بقلم : يان آيكينغ
عام 1865، اجتمع في باريس مندوبون عن عشرين بلداً، في زمن كان مفهوم البلد يتسع للإمبراطورية العثمانية كما يتسع لمدينة هامبورغ الحرة، لتأسيس الهيئة التي ستصبح لاحقاً الاتحاد الدولي للبرق. كانت المهمة التي واجهتهم تقنية بقدر ما هي بعيدة الأثر: توحيد أنظمة الإشارات كي تعبر الرسائل الحدود من دون تأخير أو تحريف. أدخلت الاتفاقات الإقليمية قدراً من التجانس على خطوط البرق البرية في أوروبا؛ أما الآن، فكان المطلوب توحيد هذه البنية التحتية على نطاق العالم.
أصر المشاركون على ألا مكان للسياسة في اجتماعهم. فالبرق، في نظرهم، شأن أسلاك وشفرات وكفاءة، شأن قوة كهربائية لا سلطة سياسية. ولخص السناتور الفرنسي ورئيس المؤتمر إدوار دروان دو لوي هذا التصور في كلمة ألقاها أمام الوفود، فقال: إذا كانت «غالباً ما تنشأ الحروب من سوء الفهم»، فإن «تيسير تبادل الأفكار بين الشعوب» عبر «هذا التيار الكهربائي الذي يحمل الفكر عبر الفضاء» كفيل بإزالة أحد أسبابها. وذهب إلى أن عمل «رجال الصفوة» المجتمعين في باريس قد يجعل النزاع السياسي نفسه من مخلفات الماضي.
لكن خطوط البرق المراد توحيدها أثبتت بالفعل قيمتها الهائلة بوصفها أدواتٍ للإمبراطورية والقيادة العسكرية والهيمنة التجارية. لذلك رجحت القرارات المتخذة في باريس بشأن المعايير كفة شركات ودول ومسارات عبور بعينها. لم تعطل دعاوى الحياد التقني اختلالات القوة القائمة، وإنما أعادت صياغتها في صورة قواعد تنظيمية.
غدا هذا المنطق منذ ذلك الحين من ثوابت العلاقات الدولية. فمن مؤسسات الإقراض إلى وكالات الصحة العامة، لا تستعين المنظمات الدولية بالخبراء التقنيين، من اقتصاديين وعلماء طب، لفهم المشكلات وحلها فحسب؛ إنها تستخدمهم أيضاً لتقديم نفسها باعتبارها ملاذات تعلو على معترك الصراع والتنافس، وتعمل في حيز تصنع فيه الأدلة السياسات. ومن هذا الموقع تعلن براءتها. فعندما تشتد ضغوط التمويل، أو يلوح الشلل الجيوسياسي، أو تتصاعد المعارضة الشعبوية، تعامل هذه القوى تقريباً على أنها عوامل خارجية. عندما وصف جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي آنذاك، العالم غير الأوروبي عام 2022 بأنه «غابة»، لم يستدعِ صورة كولونيالية فحسب؛ لقد قدم أيضاً صورة جذابة للاتحاد الأوروبي باعتباره مأوى من العاصفة. ويظهر اليوم ثمن هذا النوع من الإنكار بوضوح مؤلم، فيما يُضطر الاتحاد إلى إعادة تعريف موقعه في السياسة العالمية.
في عام 1782، كتب الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام أن القانون الدولي سوف «يحلق فوق ضباب الأحكام المسبقة». تدعم المنظمات الدولية ذات الرؤية؛ فادعاء هذا الوضع مصدر أساسي من مصادر شرعيتها. وقد يكون الحياد، بالنسبة إلى مؤسسة مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، شرطاً لازماً لأداء مهمتها. أما في حالة مؤسسة مثل صندوق النقد الدولي، فيسهل تقويض ادعاء الحياد ما إن يتضح الانحياز السياسي الكامن، مثلاً، في فرض التقشف. وفي الحالتين لا يخرج الموظفون الدوليون من علاقات القوة، وإنما يعيدون صياغتها بمساعدة الخبراء التقنيين.
غير أن تأطير إعادة تمفصل علاقات القوة على أنها حياد حقيقي يطمس الفارق بين التكنوقراطية والخبرة. هذا الخلط ثاوٍ في صميم أزمة الشرعية التي تواجهها المنظمات الدولية اليوم. ولا سبيل إلى التعامل مع الأزمة من دون فك الاشتباك بين المفهومين. عندها فقط يمكن تحديد موضع الخلل: المشكلة ليست الخبرة، بل الاستخدام التكنوقراطي للمشورة الخبيرة. ولإنقاذ الخبرة، ينبغي مقاومة التكنوقراطية. في حالة المنظمات الدولية، يقتضي ذلك نزع أسطرة النشأة، والإقرار بأنها لم تكن يوماً مستقلة عن السياسة، والتخلي عن التفكير الرغائبي التكنوقراطي.
غالباً ما توصف المنظمات الدولية بأنها مساحات يتيح فيها التبادل الدبلوماسي التوصل إلى اتفاق على كيفية معالجة المشكلات المشتركة. لكي تفهم هذه المؤسسات مشكلة بعينها وتعالجها على أفضل وجه، سواء كانت خطراً صحياً عاماً ناشئاً، أو مخاطر تقنية جديدة، أو الحد المقبول للتدخل العسكري، يستعين موظفوها بخبراء من علماء الفيروسات والاقتصاديين والقانونيين. ومن هنا تبدأ المتاعب: من يُعد خبيراً معترفاً به؟ وأي مجال من مجالات التخصص يُعد ذا صلة بهذه المشكلة أو تلك؟ وبأي معايير يجري الاختيار: الشهادة الجامعية، أم عدد الاستشهادات بالأبحاث، أم الحضور الإعلامي، أم الخبرة السابقة في دور مماثل؟
عندما تفشى كوفيد-19، مثلاً، شكلت منظمة الصحة العالمية لجنة طوارئ برئاسة ديدييه أوسان، المدير العام السابق للصحة في الحكومة الفرنسية. وضمت اللجنة ممثلين عن ثلاث عشرة دولة عضواً في المنظمة. وكان جميعهم من حملة الدكتوراه؛ بعضهم مندوبون عن وزارات الصحة العامة، وبعضهم أساتذة جامعات. كما ضم مجلس استشاري إضافي ممثلين عن منظمات أخرى، منها المنظمة البحرية الدولية ومنظمة الطيران المدني الدولي. وباختصار، اقتضى حشد هؤلاء الخبراء في كل مرحلة ترجيح بعض معايير الاختيار على غيرها. فاختيار الخبراء لا يخلو أبداً من قصور.
غير أن التركيز على الخبراء وحدهم لا يكفي؛ فمن يحشدونهم هم، في العادة، من يصنعون السياسات. وهؤلاء الفاعلون التكنوقراطيون، وغالباً ما يكونون موظفين دوليين، يستخدمون الخبراء لصوغ سياسات تُقدَّم بوصفها محايدة، وقائمة على الأدلة، ومجازة من أهل الاختصاص. وقد يتحدث بعض الخبراء أحياناً باسم التكنوقراط الذين حشدوهم، لكن الفرق بين الطرفين حقيقي: التكنوقراط ليسوا هم الخبراء. ومع ذلك، نادراً ما تميز المنظمات الدولية أو منتقدوها بين الخبرة في ذاتها وبين المنطق التكنوقراطي الذي يحدد موقعها في السياسة. لهذا كان التصريح السطحي الذي أدلى به السياسي المحافظ البريطاني مايكل غوف عام 2016، بأن «الناس في هذا البلد سئموا الخبراء»، خاطئاً؛ لكن ليس لأنه انتقص من سلطة العلماء، كما ظن كثيرون منهم حين احتجوا عليه. فقد خلط غوف، في الواقع، بين الطفل وماء الحمام. وأوضح لاحقاً، وإن على نحو غير مقنع، أنه لم يقصد قط رفض «الحقائق والأدلة والصرامة»، بل أشخاصاً بعينهم ينتمون إلى مؤسسات بعينها. وما سئمه الناس لم يكن الخبراء، بل التكنوقراط.
لا يزال هذا الخلط يلاحق المنظمات الدولية وغالباً ما يحجب عنها موضع الخلل. فصعوبة اختيار الخبراء المناسبين مسألة، وتحويل مجرد الاستعانة بالمشورة المتخصصة إلى هوية مؤسسية شاملة مسألة أخرى تماماً. عندما تُسوَّغ شروط صندوق النقد الدولي بنماذج علمية وضعها اقتصاديون من الطراز الأول، يبدو الأمر كأن الخبراء أنفسهم انحازوا إلى طرف معين، مع أن من انحاز فعلياً هم الذين استدعوا خبرتهم ووظفوها تكنوقراطياً. وبصرف النظر عما إذا كان هؤلاء الاقتصاديون هم «الخبراء المناسبون»، أو عما إذا كانت دوافع سياسية جذبتهم أصلاً إلى الصندوق، يبقى السؤال الذي ينبغي طرحه: ماذا يحدث لصورة الخبرة في نظر الجمهور عندما تدعي مؤسسات تكنوقراطية أنها تتحدث باسمها؟
يرتبط هذا السؤال ارتباطاً وثيقاً بالمنطق التأسيسي للمنظمات الدولية الحديثة. فجانب كبير من سلطتها لا يُفهم عادة على أنه مستمد من الإرادة الشعبية أو من القدرة على الإكراه، وإنما من ادعائها امتلاك معرفة أرفع: معرفة بكيفية تنظيم التجارة، وإدارة الأنهار، واحتواء الأمراض، وتثبيت العملات. ووفق هذا التصور، تكاد الخبرة تولّد السلطة تلقائياً.
لا تزال هذه الرؤية المؤسسية تسند شرعية المنظمات الدولية حتى اليوم. لكن الاطمئنان الضمني الكامن فيها قد يتحول إلى علة. فعندما تواجه هذه المؤسسات اعتراضًا، يسارع ممثلوها غالبًا إلى التشديد على أن عملهم قائم على الأدلة. في ذروة جائحة كوفيد-19، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمام الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة إن مواجهة «الشعبوية والقومية» اللتين غذتا التنافس على اللقاحات تقتضي أن «نسترشد بالعلم ونبقى وثيقي الصلة إلى الواقع». لكن إذا لم يكن «العلم» شيئاً واحداً يمكن وصله مباشرة بعملية صنع السياسات، فما الذي تؤديه مثل هذه التصريحات؟ قد يكون بعض النقد الموجه إلى منظومة الأمم المتحدة مدفوعاً بالمزايدة السياسية لا بمظلمة حقيقية. لكن شرعية المنظمة لا يمكن أن تقوم على تكرار لازمة حياد الخبراء إلى ما لا نهاية.
توحي هذه التصريحات بانقسام حاد بين السياسة والخبرة، لكنه انقسام منشود لا قائم. وقد لاحظ المعلقون والباحثون ذلك منذ زمن طويل. أما ما يترتب عليه فليس بالوضوح نفسه. فهل تستطيع الخبرة أن تولّد سلطة تبدو بديهية في ذاتها، مع أن حشدها بالغ الصعوبة ومحاكاتها شديدة السهولة؟ قال دونالد ترامب خلال حملته للرئاسة الأميركية عام 2016 إن «الخبراء فظيعون»، لكن إدارته اليوم لا تفعل سوى ممارسة لعبة «أحضر خبيرك بنفسك». وعلى المستوى الدولي، يستمر انعدام الثقة حتى في القضايا التي يُفترض أنها من صميم الاختصاص، كما حدث عندما اتهم معلقون منظمة الصحة العالمية بأنها «شريكة الصين في جائحة كورونا». فهل أفسدت الاستخدامات السياسية الخبرة إلى حد يستحيل معه إنقاذها؟ وهل الإصرار على التمييز بين التكنوقراطية والخبرة ليس سوى وسيلة أخرى للفصل المصطنع بين الخبرة والسياسة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، ينبغي تتبع الرؤى التكنوقراطية للتعاون الدولي إلى زمن أسبق. فلا يكفي البدء من تأسيس منظومة الأمم المتحدة عام 1945، ولا من سلفها القصير العمر والعميق الأثر، عصبة الأمم في فترة ما بين الحربين، على أهمية اللحظتين في تاريخ العلاقات الدولية. المطلوب العودة إلى الحقبة التي ظهرت فيها للمرة الأولى منظمات دولية تكنوقراطية مكتملة البنية: العقود الوسطى من القرن التاسع عشر.
في أوائل القرن التاسع عشر، أسهم مفكرون سياسيون مثل جيريمي بنثام وهنري دو سان سيمون في شيوع فكرة مؤداها أن بناء نظام عالمي منسجم يحتاج إلى مؤسسات محايدة يمتد تفويضها عبر الحدود الوطنية. وقد دافع كلاهما، بطرائق مختلفة، عن مؤسسات دولية يقودها العلماء والمهندسون. واقترح سان سيمون في إحدى مقالاته إنشاء «مجلس لنيوتن» مكرس لـ«تقدم الروح الإنسانية»، ويستطيع جمع الأمم المتنافسة على أرضية مشتركة من الحقائق العلمية.
استلهم منظمو التعاون الدولي في أوروبا خلال خمسينيات القرن التاسع عشر وستينياته هذه المقترحات الجذرية، وشرعوا في اختبار مؤسسات تتمحور حول الخبراء ثم بنائها تدريجياً. وكان كثير من هؤلاء المجددين، ومنهم سان سيمون وتلامذته الكثر، قد تلقوا تعليمهم في المؤسسات المرموقة نفسها التي تخرج منها الخبراء الذين أرادوا استقطابهم. ففي فرنسا، كانت المدرسة متعددة التقنيات المركز الرئيس لهذه المشروعات. وفي إنجلترا، أدت المدارس الخاصة وجامعتا كامبريدج وأكسفورد، إلى جانب نوادي السادة، دوراً مشابهاً. ولذلك هيمن على المحاولات المبكرة لبناء التنظيم الدولي، كلٌّ في بيئته، مهندسون فرنسيون ومحامون بريطانيون واقتصاديون سياسيون من ضفتي القناة الإنجليزية. وربما كان أحد أسباب خلطنا اليوم بين الخبراء والتكنوقراط أن الفئتين انتمتا تاريخياً إلى النخبة العابرة للحدود نفسها وهي في طور التكون.
لكن هؤلاء الأفراد أنفسهم كانوا أيضاً خدماً للنظام الإمبراطوري العالمي ومستفيدين منه. والمفارقة أن ذلك النظام كان مسؤولاً عن الانقسامات وأوجه اللامساواة التي زعمت مؤسساتهم الجديدة أنها ستتجاوزها. فكيف سوغوا هذا التناقض العميق؟
تقتضي الإجابة أمرين. أولهما، مرة أخرى، التمييز الدقيق بين التكنوقراطية والخبرة. فتسويغ السلطة التكنوقراطية يستند إلى دعاوى الخبرة والأدلة العلمية، لا إلى دعاوى من قبيل التمثيل الديمقراطي. وما لم تكن التكنوقراطية حكماً مباشراً يمارسه الخبراء، فهي نمط من السياسة يحشد الخبرة ويستخدمها، أو يسيء استخدامها.
لنتأمل «الترويكا» التي ضمت المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وتولت إدارة برامج إنقاذ اليونان وقبرص والبرتغال وإيرلندا بعد الأزمة المالية عام 2008. فقد سوغت المؤسسات الثلاث تدخلاتها القاسية والمثيرة للجدل في هذه البلدان بالاستناد إلى مشورة الخبراء الاقتصاديين. وأتاح لها ذلك تجاوز المداولة الديمقراطية، والأكثر إثارة للجدل، الإفلات من المساءلة. جوهر المسألة أن الخبراء ومن يوظفونهم تكنوقراطياً مجموعتان مختلفتان من الفاعلين، تحركهما دوافع مختلفة: فالخبراء يحولون معرفتهم التخصصية المعترف بها مؤسسياً إلى مشورة وتوصيات؛ أما التكنوقراط فيحاولون إقناعنا بأنهم لا يفعلون سوى اتباع تلك المشورة.
أما الأمر الثاني، فهو إدراك أن أشد أنصار «الاستقلال عن السياسة» حماسة كانوا تاريخياً هم أنفسهم من يرسمون شروط نقيضه. فالتحليق «فوق ضباب الأحكام المسبقة» كان، في كثير من الأحيان، امتيازاً لا يتمتع به سوى صانعي ذلك الضباب. ويسهل ادعاء التحرر من السلطة حين تكون السلطة في يدك. بهذا المنظار ينبغي النظر إلى منظمي التعاون الدولي في منتصف القرن التاسع عشر: منتصرون ذوو تطلعات سامية في عالم الإمبراطوريات. وليس مصادفة أنهم وضعوا مشروعاتهم في مواجهة «الغوغاء» المحكومين بالأحكام المسبقة، وفي مواجهة تنافسات النظام القديم لسياسة القوة في آن واحد.
فقد قابل سان سيمون ومعاونه أوغستان تييري، الذي أصبح لاحقاً مؤرخاً شهيراً، صراحةً بين اقتراحهما الطموح عام 1814 لإقامة «اتحاد متوسطي» وبين «العملية السياسية المسماة توازن القوى» في النظام الوستفالي القديم. وكتبا أن البديل يقتضي «مؤسسات مشتركة» و«تنظيماً»، وإلا «حُسم كل شيء بالقوة».
لكن ما يغفل كثيراً أن سان سيمون وتلامذته المؤثرين، شأنهم شأن منظمي التعاون الدولي الأوروبيين عموماً، كانوا يتصورون المنظمات الدولية أندية أوروبية. فقد استبعد سان سيمون صراحة عضوية الأفارقة والآسيويين من مقترحاته المختلفة لإنشاء مجالس دولية يقودها الخبراء، استناداً إلى تصوراته المتحيزة بعمق عن الاختلاف «الحضاري» والعرقي.
لم يكن إنشاء المنظمات الدولية، إذن، معزولاً عن التوسع الإمبراطوري، أو مصالح الشركات متعددة الجنسيات، أو تنافس القوى الكبرى. العكس هو الصحيح. فكثير من المؤسسات التي نحتفي بها اليوم باعتبارها حصوناً عظيمة، وإن كانت عليلة على نحو مأساوي، في وجه سياسة القوة، كانت تاريخياً رفيقة طريق لها. لم يقيد ادعاؤها الحياد القوة، وإنما جعلها أمراً طبيعياً، وكثيراً ما فعل ذلك بقرار فوقي. وهكذا ابتكرت المنظمات الدولية أممية تكنوقراطية تشبه مجمعاً سكنياً مسوراً، محمياً من شروط وجوده نفسها.
يتضح هذا كله ما إن نتجاوز روايات النشأة الاحتفائية. فكثيراً ما ينسب إلى منظومة الأمم المتحدة، مثل الاتحاد الأوروبي، أنها أعادت بناء النظام العالمي من رماد الحرب، واستوعبت دروس إخفاق عصبة الأمم، ويسرت إنهاء الاستعمار، واستبدلت بالصراع الأيديولوجي تعاوناً وظيفياً. لكن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك. فقد بين مؤرخون مثل سوزان بيدرسن ومارك مازور باستفاضة أن علاقة الأمم المتحدة بالإمبراطورية كانت أكثر استيعاباً لها مما توحي به هذه الرواية. ففي ذروة النضال المناهض للاستعمار حول العالم، لم تكن الأمم المتحدة ميسرة للتحرر، وإنما أدارت الحكم الإمبراطوري بعد أن أعيدت تسميته بعبارات مخففة مثل الوصاية الدولية والأقاليم المنتدبة.
وإذا عدنا أبعد في الزمن، اتضح أن المنظمات الدولية لم تظهر استجابةً للحربين العالميتين الكارثيتين في القرن العشرين، بل نشأت بالتوازي الوثيق مع التوسع الرأسمالي والإمبراطوري في القرن التاسع عشر، ثم غدت أداة لا غنى عنها لذلك التوسع. فقبل عصبة الأمم والأمم المتحدة بزمن طويل، ابتُكرت هذه المنظمات أولًا لإدارة السكك الحديدية وشبكات البرق والأنهار والبريد العابرة للحدود، وتوحيد معاييرها والإشراف عليها. وتحولت هذه الهيئات تدريجياً، ومنها الاتحاد الدولي للبرق الذي خرج من مؤتمر باريس عام 1865، إلى لجان دائمة واتحادات دولية عامة. وقدمت جميعها عملها باعتباره تقنياً في المقام الأول، إن لم يكن تقنياً خالصاً، مع أنها كانت تعمل داخل عالم صاغته الإمبراطورية والاحتكار الصناعي وتنافس القوى الكبرى، وتعمل لخدمته، وتظل رهينة له.
بحلول أوائل القرن العشرين، أصبح ابتكار إجابات تقنية وعلمية لمشكلات سياسية معقدة سمة اعتيادية في السياسة الدولية. وما صاغه لاحقاً منظرو التكامل الأوروبي ودعاته، وأشهرهم ديفيد ميتراني، تحت اسم «الوظيفية» — أي التعاون على أرضية تقنية مشتركة بدلاً من التوافق الأيديولوجي — أثبت قدرة لافتة على الاستمرار، وكان على وجه الخصوص من المبررات التأسيسية للاتحاد الأوروبي.
حتى داخل هذه المؤسسات لم يكن التفاؤل السطحي الذي ميز دعاة الأممية التكنوقراطية موضع إجماع. ففي عام 1940، حذر أعضاء المنظمة الاقتصادية والمالية التابعة لعصبة الأمم، وكانوا آنذاك في المنفى بجامعة برنستون، من استبدال الدكتاتورية السياسية بـ«دكتاتورية جديدة للعلماء». أدرك هؤلاء الاقتصاديون أن الخبرة لا يمكن أن تحل محل السلطة الديمقراطية. وشددوا على أنه «في العالم الديمقراطي، يجب أن تبقى السلطة النهائية دائماً في يد الجمهور، في يد العامة». كان الخبراء أنفسهم، في هذه الحالة، حذرين من الإغراء التكنوقراطي.
ومع ذلك، لم تقطع مرحلة ما بعد 1945 مع الأسلوب التكنوقراطي بقدر ما أعادت تغليفه. فبعد حربين عالميتين، أعادت الأمم المتحدة ابتكار المنظمات الدولية باعتبارها حارسةً في وجه الكارثة، وشددت على العمل الجماعي السلمي، والثقة المتبادلة والمساواة السيادية في ظل القانون الدولي. فعادت الثقة، وتكاثرت المنظمات الدولية. في الوقت نفسه، ترسخ التنافس في الحرب الباردة، والتراتبيات التنموية، وأولويات الاقتصادات الصناعية المتقدمة، داخل التفويضات المؤسسية وهياكل صنع القرار. وكما في القرن التاسع عشر، استخدم التكنوقراط حشد الخبراء لا «لحل المشكلات» فحسب، وإنما أيضاً لصرف الأنظار عن العواقب السياسية لعملهم.
ولا يزال هذا المنطق التاريخي، وما يولده من توتر، حاضراً في قلب الواقع الراهن. فمنذ عقود، ينتقد فاعلون من مختلف أطراف الطيف السياسي المنظمات الدولية باعتبارها مؤسسات تديرها النخب العالمية ولمصلحتها. وقد استهدف ناشطون يساريون، من سياتل إلى بوينس آيرس، برامج التقشف التي فرضها صندوق النقد الدولي، وعدوها قيوداً استعمارية جديدة على السيادة الاقتصادية. أما حركات اليمين فهاجمت الاتحاد الأوروبي بدعوى أنه يدفع المزارعين إلى الإفلاس.
غالباً ما تُعرض هذه الصراعات بوصفها مواجهة بين جماهير غير عقلانية ومؤسسات حسنة النية، أو مجرد مشكلة «معلومات سيئة». ويقال لنا إن المنظمات الدولية «تتعرض للنيران». لكن هذه النيران، جزئياً على الأقل، هي من صنعها. فهذه المشروعات النخبوية بطبيعتها دأبت على وضع جماهير مسيّسة في مواجهة خبرة تُقدَّم باعتبارها منزهة عن السياسة. وإنكار هذه الحقيقة يفضي، على المدى البعيد، إلى تقويض المؤسسات نفسها. فدعاة الأممية التكنوقراطية يفاقمون محنتهم حين ينكرون المطالب السياسية أو يعاملونها على أنها ضغوط وافدة من الخارج.
إن التعامل بجدية أكبر مع علل التكنوقراطية ليس مجرد مسألة دقة مفهومية؛ فالرهان أعلى بكثير. في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد هذا العام في دافوس، وقف جمع من المصرفيين الاستثماريين والدبلوماسيين والصحافيين مصفقين لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني وهو يدق مسامير في نعش «النظام الدولي القائم على القواعد». والمفارقة أن من تولى دقها كان من أبرز تجسيدات ذلك النظام: محافظ بنك مركزي سابق يخاطب جمهوراً من التكنوقراط. فهل نشهد نهاية الأممية التكنوقراطية؟
لقد تم بناء النظام الدولي القائم على القواعد وحافظ عليه أولئك الذين تشربوا الأسلوب التكنوقراطي أكثر من غيرهم. وكان يُفهم دائماً أنه يتجسد في مؤسسات مثل وكالات الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا. صحيح أن هذا النظام بدأ يتحول بالفعل. فمنذ نهاية الحرب الباردة، أشرت مواقع جديدة للتعاون الدولي، مثل منظمة شنغهاي للتعاون التي تأسست عام 2001، ومنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ الذي أُنشئ عام 1989، إلى انتقال مراكز الثقل. لكن هذه المؤسسات أعادت، في معظمها، إنتاج الأسلوب التكنوقراطي بدلاً من أن تستبدله.
بعد أشهر من الجدل الذي إثارته عمليات تسريح موظفين في الأمم المتحدة، قال غوتيريش إن الأزمة المالية للمنظمة تقترب من حد يهدد تنفيذ برامجها، وإن أموالها قد تنفد بحلول يوليو. ووفقاً لأمينها العام، تواجه المنظمة الآن خطر «انهيار مالي وشيك» مع تراكم متأخرات اشتراكات الدول الأعضاء. وبعد ثمانين عاماً على تأسيسها، هل تموت منظومة الأمم المتحدة، ويموت معها الأسلوب التكنوقراطي في السياسة العالمية؟
منذ أن أطلق ترامب «مجلس السلام»، أصبحت المخاوف القديمة من تجفيف التمويل وتفتت المؤسسات أكثر تجسداً. ولم يعد مفهوم «الرد الشعبوي» قادراً على وصف ما يجري، إن كان قد استطاع ذلك يوماً. فقد تراجع الاتحاد الأوروبي مؤخراً عن بعض تشريعاته المناخية تحت تأثير أنصار الوقود الأحفوري في اليمين، وبدأت بالفعل حملات لإخضاع الأمم المتحدة لمنطق «دوجنة» (DOGEification)، أي تفكيكها باسم الكفاءة وخفض الإنفاق. لقد تجاوزنا مرحلة الاعتراض بكثير: فمناهضو العولمة صاروا في الحكم، لكنهم لا يرفضون التعددية، وإنما يعيدون توظيفها. ومع ذلك، لا ينبغي التسرع في افتراض اختفاء التكنوقراط. فكما يرى عالم السياسة ينس شتيفك، تتمتع الأممية التكنوقراطية بمرونة أيديولوجية كبيرة. يستطيع أي طرف في الطيف السياسي أن يحشد الخبراء تكنوقراطيًا، وقد فعلت ذلك تيارات مختلفة في الماضي.
إذا صح هذا، وإذا أردنا الاحتفاظ بمساحة حقيقية لإسهام الخبرة في الشؤون الدولية، فستغدو مقاومة التكنوقراطية أشد إلحاحاً. ويبدأ ذلك بالإقرار بأن المنظمات الدولية لم تكن يوماً منفصلة عن الاضطراب السياسي بالقدر الذي ادعته. فقد صُورت، ثم عوملت بمرور الزمن، باعتبارها أدوات يقودها الخبراء لتحقيق التعاون التقني، مع أنها يسّرت النظام العالمي غير المتكافئ الذي نشأت منه وحمته. وعليها اليوم أن تتخلى عن الإنكار الذي تأسست عليه. فلا تستطيع المنظمات الدولية الانسحاب إلى فضاء يقع خارج علاقات القوة، لأن هذا الفضاء غير موجود. ما تستطيع فعله هو التأثير في كيفية ممارسة القوة، وتسويغها، ومنازعتها.
وما تزال المنظمات الدولية تقول لنا حتى اليوم إنها قادرة على حل المشكلات بالعلم. لكن عندما تشتد الأزمة، يصبح الخبراء حسنو النية هدفاً للوم والسخط. ويواصل المدافعون والمنتقدون الحديث كلٌّ في اتجاه. غير أن اختزال الاعتراض في عداء للخبرة أو للعلم قد يحجب مطالب مهمة فعلًا بإعادة توزيع السلطة والموارد، ويفوت على المنظمات الدولية فرصة كسب ثقة الجمهور بدلًا من مواصلة تبديدها.
إذن، التحدي الحقيقي هو ما إذا كنا قادرين على إعادة التفكير في المنظمات الدولية وفي موقع الخبرة داخلها. والفصل بين التكنوقراطية والخبرة خطوة في هذا الاتجاه، لأنه يحدد بدقة ما ينبغي أن يكون موضع النقد: ليس الخبراء، بل الاتكال التلقائي على قدرة الخبرة على نزع الطابع السياسي عن القرارات؛ وليس العلم، وإنما التدخلات السياسية المثيرة للانقسام التي تُنفذ تحت غطائه. إن الاستخدام التكنوقراطي للمشورة الخبيرة، حين يكون هدفه الأساسي تجاوز المساءلة العامة والمداولة، مشكلة حقيقية لا يجوز التهوين منها، بل أن نواجهها مباشرة. وإلا حكمنا على المنظمات الدولية بأن تُقوَّض، أو تُستبدل، أو تنحدر إلى الهامش.
يان آيكينغ : باحث في العلاقات الدولية، يدرس موقع الخبرة والإمبراطورية والرأسمالية في تاريخ المنظمات الدولية ونظريتها. وهو حالياً زميل ماري سكودوفسكا-كوري في جامعة أنتويرب ببلجيكا، ومؤلف كتاب «الأممية التكنوقراطية: الخبراء وصناعة عالمٍ من اللامكان» (2026).



