لجان الحقيقة في معركة الذاكرة: الاستخدامات والآثار المتنازع عليها للحقيقة خارج الإطار القضائي في تشيلي
ملف لجان الذاكرة والحقيقة
تحليل المعركة حول الذاكرة: النزاع حول الحجب الرسمي لوثائق لجنة السجن السياسي والتعذيب في تشيلي (2004) بين عامي 2014 و2018
يحلّل هذا المقال، ضمن إطار "معركة الذاكرة"، النزاع الذي دار بين عامي 2014 و2018 بشأن الحجب الرسمي لوثائق ومعلومات "اللجنة الوطنية حول السجن السياسي والتعذيب" التي أُنشئت في تشيلي عام 2004 (المعروفة بلجنة فاليتش الأولى). كما يتناول مقاومة هذا الحجب من قِبل جماعة فاعلة جماعيًا، تصدّت لهذا القرار ودفعت باتجاه نقاش تشريعي عام حوله.
المنهجية:
يعتمد هذا البحث مقاربة إجرائية–براغماتية تُطبَّق على مجموعة متعددة المرجعيات من البيانات، جرى تحليلها نوعيًا. نُعمّق من خلاله مقاربة الأداء الرمزي (البرفورماتيفية) التي طوّرتها الأدبيات حول لجان الحقيقة، لكننا نُعيد تموضع هذا التحليل من إطار "العدالة الانتقالية" إلى ساحة "معركة الذاكرة" التي تخوضها المجتمعات عند مواجهتها لماضٍ عنيف.
الاستنتاجات:
يُظهر تحليلنا أن مسار النضال من أجل الحقيقة وبناء ذاكرة جماعية عن الماضي ليس خطّيًا أو تصاعديًا بالضرورة، بل يعرف انتكاسات وتراجعات. إذ أدّى كتم المعلومات المتعلقة بوثائق لجنة فاليتش الأولى إلى انخراط فاعلين جدد في هذه المعركة الرمزية، فلم تعد تقتصر على ثنائية "الدولة–الضحية".
الأصالة:
ينظر هذا المقال إلى لجان الحقيقة من زاوية قلّما تناولتها الدراسات: الأرشيف الوثائقي والمعلوماتي الذي تُنتجه هذه اللجان، وتأثيره على التعاون مع أجهزة العدالة وعلى كشف الحقيقة. إنّ تناول النزاع حول سرّية هذا الأرشيف من منظور معركة الذاكرة يُتيح توسيع الإطار الزمني المرجعي، والنظر إلى لجان الحقيقة بما يتجاوز الأهداف والاستخدامات المحددة من قِبل الدولة المُنشئة، كما يُدخل فاعلين آخرين إلى المعادلة، ويضع اللجان في حوار متبادل فيما بينها ومع غيرها من الأدوات والآليات الخاصة بإدارة هذا النوع من الفظائع.
مقدمة
العدالة الانتقالية والترميمية شكّلت الابتكار الأبرز خلال العقود الأخيرة في محاولات الدول لمواجهة فصول من العنف السياسي الجماعي في الماضي (كإرهاب الدولة، الحروب الأهلية، النزاعات المسلحة، وغيرها). وتُعد لجان الحقيقة من أبرز آليات هذه العدالة. 1
بوصفها هيئات رسمية، مُخوّلة أو مدعومة من الدولة، تُنشأ لجان الحقيقة للتحقيق في نمط من الانتهاكات الجسيمة والمنهجية خلال فترة زمنية محددة. وتكون مهمّتها مؤقتة، إذ تنتهي عادةً بنشر تقرير ختامي يتضمّن توصيات موجّهة للدولة، بعد دراسة حالات فردية وتجميع بيانات إحصائية لكشف وتوثيق أنماط القمع (Castillejo Cuéllar 2005؛ 2007؛ Hayner 2001؛ 2006؛ Wilson 2001).
ورغم اختلاف نماذج هذه اللجان، فإن أهدافها الأساسية تشمل:
كشف الحقيقة والاعتراف بها، وإنهاء الصمت والإنكار إزاء مرحلة تاريخية أليمة،
تلبية احتياجات الضحايا ومصالحهم،
تحديد المسؤوليات المؤسسية واقتراح التوصيات،
تعزيز المصالحة وتخفيف التوترات المرتبطة بالماضي العنيف (Hayner 2001)،
والمساهمة في تحقيق العدالة. 2
على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، تناولت الأدبيات هذه اللجان أساسًا من منظور دراسات الذاكرة وحقوق الإنسان. وركزت هذه المقاربات على إنتاج الحقيقة من قبل اللجان، ومدى نجاعة هذا الإنتاج وحدوده، مع التأكيد على العلاقة البنيوية بين "الحقيقة" المُعلنة وأهداف النظام الذي تسعى هذه اللجان إلى إرسائه في أعقاب الانتهاكات (ما بعد الفصل العنصري، ما بعد الديكتاتورية، ما بعد النزاع الداخلي، أو في سياق ما بعد الاستعمار) (Andrews 2007؛ Castillejo Cuéllar 2005؛ 2007؛ Hayner 2001؛ Humphrey 2003؛ Posel وSimpson 2002).
وفي حين ركّزت الدراسات السابقة على سؤال: ما هي الحقيقة وكيف يتم التعبير عنها ونقلها حول هذه الفصول العنيفة من الماضي؟، يسلّط هذا المقال الضوء على بُعد أقلّ تناولًا: أي الرصيد الوثائقي والمعلوماتي الذي أنتجته لجان الحقيقة، وتأثيره في مسارات التعاون القضائي وكشف الحقيقة. ندرس حالة الجدل الذي أثارته الدولة التشيلية حين قررت فرض السرّية لمدة خمسين عامًا على الأرشيف المعلوماتي والوثائقي للجنة الوطنية حول السجن السياسي والتعذيب (CNPPT)، المعروفة باسم "لجنة فاليتش" لعام 2004. وهي اللجنة الثانية من نوعها في البلاد للتعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الديكتاتورية العسكرية (1973–1990).
أما اللجنة الأولى، فكانت "لجنة الحقيقة والمصالحة" المعروفة بـ"لجنة ريتّيغ"، وتولت "الهيئة الوطنية للمصالحة والتعويض" متابعة توصياتها. لاحقًا، أنشئت "لجنة فاليتش الثانية" لتقييم حالات جديدة. ومن بين هذه الهيئات الأربع، تُعد لجنة فاليتش الأولى التي حالت دون تعاون فعّال مع السلطة القضائية. وقد اعترض بعض المُدلين بشهاداتهم، إلى جانب الجماعة التقنية–السياسية "نزع السرّية الشعبية" (Desclasificación Popular)، على هذا الحجب، مطالبين بالدخول إلى الأرشيف ومطلقين نقاشًا تشريعيًا لرفع السرّية عنه.
لدراسة هذا النزاع، نُعمّق المقاربة البراغماتية والأدائية التي طوّرتها أدبيات لجان الحقيقة، لكننا نُعيد تموضعها من إطار "العدالة الانتقالية" إلى فضاء "معركة الذاكرة" الذي تخوضه المجتمعات في مواجهة ماضيها العنيف. ففي إطار العدالة الانتقالية، تُفهم لجان الحقيقة على أنها مشاريع لإعادة بناء مؤسسية وأخلاقية لمجتمع ما بعد الانتهاكات الجسيمة، من أجل تحمّل المسؤولية والمضي نحو مصالحة ما بعد النزاع. غير أن لهذا الإطار حدودًا، إذ يُقيّد الزمن بفترة انتقالية ويُقصر الفاعلين على ثنائية "الدولة–الضحايا". كما أنه يعجز عن استيعاب دور الأرشيف المعلوماتي الكامن خلف إنتاج "الحقيقة الرسمية".
أما إطار "معركة الذاكرة"، فيركّز على تحليل تاريخي للصراع حول بناء شرعية سياسية وثقافية إزاء أحداث الماضي. ويتيح لنا النظر في الجدل حول حجب الأرشيف ضمن هذا الإطار توسيع الأفق الزمني، ودراسة اللجان خارج الأطر المحددة من الدولة، والانفتاح على فاعلين آخرين، ووضع اللجان في حوار تفاعلي فيما بينها ومع آليات وأدوات أخرى لإدارة مثل هذه الفظائع، مما يعكس تعقيد التداخل بين السياسات الرمزية والعدالة.
يُعدّ السياق التشيلي حالة نموذجية لدراسة لجان الحقيقة من زاوية معركة الذاكرة. فقد كانت تشيلي أول دولة تنشئ لجنة للتحقيق في ممارسات السجن السياسي والتعذيب. ويوفّر مرور أربعة عشر عامًا على إنشاء لجنة فاليتش، وثمانية وعشرين عامًا على تشكيل لجنة ريتّيغ، وخمسة وأربعين عامًا على انقلاب 1973 الذي أطلق دوامة القمع، إطارًا زمنيًا ملائمًا لتحليل التكرارات والتحولات في هذه التجربة التاريخية.
يُوثّق هذا المقال ويحلل النزاع (2004–2018) حول أرشيف لجنة فاليتش، في سياقه الأوسع ضمن تشكيل لجان الحقيقة واستقبال تقاريرها في تشيلي (1991–2018). ويعتمد في ذلك على مصادر ثانوية متنوعة، تشمل تقارير اللجان، ووثائق تشريعية (قوانين، مراسيم، أوامر تنفيذية)، وتغطيات صحفية، إلى جانب حالات ووثائق رفعت عنها السرية.
انطلاقًا من ذلك، تتمحور إشكاليتا المقال حول السؤالين الآتيين: كيف تندرج معركة الذاكرة ضمن هذا النزاع حول سرّية أرشيف لجنة فاليتش؟ وكيف يسهم هذا الحجب بدوره في تغذية تلك المعركة؟ وما الذي تكشفه هذه المواجهة الرمزية عن طبيعة لجان الحقيقة؟
تُظهر دراستنا، في سياق اللجان التشيلية، أن مسار معركة الحقيقة وبناء الذاكرة الجمعية ليس خطيًا، بل يعرف انعطافات وانتكاسات. كما توسّع نطاق النقاش حول هذه اللجان ليشمل فاعلين اجتماعيين آخرين، يصفهم البعض بـ"مقاولي الذاكرة" (Jelin 2002)، لا ينتمون بالضرورة إلى جيل الضحايا أو ذويهم، بل يتعاملون مع هذه الانتهاكات باعتبارها مسألة شاغلة للشأن العام.
وسنُبيّن أنّ الجدل حول حجب الأرشيف لا يقتصر على المطالبة بالاعتراف الرسمي بانتهاكات حقوق الإنسان، بل يُثير أيضًا سؤال إدارة الوثائق واستخداماتها، وهو بُعد لم يُولَ ما يكفي من الاهتمام في الأدبيات الحالية.
بعبارة أخرى، إلى جانب ما يُقال وكيف يُقال، يبرز سؤال آخر: من يملك ما قيل؟ وكيف يُتداول؟ ولمصلحة من؟ وما إمكانياته كأداة قانونية؟
أخيرًا، يسلّط هذا النزاع الضوء على تصادم محتمل بين حقوق فردية وجماعية: كحق حماية البيانات الشخصية من جهة، وحق الحقيقة والعدالة من جهة أخرى.
1. لجان الحقيقة: مقارباتها، استخداماتها، وتحوّلاتها ضمن معركة الذاكرة
في حقل دراسات الذاكرة وحقوق الإنسان، جرت مقاربة لجان الحقيقة أساسًا بوصفها آليات لإنتاج الحقيقة في سياقات انتقالية. ويُعدّ عمل ريتشارد ويلسون (2001) من الدراسات الرائدة في هذا المجال، إذ استخدم المنهج الإثنوغرافي لتحليل أثر لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا على المستويين المجتمعي والتجريبي. ويُقدّم ويلسون اللجان بوصفها "تكنولوجيات لإنتاج الحقيقة"، مع تأكيده على طابعها البراغماتي، فهذه اللجان تعمل كآليات تستهدف التأثير في الحاضر من خلال جمع المعلومات حول الماضي القريب وصياغة سردية للحقيقة.
ولذلك تُعدّ لجان الحقيقة "تدخلات سياسية" تسهم في بناء الهوية الوطنية للدولة في أعقاب النزاعات. 3
في سياق هذه العملية التي تصوغ "الحقيقة الرسمية"، تبرز في الأدبيات قضيتان مركزيتان:
أولًا، التمييز ،إن لم يكن الانفصال، بين الحقيقة الواقعية (المرتبطة بالوقائع) والتجربة المعاشة، وما يُمنح لكل منهما من قيمة إبستيمولوجية بوصفهما شكلين من أشكال إنتاج المعنى أو الفهم،
وثانيًا، التوتر بين الكشف والإخفاء ضمن عملية إنتاج هذه الحقيقة.
تتناول أندروز (2007) مسألة الحضور/الغياب لأجندات الشهود المصرّحين، وتأثير ذلك في السرديات التي جمعتها لجنة الحقيقة في جنوب إفريقيا، مبيّنةً كيف أن فرض اللجنة لبنية سردية معيّنة يُقيّد قدرة الضحايا على التعبير عمّا يعتبرونه جوهريًا وذا بعد ترميمي في روايتهم. أما ويلسون (2001) وبوور (1999) وبوسيل (1999)، فقد وجّهوا نقدهم إلى الطابع القانوني المفرط للجنة الجنوب إفريقية، النابع من هيمنة نموذج السرد الوقائعي الجنائي. كما انتقد هؤلاء الكتّاب الاستخدام المفرط للإحصائيات، وهو نمط يتكرّر اليوم في حالة الدولة الكولومبية التي تروّج لرقم "سبعة ملايين ضحية" في سياق الصراع المسلح (Mora-Gámez 2016).
هذا التوتر بين أنماط إنتاج المعنى يظهر أيضًا في الحالة التشيلية. فبينما يرى المؤرّخ الأمريكي ستيف ستيرن (2009) أن "اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة" نجحت في أن تكون، في آن واحد، ساحة لتصنيف الضحايا ومجالًا للاستماع إلى تجاربهم، ترى المفكرة التشيلية نيلي ريتشارد (2010) أن هذا الاستماع كان محدودًا، لأن التجربة الذاتية استبعدت من التقرير النهائي.
أما فيما يتعلّق بمسألة "ما الذي يُقال وما الذي يُحجب"، فقد تناول بعض الباحثين الاستراتيجيات الخطابية واللغوية التي استُخدمت لإخفاء تفاصيل مرتبطة بالجناة، والالتزام في الوقت ذاته بولاية اللجنة المتمثّلة في "كشف الحقيقة دون الحكم على المسؤولين".
وفي دراستهما لتقرير ريتّيغ (1991) في تشيلي، توصّل كل من دي كوك وماتورانا (2014) إلى أن نحو 61.3% من العبارات الواردة في التقرير تفتقر إلى ذكر الفاعلين المسؤولين عن الأفعال الموصوفة.
في دول أمريكا اللاتينية، تتقاطع الأدبيات المتخصصة في لجان الحقيقة مع أبحاث تناولت سُبل التعامل مع هذه الانتهاكات من خلال آليات أخرى قانونية وتذكارية، ما يُتيح تمييز أنماط متكررة واختلافات في الكيفية التي تُواجه بها المجتمعات هذا النوع من الكوارث. حلّلت فريد (2011) كيف أُقصيت الأبعاد الذاتية والهوياتية والعاطفية من شهادات شهود الجرائم التي نُظر فيها أثناء محاكمة المجلس العسكري الأرجنتيني (1976–1983)، في إطار السعي لبناء الأدلة وسرد "الوقائع". كما ناقشت باحثات أخريات في الأرجنتين وتشيلي الدور البنيوي الذي تضطلع به الذاتية في إنتاج السرديات الشهادية، لا سيما في سياق جمع الأرشيفات الشفوية المرتبطة بالذاكرة. 4
في هذا المقال، نقترح تعميق المقاربة البراغماتية–الأدائية المميزة للأدبيات التي استعرضناها. فنحن نُدرك لجان الحقيقة بوصفها كيانات ناشئة، تهدف إلى إحداث أثر مزدوج في الماضي والحاضر على حدّ سواء. تسعى هذه اللجان إلى الاعتراف بحقائق مطموسة، والاضطلاع بمسؤولية جبر الضرر الواقع على الضحايا من خلال سياسات عمومية، والمشاركة في دفع عمليات الانتقال نحو السلم، أو الديمقراطية، أو نزع الطابع العسكري عن المجتمع، وهي كلها عمليات تحتاج إلى شرعية ترتكز على المؤسسات القائمة.
وما يهمّنا أيضًا هو الإبقاء على البُعد التكنولوجي للجان الحقيقة، لفهم كيف أن منتجات هذه اللجان ومُدخلاتها تُستَخدم وتُستوعَب لاحقًا في ساحات أخرى، ومن قِبل فاعلين آخرين، متجاوزة بذلك الأغراض الأصلية التي أُنشئت لأجلها.
يتّضح هذا في أدوات إنتاج المعلومات، وفي مصادر أخرى تُستخدم لمقارنة شهادات الضحايا والشهود (كوسائل الإعلام، والوثائق الرسمية، وملفات منظمات حقوق الإنسان)، وفي قواعد البيانات التي تُستَعمل لإدارة آلاف الشهادات والوثائق والمعلومات التي تجمعها اللجان، وغالبًا ما تكون هذه القواعد مصمَّمة قبل تحديد نطاق عمل اللجان أو الآليات اللازمة لحماية الوثائق المجمّعة. وبحسب ما يشير إليه غروبلار (نقلاً عن en Hayner 2001)، فإن هذه القواعد تُنتج "حقيقة" غالبًا ما تُحجَب أو تُطمَس في التقارير النهائية؛ وهي حقيقة تشمل أسماء الضحايا، ومواقع الاحتجاز، وأنماط القمع، بل وأحيانًا أسماء الجلادين، فيما تُستبعَد منها الأسئلة المتعلقة بالكيفية والدوافع، وهي أسئلة تتناولها التقارير أحيانًا.
إضافة إلى ذلك، نفهم الذاكرة بوصفها تتضمن "تذكّرات ونسيانًا سرديات وأفعالًا وصمتًا وإيماءات" (Jelin 2002, 1)، فضلًا عن الصور والتجارب والمعاني وإعادة المعاني.
كل هذه العناصر تُستخدم أساسًا لإنتاج أنماط من الفهم والتأويل حول الماضي (Vázquez 2001)، ولتمكين المجتمعات من التعامل مع الحاضر. فالخاصية الجوهرية للذاكرة لا تكمن في خزن الماضي أو حفظه، بل في قدرتها على التأثير في الحاضر. فأبعد من مجرّد التذكّر أو تسجيل المعطيات، تُعدّ الذاكرة خاضعة لإعادة التأويل والتشكّل وفقًا لسياقات الحاضر. ومن خلال ديناميات من الخلق والتكرار تتجاوز وتتحدى وتُعيد ترسيم الحدود، تغتني الذاكرة بمعانٍ ورموز وقيم (Augé 1998؛ Candau 2008). وعليه، يرتبط دور الذاكرة بإنتاج الروايات التي تكون المجتمعات مستعدة لتبنّيها عن ماضيها، ومع تطوّر الزمن، يصبح ما يُقال أو يُسكَت عنه تعبيرًا عن ما ترغب فيه المجتمعات من سرديات تعكس موقعها من ذلك الماضي.
نقترحُ موضعة تحليل لجان الحقيقة ضمن ما يُعرف بـ"معركة الذاكرة". فعندما تتفجّر النزاعات حول الذاكرة، نجد أنفسنا أمام تفسيرات متباينة للماضي، تتنافس على احتلال الحيّز العام، وطلب الشرعية، والاعتراف الجماهيري؛ ذكريات مهيمنة وأخرى معارضة تتصارع على نيل القبول الاجتماعي (Stern 2009). تتكوّن "معركة الذاكرة" (Illanes 2002) من صراعات بين "ذاكرات" و"مضادات ذاكرة" ذات طابع سياسي (Jelin 2002)، تدور حول "ما الذي يجب تذكّره، وبأي صورة ينبغي استدعاؤه" (Winn 2014, 327)، وما إذا كانت هذه الذاكرة تملك القدرة على التأثير في الحاضر، لأن هذه المعركة كما يشير وين (2014) تنتمي إلى الحاضر، لا إلى الحقبة المتنازع عليها.
وتتيح مقاربة "معركة الذاكرة" تمييز الكيفية التي تتنافس بها أطر الفهم المختلفة على نيل الشرعية، بما يُنتج سردية ثقافية حول معنى ذلك الماضي (Stern 2009).
إن مساءلة لجان الحقيقة من منظور "معركة الذاكرة" تُبيّن بوضوح أن الأفعال الرامية إلى تحقيق الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، حتى وإن لم تُصمَّم في الأصل للتدخّل في حقل الذاكرة، فإنها تترك أثرًا بالغًا في التأويلات الاجتماعية التي تتشكّل حول الماضي القريب.
وفي هذا المقال، سنُركّز تحديدًا على قضيتين: أولًا، التمييز بين الوقائع والتجربة المعاشة، وما يُمنح لكلٍّ منهما من قيمة معرفية في ما يتعلق بإنتاج الفهم حول الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان، ثانيًا، منطق "الكشف/الإخفاء" الذي تعمل في إطاره لجان الحقيقة، وما تثيره هذه التقسيمات من تساؤلات وصراعات ومقاومات.
كما يطرح كلٌّ من خافييرا كامبوس ولوسيانو سايث، عضوي جماعة "نزع السرّية الشعبية" (Desclasificación Popular) في تشيلي:
"إن تاريخ لجان الحقيقة في التاريخ المعاصر لتشيلي، هو أيضًا تاريخ النضال ضد إسكاتها، وصمتها، وفراغاتها، وسردياتها، ومعاييرها حول الحقيقة والعدالة والتأريخ. ومن ثم، فإن هذه النضالات تمثّل بدورها 'معارك حول الذاكرة'، وتشكّل شكلًا من أشكال المقاومة إزاء الذاكرة الرسمية التي تسعى الدولة، كسياسة عمومية، إلى ترسيخها في المجتمع المدني." (2016، ص. 1)
إن تحليل لجان الحقيقة في إطار "معركة الذاكرة" يسمح بتوسيع الإطار الزمني المرجعي، ما يُتيح فحص الجدل العام الذي انخرطت فيه هذه اللجان. وسيتّضح لنا أن هذا الجدل لا يقتصر على فترة عمل اللجنة أو على لحظة نشر تقاريرها — وهي الفترات التي غالبًا ما تركّز عليها الأدبيات —، بل يمتد ليشمل الخلافات والنزاعات التي تنفجر بعد سنوات طويلة من انتهاء مهام اللجان.
وإدراج هذا الامتداد الزمني يُضفي على دراسات لجان الحقيقة بُعدًا إجرائيًا وتطوّريًا ضروريًا لإجراء مراجعة نقدية جادة لمدى فعالية هذه اللجان وحدودها.
أما مساءلة لجان الحقيقة من موقع "معركة الذاكرة"، فهي تقتضي النظر في الكيفية التي تتفاعل بها الأجندات والرؤى المختلفة للفاعلين المنخرطين في هذه المعركة، ورصد تحوّلات هذه الرؤى مع مرور الوقت، تبعًا لما تحققه المجتمعات من تقدم في مجالات الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، والذاكرة.
وتشمل هذه التحوّلات أيضًا التبدّل في موازين القوى بين هؤلاء الفاعلين. واستنادًا إلى غروبو، فإن اتّساع نطاق "معركة الذاكرة" يُمكّننا من فهم لجان الحقيقة كجزء من سيرورة أكبر من "تحوّل علاقات القوة داخل المجتمع"، وهو ما يسمح، بدوره، بقياس درجة التحول الديمقراطي الذي بلغته تلك المجتمعات، ومدى قدرتها على مواجهة صفحاتها المظلمة من التاريخ (Groppo 2016, 52).
ومن خلال هذا المنظور، يُمكن لدارسة لجان الحقيقة أن تنتقل من التركيز على الثنائية التقليدية "الدولة–الضحايا" إلى تحليل الشبكة الأوسع من الفاعلين الذين يتدخلون في تشكيل الصراع وذاكرته، بطرائق متوقعة وأخرى غير متوقعة.
كما يُتيح هذا النهج تجاوز القراءات الثنائية، سواء تلك التي تنطلق من "الأعلى إلى الأسفل"، أي القراءات ذات النزعة الهندسية الاجتماعية النخبوية أو تلك التي تأتي من "الأسفل إلى الأعلى"، أي تلك التي تنبثق من سرديات القمع وانفجارات الذاكرة كحالات مقاطِعة له (Stern 2009, xxiii).5
وفي نهاية المطاف، يُمكن لتحليل لجان الحقيقة ضمن إطار "معركة الذاكرة" أن يفسح المجال لإدماج عناصر ظلّت غائبة عن الرصد أو لم تكن محلّ نزاع في السابق. وهذا ما نجده تحديدًا في حالتنا، في ما يخص مسألة ملكية المعلومات التي جمعتها هذه الهيئة الرسمية، والاستخدامات اللاحقة لهذه المعلومات.
٢. النزاع حول سرّية الأرشيف الوثائقي والمعلوماتي للجنة الوطنية حول السجن السياسي والتعذيب في تشيلي
في سياق الحرب الباردة، بين ستينيات وثمانينيات القرن العشرين، شهدت أمريكا اللاتينية لجوءًا واسع النطاق إلى إرهاب الدولة، تجسّد في شكل دكتاتوريات عسكرية ونزاعات مسلّحة، أسفرت عن انتهاكات ممنهجة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان بحق السكان. وقد قامت الدول ببناء صورة "العدو الداخلي"، الذي وجّهت إليه القوات المسلحة عنفها المنظَّم. وعلى الرغم من أن أشكال القمع ومدى انتشارها اختلفت باختلاف طبيعة كل دكتاتورية وأهدافها الخاصة (Groppo 2016)، فإن ممارسات التعذيب، والاغتيال، والإخفاء القسري كانت حاضرة في مختلف أنحاء الإقليم.
في أواخر الثمانينيات، بدأت مرحلة انتقالية واسعة النطاق نحو الديمقراطية في عدد من بلدان أميركا الجنوبية. 6 وقد وجدت كلٌّ من الدولة والمجتمع نفسيهما في مواجهة توتر حادّ بين خيار نسيان الماضي ودفنه، من جهة، والمطلب الأخلاقي–السياسي بمواجهته، من جهة أخرى. وفي هذا السياق، برزت أهمية جمع الوثائق والمستندات بغرض إعادة بناء ولو جزئية لحقيقةٍ سبق أن أُنكرت أو أُخفيت، وذلك استجابةً لمطالب العدالة، و"لتوفير عناصر إثبات تُمكّن القضاء من محاكمة المسؤولين وإدانتهم" (Groppo 2016, 37). سواء كمبادرة من الحكومات الديمقراطية أو من المجتمع المدني، أُنشئت لجان تحقيق، عُرفت باسم "لجان الحقيقة"، في دول مثل الأرجنتين، وتشيلي، وباراغواي، والبيرو، والأوروغواي، والبرازيل، وغيرها. وبعد نشر تقاريرها، سعت هذه اللجان إلى كشف جزء مما جرى خلال الديكتاتوريات التي عرفتها أميركا اللاتينية.
في الحالة التشيلية، قادَت الدولة، بعد انتهاء الديكتاتورية (1973–1990)، تشكيل لجنتيْ حقيقة، مع امتداد لاحق لكل منهما، هدفتا إلى "تعزيز كشف بعض جوانب الماضي، وتثمينها، وصونها، ونقلها، نظرًا لأهميتها ودلالتها" (Garretón, González y Lauzán 2011, 20). وقد أسّست هذه اللجان ما بات يُعرف بـ"تواريخ رسمية جديدة للديكتاتوريات" (Winn 2014, 331)، من خلال ترسيخ روايات "الحقيقة" المتعلقة بالمختفين قسرًا والمُعدَمين والمعتقلين السياسيين، إلى جانب السياقات التي جرت فيها هذه الأحداث. وتتمثّل هذه اللجان في:
اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة (CNVR)، المعروفة باسم لجنة ريتّيغ (1990–1991)، وامتدادها المؤسسة الوطنية للتعويض والمصالحة (CNRR) (1992–1996)؛
اللجنة الوطنية حول السجن السياسي والتعذيب (CNPPT)، المعروفة باسم لجنة فاليتش الأولى (2003–2004)، وامتدادها اللجنة الاستشارية لتصنيف المختفين قسرًا والمعدَمين وضحايا السجن السياسي والتعذيب، المعروفة باسم لجنة فاليتش الثانية (2009–2010)، والتي أُنشئت عام 2009 للنظر في حالات جديدة وتقييمها.
وعلى الرغم من أن هذا المقال يركّز، لأسباب تتعلق بالحيّز المتاح، على لجنة فاليتش الأولى، فإن فهم آثارها وحدودها غير ممكن دون مراجعة سريعة للجنة ريتّيغ وتتبع بعض الروابط التي تجمع بين التجربتين.
يعتمد هذا المقال مقاربة إجرائية–براغماتية، طُبّقت على مجموعة متعددة المرجعيات من البيانات، جرى تحليلها نوعيًا. ويتكوّن هذا الحقل المعرفي من: i) تقارير لجان الحقيقة، ii) الوثائق المرتبطة بالمشاريع التشريعية والنقاشات القانونية حول حقوق الإنسان والحقيقة والمصالحة، iii) القوانين والمراسيم الخاصة باللجان، والوثائق الصادرة عن لجنة حقوق الإنسان في الكونغرس الوطني، iv) مراجعة للصحافة (2015–2017) حول الجدل القائم بشأن سرّية أرشيف لجنة فاليتش، v) مناقشتان عامّتان جرتا مؤخرًا حول لجنة فاليتش الأولى: الأولى في إطار الندوة الحوارية «قبل مرور خمسين عامًا على السرّية: نقاش حول تجربة نزع السرّية الشعبية وأرشيفات فاليتش» (25 أبريل 2017، جامعة دييغو بورتاليس)، والتي شارك فيها أعضاء جماعة "نزع السرّية الشعبية"، والثانية بعنوان «سرّ لجنة فاليتش» (17 أكتوبر 2017، جامعة ألبرتو هورتادو)، والتي شارك فيها محامون، وإحدى المفوَّضات، وسيدة كانت معتقلة سياسية وقد أدلت بشهادتها أمام اللجنة، vi) تحليل سبعة عشر حالة تمّ نزع السرّية عنها من شهادات المصرّحين أمام لجنة فاليتش الأولى، والمُتاحة على منصّة "نزع السرّية الشعبية" الإلكترونية.
وقد أتاح لنا هذا الحقل المتنوّع من البيانات أن نتناول الجدل القائم حول لجنة فاليتش الأولى، من خلال تتبّع الشبكة المعقّدة من الفاعلين المنخرطين في إنتاج هذا الجهاز الانتقالي، واستقباله، واستخدامه. كما مكّننا من رصد التكرارات والتطوّرات في مقاربة الحقيقة، منذ إنشائها وحتى يومنا هذا.
3. لجان الحقيقة ومعركة الذاكرة: الاستمرارات والتحوّلات
بفضل العمل الدؤوب والشجاع الذي قامت به منظمات حقوق الإنسان في المجتمع المدني، إلى جانب جمعيات الضحايا وأسرهم، كان لدى تشيلي، عند فشل الجنرال بينوشيه في الاستفتاء الانتخابي (1988) 7ونهاية حكمه الديكتاتوري (1990)8، أرشيف وثائقي غني يوثّق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها الدولة بين عامي 1973 و1990. وقد حظي هذا الأرشيف بشرعية قوية من قِبل هيئات ووكالات دولية اعتبرته مصدرًا موثوقًا استندت إليه في إعداد تقاريرها الإدانـيّة — من بينها منظمة الدول الأميركية (OEA)، والأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية، وبعض الكنائس. وكانت هذه الوثائق حاسمة أيضًا في دعم التحقيقات التي أجرتها لجان الحقيقة التشيلية لاحقًا.
نظرًا لضخامة مهمة الاعتراف الرسمي من جانب الدولة، وبالنظر إلى دقّة السياق المؤسسي حينذاك والمتمثّل في بقاء الديكتاتور السابق بينوشيه قائدًا عامًا للجيش، إلى جانب ضعف الخبرة الدولية المتاحة آنذاك — قررت أول حكومة انتقالية في تشيلي (1990–1994) أن تقتصر في معالجتها على الانتهاكات الأشد جسامة، أي تلك التي أسفرت عن الموت.
أ. اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة (1990–1991)
كانت مهمة أول لجنة للحقيقة في تشيلي (اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة – CNVR)9 هي وضع صورة شاملة قدر الإمكان حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك خلفياتها، وسياقاتها، وأشكالها، إلى جانب تحديد إطار سياسي وسياقي لها، من خلال استعراض التاريخ وأنماط القمع المعتمدة. وقد تولّت اللجنة تصنيف حالات الإعدام السياسي، والتعذيب الذي أدى إلى الوفاة، وحالات الاختفاء القسري. لكن الناجين من الاعتقال والتعذيب والقمع، بمن فيهم من قدّم شهادته كشاهد على هذه الجرائم، استُبعدوا من هذا المسار الأولي لعملية التصنيف.
في 4 مارس 1991، أعلن الرئيس باتريسيو أيلوين، في بث وطني مباشر، اعتراف الدولة بـ2,296 حالة من أصل 3,550 شكوى تلقّتها اللجنة. وقدّم أيلوين اعتذارًا رسميًا عن الجرائم المرتكبة، واعتبرها جرائم دولة، معلنًا عن تأسيس "المؤسسة الوطنية للمصالحة والتعويض".10
لكن ردود فعل المؤسّسة العسكرية لم تتأخر؛ إذ صرّح قائدا الجيش والبحرية بأن التقرير يفتقر إلى الموضوعية.11أما سلاح الجو 12 وشرطة الكارابينييروس 13فقد شدّدا على ضرورة "وضع الأحداث التي وقعت بين عامي 1973 و1990 ضمن سياقها التاريخي". إن الذاكرة الرسمية التي انبثقت عن هذا التقرير دخلت في مواجهة مباشرة مع الذاكرة المهيمنة التي روّج لها النظام الديكتاتوري طيلة سبعة عشر عامًا، والتي قامت على الإنكار، والتحريف، والتلاعب بأسباب الجرائم ودوافعها. فلنتذكّر أن "الذاكرة المهيمنة التي فرضتها القوات المسلحة عن انقلابها ونظامها كانت تقوم على تصوير نفسها كمنقذة للأمة من العنف السياسي، والفوضى، والتخريب، وقد تم ترسيخها من خلال التكرار والدعاية والرقابة" (Winn 2014, 328). ومن ثم، فإن لجنة CNVR وتقريرها شكّلا اعترافًا رسميًا وعلنيًا بحقيقة الانتهاكات التي أنكرتها الديكتاتورية العسكرية، وأسهم هذا الاعتراف في الدفع نحو تقنين "الذاكرة المعارضة" التي تمسّكت بها الضحايا وذووهم. لقد كان هذا التحوّل ضروريًا من أجل "تشكيل ذاكرة جماعية" (Traverso 2016, 22) تتمحور حول ما يُعرف بـ"ذاكرات إرهاب الدولة" (Da Silva 2010؛ Winn et al. 2014). وقد حدّد التقرير "العدد الأدنى من الضحايا، وهويتهم، وما جرى لهم، ومن المسؤول عن ذلك، حتى إن لم تُذكر الأسماء صراحة" (Winn 2014, 332). وحتى ذلك الحين، كانت هذه الحقيقة تعبّر عنها مجتمعات الضحايا في المنفى، وفي الداخل كانت تتمثّل في روايات أهالي الضحايا ونشاطات المدافعين عن حقوق الإنسان، ضمن إطار الذاكرات المعارضة. أما الآن، فقد تبنّت الدولة رسميًا ذاكرة إرهاب الدولة الذي مارسته الديكتاتورية، باعتبارها استراتيجية سياسية.
وإن كان تقرير ريتّيغ قد مثّل خطوة مؤسسية متقدّمة في التعامل مع جرائم ضد الإنسانية، فإن نطاقه المحدود قَيّدَ مدى تأثير "سياسات الذاكرة" المعتمدة خلال المرحلة الانتقالية، تاركًا العديد من الأجساد المتألّمة دون مرجعية رمزية أو اعتراف عمومي، إذ وُضِعَت خارج الأطر المعيارية المُحدِّدة لحجم الانتهاكات وجسامة الأذى" (Richard 2010، ص. 37). وتُضيف نِلي ريتشارد أن البُعد التجريبي/المعاش للناجين "جرت تنحيته لصالح مجرّد إجراء إداري يتمثل في تسليم بيانات، بوصفهم شهودًا يقدّمون إثباتًا موضوعيًا للحالة قيد التحقيق، بما يخدم التصديق العددي على الواقع القائم" (2010، ص. 37–38). ويبدو أن هذا التحييد للمُعاش يخدم سردية "الذاكرة الشاملة" الداعية إلى المصالحة، على حساب "الذاكرة النابذة" المرتبطة بما هو مرفوض ومُقزِّز أخلاقيًا (2010، ص. 37–39).
ب. اللجنة الوطنية حول السجن السياسي والتعذيب (2003–2004)
اضطرّ ضحايا الاعتقال والتعذيب من الناجين إلى الانتظار ثلاث عشرة سنة حتى تبادر الدولة إلى إطلاق مسار لتصنيف هذه الجرائم وتعويض ضحاياها. ففي عام 2003، قدّم الرئيس ريكاردو لاغوس مشروع سياسة عامة في مجال حقوق الإنسان تحت عنوان «لا غدَ من دون الأمس»، تضمّن إنشاء اللجنة الوطنية حول السجن السياسي والتعذيب (CNPPT)، والتي أوكلت إليها مهمة تحديد هوية الأشخاص الذين "تعرّضوا للاعتقال والتعذيب لأسباب سياسية، نتيجة أفعال ارتكبها موظفون حكوميون أو أفراد يعملون لصالحهم، في الفترة الممتدة من 11 سبتمبر 1973 حتى 10 مارس 1990".14كما تضمّن التقرير المُزمع صدوره عن اللجنة توصيات بشأن طبيعة التعويضات الرمزية وأشكالها، للمُعترف بهم كسجناء سياسيين. 15وكحال اللجنة التي سبقتها، لم تكن لجنة فاليتش تتمتع بسلطات قضائية، إذ لم يكن بإمكانها البتّ في المسؤولية الجنائية للمُرتكبين (المرسوم الرئاسي رقم 1040، المادة الأولى)، كما لم تكن ملزمة قانونيًا بإبلاغ السلطات عن الأفعال التي تبلُغ حدّ الجريمة والتي تكتشفها خلال عملها.
ولا يمكن تفسير نشأة اللجنة الوطنية حول السجن السياسي والتعذيب بوصفها مجرّد مبادرة من الدولة؛ فقد كانت، في جزء كبير منها، ثمرة ضغوط مارستها جماعات السجناء السياسيين السابقين على الدولة. فمنذ اعتقال بينوشيه في لندن عام 1998، بدأت هذه المجموعات بالتنظّم من أجل مطالبة رئاسة الجمهورية بتسليم الديكتاتور السابق ومحاكمته خارج البلاد. كما أرسل العديد منهم شهاداتهم إلى القاضي الإسباني بالتسار غارثون، الذي أصدر مذكرة التوقيف الدولية بحق بينوشيه.
وفي عام 2001، قامت منظمات حقوقية وطنية ودولية، إلى جانب رابطة السجينات والسجناء السياسيين السابقين حديثة التأسيس، بإطلاق ما عُرف بـ«اللجنة الأخلاقية ضد التعذيب» (Se constituye la Comisión Ética 2001, 1)، لمساءلة الدولة بشأن ضرورة الكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة في حالات التعذيب التي وقعت خلال الحكم الديكتاتوري.
باشرت هذه اللجنة بإجراء "دراسة كمية لتوثيق حالات التعذيب ومعاينة نتائجها على المستويات الفردية، والعائلية، والاجتماعية" (المصدر نفسه)، كما وضعت مقترحات لتعويض الضحايا على مختلف المستويات. لكن الاعتراف بالتعذيب لم يكن المطلب الوحيد الذي رفعه السجناء السياسيون السابقون. فقد شكّلت مبادرات استرداد مراكز الاعتقال والتعذيب وتحويلها إلى فضاءات للذاكرة جزءًا أساسيًا من أنشطة جمعيات المعتقلين السابقين وأهالي المختفين والمُعدَمين السياسيين، منذ عام 1994، عندما افتُتح "منتزه السلام فيا غريمالدي"، وهو موقع اعتقال سري كان يُستخدم بين عامي 1974 و1978. وبحلول وقت صدور تقرير فاليتش الأول، كانت أربعة مراكز اعتقال قد أُعلنت رسميًا كمواقع أثرية من قِبل "مجلس الآثار الوطنية". واقترح التقرير الرسمي للتعويض الصادر عن اللجنة أن يُصار إلى "إعلان أهم مراكز التعذيب كمواقع أثرية وطنية، وإنشاء نصب تذكارية وأماكن تخليد لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والعنف السياسي" (2004، ص. 528)، وهو ما يُعدّ بمثابة إقرار رسمي بممارسة سبق أن قامت بها منظمات المجتمع المدني وبعض الجهات الحكومية الأخرى على مدار عقد كامل.
أما في المجال القضائي، فقد طالبت منظمات الضحايا الدولة بسنّ تشريعات تُنظّم شروط تحقيق العدالة، من بينها إلغاء "قانون العفو" وإنهاء العمل بنظام السجون الخاصة للمحكومين بجرائم ضد الإنسانية، وقد صدرت حتى عام 2018، 320 حكمًا قضائيًا نهائيًا عن المحاكم التشيلية في هذه القضايا.
تكوّنت لجنة فاليتش من فريقين، الفريق الأول: المفوّضون، الذين تولّوا وضع معايير التصنيف والتحقّق من صحة البيانات المقدّمة من المصرّحين، والثاني مكون من مجموعة من الكوادر المهنية والفنية والإدارية، كانت مسؤولة عن استقبال الجمهور، وإجراء التحقيقات الوثائقية، وإنجاز عملية التصنيف.
كان مسار التصنيف يتضمّن تعبئة "استمارة دخول"، تليها مقابلة تفصيلية، تُستعرض فيها مواقع الاعتقال، والظروف المحيطة، والعناصر القمعية المتورّطة، إلى جانب وصف لوقائع التعذيب.
وقد أُعدّ لكل مُصرّح ملف خاص يحتوي على استمارة الدخول، والمعلومات التي قدّمها بنفسه، بالإضافة إلى بيانات واردة من منظمات حقوقية، و"استمارة التصنيف"، وأي معلومات إضافية مصدرها جهات خارجية. وخلال المقابلة، كان الأخصائيون يُبلّغون المصرّحين بأن اللجنة ملزَمة بالحفاظ على سرّية البيانات المقدّمة، بما في ذلك حظر نشرها كليًا أو جزئيًا. بعد ذلك، كانت الملفات تُراجع وتُحلَّل ويجري التحقّق منها بمقارنتها مع مصادر أخرى، قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن تصنيف الحالة. كان لهذا المسار أثرٌ بالغ على المستوى العاطفي والرمزي، إذ منح السلطة لِصوت الضحية الذي طالما أُقصي وسُكت عنه لسنوات، معترفًا بشهادتها بصيغة المتكلم كمرجعية مُخوّلة للحديث عن الماضي.
فبينما صنّفت لجنة ريتّيغ ما يقارب ثلاثة آلاف حالة، فقد مثُلت أمام لجنة فاليتش 35,868 شخصًا، صُنّف منهم 28,459 كضحايا، من أصل يُقدَّر بنحو 100,000 ناجٍ من التعذيب. وتُظهر هذه الأرقام مدى اتساع نطاق المهمّة الملقاة على عاتق اللجنة من حيث التصنيف وجبر الضرر. 16
ويُذكر، كما يُشير وين (2007)، أن تشيلي تُعدّ الدولة التي تضمّ أكبر عدد من ضحايا التعذيب في منطقة المخروط الجنوبي، نسبةً إلى عدد سكانها. وقد قدّم العديد من السجينات والسجناء شهاداتهم في مناسبات سابقة، بينما توافد الآلاف للمرة الأولى للإدلاء بها أمام اللجنة.
وفي كلتا الحالتين، كانت هذه المرة مختلفة، فالدولة نفسها كانت مَن تستمع، وتُسجّل، وتطلب الصفح باسم المجتمع، وتضع سياسات تعويض رسمي للضحايا.
غير أن ذاكرة الضحايا، حين تُستوعَب ضمن الرواية الرسمية للدولة، تُدمَج في سردية تفاوضية تُخفي بعض المعلومات وتُنتج "حقيقة وقائعية" تستند إلى الشهادات والسجلات المعترف بها دوليًا في مجال حقوق الإنسان، وذلك بقصد تحصين الرواية الرسمية ضد الطعن أو التشكيك.
وما هو أعمق من ذلك، أن بعض المصرّحين أنفسهم شكّكوا في درجة الفاعلية التي يمنحها لهم التقرير، إذ يقول أحدهم:
"اكتشفنا أننا نكافح من أجل أن يكون لنا صوتنا الخاص، لأننا لم نعد نُعتبر مناضلين اجتماعيين، بل صرنا ضحايا؛ أشخاصًا اضطُهدوا لا بسبب أفكارهم، بل لأنهم فقط ضحايا."17
لقد سلبت اللجنة عنهم صورتهم الذاتية كمقاومين وناجين ومشاركين سياسيين، ومنحتهم بالمقابل هوية "الضحية" فحسب. وفي تأملها النقدي، ترى أوبررويتير أن التقرير يصوّرهم كـ"أشخاص مرضى، ضحايا–أشخاص […] يحتاجون لمن يرعاهم ويحميهم". وتُضيف: إن هذه الصورة كـ"ضحايا–مرضى" تُقصي السجناء السابقين من المساهمة في النقاش السياسي الراهن، في حين "لا يزال لدينا الكثير لنقدّمه".
وعلاوة على ذلك، فإن التقرير يُنتج سرديات مجرّدة من ذاكرة الشهود أنفسهم، ما يُفرغ هذه الذكريات من معناها وقيمتها بالنسبة إلى الحقيقة التي تتبنّاها الدولة (Richard 2010, 44).
ومن منظور "معركة الذاكرة"، فإن الذاكرة الرسمية التي يجسّدها تقرير لجنة السجن السياسي والتعذيب (CNPPT) لم تكن قادرة على استيعاب "اليأس الكامن في ذاكرة الكارثة" (Richard 2010, 44).
ج. «النسيان لا يُفرَض بمرسوم» 18
في جميع لجان الحقيقة التي أُنشئت في تشيلي، قامت الدولة بفرض درجات من السرّية، "سواء على مستوى المحاضر، أو على كامل الأرشيف، أو حتى على أساليب ومنهجيات العمل التي اتُّبعت أثناء تنفيذ مهامها" (Campos y Sáez 2016, 3). وقد أُتيح للقضاء الاطلاع على المعطيات التي جمعتها لجنة ريتّيغ (1990)، إلا أن الإجراءات التي قامت بها اللجنة مُنِحت طابع السرّية، كما خُوّلت اللجنة صلاحية حماية هوية الأشخاص الذين قدّموا شهادات أو عملوا ضمن طواقمها.19
بعد مرور عام على صدور تقرير لجنة فاليتش الأولى، صدر القانون رقم 19.992 (2004)، الذي نصّ على منح معاشات وتعويضات ومزايا للضحايا المصنّفين رسميًا. لكن القانون تضمّن أيضًا بندًا ينصّ على السرّية لمدة خمسين عامًا بالنسبة للشهادات والبيانات المقدّمة أمام اللجنة، مرفقًا بعقوبة جنائية تطال من يخرق هذا الحظر من خلال "نشر أو تسريب أو إفشاء المعلومات والبيانات" (وفقًا للمادة 247 من القانون الجنائي).20وقد أدّى هذا البند إلى تعطيل استخدام الوثائق في أي مسار قضائي، بما في ذلك داخل المحاكم، التي لم يُسمح لها بالوصول إليها.21
برّر الرئيس ريكاردو لاغوس هذا الإجراء عند الإعلان عن مشروع القانون 19.992، بالاستناد إلى "الطابع السري والخاص الذي كُلّفت به اللجنة منذ نشأتها، والذي شمل إجراءاتها والمعلومات التي قامت بجمعها". من وجهة نظر الدولة، فإن السرّية تهدف من جهة إلى "الحيلولة دون المساس بطبيعة وظيفة اللجنة، أو التشكيك في المعلومات المقدّمة إليها"، ومن جهة أخرى، إلى حماية حقوق الضحايا بوصفهم المالكين الحصريين لتلك المعلومات، بحيث يكون لهم وحدهم حق التصرف بها بالطريقة التي يرونها مناسبة. 22
غير أن الجدل حول هذه السرّية اندلع منذ لحظة صدور القانون 19.992، وذلك مع نشر "البيان الثاني للمؤرّخين" بعنوان: «مؤرّخون ضد الذين يُعذّبون باسم الوطن» (2004).23وفي هذا البيان، وجّه المؤرّخون نقدًا لاذعًا لما اعتبروه إخفاءً أو تقييدًا للمعرفة المرتبطة بهوية الجلادين والمُعذّبين، معتبرين أن التقرير، بهذا الشكل يُعدّ منشورًا مجتزأً، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار قيمته التاريخية–السياسية، التي تتجاوز نطاق البُعد الأخلاقي أو القضائي البحت.
وما زال هذا النزاع مفتوحًا حتى اليوم، وقد فرض على الساحة سؤالًا محوريًا: كيف ينبغي إدارة البيانات التي تجمعها وتنتجها لجان الحقيقة؟ من يملكها؟ وكيف تُستخدَم؟ وهو سؤال يفرض نفسه كشرط أساسي عند تشكيل أي لجنة من هذا النوع، وتحديد مهامها وصلاحياتها. وفي الحالة التشيلية، تتجسّد التوتّرات في تعارض الحق الفردي في حماية البيانات الشخصية، والذي يُستَند إليه لصالح حماية الضحايا، من جهة، والحق الجمعي في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة، من جهة أخرى — وهي سياقات تُحتّم أن لا تُختزل قضايا الاعتقال السياسي والتعذيب في بُعدها الخاص أو الفردي فقط.
د. «الذاكرة ذاكرتنا»: الحراك الاجتماعي من أجل رفع السرّية عن أرشيف فاليتش الأولى
في عام 2015، وُلدت مبادرة "نزع السرّية الشعبية" (Desclasificación Popular – DP)، وهي جماعة سياسية–فنية تُعيد تأكيد حقّ من قدّموا شهاداتهم أمام لجنة فاليتش الأولى في امتلاك وثائقهم، وذلك انطلاقًا من قراءة جديدة للقانون رقم 19.992. ويسعى هذا التجمّع كذلك إلى رفع السرّية عن أرشيفات اللجنة السرّية، وجعلها متاحة للاطّلاع العام عبر المنصة الإلكترونية الخاصة بالجماعة.24
تحت شعار «الذاكرة ذاكرتنا»، نظّمت مبادرة "نزع السرّية الشعبية" بين شهري سبتمبر وأكتوبر 2015 عملًا تركيبيًا فنيًا في أحد المراكز الثقافية بمدينة سانتياغو. تمثّل هذا العمل في شجرة معلّقة رأسًا على عقب، "تُجسّد الجسد المُعذّب، المُمزَّق والمعاد تركيبه، وهو يطفو فوق الأرض، وأسفلَه خمسون ألف كُتيّب مرتّب ليُشكّل كلمة ‘ذاكرة’" (انظر الصورة 1). وقد احتوت تلك الكُتيّبات (انظر الصورة 2) على إرشادات حول كيفية طلب نزع السرّية عن أرشيف لجنة فاليتش. وإن كانت الكتيّبات قد أُعدّت خصيصًا للمصرّحين سواء تم تصنيفهم كضحايا أم لا ولذويهم، بوصفهم أصحاب الحق في طلب نزع السرّية عن ملفاتهم، فإن التركيبة الفنية كانت تهدف إلى إشراك المجتمع ككل، عبر الدعوة إلى الاستحواذ الجماعي على مسار الذاكرة بوصفه شأنًا عامًا ومصلحة عامة. وجمعت مبادرة "نزع السرّية الشعبية" بين الدور التثقيفي للكتيّب وبين توفير فضاء عام عبر المنصة الرقمية، يُمكّن الجمهور من الاطّلاع على وقائع العنف والانتهاكات، والدخول في تفاعل تحليلي معها، وإنتاج معرفة جديدة من خلال دراسة الوثائق المنشورة، واستخلاص علاقات تقاطعية واستدلالية بين المعلومات. وبهذا الطرح، تُدخل المبادرة المجتمع المدني كفاعل ثالث في الجدل الدائر بين الدولة والضحايا، وتدعوه إلى الاستحواذ على الوثائق التي تشهد على الانتهاكات الماضية، والمشاركة في المعارك الرمزية الراهنة المتعلقة بالذاكرة.
وهكذا، تُوسّع المبادرة من نطاق استخدام وثائق لجان الحقيقة، مُحوّلة إياها من أدوات تخصّ الماضي فحسب، إلى وسائط للتدخل في الحاضر وساحات معاصرة من معركة الذاكرة.
الصورة 1. تركيبة فنية بعنوان "دليل نزع السرّية الشعبية"، المكان: المركز الثقافي ماتوكانا 100،
سانتياغو، تشيلي، عام 2015.
الصورة 2. مقتطف من دليل نزع السرّية الشعبية، 2015.
ما إن بدأ تداول دليل مبادرة "نزع السرّية الشعبية" حتى وصل إلى أيدي المحامين الذين قدّموا الدعم القانوني لإحدى السجينات السياسيات السابقات في مسار نزع السرّية عن ملفها الشخصي.
وقد تقدّم هؤلاء المحامون بطلب رسمي إلى المعهد الوطني لحقوق الإنسان (INDH)، بصفته الجهة الحافظة للملفات. وقد استجاب المعهد جزئيًا، إذ وافق على تسليم الوثائق المتعلقة بالمُصرّحين أنفسهم، لكنه رفض الكشف عن الوثائق المتعلقة بعمل اللجنة، مثل استمارة التصنيف.25وردًا على هذا القيد، قدّم المحامون دعوى حماية، قضت المحكمة فيها — بالإجماع — بوجوب تسليم الملف الكامل للمُصرّحة. وكانت هذه المرة الأولى التي يُنجَح فيها في رفع السرّية عن كامل الوثائق الخاصة بإحدى المصرّحات أمام لجنة فاليتش الأولى.26
وفي العام التالي، بدأ فريق مبادرة "نزع السرّية الشعبية" العمل مع نفس المحامين لتكرار هذه الصيغة القانونية. لكن هذه المرة، رفضت محكمة الاستئناف في سانتياغو الدعوى، ولم تُسلّم الوثائق لصاحبتها. وفي يونيو 2016، قدّم فريق المبادرة أربع عشرة دعوى حماية جديدة أمام محكمة الاستئناف، نيابة عن أعضاء "المنسّقية الوطنية للسجينات والسجناء السياسيين السابقين – سلفادور أييندي"، وهي منظمة تقع في إقليم أوهيغينز. وفي 22 سبتمبر، حكمت المحكمة لصالحهم، وألزمت المعهد الوطني لحقوق الإنسان بتسليم الوثائق الكاملة المتعلقة بتلك الحالات. وقد أكّد الحكم على حق الضحايا في ملكية وثائقهم الشخصية. وبعد استلام الملفات، وفّرت "نزع السرّية الشعبية" على منصّتها الإلكترونية خيارًا متاحًا للمُصرّحين الراغبين في نشر ملفاتهم على العلن. ويقوم فريق المبادرة بحجب اسم الضحية وأي معلومات شخصية، بينما تُبقي على اسم الجلّاد أو المُعذِّب، انطلاقًا من مبدأ حماية المعطيات الخاصة بأصحاب الملفات، مع التأكيد على أن الهدف الأساسي من نزع السرّية هو كشف الحقيقة حول المُرتكِبين، من أجل تحقيق العدالة (Desclasificación Popular 2015).
منذ عام 2015، وخلال الحملة الداعية إلى رفع السرّية عن الوثائق التي أنتجتها لجنة فاليتش الأولى، تبرز البُعدان الرئيسيان اللذان رصدناهما في قراءة لجان الحقيقة من منظور معركة الذاكرة:
البُعد الوقائعي–المعلوماتي، والبُعد الخبراتي أو المعايش. إلا أن نضال رفع السرّية، في هذا السياق، لا يدور حول الحقيقة فحسب، بل ينتقل إلى السؤال حول ملكية الوثائق واستخداماتها، أي ملكية الرصيد الوثائقي والمعلوماتي المُنتج في سبيل بناء تلك الحقيقة. وتظهر الخبرة المعايشة هذه المرة كطلب صريح لاستعادة ملكية الملف الشخصي، بوصفه حاويًا للسردية الذاتية، والسيرة الحياتية، والمعاناة الشخصية التي جرى سلبها بفعل قيد السرّية. إنها مطالبة بالاسترداد والمشاركة في تقرير المصير السردي، أكثر منها مطالبة بالمعرفة، لأن ما قيل في الأصل معروف لأصحابه.
إلى جانب البُعد الرمزي، تُفعّل الحملة أيضًا البُعد الوقائعي. ففي عملية استرداد الملف الشخصي، تُواكب الأمل في أن تتمكّن هذه الوثائق من أداء وظيفة الإثبات القانوني، دون الحاجة إلى إعادة إحياء الصدمة أو إعادة "إعادة التعرّض" للمُعاناة من خلال تقديم رواية جديدة أمام القضاء. وبما أن المُصرّح يمتلك، فور تسلّمه للملف، حرية التصرف فيه، فإن حركة "نزع السرّية الشعبية" بالتعاون مع السجناء السياسيين السابقين تُعدّ حاسمة في محاولة إنشاء أرشيف موازٍ لأرشيف لجنة فاليتش، بما يُتيح التقاطع والتحقّق من المعلومات عبر الحالات المختلفة، وكشف الحقائق المرتبطة بالمسؤولين عن الانتهاكات. وقد تُستخدم هذه الوثائق مستقبلًا في رفع دعاوى ضد الدولة أو ضد الجلادين، وكذلك في أبحاث تاريخية–قانونية تسهم في إحقاق الحقيقة، وتحقيق العدالة، وحفظ الذاكرة الجماعية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في السياق التشيلي، نظرًا لغياب نظام موحّد للمعلومات حول الضحايا يُمكن الرجوع إليه في المسائل القضائية وسواها. وتكمن الوظيفة الوقائعية الجوهرية لهذا المسار في إعادة توجيه المعلومات التي جُمعت في إطار خارج القضاء، نحو خدمة العدالة، أي ممارسة سلطة الضحايا لاستخدام هذه المعلومات لأغراض لم تتضمنها ولاية اللجنة، وربما استُبعدت صراحة من صلاحياتها الأصلية.
حتى 31 مارس 2018، كان المعهد الوطني لحقوق الإنسان (INDH) قد سلّم ما مجموعه 1,559 ملفًا من ملفات لجنة فاليتش الأولى (269) والثانية (1,290)، منها 958 ملفًا بطلب من المحاكم، و601 ملفًا بطلب من أفراد (من المصرّحين أنفسهم).27وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير، توجد سبعة عشر ملفًا منزوع السرّية متاحة في الأرشيف العام على الموقع الإلكتروني لمبادرة "نزع السرّية الشعبية".
هـ. انتكاسة جديدة: حقائق محجوبة
في سبتمبر 2016، قرّر المعهد الوطني لحقوق الإنسان (INDH) أنه سيقوم بتسليم الملفات إلى جميع مقدّمي الطلبات سواء كانوا مُصنَّفين كضحايا أم لا، من لجنتي فاليتش الأولى والثانية، مع التأكيد على عدم المساس بحقوق الضحايا الآخرين أو المصرّحين.28
ولتحقيق ذلك، اعتمد المعهد آلية إخفاء جديدة، تمثّلت في "حجب هوية الضحايا الآخرين أو المصرّحين، أو أي عناصر قد تسمح بالتعرّف عليهم"، إضافة إلى رفض تسليم أي معلومات تخصّ مُصرّحين آخرين دون إذنهم الصريح.29 (انظر الصورة 3). وهكذا، تتعرّض معركة الذاكرة إلى نكسة جديدة: فإجراءات نزع السرّية تؤدّي إلى كشف جزئي للحقيقة، وتُعيق إمكانيات الربط والتقاطع بين الحالات المختلفة، وهي خطوة ضرورية لفهم ما جرى بشكل كامل ولا سيما في ظلّ غياب نظام معلوماتي موحّد في تشيلي يُعنى بضحايا هذه الانتهاكات الجسيمة.
الصورة 3. استمارة تصنيف من لجنة فاليتش الأولى (2005)، بعد رفع السرّية عنها.
و. نزع السرّية عن التصنيف
لا تقتصر آثار نزع السرّية على المستوى الرمزي أو الوقائعي، بل تكشف أيضًا عن عناصر تتعلّق بآليات التصنيف ذاتها، بما يوسّع من نطاق الذاكرة حول الماضي وطرق تدبيره في الحاضر.
فعندما تتم الموافقة على نزع السرّية الكامل للملف، تُسلَّم للمُصرّح الوثائق، ومنها استمارة التصنيف الخاصة بالمعتقلين أو المُعذَّبين (انظر الصورة 3). ويُعدّ هذا المستند أداة تُثبّت فيها اللجنة قناعتها الرسمية بتصنيف الشخص — أو عدم تصنيفه — كضحية للسجن السياسي والتعذيب.
إن كشف ممارسات اللجنة وأساليبها في التسجيل والعمل، من خلال الاطلاع على بطاقات التقارير وغيرها من المدخلات المستخدمة في جمع القضايا والتحقيق فيها، يُمكّننا من فهم كيفية تصنيف فئات الضحايا في لجان الحقيقة. الصورة 3 تُطابق بطاقة تقرير شخص أدلى بشهادته في لجنة فاليتش الأولى، ولم يُصنّف بسبب "عدم الإدانة". يُجادل أعضاء اللجنة بأن الحالة المُعلنة تختلف عن الحالات السرية الأخرى في الظروف نفسها، ويخلصون، مدعومين بشهود، إلى أن القضية غير صحيحة. إن فهم هذه المعايير، وفهم أكثر من سبعة آلاف حالة غير سرية، من شأنه أن يكشف عن حقيقة لم تظهر في التقارير النهائية، مما يفتح الباب أمام ذكريات أخرى.
بالإضافة إلى إنتاجها لملف وثائقي خاص بكل حالة محلّ تحقيق، قامت لجنة فاليتش بإنشاء قاعدة بيانات منظّمة تضمّنت المعلومات التي جُمعت من لجان الحقيقة السابقة. وقد جُهّزت هذه القاعدة بمحرك بحث يعتمد على ترميز وصفي يسمح بـ"الكشف عن زملاء في الاعتقال، وشهود عيان، ومقارنة الشهادات أو أنظمة الحياة في مراكز الاحتجاز" (Valech II 2011, 20). إن الاطلاع على هذه القاعدة، بمحتوياتها وحقولها، يكشف — كما هو الحال في استمارة التصنيف — عناصر إضافية تتعلّق بآليات عمل اللجنة، كما يُظهر الطابع المنهجي للعنف السياسي الذي مارسته الدولة التشيلية بين سبتمبر 1973 مارس 1990. 30
غير أن الحكم القضائي المتعلّق بهذه القاعدة جاء مخالفًا لما صدر بشأن الملفات الفردية.
ففي القضية التي رفعتها إحدى السجينات السياسيات السابقات، بدعم من "نزع السرّية الشعبية"، للمطالبة بنزع السرّية عن قاعدة البيانات، قضت المحكمة بأن قاعدة بيانات لجنة فاليتش الثانية ليست مشمولة صراحةً بقرار سرّيّتها، ولكنها، مع ذلك، تخضع للحماية القانونية، لأن "إتاحتها للعامة، أو نشرها، أو الاطلاع عليها، يُلحق ضررًا مؤكدًا بحقوق الأفراد، الذين يُمثّلون في هذه الحالة ضحايا ذات أهمية بالغة للدولة، أي ضحايا القمع السياسي خلال الفترة 1973–1989". 31ويكشف هذا التعليل أن الاستناد إلى حماية الخصوصية الفردية وحقوق الضحايا قد تَوسّع ليشمل أدوات أخرى غير الملفات الشخصية. فلم تَعُد الحماية مقتصرة على ملفات الأفراد، بل أصبحت تشمل أيضًا المعطيات الناتجة عن تحليل تلك الملفات، أي أن البيانات المُعالجة نفسها باتت تُعامل بوصفها مادة حساسة، تستوجب الحجب باسم حماية الضحايا.
ز. الوضع الراهن
بالتوازي مع نضال مبادرة نزع السرّية الشعبية (DP) لرفع السرّية عن الوثائق المحمية ببند الحجب، جرت محاولات لتعديل البند القانوني الذي يؤسّس لهذه السرّية في القانون رقم 19.992. ففي مايو 2016، قدّم نواب عن تكتل الأكثرية الجديدة (Nueva Mayoría)32 إلى البرلمان مشروع قانون يهدف إلى إقرار الطابع العمومي للمعطيات التي جمعتها اللجنة.33 لكنّ هذا المشروع رُفض من قِبل مجلس النواب. عقب ذلك، طُرح مشروع قانون جديد بعنوان «تعديل القانون رقم 19.992، الذي يقرّ معاشًا تعويضيًا ويمنح مزايا أخرى للأشخاص المحدَّدين، فيما يتعلّق بكيفية التعامل مع الوثائق التي جمعتها اللجنة الوطنية حول السجن السياسي والتعذيب»34، وتمّ تقديمه هذه المرّة بهدف السماح للسلطة القضائية بالاطلاع على هذه الملفات. في 30 سبتمبر، تمّت الموافقة عليه مبدئيًا في مجلس النواب، وفي عام 2017 بدأ المرور في المرحلة التشريعية الثانية داخل مجلس الشيوخ. لكن حتى يومنا هذا، لم يصدر أي قرار نهائي بشأن هذا المشروع، ولا تزال معركة رفع السرّية مستمرّة، كما بدأتها حركة نزع السرّية الشعبية.
الاستنتاجات
إن مقاربة مسألة إسكات وثائق إحدى لجان الحقيقة (CV) ومقاومتها من منظور معركة الذاكرة، أتاح لنا تحليل الدور الذي تلعبه هذه اللجان في الصراع حول تثبيت ذاكرة شرعية داخل الفضاء العمومي. لقد تعرّضت الذاكرة الرسمية والمؤسساتية التي سعت تقارير هذه اللجان إلى تكريسها في تشيلي، للنقد بسبب الحدود التي فرضت على سردياتها. وكانت لجنة فاليتش (2004) قد شكّلت نقطة تحوّل حاسمة في هذا الصراع، عندما فرضت سرّيةً على أرشيفها الوثائقي والمعلوماتي، ما أعاق استخدامه لأغراض قضائية.
وقد أدى هذا الإجراء إلى دخول فاعلين جدد في معركة الذاكرة. فمنذ ذلك الحين، لم تعد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي جرت بين عامي 1973 و1990 تُفهم فقط ضمن ثنائية الضحية – الدولة. فهؤلاء الفاعلون الجدد، الذين لا تربطهم صلات قرابة مباشرة مع ضحايا الديكتاتورية، باتوا يعارضون مسار العدالة الانتقالية باسم البحث عن الحقيقة والعدالة، وباسم أهمية المعرفة التاريخية الشاملة. وهم يُدخلون في المطالب المتعلقة بوثائق الضحايا، بُعدًا إضافيًا يتمثل في الرغبة في فهم آليات عمل اللجنة نفسها، من خلال السعي إلى رفع السرّية عن استمارات التصنيف أو عن قاعدة البيانات المجمَّعة حول مختلف اللجان، ما يسمح بظهور ذاكرات جديدة وفاعلين جدد، من بينهم الذين لم يُعترف بهم رسميًا كضحايا وبالتالي استُبعدوا من مسارات التعويض التي ترتّبت على التصنيف الرسمي.
لقد جادلنا في هذا المقال بأن الصراع حول نزع السرية عن أرشيف لجنة فاليتش الأولى لم يعد يتمحور حول المطالبة بالحقيقة فقط، بل بات يتعلق أيضًا بـ الملكية الفردية لهذه الحقيقة، بغرض وضعها في متناول القضاء وتحقيق العدالة، بعدما حال التفويض الأصلي للجنة دون ذلك. إن المطلب الحالي يتجاوز المعرفة بما قيل، لأن الشهادات التي أدلى بها الضحايا هي في الأصل معروفة لهم، لكنه يركّز على استعادة حقّ التصرّف في السردية الخاصة، في السيرة الذاتية، وفي المعاناة الشخصية التي صادرتها السرّية. كما يشمل هذا المطلب حقّ نشر هذه المعطيات وفق إرادة الناجين، وتوظيفها عبر وسائط جديدة (مواقع إلكترونية، تدخلات فنية، مواقع ذاكرة، أبحاث حقوقية واجتماعية) بما في ذلك النقاش حول عرض أو إخفاء البيانات الشخصية.
بهذا المعنى، يمثّل نزع السرّية لحظة فاصلة في سلسلة من الإجراءات التي اتسمت بالتسوية والتطبيع، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن من قاد هذا الصراع هم سجناء سياسيون سابقون، إلى جانب شباب مهنيين لا تربطهم علاقات دموية بذلك الماضي القمعي — ما يجعلهم بحق روّادًا جددًا في معركة الذاكرة. وفي سياق هذا الصراع، تطوّر دور "نزع السرّية الشعبية" (DP) من وسيط بين الضحايا والدولة إلى فاعل رئيسي، من خلال إصدار بيانات ونشرات وجمع إحصائيات، وطرح أرشيف وثائقي عام على الإنترنت.
إن تحليل تجربة لجنة السجن السياسي والتعذيب في تشيلي، من منظور معركة الذاكرة، وبالأخص من خلال دراسة ملف نزع السرية عن أرشيفها، يدلّ على ضرورة النظر إلى هذه اللجان نظرةً أوسع. فهي لا تقتصر على الأشخاص المعترَف بهم كضحايا أو على العلاقة الثنائية بين الدولة والضحايا، بل تشمل أيضًا غير المعترَف بهم رسميًا، وفريق العمل المهني الذي كان يضطلع بمهمة الاستماع والتوثيق والمعالجة، وكذلك الكتلة الوثائقية الكاملة التي جُمعت ومُعالجت.
وأخيرًا، فإن التفكير في وثائق لجان الحقيقة باعتبارها أدوات ذات دور عام، وبالنظر إلى قابليتها للاستخدام القضائي أكثر من الاقتصار على مسألة حماية البيانات الشخصية، يُعيد الربط بين العدالة والحقيقة والذاكرة — وهو ربط لا غنى عنه عند التفكير في نماذج مستقبلية من لجان الحقيقة. إن الزمن الطويل لمعركة الذاكرة يتيح إعادة النظر والتعلّم من أشكال تدخل هذه اللجان في تفكيك الماضي العنيف، في الوقت الذي تسير فيه المجتمعات ومؤسساتها نحو ترسيخ التحوّلات الديمقراطية.
المصادر:
Amnistía Internacional. 2007. “Verdad, Justicia y Reparación. Creación de una comisión de la verdad efectiva”. Amnistía Internacional, España, junio.
Andrews, Molly. 2007. “‘Pero si no he acabado... tengo más que contar’: las limitaciones de las narraciones estructuradas de los testimonios públicos”. Antípoda. Revista de Antropología y Arqueología 4: 147-159.
DOI : 10.7440/antipoda4.2007.07
Augé, Marc. 1998. Las formas del olvido. Barcelona: Gedisa.
Buur, Lars. 1999. “Monumental History: Visibility and Invisibility in the Work of the South African Truth and Reconciliation Commission”. Ponencia presentada en Wits History Workshop: The TRC; Commissioning the Past. University of the Witwatersrand, Sudáfrica.
Campos, Javiera y Luciano Sáez. 2016. “Contra el velo del secreto y el silencio. La demanda por la desclasificación de los archivos de la Comisión Valech I en Chile: La experiencia del equipo de Desclasificación Popular (2015-2016)”. Ponencia presentada en IX Seminario Internacional Políticas de la Memoria. 40 años del golpe cívico-militar. Reflexiones desde el presente. Buenos Aires, Argentina.
Candau, Joel. 2008. Memoria e identidad. Buenos Aires: Ediciones del Sol.
Castillejo Cuéllar, Alejandro. 2005. “Las texturas del silencio. Violencia, memoria y los límites del quehacer antropológico”. EMPIRIA. Revista de Metodología de Ciencias Sociales 9: 39-59.
Castillejo Cuéllar, Alejandro. 2007. “La globalización del testimonio: historia silencio endémico y los usos de la palabra”. Antípoda. Revista de Antropología y Arqueología 4: 76-99.
DOI : 10.7440/antipoda4.2007.04
Comisión Asesora para la Calificación de Detenidos Desaparecidos, Ejecutados Políticos y Víctimas de Prisión Política y Tortura (Valech II). 2011. “Informe y Nómina de Personas Reconocidas como Víctimas en la Comisión Asesora Presidencial para la Calificación de Detenidos Desaparecidos, Ejecutados Políticos y Víctimas de Prisión, Política y Tortura (Valech II)”. URL: http://bibliotecadigital.indh.cl/handle/123456789/600
Comisión Nacional de Verdad y Reconciliación (Rettig). 1991. Informe de la Comisión Nacional de Verdad y Reconciliación. Santiago: Secretaría de Comunicación y Cultura, Ministerio Secretaría General de Gobierno de Chile.
Comisión Nacional sobre Prisión Política y Tortura (Valech I). 2004. Informe de la Comisión Nacional sobre Prisión Política y Tortura. Santiago: Ministerio del Interior.
Corporación Nacional de Reparación y Reconciliación (CNRR). 1996. “Informe sobre calificación de víctimas de violaciones de derechos humanos y de la violencia política”. URL: http://www.archivochile.com/Derechos_humanos/Com_Rettig/hhddrettig0017.pdf
da Silva Catela, Ludmila. 2010. “Exponer lo invisible: Una etnografía sobre la transformación de CCD en Sitios de Memoria en Córdoba-Argentina”. En Recordar para pensar. Memoria para la democracia, editado por Tania Medalla, 44-56. Santiago: Ediciones Böll Cono Sur.
De Cock, Barbara y Michaud Maturana. 2014. “La expresión de la agentividad en el Informe Rettig”. Revista Internacional de Lingüística Iberoamericana XII 23: 123-140.
Desclasificación Popular. 2015. Desclasificación Popular. Proyecto de Francisco Papas Fritas y Ex PP.PP. del Movimiento de Izquierda Revolucionario. http://desclasificacionpopular.cl/wp-content/uploads/2015/09/MANUAL_DESCLASIFICACION.pdf
Fried, Gabriela. 2011. “Private Transmission of Traumatic Memories of the Disappeared in the Context of Transitional Politics of Oblivion in Uruguay (1973-2001). Pedagogies of Horror among Uruguayan Families”. En The Memory of State Terrorism in the Southern Cone: Argentina, Chile and Uruguay, editado por Francesca Lessa y Vincent Druliolle, 157-177. Nueva York: Palgrave Macmillan.
Garretón, Francisca, Mariane González y Silvana Lauzán. 2011. Políticas Públicas de Verdad y Memoria en 7 países de América Latina (Argentina, Bolivia, Brasil, Chile, Paraguay, Perú y Uruguay). Santiago: Universidad de Chile. URL: http://www.memoria.fahce.unlp.edu.ar/library?a=d&c=arti&d=Jpr3067
Groppo, Bruno. 2016. “Dictaduras militares, archivos de movimientos políticos y sociales y archivos de la represión en América Latina”. En Archivos y memoria de la represión en América Latina (1973-1990), editado por María Graciela Acuña, Patricia Flier, Myrian González, Bruno Groppo, Evelyn Hevia, Loreto López y Enzo Traverso, 31-53. Santiago: LOM Ediciones.
Hayner, Priscilla. 2001. Unspeakable Truths. Confronting State Terror and Atrocity. Nueva York: Routledge.
Hayner, Priscilla. 2006. “Comisiones de la Verdad: resumen esquemático”. International Review of the Red Cross 862: 1-18. URL: https://www.icrc.org/spa/assets/files/other/irrc_862_hayner.pdf
Humphrey, Michael. 2003. “From Victim to Victimhood: Truth Commissions and Trials as Rituals of Political Transition and Individual Healing”. The Australian Journal of Anthropology 14 (2): 171-187.
DOI : 10.1111/j.1835-9310.2003.tb00229.x
Illanes, María Angélica. 2002. La batalla de la memoria. Ensayos históricos de nuestro siglo: Chile, 1900-2000. Santiago: Planeta/Ariel.
Jelin, Elizabeth. 2002. Los trabajos de la memoria. Madrid: Siglo XXI.
López, Loreto y Evelyn Hevia. 2017. “Archivo Oral de Villa Grimaldi: Experiencias y reflexiones”. En Archivos y memoria de la represión en América Latina (1973-1990), editado por María Graciela Acuña, Patricia Flier, Myrian González, Bruno Groppo, Evelyn Hevia, Loreto López y Enzo Traverso, 31-53. Santiago: LOM Ediciones.
Mora-Gámez, Fredy. 2016. “Reparation beyond Statehood: Assembling Rights Restitution in Post-Conflict Colombia”, Tesis de doctorado, Universidad de Leicester, Reino Unido.
Posel, Deborah. 1999. “The TRC Report: What Kind of History? What Kind of Truth?”. Ponencia presentada en Wits History Workshop: The TRC; Commissioning the Past. University of the Witwatersrand, Sudáfrica.
Posel, Deborah y Graeme Simpson (eds.). 2002. Commissioning the Past: Understanding South Africa’s Truth and Reconciliation Commission. Johannesburgo: Witwatersand University Press.
Richard, Nelly. 2010. Crítica de la memoria (1990-2010). Santiago: Ediciones Universidad Diego Portales.
“Se constituye la Comisión Ética contra la Tortura en Chile”. 2001. Equipo Nizkor, 10 de marzo, URL: http://www.derechos.org/nizkor/chile/Comtorturachl.html
Stern, Steve. 2009. Recordando el Chile de Pinochet en vísperas de Londres 1998: libro uno de la trilogía de la memoria del Chile de Pinochet. Santiago: Universidad Diego Portales.
Traverso, Enzo. 2016. “Memoria e historia del siglo XX”. En Archivos y memoria de la represión en América Latina (1973-1990), editado por María Graciela Acuña, Patricia Flier, Myrian González, Bruno Groppo, Evelyn Hevia, Loreto López y Enzo Traverso, 17-30. Santiago: LOM Ediciones.
Vázquez, Félix. 2001. La memoria como acción social: relaciones, significados e imaginario. Barcelona: Paidós.
Wilson, Richard. 2001. The Politics of Truth and Reconciliation in South Africa. Legitimizing the Post-Apartheid State. Cambridge: Cambridge University Press.
DOI : 10.1017/CBO9780511522291
Winn, Peter 2007. “El pasado está presente. Historia y memoria en el Chile contemporáneo”. En Historizar el pasado vivo en América Latina, editado por Anne Pérotain-Dumon, 1-48. Santiago: Universidad Alberto Hurtado, Centro de Ética. http://www.historizarelpasadovivo.cl/es_contenido.php
Winn, Peter. 2014. “Las batallas por la memoria histórica en el Cono Sur: conclusiones comparativas”. En No hay mañana sin ayer, editado por Peter Winn, Steve Stern, Federico Lorenz y Aldo Marchesi, 327-371. Santiago: LOM Ediciones.
Zalaquett, José. 1998. “Procesos de transición a la democracia y políticas de Derechos Humanos en América Latina”. En Presente y futuro de los derechos humanos. Ensayos en honor a Fernando Volio Jiménez, editado por Lorena González, 108-132. San José: Instituto Interamericano de Derechos Humanos.
منذ عام 1974 وحتى الآن، تم إنشاء ما يزيد على أربعين نموذجاً للسيرة الذاتية في أكثر من ثمانية وعشرين بلداً (منظمة العفو الدولية 2007).
بينما تُركز المحاكمات على التحقيق في أفعال المتهمين، يُركز القضاء على الضحايا. لا يملك القضاء سلطة إدانة الأفراد، ولا إجبارهم على الإدلاء بشهاداتهم أو إنفاذ التوصيات الواردة في تقاريره. مع ذلك، استجابةً لتكليفه بكشف حقيقة الأحداث الماضية، يُمكن أن تكون تحقيقاته أوسع نطاقًا من تحقيقات محاكمات الجناة التي تسعى إلى تحديد المسؤولية القانونية الفردية عن جرائم مُحددة .
ترجمة النصوص المنشورة باللغة الإنجليزية تتم من قبل المؤلفين.
بالنسبة للقضية الأرجنتينية "ميموريا أبييرتا" (http://www.memoriaabierta.org.ar/)، ولوبيز وهيفيا (2017) بالنسبة لقضية الشهادات من الأرشيف الشفوي لمنتزه فيلا جريمالدي للسلام (تشيلي).
يُظهر تحليل وين لمعارك الذاكرة التي أعقبت الأنظمة الديكتاتورية العسكرية في تشيلي والأرجنتين وأوروغواي هذه الاستمرارية والتباين في مواقف ومطالب مختلف الجهات الفاعلة. على سبيل المثال، في الأرجنتين، تبدأ معارك الذاكرة بالصراع الرمزي الأول الذي تسعى من خلاله جماعات حقوق الإنسان إلى استعادة براءة الضحايا، ومحو صورة الإرهابيين التي فرضتها الحكومات الديكتاتورية من خلال الرقابة والمونتاج الإعلامي والقمع (2014، 25). بعد انتهاء النظام الديكتاتوري، اندلع صراع ثانٍ، شاركت فيه الدولة، ركز على البحث عن المسؤولين عن الجرائم، وصراع ثالث، وهو صراع تذكاري، بمشاركة الأجيال الجديدة في مراكز الذاكرة.
بدأت هذه التحولات السياسية في عام 1983 مع إنشاء حكومة مدنية في الأرجنتين (زالاكيت 1998).
نص الإصلاح الدستوري الذي تم تنفيذه في عام 1980 على أنه بعد ثماني سنوات في السلطة، سوف يدعو بينوشيه إلى استفتاء وطني لتحديد استمرار حكمه. رفض 54.7% من الناخبين هذا الخيار، مما مهد الطريق لإجراء انتخابات رئاسية
في 11 مارس 1990 ، تولى باتريسيو أيلوين رئاسة الجمهورية بعد فوزه في انتخابات ديسمبر 1989.
المرسوم الأعلى رقم 355 لوزارة الداخلية، 25 أبريل 1990.
عملت الهيئة بين عامي 1992 و1996، وكانت مسؤولة عن الاعتراف بحالة ضحايا الأشخاص الذين تم اعتقالهم أو اختفائهم أو إعدامهم سياسياً أو تعذيبهم مما أدى إلى الوفاة والذين لم تتم إدانتهم من قبل الهيئة الوطنية لتسجيل الضحايا (CNRR 1996).
تقرير قدمه القائد الأعلى للجيش التشيلي الجنرال بينوشيه، وقائد البحرية التشيلية الأدميرال مارتينيز بوش، إلى مجلس الأمن القومي في 27 مارس 1991، ونشرته صحيفة لا ناسيون في 28 مارس1991.
إعلان قرأه القائد العام للقوات الجوية التشيلية، الجنرال ماتي، في 8 مارس 1991، وتم التصديق عليه أمام مجلس الأمن القومي في 27 مارس 1991. نُشر النص الكامل في صحيفة إل ميركوريو في 9 مارس 1991.
بيان رسمي قرأه المدير العام لقوات الدرك في تشيلي، الجنرال ستانج، في 22 مارس 1991، ونشرته صحيفة إل ميركوريو في 23 مارس1991.
المرسوم الأعلى رقم 1040. "إنشاء اللجنة الوطنية للسجن السياسي والتعذيب، لتوضيح الحقيقة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في تشيلي" (سانتياغو: وزارة الداخلية؛ وكيل وزارة الداخلية)، المادة الأولى.
منذ عام 1998، وقّعت تشيلي على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد أُخذ هذا الالتزام في الاعتبار عند إنشاء لجنة فاليش الأولى.
يأخذ هذا الرقم في الاعتبار الحالات المؤهلة خلال فترة إعادة النظر بين نوفمبر 2004 ومايو 2005، المرسوم الأعلى رقم 1860 (2005).
كلمة السجينة السياسية السابقة هايدي أوبررويتر في ندوة "سر لجنة فاليش".
عنوان البيان الأول للمؤرخين، 1999.
المرسوم الأعلى رقم 355 ينشئ لجنة الحقيقة والمصالحة. 25 أبريل 1990 .
يُنشئ القانون رقم 19.992 معاشًا تعويضيًا ويمنح مزايا أخرى للأفراد المذكورين. الباب الرابع، المادة 15. نُشر في 24 ديسمبر/كانون الأول 2004.
كانت قضية فاليش الثانية ( 2010 ) مختلفة. صُمم هذا الإجراء لتقييم الطلبات الجديدة المتعلقة بقضايا المعتقلين المختفين، والإعدامات السياسية، وضحايا الاعتقال السياسي والتعذيب، بالإضافة إلى القضايا التي لم تُقيّم سابقًا. ورغم تطبيق السرية في البداية، إلا أن المعهد الوطني لحقوق الإنسان (INDH) ناشد المراقب العام للجمهورية في عام 2014 تقييم سرية اللجان، نظرًا للطلبات المتكررة من القاضي ماريو كاروزا للحصول على معلومات. وخلص المراقب العام إلى أن المعهد الوطني لحقوق الإنسان بإمكانه تقديم المعلومات إلى المحاكم، مُعطيًا إياها طابع السرية لا السرية.
النشرة رقم 3762-17، 2004.
تعكس سلسلة بيانات المؤرخين التشيليين حلقةً أخرى من حلقات معركة الذاكرة. جاء البيان الأول (1999) ردًا على "رسالة إلى التشيليين" التي أرسلها الجنرال بينوشيه عام 1998، عقب اعتقاله في لندن، وعلى الأقساط التي نشرها المؤرخ اليميني غونزالو فيال. يندد البيان "بالنشر الواسع النطاق للحقائق المُضللة المتعلقة بقضايا تؤثر استراتيجيًا على صياغة الذاكرة التاريخية للأمة"، "لتبرير أحداث معينة، وتضخيم نتائج معينة، وإسكات أخرى، وذلك في أغلب الأحيان بهدف إضفاء الشرعية على ما يصعب إضفاء الشرعية عليه، وجعل ما هو غير ذلك حقيقيًا أو موضوعيًا" (1999، 1).
http://desclasificacionpopular.cl/intranet/buscadorPub.php
وحدث الشيء نفسه مع اثنتي عشرة حالة من السجناء السياسيين السابقين في 29 أكتوبر 2015.
القضية رقم 91155-2015 لفابيولا إزميرالدا فالينزويلا فالاداريس.
https://www.indh.cl/destacados/comision-valech/
https://www.indh.cl/indh-ha-entregado-mas-de-mil-carpetas-declarantes-en-comision-valech/
محضر مجلس المبادرة الوطنية للتنمية البشرية رقم 322، 26 سبتمبر 2016.
من الأمثلة على الإمكانات التي يمكن أن تُحدثها عملية الإحالة المتبادلة للمعلومات من قاعدة البيانات ما حدث في مركز تيجاس فيرديس السابق للاحتجاز والتعذيب والاختفاء، والذي كان يعمل بين عامي 1973 و1976. في 5 مايو 2017، طلبت محكمة استئناف فالبارايسو (الدور 2461-2017)، في إطار التماس قضائي قدمته جماعات حقوق الإنسان في المنطقة، بالاشتراك مع الحزب الديمقراطي، من المعهد الوطني لحقوق الإنسان وبرنامج وزارة الداخلية قوائم المحتجزين هناك. وبناءً على عملية الإحالة المتبادلة التي أُجريت على هذه القاعدة البيانات، أصبح من المعروف الآن أن 829 شخصًا كانوا محتجزين في هذا المركز (مداخلة المحامي الحزب الديمقراطي، في ندوة "سر لجنة فاليتش"، جامعة ألبرتو هورتادو، 10 أكتوبر 2017).
القضية رقم 791-2017، الغرفة الثانية عشرة لمحكمة الاستئناف، محكمة استئناف سانتياغو.
ائتلاف سياسي تشكل في عام 2013 وانحل في عام 2018، وكان يتكون من الحزب الديمقراطي المسيحي، والحزب الاشتراكي، والحزب الديمقراطي الاجتماعي الراديكالي، وحزب الديمقراطية، والحزب الشيوعي، واليسار المسيحي، والحركة الاجتماعية الواسعة.
مشروع قانون "يُعدِّل القانون رقم 19992 لتحديد الطبيعة العامة للسجلات التي تجمعها اللجنة الوطنية للسجن السياسي والتعذيب". النشرة رقم 9598-17.
نشرة رقم 10883-17.






