهذا لا ينفي الطابع الهيمني للنظام، بل يجعله أكثر وضوحاً، حيث تعمل الهيمنة هنا، بحسب السياق عبر التطبيع والمؤسسات والإنتاج الرمزي من جهة، وعبر الضغط المباشر، والاستبعاد، والعقاب من جهة أخرى. بناء على ذلك، تُفهم الهيمنة الرقمية الأمريكية على أنها متعددة الطبقات: بنيوية في أساسها المادي، ومؤسسية في حوكمتها، وإنتاجية في تطبيعها، وإكراهية عند الدفاع عن مواقعها الاستراتيجية (Barnett & Duvall, 2005; Farrell & Newman, 2019).
5. السيادة الرقمية وحدود التحليل الغرامشي الجديد
تشير النقاشات المعاصرة حول السيادة الرقمية إلى أن الهيمنة الأمريكية لا تُعاد إنتاجها على نحو سلبي أو تلقائي، بل تواجه بدرجات متفاوتة، مشاريع تهدف إلى تعزيز الاستقلال عن البنى التحتية والشركات وترتيبات الحوكمة المرتبطة بالولايات المتحدة. مع ذلك، فإن وجود الاعتراض لا يعني بالضرورة وجود مشروع مضاد للهيمنة وفقاً للمعيار الغرامشي الصارم. فالسؤال الجوهري لا يتعلق بوجود المقاومة فحسب، بل بما إذا كانت هذه المشاريع قادرة على بناء كتلة تاريخية بديلة، أي تحالف متماسك من المؤسسات والقوى الاجتماعية والقدرات المادية والرؤى الشرعية القادرة على إعادة تنظيم النظام الرقمي، وليس فقط تحسين شروط التفاوض داخله (Cox, 1987).
يُعد الاتحاد الأوروبي المثال الأبرز على السيادة الرقمية المؤسسية، من خلال أدواته التنظيمية وسياسات المنافسة وحماية البيانات وقدرته على وضع المعايير. مع ذلك، هذا المشروع رغم أهميته لا يصل إلى مستوى المشروع المضاد للهيمنة بالمعنى القوي، إذ يظل يتحرك ضمن الأفق المعياري والاقتصادي للرأسمالية الليبرالية. فهو لا يسعى لتجاوز رأسمالية المنصات من حيث المبدأ، بل يهدف إلى تنظيمها واستعادة هامش من الاستقلال التنظيمي في مواجهتها. في المقابل، تمثل الصين تحدياً أعمق بفضل منظوماتها الرقمية المحلية، وقوة الدولة، وعقيدة السيادة السيبرانية، لكنها لم تنجح حتى الآن في بناء كتلة تاريخية عابرة للحدود تحظى بشرعية واسعة خارج نطاق نفوذها المباشر. أما الأطروحات الصادرة من الجنوب العالمي، فتوفر نقداً قوياً للتبعية الرقمية والاستخراج غير المتكافئ، لكنها غالباً تفتقر إلى قاعدة بنيوية وتماسك مؤسسي وقدرة على بناء التحالفات اللازمة لترسيخ مشروع بديل متماسك. بناءً على ذلك، معظم ما يسمى اليوم بالسيادة الرقمية يمكن فهمه بدقة أكبر بوصفه تنازعاً داخل الفضاء الهيمني القائم، أو كتحصين رد فعلي، أو تكيف استراتيجي، أكثر من كونه مشروعاً مضاداً للهيمنة مكتمل البنية (Couldry & Mejias, 2019).
رغم أن التحليل الغرامشي الجديد يقدم قوة تفسيرية كبيرة، إلا أنه يواجه حدوداً أساسية يجب توضيحها أكثر مما هو شائع في كثير من التطبيقات لهذا الإطار. هذه الحدود ليست مجرد تحفظات جانبية، بل تتعلق بالسؤال الأساسي: متى يكون هذا الإطار أكثر تفسيراً من مفاهيم قريبة مثل التراتبية، السلطة الخاصة، التبعية، الشرعية، وقوة الشبكات الإكراهية؟
أول هذه الحدود يتمثل في التمدد المفاهيمي المفرط. ففي السياق الرقمي تحديداً، يمكن أن يتحول مفهوم الهيمنة إلى إطار شامل يضم تركز المنصات، ووضع المعايير، ومركزية البنية التحتية، والمراقبة، والحوكمة، وتشكيل الذوات، دون تمييز كاف بين هذه الظواهر. وعندما يحدث ذلك، يفقد المفهوم قيمته التفسيرية. تصبح الهيمنة أكثر فائدة عندما تشير تحديداً إلى تثبيت نظام غير متكافئ بوصفه طبيعياً أو مشروعاً أو كونياً. أما إذا كانت الظاهرة تُوصف بدقة أكبر من خلال مفاهيم مثل السيطرة الاحتكارية أو الإغلاق البنيوي أو الإقصاء الإكراهي، فإن الإصرار على تسميتها جميعاً هيمنة يؤدي إلى غموض التحليل (Barnett & Duvall, 2005; Worth, 2015).
الحد الثاني، وهو أكثر خطورة من الناحية المنهجية، يتعلق بمشكلة الرضا. في النظام الرقمي القائم على المنصات، ليس من الواضح دائماً ما الذي يمكن اعتباره رضا فعلياً. استمرار المشاركة في النظم المهيمنة قد يُفسر كعلامة تأييد، لكنه قد يكون أيضاً نتيجة للاعتياد، أو الاعتماد على المسار، أو سهولة الاستخدام، أو ارتفاع كلفة الانفصال، أو غياب البدائل المناسبة. ينطبق ذلك أيضاً على الدول: فقد يعكس الاصطفاف مع البنى الرقمية الأمريكية تقارباً معيارياً أحياناً، وفي أحيان أخرى يكون مجرد تكيف استراتيجي في بيئة غير متكافئة. في هذا السياق، تظهر الحاجة إلى الاستفادة من أدبيات الشرعية ضمن التحليل الغرامشي الجديد، حتى لا تختلط المسايرة الصامتة بالقبول الفعلي، ولا يُفسر كل امتثال على أنه رضا فقط لأنه لا يحدث تحت تهديد مباشر (Beetham, 2013; Hurd, 1999).
أما الحد الثالث فيتعلق بمشكلة العلاقة بين الدولة ورأس المال. غالباً ما تستمد الغرامشية الجديدة قوتها من قدرتها على تصور الهيمنة كاصطفاف تاريخي بين قوى اجتماعية ودول ومؤسسات. إلا أن هذه القوة قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا أدت إلى تصور مفرط التماسك لوحدة الدولة ورأس المال. ففي المجال الرقمي، العلاقة بين الدولة الأمريكية وشركات التكنولوجيا الكبرى قوية بلا شك، لكنها ليست متطابقة ولا تخلو من التوترات. تمارس هذه الشركات أشكالاً من السلطة الخاصة التي قد تتوافق مع المصالح الجيوسياسية الأمريكية، لكنها قد تختلف أو تتقاطع معها جزئياً فقط. بناء عليه، يتطلب التحليل الأكثر صرامة تحديد العلاقة الملموسة بين الاستراتيجية الدولتية، والحوكمة الخاصة، والبيئة القانونية، والتراكم العابر للحدود، بدلاً من افتراض وجود كتلة هيمنية متجانسة منذ البداية (Cutler et al., 1999; Hall & Biersteker, 2002).
يتعلق الحد الرابع بما يمكن تسميته الارتداد الإكراهي. إذ توحي اللغة الغرامشية الجديدة، في بعض استخداماتها، بأن النظم الهيمنية تعتمد أساساً على الأشكال الناعمة من الإدماج المؤسسي والفكري. لكن الحالة الرقمية توضح أن هذه النظم قد تُدافع عنها باستخدام الإكراه الصريح عندما يفشل التطبيع أو تصبح كلفته السياسية مرتفعة. الضوابط التصديرية، العقوبات، والإقصاء التكنولوجي كلها تدل على أن النظام الهيمني لا يُعاد إنتاجه فقط عبر الرضا والحس المشترك، بل يُحمى أيضاً بأدوات الضغط المباشر. هذا لا ينفي التحليل الغرامشي الجديد، لكنه يفرض ضرورة الاعتراف الواضح بتعايش الإكراه والتطبيع داخل النظام نفسه (Barnett & Duvall, 2005; Farrell & Newman, 2019).
بينما يتعلق الحد الخامس بمسألة النقل السياقي. فقد نشأت مفاهيم غرامشي من تحليل الحكم الطبقي الوطني في أوروبا أوائل القرن العشرين، بينما تعمل الرأسمالية الرقمية اليوم عبر بيئات منصات عابرة للحدود، ووساطات خوارزمية فردية، وترتيبات حوكمة هجينة تجمع بين القطاعين العام والخاص. هذا لا يعني أن غرامشي فقد أهميته، بل يشير إلى أن تطبيقه يتطلب إعادة بناء واعية لأدواته، وليس مجرد القياس أو الاستعارة. وإذا لم يُنجز هذا العمل النظري بوضوح، يتحول الإطار الغرامشي إلى لغة جذابة أكثر منه أداة تحليلية دقيقة (Lacher, 2007; Worth, 2015).
مع ذلك، هذه الحدود لا تلغي التحليل الغرامشي الجديد، بل تساعد في تحديد مجاله وشروط استخدامه. يصبح هذا التحليل أكثر إقناعاً عندما تدمج اللامتكافئات الرقمية في مؤسسات وتُعرض كترتيبات محايدة أو عامة، ويكون أقل إقناعاً عندما تفسر المشاركة بشكل أدق من خلال الضرورة البنيوية أو الإغلاق الاحتكاري أو الإكراه الاستراتيجي الصريح.
خاتمة
تخلص هذه المقالة إلى أن الواقعية والغرامشية لا تقتصران على تقديم تعريفين مختلفين للهيمنة، بل تركزان أيضاً على لحظات وآليات متباينة في تشكل النظام الهيمني. تظل الواقعية أداة أساسية لفهم كيفية بناء النظام الهيمني بشكل استراتيجي وترسيخه مادياً عندما تكون القدرات غير متكافئة. كما تفسر لماذا ينجح بعض الفاعلين في تحقيق التفوق البنيوي في البنية التحتية، والمزايا التكنولوجية، والنفوذ الجيوسياسي، مما يمنحهم القدرة على تشكيل النظام الدولي بشكل غير متوازن. مع ذلك، لا يكفي التفوق المادي وحده لتفسير استقرار النظام أو صعوبة منازعته. هنا تظهر أهمية الغرامشية والغرامشية الجديدة، حيث تنقل التحليل إلى مستوى المأسسة والتطبيع وتنظيم الرضا الجزئي.
توضح حالة الهيمنة الرقمية الأمريكية هذا الاختلاف بوضوح. فالتفوق الأمريكي في المجال الرقمي لا يرتبط فقط بالقدرة الاستراتيجية أو الأيديولوجيا، بل يقوم على مزيج تاريخي من التفوق التكنولوجي، والإغلاق البنيوي للبنية التحتية، وصياغة القواعد المؤسسية، والسلطة الخاصة، وتطبيع الحياة عبر المنصات الرقمية. تشرح الواقعية كيف حصلت الولايات المتحدة على هذا الموقع وكيف تدافع عنه، بينما تبرز الغرامشية الجديدة آليات إعادة إنتاج هذا الموقع بعيداً عن الإكراه المباشر من خلال المؤسسات والمعايير والمشاركة المؤسسية. مع ذلك، تطرح هذه الحالة تحديات مفهومية أمام التحليل الغرامشي الجديد. فقد يصبح مفهوم الهيمنة واسعاً جداً، ويظل التمييز بين الرضا والتكيف المقيد معقداً، كما تحتاج العلاقة بين الدولة ورأس المال إلى مزيد من الدقة. ويظل النظام الرقمي قادراً على التحول من الحوكمة إلى الإكراه الصريح بسرعة أكبر مما تشير إليه بعض الأدبيات الغرامشية.
لذلك، لا يمكن اعتبار الواقعية قد تم تجاوزها أو أن الغرامشية الجديدة قد استوعبتها تماماً. فهم الهيمنة في العصر الرقمي يتطلب رؤية متعددة الجوانب. تظل الواقعية أكثر قدرة على تفسير البناء الاستراتيجي والدفاع القسري، بينما تبرز الغرامشية الجديدة في تفسير إعادة الإنتاج المؤسسي والتطبيع وأزمات الشرعية. وتبقى الأدبيات حول الشرعية، والتراتبية، والسلطة الخاصة، والاعتماد المتبادل المسلح ضرورية لسد الفجوة بين هذين المستويين من التحليل.
في ظل نظام دولي يتشكل بشكل متزايد عبر البنى التحتية والمعايير وأشكال الحياة التي تفرضها المنصات، لم يعد السؤال الأساسي هو من يمتلك القوة فقط، بل كيف يتم تنظيم هذه القوة كنظام، وكيف تصبح جزءاً طبيعياً من الحياة، وكيف يتم الدفاع عنها عند التحدي. في هذا السياق، تتجاوز الهيمنة التفوق لتشمل التنظيم التاريخي للسلطة، حيث يتحول الامتلاك إلى مركزية، والمركزية إلى قاعدة، والقاعدة إلى أمر مألوف، ثم يتم حماية هذا الوضع عند التحدي. هكذا تصبح الهيمنة في العصر الرقمي مرتبطة بإنتاج النظام وصناعة الامتثال وتشكيل الحياة اليومية، وليس فقط بتوزيع القوة.
المصادر:
1. Barnett, M., & Duvall, R. (2005). Power in international politics. International Organization, 59(1), 39–75. https://doi.org/10.1017/S0020818305050010
2. Beetham, D. (2013). The legitimation of power (2nd ed.). Palgrave Macmillan.
3. Bieler, A., & Morton, A. D. (2004). A critical theory route to hegemony, world order and historical change. Capital & Class, 28(1), 85–113.
4. Couldry, N., & Mejias, U. A. (2019). The costs of connection: How data is colonizing human life and appropriating it for capitalism. Stanford University Press.
5. Cox, R. W. (1981). Social forces, states and world orders: Beyond international relations theory. Millennium: Journal of International Studies, 10(2), 126–155.
6. Cox, R. W. (1983). Gramsci, hegemony and international relations: An essay in method. Millennium: Journal of International Studies, 12(2), 162–175. https://doi.org/10.1177/03058298830120020701
7. Cox, R. W. (1987). Production, power, and world order: Social forces in the making of history. Columbia University Press.
8. Cutler, A. C., Haufler, V., & Porter, T. (Eds.). (1999). Private authority and international affairs. State University of New York Press.
9. DeNardis, L. (2014). The global war for internet governance. Yale University Press.
10. Farrell, H., & Newman, A. L. (2019). Weaponized interdependence: How global economic networks shape state coercion. International Security, 44(1), 42–79. https://doi.org/10.1162/isec_a_00351
11. Gilpin, R. (1981). War and change in world politics. Cambridge University Press.
12. Gilpin, R. (1987). The political economy of international relations. Princeton University Press.
13. Gill, S. (Ed.). (1993). Gramsci, historical materialism and international relations. Cambridge University Press.
14. Gramsci, A. (1971). Selections from the prison notebooks (Q. Hoare & G. N. Smith, Eds. & Trans.). International Publishers.
15. Hall, R. B., & Biersteker, T. J. (Eds.). (2002). The emergence of private authority in global governance. Cambridge University Press.
16. Hurd, I. (1999). Legitimacy and authority in international politics. International Organization, 53(2), 379–408.
17. Ikenberry, G. J. (2001). After victory: Institutions, strategic restraint, and the rebuilding of order after major wars. Princeton University Press.
18. Keohane, R. O. (1984). After hegemony: Cooperation and discord in the world political economy. Princeton University Press.
19. Kindleberger, C. P. (1973). The world in depression, 1929–1939. University of California Press.
20. Lacher, H. (2007). The political economy of the new imperialism: A critical appraisal. In M. Rupert & H. Smith (Eds.), Historical materialism and globalization (pp. 84–109). Routledge.
21. Lake, D. A. (2009). Hierarchy in international relations. Cornell University Press.
22. Lukes, S. (2005). Power: A radical view (2nd ed.). Palgrave Macmillan.
23. Mearsheimer, J. J. (2001). The tragedy of great power politics. W. W. Norton.
24. Mueller, M. L. (2010). Networks and states: The global politics of internet governance. MIT Press.
25. Srnicek, N. (2017). Platform capitalism. Polity.
26. Tusikov, N. (2021). Chokepoints: American power in the age of economic warfare. Oxford University Press.
27. Van Dijck, J., Poell, T., & de Waal, M. (2018). The platform society: Public values in a connective world. Oxford University Press.
28. Waltz, K. N. (1979). Theory of international politics. Addison-Wesley.
29. Worth, O. (2015). Rethinking hegemony. Palgrave Macmillan.





