متى يتحول التقليد إلى وقود للصراع؟
التقليد سوسيولوجياً
تمهيد
يتعلم الطفل العالم قبل أن يفهمه. يبدأ بتقليد الأصوات التي يسمعها، ثم ينتقل بسرعة إلى تقليد ما يراه: حركات في البيت، أساليب كلام في المدرسة وفي الشارع وعلى الشاشات. بمرور الوقت يبدأ بتشكيل معاييره الأولى لما هو خير أو شر، فيقلد مثال أعلى مثل الأب. حين يقرر لاحقاً أن يكون متمرداً، فهو في الأغلب لا يغادر منطق التقليد بل يبدل وجهته، يترك نموذجاً ليلتحق بآخر، يستبدل صورة الأب بصورة شاعر أو فنان أو ثائر. وهكذا يمضي مراحل حياته. ما نسميه استقلالاً ذاتياً هو في عمقه، انتقالا من محور تقليد إلى محور آخر.
التقليد جزء من البنية التكوينية للحياة الاجتماعية. فهو آلية تأسيسية نكتسب عبرها اللغة والمعايير والصور الأولى لما نعتبره حياة جيدة أو مقبولة. غير أن الأداة نفسها التي تسمح بالاندماج والتعلم يمكن أن تتحول إلى آلية لإنتاج التوتر ومحرك للصراع. تحفز إمكانية التحول سؤال عن متى ينتقل التقليد من أن يكون وسيلة للاندماج إلى أن يصبح وقودا للتوتر والصراع؟
يتأسس هذا المقال على افتراض بسيط في صيغته ومعقد في تبعاته. الافتراض مفاده أن التقليد ليس شرا في ذاته، كما أن الأصالة ليست حالة نقية يمكن استعادتها بمجرد قرار ثقافي أو سياسي. لا يصبح التقليد مولدا للصراع لمجرد احتذاء نموذج ما، إنما عندما يتقاطع مع بنية غير متكافئة في القوة ومع اقتصاد هش للاعتراف والهوية والرغبة. عند هذا التقاطع يتحول التقليد إلى تجربة إذلال دائم تنبثق منها أشكال مختلفة من الصراع: ضد الذات، أو ضد النموذج، أو ضد آخرين يُنظَر إليهم كأقرب إلى هذا النموذج. لا يحدث هذا التقاطع بشكل عشوائي، بل تزداد حدتُه وتتكثف آثاره كلما تضافرت أربعة شروط متداخلة، وسأدعوها شروط التقاطع الحرج:
أولا، وجود فجوة كبيرة في علاقات القوة بين المقلد والمقلد. حيث ينتقل النموذج من موقع المرجعية إلى موقع معيار للحكم على القيمة. في هذه الحالة يُدفَع الطرف الأضعف إلى موقع التابع الذي يُقاس دائما بميزان المقلد، وتُعاد صياغة علاقته بنفسه وبعالمه ضمن حالة من التبعية المادية والمعرفية والرمزية.
ثانيا، اقترن التقليد بطلب اعتراف من موقع تابع تجاه مركز يتعامل مع ذاته بوصفه المعيار. عندئذ يتحول التقليد إلى سعي دائم لملاحقة صورة لا تسمح أبدا بالقبول أو تحقيق المساواة والندية. كل خطوة في اتجاه النموذج تؤكد في الوقت نفسه المسافة عنه، فتُعمق التبعية بدل أن تُقلصها.
ثالثا، إنسداد أو إضعاف قنوات إعادة تعريف الهوية من الداخل. عندما تُفرض على الأفراد والجماعات صيغ جاهزة لما ينبغي أن يكونوا عليه. في ظل هذا الانسداد لا تعود هناك إمكانية فعلية لتوليد تعريف ذاتي منبثق أو مشتق من التاريخ الخاص والخبرة المتراكمة، بل يُختزل مجال الاختيار إلى مدى النجاح في تقليد الهوية المفروضة أو الفشل في ذلك.
رابعا، تعميم عبر الإعلام والسوق والمؤسسات لأنماط حياة ورغبات ونماذج مؤسسية لا يمكن تحقيقها فعليا لغالبية الفاعلين بحكم بنية القوة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية القائمة. عندئذ يتحول التقليد إلى مطاردة مستحيلة: تُعرض صورة معينة للحياة الجيدة أو الدولة النموذجية أو الفرد الناجح، بينما تظل الشروط المادية والهيكلية اللازمة للاقتراب من هذه الصورة غائبة أو محتكرة. الفجوة بين ما يُقدم كمعيار وبين ما يمكن تحقيقه عمليا هي بالضبط المساحة التي يتكثف فيها الإحساس بالنقص والإذلال، ومنها تنطلق توترات وصراعات بأشكال متعددة.
دراسة التقليد اجتماعيا لا يمكن أن تظل في مستوى الأخلاق العامة أو الاستقلال الثقافي المجرد؛ بل تتطلب تفكيكا متوازيا لثلاثة مستويات متشابكة: مستوى نفسي–فردي تُعاد فيه صياغة الرغبة وطلب الاعتراف تحت ضغط نموذج متفوق، ومستوى جماعي–هوياتي تُعاد فيه هندسة الانتماءات والأسماء والرموز وفق قوالب مستوردة أو مفروضة، ومستوى دولي تُدار فيه حركة التقليد عبر مؤسسات النظام العالمي واقتصاد السوق ومنصات الاتصال. عند هذه العتبة لا يعود التقليد اختيارا بريئا، بل جزءا من منطق أوسع لإنتاج التبعية والإذلال أو إعادة توجيههما.
التقليد كشرط للتكامل والابتكار
في الاستعمال اليومي يبدو التقليد فعلاً بسيطاً، شخص يفعل ما يفعله آخر. غير أن المنظور السوسيولوجي يراه آلية محاكاة تُعيد إنتاج الأنماط اللغوية والرمزية والمؤسسية داخل الجماعة، أي الطريقة التي يتعلم بها الأفراد “كيف يكون المرء مثل الآخرين” في الكلام والسلوك والانتماء. على الرغم من بساطة الصورة الأولى، يتوقف أثر التقليد في شد النسيج الاجتماعي أو تفجيره على الحقل الذي يعمل فيه: موقعه في بنية القوة، والحدود المرسومة لما يمكن أن تُعرف به الهوية، وطبيعة الموارد والرغبات التي يجري التزاحم عليها. في هذا السياق، يصبح من الضروري ضبط المفهوم على مستويين متعارضين في الظاهر: تقليد يساهم في التكامل والابتكار، وتقليد يطلق ديناميات الصراع و”الرغبة المقلدة”.
يرى غابرييل تارد المجتمع شبكة كثيفة من التأثير المتبادل، يتحرك فيها الأفراد أساساً عبر التقليد، مع فسحتين أضيق للمعارضة والابتكار. التقليد هو الحركة الأوسع، لأنه القناة التي تنتقل عبرها اللغة والعادات، ولا تستقر القوانين والمؤسسات إلا عندما تتحول إلى أنماط يُقتدى بها ويُعاد إنتاجها في الحياة اليومية. عندما يتكلم الناس اللغة نفسها، ويتشاركون إيماءات وقواعد سلوك متقاربة، فهذا يعني أنهم منخرطون سلفاً في اقتصاد منظم من التقليد المتبادل. في هذا المنظور، لا يكون التقليد عرضاً ثانوياً، بل شرطاً تأسيسياً للاجتماع من دونه لا تنشأ لغة مشتركة، ولا توقعات متبادلة، ولا “قواعد لعبة” يتصرف الأفراد على أساسها.
مع ذلك لا يساوي تارد بين كل أشكال التقليد. يمكن قراءة عمله بوصفه يميز ضمنياً بين نمطين متمايزين: نمط أول هو التقليد الأعمى، يكرر ما هو سائد بلا مساءلة، ويحول الأعراف إلى مسلمات صلبة تعيق التغيير وتُجمد القدرة على النقد، ونمط ثانٍ هو التقليد المتفاعل الذي يمر عبر بوابة الابتكار، حيث تلتقط الأفراد والجماعات عناصر جديدة – اختراعاً تقنياً أو تنظيماً إدارياً أو أسلوب تفكير – ثم تعيد توطينها داخل نسيجها الاجتماعي. هنا لا يعود التقليد نقيضاً للابتكار، بل شرطاً لتحوله إلى قوة تاريخية، فالابتكار يموت إذا لم يصل الاخرين، والفكرة الجديدة تبقى هامشية ما دامت حكراً على صاحبها، وما يمنحها وزناً هو أن تُقلد، وأن يُبنى عليها وتتعاظم عبر تكرارها في بيئات متعددة.
ثورستين فيبلين يلتقط الوجه الاستراتيجي لمنطق انتشار الابتكار حين يحلل النهضة اليابانية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. يرى فيبلين التحديث الياباني لم يكن استيراداً مستسلماً لنموذج غربي جاهز، بل ممارسة دقيقة لنمط محدد من التقليد. يميز فيبلين بين “تقليد الوسائل” و”تقليد الغايات”: الأول يعني استعارة الأدوات والتقنيات والتنظيمات الإدارية والعسكرية والصناعية، والثاني يعني تبني الرؤية الأخلاقية والفلسفية والمعايير الروحية للمركز المتفوق. أهمية المثال الياباني في أنه يُظهر إمكانية فصل المجالين: اليابان استعارت تقنيات الإنتاج والتنظيم العسكري وبعض أشكال الإدارة والقانون، لكنها لم تُعلن قطيعة مع بنيتها الثقافية ورؤيتها الأخلاقية، بل استخدمت ما استعارته لترميم الفجوة المادية مع الحفاظ على استمرارية رمزية.
تقدم التجربة اليابانية نموذجا مبكراً لما يمكن تسميته “تقليداً نقدياً”، تقليد ينتقي الوسائل والأدوات اللازمة لسد فجوة القوة، لكنه يصر على إعادة تعريف الغايات والمعايير من داخل أفق محلي، فلا يذوب في المركز ولا ينغلق في ادعاء أصالة مصمتة. التفريق بين الوسائل والغايات يكشف وظيفة إضافية للتقليد، تحوله إلى استراتيجية قوة عندما يُمارس انتقائياً وبوعي بفارق السياقات. المجتمع الطرفي أو غير المهيمن ليس محكوماً بأن يستورد النموذج كما هو، باستطاعته أن يجعل من التقليد ساحة صراع رمزي مع المركز، بدل من أن يتركة قناة لتمرير هيمنة المركز، فيستوعب الأدوات الحديثة مع احتفاظه بحق تعريف مقاصده الخاصة. عندئذ لا يعود التقليد علامة دونية بالضرورة، بل أداة ممكنة لالتقاط ما يلزم من العالم من دون التنازل عن مبدأ الاستقلالية.
غير أن هذه الصورة الإيجابية لا تستنفد وجوه الظاهرة. حتى عندما يوفر التقليد حداً من التجانس والقدرة على التعلم والابتكار، يظل يحمل في داخله قابلية للانقلاب إلى مصدر توتر وصراع، لا عبر تغيّر “جوهره”، بل بفعل تغير شروط ممارسته: من يقلّد من؟ وعلى أي أرضية من القوة والموارد؟ وما طبيعة الرغبات والسلع والرموز التي يجري التزاحم عليها؟ عند هذه الأسئلة يبدأ محور القوة والاعتراف، ومحور اقتصاد الرغبة والندرة، في إعادة تعريف معنى الفعل نفسه، وهو ما ستتتبعه الأقسام اللاحقة على المستويات النفسي والهوياتي والبنيوي.
التقليد كآلية للصراع والرغبة المقلدة
إذا كان بوسعنا أن نفهم التقليد على مستوى السلوك بوصفه إعادة إنتاج لما يفعله الآخر أو يمتلكه، فإن رينيه جيرار يدفع التعريف خطوة أعمق، فهو يرى أن جوهر التقليد يكمن في تقليد الرغبة لا تقليد الفعل. وفقاً لهذا التصور، ما نعده جديراً بالرغبة لا ينبع من علاقة مباشرة بموضوع مستقل نكتشف قيمته بذاته، بل من مراقبة ما يرغبه من نعتبرهم نماذج. فالطفل يتعلم ماذا يريد من خلال النظر إلى ما يريده غيره، والطالب يختار مهنته وهو يستحضر في ذهنه أشخاصاً يشغلون موقع المثال الأعلى بالنسبة له أو المكانة التي يتطلع إليها. عندئذ لا تعود العلاقة بين الذات والشيء علاقة ثنائية مباشرة، بل تصبح مثلثاً يضم ذاتاً راغبة، ونموذجاً يُقتدى به، وموضوعاً للرغبة يتوسط بينهما ويستمد جاذبيته من مروره عبر عين النموذج لا من قيمته المباشرة.
ما إن ندخل هذا المثلث حتى يغدو التقليد، في السلوك والرغبة معاً، المحرك الخفي للتوتر. فالذات لا تكتفي بأن ترى الشيء مرغوباً، بل ترى النموذج نفسه جديراً بالاقتداء، فتشرع في التشبه به: في طريقة عيشه، وذوقه، واختياراته. وكلما اقتربت منه، اكتشفت المسافة التي لا تُردم. عند هذه اللحظة يتحول النموذج إلى منافس، الشخص الذي كان مرجعاً يصبح عائقاً لأنه يحتل الموقع الذي تريد الذات أن تصل إليه. هنا ينقلب معنى التقليد - ما كان عند تارد آلية للتكامل الاجتماعي يصير، في أفق جيرار، آلية تُنتج قابلية كامنة للصراع.
ما يميز منظور جيرار أن الصراع لا ينشب لأن الأفراد مختلفون جذرياً في قيمهم، بل لأنهم متشابهون أكثر مما يحتملون. التشابه في الرغبات هو الذي يصنع التنافس، فكلما اتسعت دائرة التقليد الميميتي اتسعت معها دائرة التشابه، وتضخم حقل المواجهة المحتملة: أصدقاء يتحولون إلى خصوم لأنهم يطاردون الوظيفة ذاتها أو المكانة ذاتها أو الاعتراف ذاته، جماعات سياسية تتصارع على احتكار الخطاب نفسه باسم “الشعب”، دول تتنازع على موقع واحد في سُلم الهيبة الدولية. مع تراكم هذا النمط من التنافس المقلد، يغدو المجتمع – في تصور جيرار – بحاجة إلى آلية لتصريف العنف الكامن، وهنا تتبلور لاحقاً وظيفة كبش الفداء بوصفها مخرجاً رمزياً من منطق الصراع الميميتي.
هذا التصور لا ينفي أن التقليد شرط للتعلم، لكنه يكشف طبقة أعمق: كل تقليد لرغبات الآخر يحمل إمكان أن ينقلب إلى خصومة معه. لذلك يشدد جيرار على أن التقليد ليس قناة بريئة لنقل السلوك، بل بنية تحتية للصراع، خاصة حين يتمحور حول أشياء أو مواقع تُعرف بوصفها نادرة أو حصرية. في هذا المستوى يظهر محور اقتصاد الرغبة والموارد المحدودة: كلما توحدت الرغبات المقلَّدة حول موارد قليلة، اشتد الاحتكاك بين من يتشابهون في طلب الشيء نفسه.
في كثير من الديمقراطيات الليبرالية المعاصرة، حيث تتقارب تطلعات الطبقات الوسطى إلى الأمان الوظيفي والاستهلاك والاعتراف الاجتماعي، وتتقارب معها برامج الأحزاب الاقتصادية والسياسية إلى حد يصعب معه التمييز بينها، يُعاد توجيه الاحتقان الناجم عن هذا التشابه عبر صناعة كبش فداء، غالباً من المهاجرين أو الأقليات، يُحمل وزر فشل نظام لا يريد أحد الاعتراف بعِلَلِه البنيوية. عوض الإقرار بأن الخلل في بنية سوق عمل تنتج الهشاشة، وفي نظام تمثيل سياسي يميل إلى إعادة إنتاج النخب ذاتها، يُقال للناس إن الآخر هو من سرق وظائفهم وهدد هويتهم. في هذا السياق يعمل المنطق الميميتي: مواطنون متشابهون في مواقعهم الاجتماعية ومخاوفهم، وزعيم يطرح نفسه نموذجاً لرغبة غاضبة في استعادة الاعتبار، وموضوع رغبة يتمثل في وظيفة أو أمان أو هيبة وطنية مسروقة. وبما أن هذا الموضوع يُقدم بوصفه مورداً نادراً أو مهدداً، يصبح التخلص من كبش الفداء هو المسار الأسهل لتصريف العنف المتراكم، من غير الاقتراب من البنية التي صنعت هذا التنافس المقلد ابتداءً.
آلية مزدوجة
يضعنا الفارق بين تارد وجيرار أمام صورتين متعارضتين ظاهريا للآلية نفسها. تارد يدرج التقليد ضمن البنى المؤسسة للتكامل الاجتماعي – أي كآلية ضرورية تتيح تشكيل شروط التكامل من لغة وقيم ومؤسسات مشتركة – غير أن هذا التصور، رغم عمقه، يفترض قدرًا من الحياد في فعل التقليد. لذلك من الضروري أن نعيد طرح أسئلة من زاوية مختلفة جذريًا: ماذا لو لم يكن التقليد مجرد شرط للتماسك، بل أيضًا مولدًا ضمنيًا للصراع؟ ماذا لو كان التقليد لا يعمل دومًا في بيئة متكافئة؟ ماذا لو أن الرغبة نفسها لا تتشكل بصورة مستقلة، بل تُصاغ عبر نظر الآخر؟
ينعطف المنظور مع رينيه جيرار. ففي مقابل نظرية تفسر التقليد كقناة لإستمرارية الأنماط الاجتماعية (عند تارد)، نقف مع جيرار أمام تصور للتقليد كمحرك خفي للرغبة ومن ثم التوتر الاجتماعي. هنا تتغير زاوية النظر: ننتقل من آلية تُنتج الانسجام إلى آلية تُنتج الصراع، لا نتيجة خلل فيها، بل نتيجة اشتغالها في حقل رغبات متشابهة ومواقع رمزية غير متكافئة. في هذا التصور، كلما ازداد التشابه، زادت احتمالات الانفجار – لأن التقليد لا يُقرب الفاعلين فحسب، بل يجعلهم يتنافسون على الموضوع نفسه. باختصار، تصور التقليد عند جيرار يفتح الباب لصراع ميميتي متصاعد، كلما ازدادت درجة التشابه في الرغبات بين الفاعلين.
مع رينيه جيرار تنقلب زاوية النظر. لا يعود التقليد قناة لنقل الأنماط الاجتماعية فحسب، يظهر بوصفه المحرك الخفي لتكون الرغبة ذاتها، ومن ثم للتوتر الاجتماعي. تتشكل الرغبة عبر نظر الذات إلى آخر يُتخذ نموذجاً، ما يرغبه الآخر يصبح دليلاً على ما يستحق الرغبة. هكذا ينتج التقليد تشابهاً متزايداً في الرغبات داخل حقل غير متكافئ في المواقع الرمزية والموارد، فيتحول من عامل انسجام إلى شرط لصراع ميميتي. كلما ازداد التشابه في ما يطمح إليه الفاعلون، ضاقت المساحة الفعلية لتقاسم ما يرغبون فيه، وارتفعت احتمالات التنافس العدائي على الموضوع ذاته. وفق هذا التصور، لا يكون الصراع انحرافاً عن وظيفة التقليد، بل أحد مخرجاته البنيوية حين يشتغل في سياق رغبات متشابهة ومواقع غير متكافئة.
بدل اختيار أحد المنظورين ورفض الآخر، الأجدى من وجهة نظري التعامل مع التقليد كآلية واحدة ذات قابلية مزدوجة: يمكن أن تدعم التكامل كما يمكن أن تغذي الصراع، يحصل ذلك تبعا لشروط الحقل الذي تعمل داخله.
عندئذ يصبح المنظوران كطبقتين لتحليل الظاهرة نفسها: في مستواه الأول التقليد آلية لا يمكن إلغاء ضرورتها: البشر يتعلمون بالاقتداء، ويحتاجون قدرا من التشابه كي يعيشوا معا. لكن التقليد، حين يُنقل إلى مستوى الرغبات والمكانة والاعتراف – يتعرض لانحراف محتمل. عندما يتحرك داخل فضاء يطغى عليه لا تكافؤ القوة، وندرة الموارد، ووجود مركز يُعرف معايير القيمة، يصبح ميدانا للتنافس والإقصاء.
خاتمة
لا تكمن المسألة في أن التقليد قابل للصراع فحسب، بل في أن هذه القابلية ليست قدراً نفسياً ولا عيباً أخلاقياً، بل حصيلة لشروط حقل بعينه: فجوة قوة لا تُردم، وطلب اعتراف يصعد من موقع تابع إلى مركز متفوق، وأفق مغلق لتعريف الذات، وسوق مادي ورمزي يَعِد بما يتجاوز طاقة البنى على التحقيق. في مثل هذا الحقل يتحول التقليد من آلية تأسيسية للتعلم والتكامل إلى خبرة إذلال متجددة، وإلى نمط منظم للرغبة المقلدة يراكم التشابه في التطلعات ويُضيق في الوقت نفسه إمكانات تحقيقها، فينشأ الصراع لا من اختلاف جذري، بل من تشابه خانق حول عدد محدود من مواقع الهيبة والنجاح والاعتراف.
المطلوب ليس سؤالاً أخلاقياً من قبيل “هل نحن مقلِدون أم أصيلون؟” بل سؤال أكثر تركيباً “أي نوع من التقليد نمارس، وتحت أي بنى للقوة والهوية والرغبة؟”، في هذا السياق يمكن التمييز بين تقليد نقدي ينتقي الوسائل لتقليص فجوة القوة ويصر على أن تبقى الغايات معرفة من الداخل، وبين تقليد تابع يطارد نموذجاً مغلقاً يحول كل محاولة للحاق به إلى مناسبة جديدة لتثبيت التبعية. هنا يصبح التعارض رؤية التقليد كشرط للاجتماع والابتكار، ووضعه في قلب الصراع الميميتي، دليلاً على ازدواجية بنيوية في الآلية نفسها: استعداد للتكامل واستعداد للصراع، يُرجح أحدهما على الآخر تبعاً للطريقة التي يُنظم بها الحقل وتُدار فيه الرغبة ويُوزع الاعتراف.
ستحاول المقالات التالية تتبع هذا المنطق عبر هذه المستويات الثلاثة، تمهيدا لصياغة نموذج يفسر لماذا تتشابه مسارات الإحباط والتمرد في سياقات تبدو متباعدة.





