ما الذي يجعل الإسلام السياسي ممكناً؟
مراجعة لكتاب: ما الإسلام السياسي؟ What is political Islam
تأليف: جوسلين سيزاري / Jocelyne Cesari
الناشر: Lynne Rienner Publishers
2018
ما الذي يجعل الإسلام السياسي ممكنا؟
ما الذي يجعل الإسلام السياسي ممكنا؟ ليس بمعنى لماذا وُجد، بل كيف أصبح قابلا للفعل، شرعيا لدى البعض، ومخيفا في نظر الدولة، ومحوريا في سياسات الهوية؟
خلال العقود الماضية، ظلت دراسات الاسلام السياسي تركز على الفاعلين الإسلاميين أنفسهم، حول نواياهم وخطابهم وشعاراتهم وتحولاتهم بين الدعوي والسياسي. جوسلين سيزاري تقترح في هذا الكتاب أن السؤال الحقيقي ليس عنهم، بل عن البنية التي جعلت وجودهم ممكنا.
ما تُقدّمه سيزاري في كتابها ما الاسلام السياسي (What Is Political Islam?) أطروحة غير تقليدية: الإسلام السياسي ليس خروجا عن الدولة الحديثة، بل أحد نواتجها. لا تراه تمردا على الحداثة، بل شكلا خاصا من تمثيلها، عندما تُعاد صياغة الإسلام داخل منطق السيادة. لا يبدأ الكتاب من التنظيمات ولا من الايديولوجيات، بل يتجه مباشرة لمساءلة الشكل السياسي الذي أعاد إنتاج الدين بوصفه رمزا وطنيا ومكونا للهوية الحديثة. تعلن سيزاري بوضوح بأن "الإسلام السياسي هو النتيجة السياسية لعلمنة الإسلام، لا نقيضها" (ص3).
سيزاري أستاذة في العلوم السياسية والدراسات الدينية، عملت في جامعات مثل جورجتاون وهارفارد، وكتاباتها تجمع بين علم الاجتماع السياسي والتاريخ الفكري المقارن. في هذا الكتاب، تبني أطروحتها على دراسات حالة من مصر، تركيا، السنغال، وإندونيسيا، لتُظهر كيف تختلف علاقات الدولة بالدين، لكنها تشترك في منطق واحد: "ترتيب الدولة–الدين" (state–religion configuration) الذي يُنتج ما تسميه الإسلام الهيمني (hegemonic Islam)، أي عندما يصبح الإسلام جزءا من خطاب الدولة الوطني ومن مؤسساتها السيادية (ص2، 63).
وسط هذا التفسير الفوكوي الأنيق، تظهر مفارقة تستحق التأمل، إذا كانت الدولة هي من يعيد تشكيل الإسلام السياسي، فأين موقع الجماعة؟ وأين الفاعل؟ وهل نقرأ الإسلام السياسي كتحوّل رمزي في معنى الدين، أم كصراع فعلي على السلطة والشرعية في عالم ما بعد كولونيالي؟
ثلاثية تفسيرية
تبني سيزاري أطروحتها عبر بنية جدلية تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن الدولة القومية الحديثة هي من يُنتج الإسلام السياسي بوصفه شكلا من "تديين السياسة" (religionization of politics)، أي استدعاء الرموز الدينية إلى المجال العام عبر أدوات الدولة نفسها، وليس عبر رجال الدين (ص6، 191).
لا يقدم الفصل التمهيدي تعريفا تقنيا للإسلام السياسي، بل يعلن منذ البداية أن التعريفات المتداولة قاصرة لأنها تفصل بين الدين والسياسة كما تفعل النماذج الغربية. لهذا، تنطلق سيزاري من السياق الإسلامي لا لتأكيد خصوصيته، بل لتفكيك فكرة "الاستثناء الإسلامي". فكما أن المسيحية أنتجت لاهوتا سياسيا للسيادة، فإن الإسلام، ضمن شروط الدولة الحديثة، أعاد تشكيل نفسه كـ"ثقافة سياسية"، تُنتج الرموز والولاءات وتحدد العلاقة بين المواطن والدولة.
تطرح الكاتبة في الفصول الأولى مفاهيمها المفتاحية:
· "ترتيب الدولة–الدين " (state–religion configuration) : الكيفية التي تُدمج بها الدولة الدين في مؤسساتها وخطابها القومي (ص2).
· "الإسلام الهيمني " (hegemonic Islam) : الإسلام كجزء من هوية الدولة، لا كدين رسمي فقط، بل كرأسمال رمزي تحتكره النخب والمؤسسات السيادية (ص63).
· "لاهوت الدولة" (political theology) : إنتاج الدولة لشرعيتها من خلال لغة دينية تُعيد تأويل مفاهيم مثل العدل والطاعة والانتماء (ص67).
تُشكّل هذه المفاهيم ثلاثية تفسيرية تتحرك بها الكاتبة بين الحالات الأربعة: مصر، تركيا، السنغال، إندونيسيا. لا تطرحها كتقسيمات صلبة، بل كمحاور تكشف كيف تتشكل العلاقة بين الدين والسيادة بشكل مختلف بحسب السياقات السياسية، دون أن يختل منطق الدولة كمنتِج للمعنى.
تهتم سيزاري بالبنية التي جعلت الظاهرة ممكنة. لا تسأل: لماذا انتشرت الحركات الإسلامية؟، سؤالها يبحث كيف أصبح الإسلام نفسه صالحا للتمثيل السياسي؟ وهذا ما يجعل الكتاب يبدأ من النظرية، لكنه يعود مرارا إلى الحالات لفحصها وتوسيع حدود الحجة.
الاسلام السياسي من منظور مقارن
في القسم الأوسط من الكتاب، تهتم سيزاري بتفكيك المنظورات المتباينة للعلاقة بين الإسلام والدولة، عبر دراسات حالة تهدف إلى اختبار المفاهيم النظرية السابقة في بيئات تاريخية وسياسية متمايزة. والمقصود ليس المقارنة بين أنظمة سياسية أو مشاريع إسلامية فحسب، بل تتبّع كيف تُعاد هندسة الإسلام نفسه داخل كل حالة، وفق المنطق الذي تسمّيه الكاتبة "تدجين المقدّس" عبر أدوات الدولة.
في الحالة المصرية، لا تبدأ سيزاري من سؤال العلاقة بين الدولة والدين كمنظومة تنظيم، بل من موقع أكثر جذرية: من الذي يملك حق تعريف الإسلام؟ ، تبين سيزاري كيف صاغت دولة ناصر ووصولا إلى مبارك نموذجا مكتملا لـ"الإسلام الهيمني". لا يتم إدماج الإسلام في الدولة فقط، بل إعادة تعريفه عبر مؤسسات مثل الأزهر، واحتكار حقّ تفسيره بوصفه "دين الأمة".
ما تشير إليه سيزاري يتجاوز البعد المؤسسي، فالمسألة عندها ليست هيمنة بيروقراطية دولانية على المجال الديني فحسب، بل احتكار رمزي للتمثيل، يُقصي كل من يحاول أن يتكلّم باسم الإسلام من خارج مؤسساتها "نزع القدرة التمثيلية عن كل من هو خارج خطاب الدولة" (ص75).
ومن هنا، تُقدّم الكاتبة قراءة مغايرة لصعود الإسلاميين: ليس باعتباره حركة احتجاج ثقافي، ولا تحول وظيفي من الدعوة إلى السياسة، بل محاولة افتتاك حق تمثيل رمزي أممته أجهزة الدولة، و كمسعى لإعادة فتح المجال الذي أغلقته بنية السيادة.
في الحالة التركية، تقلب سيزاري الصورة بجرأة مفاهيمية، فهي لا ترى أن العلاقة بين الدين وعلمانية الدولة تسلك مسارا صداميا، وأن الاشكالية في تركيا لا تنبع من قطيعة علمانية صلبة، بل في إعادة تشكيل الدين ضمن إطار حداثي مُحكَم الإغلاق. في منظور سيزاري، الكمالية هي مشروع تأميم يقولب الإسلام داخل الحدود الضيقة لما تسميه "الإسلام المدني".
ينطوي هذا الطرح على مفارقة لافتة، فالعلمانية التركية لا تُقرأ بوصفها فصل جذري، بل بوصفها لحظة تأميم تحتجز الدين داخل قوالب الدولة الحديثة، ما يجعل الكمالية تتجلى كـ "لاهوت قومي" ، حيث تُمنح السيادة للأمة الحديثة (التركية) بلغة قومية مشبعة برموز دينية، لا منقطعة عنها. ما يجعل صعود حزب العدالة والتنمية ليس انقلابا على هذه البنية، بل امتداد لها بطريقة مقلوبة، إسلام يُستولد من داخل بنيات الدولة القومية، لا بوصفه مرجعية تشريعية مستقلة، بل كمصدر أخلاقي يبرّر السلطة من داخل منطق الدولة القومية (ص98).
تبدو الصورة كأن الدولة كتبت حدود الدين، ثم عاد هذا الدين ليكتب أخلاقيتها.
التحليل لا يقتصر على إعادة تأطير الإسلام، بل يُظهر أيضا كيف تنتج الدولة ما تسميه سيزاري بـ"ثقافة سياسية مهيمنة" لا تُقصي الدين، بل تشكله كأداة رمزية للتماهي الوطني. ما يعزّز هذه الفرضية هو الطريقة التي تتبعها سيزاري في عرض الأمثلة، هي لا تبحث عن "نموذج الإسلام السياسي"، بل تفكّك منطق التكوين المؤسسي للرمز، وكيف يتحوّل من مرجعية أخلاقية إلى خطاب دولة.
في الحالتين الأخيرتين، السنغال وإندونيسيا، لا تكتفي سيزاري بالخروج من السياق الشرق أوسطي، تتعمّد خوض اختبار مفاهيمي في فضاءات إسلامية بعيدة عن التجربة المشرقية. فاختيار هذين المثالين يهدف إلى مساءلة عمق فرضيات مثل "الإسلام الهيمني" و"ترتيب الدولة–الدين" حين تُوضَع في مواجهة أنماط حكم غير استبدادية، وهويات دينية لا تُختزل في الثنائية الطائفية (السنيّة–الشيعية).
في السنغال، تقابل الكاتبة فكرة الإسلام السياسي السائد بنموذج آخر سمّته "الإسلام المدني"، يقوم على تحالف ناعم بين النخب السياسية والزعامات الصوفية. لا تسعى الدولة إلى احتكار الدين، بل إلى توزيعه رمزيا، بحيث لا يظهر الصراع بين الدين والسياسة بوصفه تناقضا، بل شكلا من التواطؤ الرمزي. هذا النموذج لا يُقدَّم بوصفه بديلا، وإنما كدليل على أن علاقة الدولة بالإسلام ليست دائما علاقة إقصاء أو هيمنة، ويمكن أن تتخذ مسارات تفاوض وتكيّف وتدبير مستمر لإنتاج الشرعية.
في السنغال، تُقابل سيزاري نماذج الإسلام السياسي الصدامي بنموذج آخر أكثر التباسا، تُطلق عليه "الإسلام المدني"، صيغة ناعمة من التحالف بين النخب السياسية والزعامات الصوفية، حيث لا تحتكر الدولة الدين، بل تُعيد توزيعه رمزيا عبر قنوات اجتماعية ودينية قائمة. في هذا السياق، لا يظهر الصراع بين الدين والسياسة بوصفه مواجهة، بل كـتواطؤ محسوب، تُدار فيه العلاقة بين الطرفين بصمت، لا عبر كسر متبادل.
هذا النموذج لا يُقدَّم كحلّ بديل، بل كمؤشّر على إمكانيات وجود علاقة مرنة بين الدولة والإسلام، لا تتخذ شكل الهيمنة أو الإقصاء، بل تؤول إلى تفاوض مستمر، وتكيّف مرن، وتدبير رمزي متبادل لإنتاج الشرعية.
تعرفنا سيزاري على نمط غير مألوف من "العلمنة المتصالحة" أو ربما نموذج آخر للهيمنة، يشتغل تحت السطح، بلغة التوافق لا السيطرة.
أما في إندونيسيا، تنقّب سيزاري في بنية مركّبة يتداخل فيها التعدّد الديني مع نزوع سلطوي مقنّع، لا تُفهم العلاقة بين الدولة والدين بمعزل عن شبكات الجمعيات الإسلامية، والمشهد التعليمي، ودور الحزب الإسلامي كوسيط مؤسسي. اللافت في تحليلها أن الإسلام السياسي لا يتموضع هنا كخصم صريح للنظام، بل يتسلل إلى داخل آليات الديمقراطية نفسها، ويُعاد تشكيله من خلالها.
في هذا التفكيك، تضيء أطروحتها المركزية من زاوية جديدة، ليست الدولة خصم الدين بالضرورة، بل قد تتحول إلى راعيه ومهندسه، خاصة عندما تتولى بيد خفية ترسيم حدود "الإسلام المقبول" ثقافيا وسياسيا (ص134).
تثير حالة أندونسيا تساؤل عن دور الديمقراطية، هل تُمثّل إطارا محايدا لتنظيم الدين، أم أداة جديدة لصياغته؟
الجدير بالملاحظة أن سيزاري لا تقارن هذه الحالات كمجرّد "نماذج وطنية"، أنها تنظر إليها كبُنى تنظيم للرمز الديني–السياسي. أي أن المقارنة ليست وصفية، بل تحليلية–مفاهيمية، تهدف إلى اختبار كيف تعمل تقنيات الدولة، في ظل اختلاف الأنظمة، على إنتاج نسق "إسلامي" يتماشى مع مشروعها السياسي.
تُبنى سيزاري أطروحتها تدريجيا كبنية تحليلية تسعى إلى التوسيع بدل التحديد. وبدلا من أن تبحث سيزاري في تعريف محددا للإسلام السياسي، تتتبّع الشروط التي جعلت ظهوره ممكنا.
قوة الأطروحة وحدودها البنيوية
تكمن قوة أطروحة جوسلين سيزاري في جرأتها على قلب المألوف، الإسلام السياسي ليس انحرافا عن الدولة، بل نتاج لها.
إلا أن هذه القوة التأويلية نفسها، تتحوّل أحيانا إلى ضعف تفسيري، حين تُعامل الدولة كمنظومة كلية تنتج التدين السياسي بمعزل عن الفاعلين، أو المجتمع، أو التفاوت التاريخي.
في محاولتها الخروج من فخ "الثقافوية"، تسقط الكاتبة في فخ مقابل هو الاختزال البنيوي. الذي يؤطر كل تمثيل سياسي ممكن للإسلام بوصفه أثرا لـ"لاهوت الدولة" و"الحكمانية الإسلامية" و"ترتيب الدولة–الدين". رغم ثراء هذه المفاهيم النظري، إلا أنها تُستخدم أحيانا بإيقاع واحد، لتفسير ما يتطلّب تحليلا سياقيا مركّبا. فعندما تقول مثلا إن الدولة الحديثة لم تقصِ الشريعة بل "أعادت تعريفها كأداة سيادية" (ص39)، لا تذكر لنا ما الآليات الفعلية لهذا التحول: هل حدث في القضاء؟ في التعليم؟ في التمثيل النيابي؟ تظل هذه الأسئلة في منطقة رمادية بين المجاز الفوكوي والتحليل التاريخي.
الفاعل الغائب والبُنى الوسيطة المنسيّة
الأكثر إشكالية هو تغليب الحتمية الرمزية على حساب الفاعلية السياسية. إذ لا يظهر الفاعل الإسلامي في تحليل سيزاري كصاحب استراتيجية، بل كتمظهر تابع لبنية الدولة الحديثة. وهذا التفسير يُفرغ الحركات الإسلامية من دوافعها الاجتماعية والطبقية والتنظيمية. لا تُميّز الكاتبة بين تيارات إسلامية متعددة، ولا تحلل السياقات التي أنتجت طيفا متنوعا من الأيديولوجيات والممارسات.
تغيب أيضا عن تحليل سيزاري البُنى الاجتماعية الوسيطة التي تلعب دورا حاسما في إعادة إنتاج الإسلام السياسي خارج مؤسسات الدولة، من الجمعيات الدعوية والمساجد الأهلية، إلى شبكات التعليم غير الرسمي والإعلام الديني. في كل هذه المساحات، يتشكّل الإسلام السياسي ليس كخطاب دولة، بل كـثقافة جماعية تُدمج بين الدين والحسّ العام، وتتجاوز الصياغات المؤسسية الصلبة. هذا الغياب يُبقي تحليل الكاتبة حبيسا للنموذج السلطوي، ويحدّ من قدرته على التقاط حالات أكثر تعقيدا، كتركيا ما بعد الكمالية، إذ تُهمل التحولات الاجتماعية والسياسية التي أفرزت الإسلام السياسي الجديد خارج الجهاز الجمهوري، وخصوصا في الريف، والهجرة الداخلية، وتعليم النخب المحافظة. فالتحوّل له أقدام اجتماعية ومخيلة ثقافية صعدت من أسفل، لا يمكن حصرها كلها في بنية "لاهوت الدولة".
في هذا السياق، يصبح من الضروري استحضار مفاهيم مكمّلة مثل "النسق الحلولي"، لفهم كيف يتحوّل الدين إلى جزء من شعور الجماعة بنفسها، لا عبر الدولة فحسب، بل من خلال التمثيل الذاتي للهوية الجماعية كمرجعية دينية. كثير من الحركات الإسلامية لا تنطلق من "أدلجة الدين" فحسب، بل من تجسيد الجماعة نفسها كمصدر للحق والمعنى، وهذا ما لا تسمح به أدوات سيزاري التحليلية المحصورة في منطق السيادة وبنية الدولة.
في المقابل، توفر أطروحة محمد أيوب في "الوجوه المتعددة للاسلام السياسي" (The Many Faces of Political Islam) منظورا مغايرا يعيد التوازن بين البنية والفاعلية. إذ يرى أيوب في الإسلام السياسي استراتيجية عقلانية تنشأ في ظل هشاشة الدولة وتصدّع شرعيتها، لا بوصفه منتجا رمزيا لها. يكتب أيوب “الحركات الإسلامية لا تنبع من خطاب ديني صرف، بل من صراع على السلطة في دول متصدعة السيادة” (ص12). فهو لا يُقلّل من أهمية الدين، لكنه يدرجه في منطق الصراع، ويمنح الفاعلين مساحة مبادرة، لا مجرد انعكاس لبنية الدولة.
بهذا المعنى، تكشف المقارنة بين سيزاري وأيوب عن ثغرة تفسيرية: فبينما تشرح الأولى كيف يُعاد إنتاج الدين من قبل الدولة، يوضّح الثاني كيف يتحرّك الفاعلون داخل مساحات متشظية من الشرعية والسلطة. كلاهما يبتعد عن التفسيرات الثقافوية، لكن سيزاري، في سعيها لتفكيكها، تخلق تأويلا كليا قد يُسقِط الواقع لحساب المفهوم.
الإسلام السياسي كظاهرة مزدوجة
إذا كانت أطروحة جوسلين سيزاري حررتنا من التفسيرات الجوهرانية والثقافوية للإسلام السياسي، فإنها بالمقابل تغلق بابا آخر كان يمكن أن يُفتح، والذي يتيح فهم الإسلام السياسي كظاهرة مزدوجة، تحرّكها الدولة من الأعلى، والفاعلية الاستراتيجية من الأسفل، في ظل بنى اجتماعية مشروخة بفعل الاثر الكولونيالي، لا فقط السيادة الحديثة.
في هذا الإطار، أطروحات شادي حميد ونيثان براون تقدم قراءة مغايرة، لا تُنكر مركزية الدولة، لكنها ترفض اختزال الإسلام السياسي إلى "رمز أُعيد إنتاجه". فحميد مثلا يرى أن الإسلام السياسي يُعبّر عن رغبة أصيلة في دمج الأخلاق بالإدارة السياسية، وليس مجرد نتاج للهندسة السيادية. بينما يوضح براون أن الإسلاميين يخوضون نقاشا داخليا مع التراث والمجتمع والدولة، ويتنقلون بين أدوار متعددة، وعاظ ومشرّعون وسياسيون ومفكرون. في المقابل، سيزاري تختزل تلك الأدوار جميعها ضمن منطق "لاهوت الدولة"، ما يُفرغها من بعدها الجدلي والنزاعي.
غياب الأثر الكولونيالي
يغيب الأثر الكولونيالي، بوصفه محدِّدا بنيويا، عن أطروحة سيزاري بشكل شبه تام. صحيح أنها تشير إلى السياقات الكولونيالية في بعض المواضع، إلا أن حضورها يبقى هامشيا، أقرب إلى خلفية تاريخية منه إلى عنصر مكوِّن لبنية الدولة والمجتمع. هذا الغياب يحدّ من قابلية نموذج التحليل للتعميم، خصوصا في سياقات مثل لبنان، حيث الدولة هشّة ومقسّمة طائفيا، أو في دول شمال أفريقيا، حيث لا يمكن فصل بنية الدولة عن الإرث الكولونيالية.
ما يجعل تحليلات سيزاري لـ"ترتيب الدولة–الدين" مفتقرة إلى الحساسية اللازمة لما سمّاه أنيبال كيخانو بـ"الكولونيالية المعرفية"، أي فرض نموذج الدولة الحديثة كالإطار الوحيد الممكن للشرعية والتمثيل.
توسيع هذا البعد النقدي لا يُضعف أطروحة سيزاري، بل يحرّرها من طابعها التجريدي، ويفتحها على ديناميات الفعل الاجتماعي والمادي والتاريخي. فإذا كان الإسلام السياسي اليوم يُعيد إنتاج ذاته كرمز للدولة، فذلك لأنه في لحظة ما تشكّل بوصفه مقاومة للدولة، أو محاولة لامتلاك أدواتها، وليس فقط استبطانا لها.
صياغة الاسئلة
لا يمكن تجاهل الإسهام المفاهيمي الذي يقدّمه الكتاب. فهو يفتح أفقا نظريا جديدا في دراسة الإسلام السياسي، لا يبدأ من التنظيمات الاسلامية بل من الأنساق السيادية التي تعيد تشكيل الدين.
يُحسب لجوسلين سيزاري شجاعة إعادة السؤال من جذوره: ليس كيف يُسيّس الدين، بل كيف يُصاغ من الأصل بوصفه موردا للشرعية السياسية. يُقدّم كتابها تفسيرا لحركات الإسلام السياسي، ويصوغ السؤال حول ما تعنيه السياسة حين تكون الدولة هي من يُنتج الدين.
لكن الإنجاز يظل غير مكتمل دون تفكيك الدولة ذاتها كمفهوم تاريخي–كولونيالي، ودون إدراج الأبعاد الاجتماعية والنفسية والطبقية، في تحليل تشكّل الرموز.
سيزاري أعادت تعريف الظاهرة، لكنها لم تُزعزع بعد أفقها التحليلي. إنها خطوة لافتة نحو تجاوز السرديات الجاهزة، لكنها لا تزال محكومة بمنطق الدولة الذي تنوي تجاوزه.
أفق ثالث جديد
بالوصول إلى الصفحة الأخيرة من كتاب "ما الإسلام السياسي"، تقفز إلى الذهن تساؤلات ملحة من قبيل، هل الإسلام السياسي هو من يعيش داخل الدولة، أم أن الدولة هي من تعيش داخله؟ هل نحن أمام حركات تكيّفت مع السيادة، أم أمام مشروع تاريخي لم يكتمل بعد، يسعى لإعادة تعريف من يحق له أن يتكلّم باسم الجماعة، وبأي خطاب؟
ربما تكمن القيمة الأهم في أطروحة سيزاري في أنها تحفز هكذا تساؤلات، وتُعيد ترتيبها من جذورها، فبدلا من أن نسأل "ما الذي يريده الإسلاميون؟"، يتعين علينا أن نسأل “كيف أعادت الدولة تعريف الإسلام في عصر علماني؟”.
ينبغي التنبه أن هذا التأطير بالرغم في جرأته ينطوي على خطر غير ملحوظ، وهو أن يتحوّل إلى نموذج مغلق، يحيل كل ظاهرة إلى مشتق بنيوي من السيادة، ويُغفل أشكال الصراع التي لا تمر عبر الدولة، بل تنتج سياسات موازية لها، أو في مواجهتها.
لعل التحدي الأبرز لا يكمن في فهم الإسلام السياسي كتركيب متمركز حول الدولة، بل في ابتكار أدوات لتحليل ما بعد الدولة، عندئذ يصبح السؤال: هل يمكن التفكير في الإسلام السياسي خارج الدولة لا في مواجهتها، ولا في احتوائها، بل كأفق ثالث لم يُصغ بعد في خرائط التفكير، أفق تتأسس فيه السياسة على أنماط تمثيلية ومعنى ليست الدولة مرجعيتها الوحيدة أو النهائية.





الاسلام السياسي ليس تمردا على الحداثة بل شكلا خاصا من تمثيلها .هل يمكن اعتبار هذا نتيجة لسيطرة النسق الحلولي للتنوير الاوروبي ان جاز التعبير؟ .ماذا عن تاريخ الموسسة الفقهية في زمن الامبراطورية العثمانية؟