تفويض الحقيقة والذاكرة في المجتمع
ملف لجان الذاكرة والحقيقة
يتناول هذا المقال الوظيفة السياسية التي تضطلع بها لجان الحقيقة، باعتبارها كيانات تتموضع في قلب النزاعات المرتبطة بالذاكرة، وهي نزاعاتٌ تُعدّ سمةً ملازمة للمجتمعات التي تواجه ماضيًا عنيفًا. ويقترح النص أن الوظيفة الأساسية للجنة الحقيقة لا تتمثل في "بناء الحقيقة" بمعناها التقليدي، بل في الترويج لنظام جديد من الحقيقة، يعارض النظام الذي تشكّل عبر عنف الماضي وتمت شرعنته خلاله.
ومن خلال تحليل الحالة الكولومبية، يتناول المقال بالنقد مفهوم "المصالحة"، الذي يُعدّ من المفاهيم التأسيسية لأعمال هذا النوع من اللجان بوصفه آلية من آليات العدالة الانتقالية. ويقترح الكاتبان أن لجنة الحقيقة لا ينبغي أن تسعى إلى تحقيق "مصالحة وطنية" مفهومةً كاتفاق ضمني على طمس الماضي العنيف خلف جدارٍ من النسيان يحول دون تحمل المسؤولية ومواجهة تبعات الماضي في الحاضر. وبدلًا من ذلك، يدعو المقال إلى نوعٍ آخر من المصالحة: مصالحة تنبع من داخل المجتمع نفسه، وتقوم على الحفاظ على "قنوات تواصل" قائمة مع الماضي العنيف، بما يسمح بتفكيك الأسباب التي أفضت إلى نشوء هذا العنف وتطبيعه ضمن النسيج الاجتماعي.
المنهجية:
استرشدت الدراسة بمرتكز هرمنيوطيقي مستلهم من أطروحة هانس-غيورغ غادامير حول "التساؤل في مواجهة اليقين". واستنادًا إلى خبرة الباحثَيْن في مجال الذاكرة، وإلى تجاربهما المباشرة في إعداد تقارير الذاكرة التاريخية الرسمية، ينطلق المقال من عمل تأويلي يستقصي الوظائف التي تضطلع بها الذاكرة في الفترات الانتقالية، وخصوصًا التحديات التي تواجه لجان الحقيقة في مثل هذه السياقات.
الاستنتاجات:
يخلص المقال إلى أن المهمة الجوهرية للجنة الحقيقة لا تكمن في استعادة الذكريات بمعناها الوقائعي (أي سرد ما جرى كما جرى)، بل في بناء إطار اجتماعي يضفي الشرعية على ذاكرة المعاناة. ويتطلب هذا جهدًا إدماجيًا لتلك المعاناة ضمن تمثّلات المجتمع عن ذاته، وضمن حاجاته وقيمه. وبذلك، وعلى الرغم من توصيفها الشائع كأداة "للبحث عن الحقيقة"، فإن الوظيفة السياسية والاجتماعية الفعلية للجنة الحقيقة تكمن في قدرتها على إنتاج نظامٍ جديد من الحقيقة، يتيح، في الحاضر، مساحةً لفهم أنماط العنف الجارية، وللتعرف على الفاعلين المسؤولين عنها.
أما في ما يخص الحالة الكولومبية، فيخلص المقال إلى أن "لجنة توضيح الحقيقة والتعايش وعدم التكرار" ينبغي أن تؤدي دورًا تمكينيًا في إنشاء "فضاء عام سردي"، بحيث تساهم في بناء أطرٍ للمعنى تسمح ببلورة سرديات مضادة للهيمنة، حتى وإن بدت مربكة أو مثيرة للجدل اجتماعيًا. ويتمثل جوهر هذه المهمة في فتح المجال أمام فاعلين اجتماعيين تقليديًا ما كانوا جزءًا من مركز الدولة، كي يحتلوا موقعًا يمكّنهم من مواجهة الدولة ذاتها – ومن حاولو فرض سرديتهم بقوة السلاح أو عبر السيطرة على المجال العام – في حوار مفتوح وتعددي.
الفرادة:
لقد أدى ازدهار دراسات الذاكرة في النصف الثاني من القرن العشرين إلى تعدد المقاربات المنهجية والاختصاصية لهذا الموضوع داخل العلوم الاجتماعية. غير أن المقاربة التي يعتمدها هذا المقال هي مقاربة تأويلية لا تسعى إلى تحليل مضامين الذاكرة أو توصيف طبيعة "الحقيقة" التي تنتجها مؤسسات الذاكرة، بل تنطلق من تحليل إمكانيات إنشاء فضاء سردي يتردد فيه صدى المعاناة، ويُفسح المجال أمام بلورة نظام بديل للحقيقة، يستجيب لحاجات المجتمع في مرحلة ما بعد العنف.
مقدمة: لجان الحقيقة والصراعات على الذاكرة
«بعد كل حرب، لا بدّ أن يقوم أحد بالتنظيف. الأشياء لن تنتظم من تلقاء نفسها، هذا ما أظنّه.»
ـ ڤيسواڤا شيمبورسكا، النهاية والبداية
ترتبط الحقيقة بالعدالة ارتباطًا وثيقًا. أما الذاكرة، فعلاقتها بالحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير. وفي قلب هذه العلاقة المعقدة تتموضع مهمة لجان الحقيقة: إذ تحتاج المجتمعات الخارجة من فترات عنف واضطراب إلى عمليات «تنظيف» و«ترتيب للأشياء»، على حدّ تعبير شيمبورسكا، كوسيلة لمواجهة السرديات التنقيحية التي تنتجها الأنظمة الاستبدادية، أو التحريفات الدلالية التي تفرضها الحرب ذاتها. فبدلًا من الاقتصار على إثبات «الوقائع» المتعلقة بجرائم بعينها، كما تفعل المحاكم، تنهض لجان الحقيقة بدورٍ محوري في صياغة سردية جديدة حول الماضي الصادم، مانحةً صوتًا لمن جرى تهميشهم وقمعهم في السابق.
وفي هذا السياق، يشير عالم السياسة أونور باكينير إلى أن «رغم أن السرديات التاريخية التي تصوغها لجان الحقيقة لا تحظى بمكانة علم التاريخ المحترف، فإن قدرتها على التأثير في العمليات الاجتماعية المتنازعة على معنى الماضي تجعل من الضروري التعامل مع وظيفتها التاريخية بجدية» (Bakiner 2016, 63).
يصف ميشيل فوكو كل مجتمع بأنه يمتلك «نظامًا للحقيقة»، وهو منظومة من الآليات التي تنتج الخطابات المقبولة كحقيقة في سياقات زمانية ومكانية معيّنة. فالحقيقة، كما يعرّفها فوكو، ليست قيمةً مطلقة أو موضوعية، بل هي أنماط من الخطابات التي تتبنّاها المجتمعات وتفعّلها كحقيقة. ويرافق هذه الخطابات وجود مؤسسات وآليات تسمح بالتمييز بين الحقيقة والكذب، وإجراءات تقيس كيفية الوصول إلى الحقيقة، وأشخاص وهيئات مخوّلة بقول ما يُعتبر صحيحًا، فضلًا عن عقوبات تُفرض على من يخرق هذا النظام. وبحسب فوكو، فإن الحقيقة هي «منظومة من الإجراءات المنظمة لإنتاج التصريحات، وتنظيمها، وتوزيعها، وتداولها، وتحديد كيفية اشتغالها» (Foucault 1976, 113–114).
هذه النظرة إلى الحقيقة، التي تفهمها لا كقيمة عليا بل كخطاب اجتماعي مركّب ومشروط، تتقاطع مع مفهوم الذاكرة الجمعية، كما طوّره عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. فقد بيّن هالبفاكس أن الذاكرة محكومة ببنى اجتماعية، وأنها لا تنشأ أو تعمل بمعزل عن الأطر الجماعية التي تحتضنها. وبعد نحو نصف قرن، أضحت الذاكرة الجمعية مجالًا مستقلاً من مجالات البحث، يرتبط بقضايا حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية ولجان الحقيقة ذاتها. ومنذ ذلك الحين، شهد هذا الحقل ما يشبه الطفرة في الاهتمام الأكاديمي والمؤسساتي والمجتمعي.
وتعددت الأوصاف التي أضيفت إلى مصطلح "الذاكرة" لتقارب أبعادها المختلفة: مثل "الذاكرة الاجتماعية"، و"الذاكرة الثقافية"، و"الذاكرة المتعددة الاتجاهات"، و"أماكن الذاكرة"، و"ما بعد الذاكرة"، وغيرها، وكلٌّ منها يسعى إلى تسليط الضوء على بُعدٍ معيّن من كيفية تشكّل عمليات التذكّر الجماعي وكيفية اشتغالها في المجتمع.
وفي هذا السياق، تقترح الناقدة الأدبية آسترِد إرِل تعريفًا عامًا للذاكرة الجمعية، يشمل «جميع العمليات العضوية، والوسائطية، والمؤسساتية التي يتشكّل معناها من خلال الطريقة التي يتفاعل بها الماضي والحاضر ضمن سياقات سوسيو-ثقافية» (Erll 2012, 8). ويتضمّن هذا التعريف، ليس فقط العلاقة التبادلية بين الذاكرة الفردية والجماعية، بل أيضًا التفاعل المستمر بين الماضي والحاضر داخل الجماعات الاجتماعية والثقافية، وذلك من خلال الوسائط والهيئات التي تنتج وتحفظ وتُعيد تدوير الذاكرة (Erll 2012, 19).
وعلى هذا النحو، تصبح الذاكرة تفاوضًا مستمرًا بين إرث الماضي ورغبات الحاضر في سبيل رسم معالم مستقبلٍ ممكن. إنها عملية ديناميكية تُبقي باب النقاش مفتوحًا على الماضي الصادم، وتتيح إعادة تأويله ومساءلته. ولهذا الطابع التفاوضي والانفتاحي للذاكرة أبعادٌ سياسية بالغة الأهمية.
يندرج عمل لجان الحقيقة تحديدًا ضمن هذه البُنية الجدلية للذاكرة. ففي فترات الانتقال، تتمثل مهمتها الجوهرية في مواجهة نظام الحقيقة الديكتاتوري أو الذاكرة أحادية الاتجاه التي سعت إلى فرض نفسها عبر العنف المسلح. ومن هذا المنطلق، يؤكد أونور باكينير أن هذه الهيئات هي كيانات ذات طابع سياسي عميق، كونها "أماكن يتم فيها الطعن في الموارد الرمزية والمادية" (Bakiner 2016, 3). وبما أن النظام الرمزي الاجتماعي تحدّده الإحداثيات العامة التي يتم من خلالها تفسير الواقع وتقييمه (Laclau 2006)، فإن لجان الحقيقة مدعوّة إلى الطعن في الأطر التمثيلية التي قامت، عبر ممارسات العنف، بتشييد تصور خاص للواقع الاجتماعي.
وفي روايته الكلاسيكية عن الأنظمة التوتاليتارية، يشير جورج أورويل إلى أن تلك الأنظمة تولي أهمية قصوى لإعادة بناء الماضي وفقًا لمصالحها الخاصة (Orwell 2018, 226). ومن هنا، فإن نزع السيطرة على الماضي من قبضة هذه الأنظمة، التي فرضت "حقائقها" بالقوة، هو المهمة السياسية الجوهرية التي تضطلع بها لجنة الحقيقة.
يقول عالم الاجتماع جيفري أولِك (Olick 2008, 159): "الذاكرة ليست شيئًا، بل هي عملية؛ ليست مكانًا، بل قدرة. الذاكرة ليست ما نمتلكه، بل ما نقوم به". وعلى اعتبارها عملية مركبة ومتعددة الأبعاد، من الأجدر الحديث عن "ذاكرات" بصيغة الجمع، أو عن "تذكّر" (remembrance)، لتسليط الضوء على "النزاعات الاجتماعية حول الذاكرة، مشروعيتها الاجتماعية، وادعاءاتها بالحقيقة" (Jelin 2002, 17). فداخل كل مجتمع، تتنازع ذاكرتان أو أكثر على الظهور والتمثيل داخل الفضاء العام؛ وغالبًا ما تكون هذه الذكريات المضادة (counter-memories) مهمّشة أو مقموعة.
وفي سياق عمل لجنة الحقيقة، تتمحور الجهود حول هذه النزاعات، لأنها تكشف الأبعاد الحقيقية لمعركة الذاكرة في المجتمعات المعاصرة.
في هذا الصدد، يقترح المؤرخ إنزو تراڤيرسو (Traverso 2007) التمييز بين "ذاكرات قوية" و"ذاكرات ضعيفة". ويوضح: "هناك ذكريات رسمية تغذّيها مؤسسات، بل وحتى الدول، وذكريات أخرى خفيّة أو محظورة. إن ’رؤية‘ الذاكرة والاعتراف بها يعتمدان، أيضًا، على القوة الرمزية لمن يحملها" (Traverso 2007, 48). ويضيف أن الاعتراف والقوة هما أمران متحوّلان باستمرار، وأن وضع الذاكرة يُعاد تعريفه بشكل دائم. فالذاكرة، بطبيعتها الانتقائية، تخلق في ذاتها صمتًا وظلالًا وتغييبًا لزوايا معينة من الماضي.
وفي ضوء هذا، يمكن القول إن لجان الحقيقة تمارس وظيفة تُمكّن الذكريات الضعيفة من أن تُرى وتُسمع، وتمنحها منصّة للظهور، فتُعيد إلى الضوء سرديات طالما كانت مدفونة أو محظورة.
لكن، ماذا يحدث حين تتقاطع وتتواجه ذكريات متعدّدة لعنف ماضٍ في الفضاء العام؟ هل تؤدي هيمنة إحدى هذه الذكريات على المشهد الاجتماعي في لحظة معينة إلى محو أو تهميش ذكريات أخرى لأحداث عنفية سابقة؟ هذه الأسئلة هي التي توجه عمل الناقد الثقافي مايكل روثبيرغ (Rothberg 2015)، الذي يقترح، في إطار مقاربات عابرة للحدود القومية، مفهوم "الذاكرة المتعدّدة الاتجاهات" (Multidirectional Memory).
ويقدّم هذا المفهوم بديلاً عن النموذج السائد الذي يتعامل مع الذكريات بوصفها متنافسة ضمن منطق "المحصلة الصفرية" – أي أن مكاسب ذاكرة ما تعني بالضرورة خسائر لذاكرة أخرى. لكن روثبيرغ يطرح إمكانية أن تتعايش الذكريات المتنوعة داخل الفضاء العام، دون أن تكون في حالة إقصاء متبادل.
ولتوضيح هذه الفكرة، يرسم روثبيرغ بُعدين تحليليين: الأول هو البعد المقارَن، ويمتد من التماثل إلى التمايز؛ والثاني هو بُعد الانفعال السياسي، ويمتد من التضامن إلى التنافس (Moses & Rothberg 2014؛ Rothberg 2015). ومن ثمّ، فإن الجمع بين التمايز والتضامن يشكّل الهدف المنشود لذاكرة ديمقراطية منفتحة، ويحدّد الإطار الذي يجب أن يُمارَس فيه عمل الذاكرة من قبل لجان الحقيقة.
من المهم الإشارة، كما تلاحظ بريسيلا هاينر (Hayner 2001)، إلى أن الحقيقة التي يُعاد سردها في أعقاب عمل لجنة من هذا النوع لا تمثّل "حقيقة مطلقة"، بل "حقيقة شاملة" تأمل اللجنة أن تُقبل من قِبل غالبية المجتمع. فهذه اللجان تُعدّ فاعلين متميزين في صراعات الذاكرة، وتمتلك قدرًا من السلطة الخطابية ضمن الفضاءات السردية الثلاثة التي تدور حولها هذه النزاعات: أولًا، وجود الماضي؛ ثانيًا، طبيعة هذا الماضي؛ وثالثًا، مدى صلته بالحاضر (DeGloma 2015).
ويؤكد أونور باكينير (Bakiner 2016, 63) أن "اللجان تتفاوض باستمرار على الحدود الفاصلة بين تصورات الحقيقة القانونية-الجنائية، وتلك السردية-التاريخية، من أجل إضفاء الشرعية على زعمها بامتلاك الحقيقة (بوصفها سردية موثوقة للماضي) والذاكرة (بوصفها سردية مشتركة له)". وهنا، نجد اللجنة وقد انخرطت في مواجهة تأويلية جديدة، بين التاريخ بوصفه بناءً معرفيًا وضعانيًا، والذاكرة بوصفها تجربةً ذاتية محمّلة بالمعنى.
وفي هذا السياق، هناك مؤرّخون نقديون (مثل هنت 2002، و2004) يدافعون عن ضرورة التعامل مع لجان الحقيقة باعتبارها "أحداثًا تاريخية" وليس "مصادر تاريخية"، لأن ما يُروى ضمن إطار اللجنة لا يرقى، بالضرورة، إلى مستوى الحدث التاريخي من حيث شروطه التوثيقية. إلا أن باكينير يرى في لجان الحقيقة مناسبة لإعادة التفكير في العلاقة الجدلية بين "التاريخ" كوقائع، و"الذاكرة" كميثولوجيا جماعية. ويشير إلى أن الموقف الأخلاقي والسياسي والمعرفي القوي الذي تتخذه اللجنة دفاعًا عن الحقيقة وضد الإنكار والنسبية، يدلّ على تشابك عميق بين الذاكرة والتاريخ.
وعلى الرغم من أن هذا التوتر بين ما يسميه باكينير بـ"الحقيقة الجنائية" و"الحقيقة التاريخية" يُعدّ قاسمًا مشتركًا في معظم لجان الحقيقة، فإنها لا تعتمد نهجًا موحّدًا فيما يتعلّق بمدى الانخراط في تفسيرٍ تاريخي شامل للانتهاكات التي توثقها. فوفقًا لباكينير، فإن البيانات الجنائية، رغم صعوبة الحصول عليها، تُثير السخط العام وتُضعف قدرة الجناة على نفيها، مما يُعزز من شرعية اللجنة السياسية والأخلاقية. أما التفسير التاريخي، والذي يُنظر إليه غالبًا كأحد أشكال الرأي من بين آراء عديدة، فلا يتمتع بنفس الدرجة من الحصانة التأويلية أو الإقناع الاجتماعي. ومع ذلك، فهو يؤدي دورًا محوريًا: إذ يمنح الضحايا تفسيرًا علنيًا، ضمن المجال العام، لأسباب استهدافهم وتعرضهم للعنف.
ويخلص باكينير إلى أن "الاختيار المتعمد لعدم وضع العنف السياسي في سياقه التاريخي يُحوّل البيانات الجنائية إلى حقائق معزولة ومبتورة، تفتقر إلى الروابط والمعنى المنطقي" (Bakiner 2016, 66). ومن هنا، فإن التفسير التاريخي يُقدّم الإطار التحليلي الضروري لكشف دلالات العنف الذي مارسته الدولة أو الفاعلون السياسيون خلال الفترة الصادمة التي تسعى الذاكرة إلى استعادتها.
1. أطر الذاكرة: لغة حقوق الإنسان
يُعزى إلى موريس هالبفاكس (Halbwachs 1992) أيضًا تطوير مفهوم «الأطر الاجتماعية للذاكرة». وقد انطلق في أطروحته من أن الآثار الفردية للماضي لا تكتسب معناها إلا حين تُؤطَّر ضمن تمثّلات اجتماعية للواقع، ففي هذا الإطار وحده يتحوّل التذكّر إلى ذاكرة ذات مغزى. ومن هذا المنظور، تؤدي لجان الحقيقة دورًا كإطار من أطر الذاكرة: فهي لا تتيح فقط إحياء ذكريات طالما سُكِت عنها، بل تنتج أيضًا نمطًا معينًا من الخطاب.
وتشير التجربة التاريخية المتنوعة للجان الحقيقة في بلدان مختلفة إلى أن هذه اللجان، رغم تباين أشكالها ووظائفها، تتقاطع جميعها في كونها تهيّئ فضاءً تُمكّن فيه الضحايا من سرد انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرّضوا لها في الماضي المُساءل والمُراجَع.
ويتموضع عمل لجان الحقيقة، بهذا المعنى، داخل خطاب عابر للحدود يوفّر إطارًا لإنتاج هذا النوع من الذاكرة وتفسيره. ويتمحور هذا الإطار حول مفاهيم مركزية مثل: الحقيقة، العدالة، الذاكرة، المصالحة، الاعتراف، والغفران – وهي مفاهيم رغم تكرارها المستمر، فإن تأويلاتها تتباين بشكل لافت (Bakiner 2016). وعلى الرغم من تعدّد هذه المقاربات، فإن إدماج مفاهيم من خطاب حقوق الإنسان الكوني في صلب سرديات لجان الحقيقة أسهم في صياغة خطاب الذاكرة لديها، بينما ساهمت هي أيضًا، في المقابل، في تجديد مفردات خطاب حقوق الإنسان نفسه (Ferrándiz 2010). بل إن الحضور المهيمن لمفاهيم مثل "الذاكرة"، "الحقيقة"، و"المصالحة" في مجال العدالة الانتقالية هو في حد ذاته نتاج مباشر لعمل لجان الحقيقة على الذاكرة.
ويؤكد الباحث الأدبي جوزيف سلوتر (Slaughter 2007) أن خطاب حقوق الإنسان بات مهيمنًا على مستوى عالمي إلى درجة تسمح بالقول إننا نعيش في "عصر حقوق الإنسان". وتُعد لجان الحقيقة منصّاتٍ فعالة لإنتاج هذا الخطاب ونشره. وبهذا المعنى، فإنه يمكن القول إن مهمة لجان الحقيقة تتمثل – جزئيًا – في إدخال نظام جديد للحقيقة وتعزيز ذاكرة جديدة قوية. غير أن هذا النظام الجديد لا يُنتج في فراغ، بل ينغرس ضمن إطار ذاكرة عالمي مسبق الوجود، تحدده الهيمنة البلاغية والقانونية والسياسية لحقوق الإنسان – تلك الهيمنة التي، رغم رسوخها، لم تفلح في الحد من التصاعد المستمر لانتهاكات حقوق الإنسان على مدار القرنين العشرين والحادي والعشرين.
وقد طوّر العالمان السوسيولوجيان دانيال ليفي وناتان زنايدر (Levy & Sznaider 2006a؛ 2006b؛ 2010) أطروحة بشأن "عولمة ذاكرة الهولوكوست"، مؤكدين أنها تجاوزت حدود الدول المعنية مباشرة بوقائعها. فوفقًا لرؤيتهما، لم تعد الذاكرة الجمعية تتشكّل عبر الهويات القومية وحدها، بل ظهرت هويات عابرة للأوطان أو كوزموبوليتية تنتج أطرها السردية الخاصة. ويُعتبر خطاب حقوق الإنسان أحد هذه الأطر السردية والقانونية، والذي يُشكّل وسيلةً لنقل الذاكرة الجمعية.
ويمثل ذلك تحديًا صريحًا لمفهوم السيادة الوطنية، بالنظر إلى أن شرعية الدولة باتت مشروطة، جزئيًا على الأقل، بمدى احترامها للمجال المتاح لخطاب حقوق الإنسان، وخاصة في ما يتعلق بانتهاكات الماضي. ويُفسّر هذا، إلى حد بعيد، التوترات المتكرّرة بين الخطاب والاتفاقيات العابرة للحدود حول احترام حقوق الإنسان، من جهة، وبين الممارسات الفعلية التي تنتهجها العديد من الدول الوطنية، والتي تبدو مناقضة لتلك الاتفاقات، من جهة أخرى.
في هذا السياق، يثير نموذج حقوق الإنسان العالمي، وما يرتبط به من ذاكرة كوزموبوليتية، ردود فعل مضادة ومتزايدة الحدة. إذ نشهد تناميًا في حضور الذكريات "الوطنية" و"القومية" التي تعبّئ نفسها ضد نظام الحقيقة الذي تطرحه الذاكرة الكوزموبوليتية – نظام يقوم على الاعتراف بمعاناة الضحية ضمن إطار حقوق الإنسان. وفي مقابل ذلك، تسعى هذه الذكريات القومية إلى إنتاج ذاكرة مضادة تقوم على الإقصاء، وعلى ترسيم حدود صلبة بين "نحن" و"هم".
وفي هذا الإطار، تشير آنا تشينتو بول وهانس لاوغه هانسن (Cento Bull & Hansen 2015, 394) إلى أنه "في مواجهة عمليات النقد الذاتي المعاصرة للنزاعات والظلم في الماضي، يعمل [الخطاب الشعبوي القومي والحركات اليمينية المتطرفة] على الترويج لذكريات تُعيد إنتاج جوهرانيةٍ هوياتية (essentialize) بدلًا من مساءلة الماضي أو تفكيكه". ومن هنا، ينبغي الانتباه إلى أن عمل لجان الحقيقة بوصفه ممارسة للذاكرة، لا يتم في فراغ، بل ينخرط ضمن أطر قائمة سلفًا من المفاهيم والخطابات والتوقعات والنزاعات العالمية.
وتجدر الإشارة، على وجه الخصوص، إلى أن مفردات العدالة الانتقالية وعمل لجان الحقيقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنظريات الصدمة النفسية، الفردية والجمعية على حدّ سواء. ويُنتظر، في ضوء ذلك، من لجنة الحقيقة أن تساهم جزئيًا في "شفاء الجراح المفتوحة" أو "الجراح التي لم تُعالج جيدًا" في جسد المجتمع. فبصفتها منصّة رسمية للاستماع إلى ضحايا الصدمة، تعمل اللجنة ضمن منطق العدالة الانتقالية على توفير إمكانية لتجاوز الصدمة الفردية والجمعية، من خلال الاعتراف العلني بالمعاناة التي تعرّض لها الضحايا.
وينتج عن هذا منطقٌ سرديٌّ خاص، فسره المؤرخان بيربر بيفرناغ ولور كولار باعتباره تسلسلًا زمنيًا يحمل في طيّاته منطقًا ثلاثي الأطوار: صدمة – علاج – إغلاق (Bevernage & Colaert 2014). إلا أن لهذا الخطاب مخاطره، إذ يخلق توقعًا بالشفاء لا يمكن دائمًا تحقيقه. وكما تنبّه بريسيلا هاينر (Hayner 2001, 146–147)، فإن لجان الحقيقة لا توفّر علاجًا دائمًا، بل تمنح لحظة وحيدة من "التنفيس العاطفي" (كاتارسيس). ومن هنا، فإن أدبيات علم النفس تشكّك في مدى انطباق مفهوم "العلاج" على هذا النوع من الممارسات (Stein et al. 2008؛ Shaw 2005).
ورغم ذلك، فقد اخترق خطاب الصدمة النفسية وعلم النفس المتعلق بها المجال التداولي للعدالة الانتقالية، وأصبح جزءًا من الأطر الاجتماعية التي يُعيد من خلالها الضحايا – وأحيانًا الجناة أيضًا – سرد تجاربهم ومعاناتهم.
2. المناطق الرمادية في الذاكرة
يمكن لخطاب الحقيقة بشأن ما جرى في ظلّ دكتاتورية أو خلال نزاعٍ مسلحٍ طويل الأمد أن يبرز في المجال العام بوصفه ثمرة انتصار طرفٍ ما وهزيمة طرفٍ آخر. وفي مثل هذه الحالة، تكون "الحقيقة" المتشكلة أقرب إلى سردية مبسّطة فاقدة لتعقيدها، مرسومة بالأبيض والأسود: جناة من جهة، وضحايا من الجهة المقابلة، بلا أيّ قنوات تواصل أو تقاطعات بينهما. إنها "حقيقة" قد تكون مريحة اجتماعيًا، إذ تتيح تحميل المسؤولية كاملةً إلى "الآخرين"، وتجريم أفعالهم، ونزع الشرعية عن دوافعهم، وتبرئة فاعلين آخرين من أي مسؤولية. لكنها، في الوقت نفسه، تخلق مظالم جديدة، لأنها – من حيث منشؤها – تستبعد ضحايا لا يخدم حضورهم بناء السردية التي يفرضها المنتصرون.
أما الحقيقة التي تنتجها لجان الحقيقة، فهي – على العكس – حقيقة تفاوضية. ذلك أن اللجنة، باعتبارها إحدى أدوات العدالة الانتقالية، تُنتج شكلًا من الحقيقة لا يندرج ضمن الإطار القضائي الصرف، لكنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرة العدالة. وفي هذا السياق، يرى عالم الاجتماع هاوكه برونكهورست (Brunkhorst 2007) أن تحقيق العدالة (وكذلك السلام والمصالحة) يتطلّب حضور كلٍّ من الحقيقة التاريخية والقانونية معًا. غير أن العدالة التي يتحدث عنها برونكهورست تفترض، في صميمها، فصلًا حادًا بين الضحية والجلّاد؛ وهو فصلٌ يرى أنه ينبغي الدفاع عنه في وجه محاولات القوى السياسية والاجتماعية لتسييله أو تمييعه. فمهمة الحقيقة، في رأيه، أن تُبقي هذه التمييزات واضحة.
لكن هذا الطرح يعيدنا مجددًا إلى رؤية للحقيقة تتجاهل ما تنطوي عليه من تعقيد بنيوي لا يمكن تجاوزه. نعم، من المهمّ تثبيت أن الجلّاد جلّاد، وأن الضحية ضحية؛ ولا مجال للمساواة بينهما (Levi 2014, 23). وفي هذا السياق، لا بدّ من "تحديد الأبيض والأسود" في مشهد العنف (Orozco 2009, 101). وهو ما يُنجز بالفعل عبر الآليات القضائية الضرورية لأي انتقال سياسي أو مجتمعي. فالحقيقة القضائية، في نهاية المطاف، تُنتج حكمًا يصنّف الأفراد ويضعهم في موقعٍ مسؤول.
لكن المجال الذي تختصّ به لجان الحقيقة لا يقتصر على تحديد المسؤوليات الفردية، بل يمتدّ إلى مراجعة "المناطق الرمادية" – أي تلك المساحات الواسعة التي تنتجها أنماط العنف الأفقي، حيث يجسّد فاعلون مختلفون أدوارًا متعدّدة في أوقات وسياقات متباينة. وهذا ما أشار إليه بريمو ليفي نفسه، بعد صفحات قليلة من تأكيده الحاسم على عدم المساواة بين الضحية والجلّاد؛ إذ اعترف بأن تعقيد السرديات يتطلّب الابتعاد عن التصنيفات المانوية الصارمة (Levi 2014, 33). ولهذا فإن المناطق الرمادية التي تضمّ المتفرجين والمتعاونين والمستفيدين من العنف، تطرح تحديات صعبة أمام مجتمعات ما بعد النزاع. ومع ذلك، فإن هذه المناطق غالبًا ما تبقى خارج متناول لجان الحقيقة، رغم أن تناولها بعمق هو السبيل، كما يرى أروثكو، إلى "تبنّي مواقف تقلّل من الاستقطاب، وتشجع على نسبية التعاطف في فهم العداوة، وتفتح، في نهاية المطاف، أفقًا للسلام القابل للتفاوض" (Orozco 2009, 101).
وتزداد هذه الحاجة إلحاحًا حين يتوزع العنف بشكل غير متكافئ، ويتركز بشكل خاص في ما تسميه العالِمتان الأنثروبولوجيتان ڤينا داس وديبورا بول بـ"هوامش الدولة" (Das & Poole 2008). وهي تلك الأماكن التي يتسم فيها الحضور المؤسسي للدولة بالقصور، ويغدو فيها "حالة الطوارئ" نمطًا يوميًا للحياة، مما يجعل التفاعلات الاجتماعية اليومية مشروطة بمنطق عنيف مهيمن. وفي هذا السياق، يشير تقرير "مجموعة الذاكرة التاريخية" في كولومبيا (GMH 2009, 11) إلى أن تفسير علاقة السكان المحليين مع الفاعلين المسلحين بمنطق الولاء أو التعاطف أو الهوية فقط هو تبسيط مخلّ لا يعبّر عن ديناميات الحرب الفعلية. فهناك تذبذب دائم بين الخضوع العنيف والتواطؤ أو التقاطع الوظيفي، وكلّ ذلك ضمن سياق معيّن يمنحه معناه الخاص.
لكن هذه الديناميات غالبًا ما تكون عصيّة على الفهم بالنسبة للمُتلقّي البعيد – أي لذلك الجمهور الاجتماعي الذي يُفترض أن تتوجّه إليه أعمال لجان الحقيقة – وهو جمهور لا يخضع نمط حياته اليومية لمحددات عنف متواصلة. ومن هنا تنبع الحاجة إلى ما يسميه الأنثروبولوجي كليفورد غيرتز "الوصف الكثيف" (Geertz 2003)، أي ذلك النوع من التحليل الذي يُمكّن من فهم كيف تتسرّب العنف إلى نسيج الحياة اليومية في مناطق تغلغله العميق.
ومن ثم، فإن فحص "المناطق الرمادية" لا يعني فقط التحقق من التداخل الممكن بين أدوار الضحية والجلّاد، بل يتطلب، في معنى أوسع، مساءلة المجالات الاجتماعية التي تطبّعت بالعنف، وتحليل التفاعل بين البنى والسلوكيات في تكريس هذا التطبيع.
وبالعودة إلى تصوّر والتر بنيامين (Benjamin 1991)، يمكن القول إن عمل الذاكرة المطلوب في بناء "حقيقة مركّبة" لا يتأسس على تدفّق المعلومات، بل على سرد الماضي العنيف. فبما أن الذاكرة تُقدّم للمجتمع ما هو أبعد عن تجربته المباشرة – أي تعقيد العنف وتموضعاته الرمزية – بدلًا مما هو أقرب إليه (حقيقة مبسطة أو ثنائية)، فإن منتجها سيكون أقل قابلية للتصديق وأكثر إرباكًا. فالمعلومة، كما يقول بنيامين، تطالب بسرعة التحقق منها (Benjamin 1991, 114)، وهي بذلك تخاطب القريب. أما السردية الذاكرية، فتتطلب وقتًا وجهدًا لفهمها وهضمها، لأنها تسعى إلى توصيل أفعالٍ جرت ضمن أطر دلالية وعلاقات وسياقات تُعدّ غريبة على المستمع.
كما أشرنا سابقًا، فإن الانتباه إلى الأطر التي تُنتج وتُفعّل الذاكرة هو شرط ضروري لفهمها بكامل تعقيدها. إذ لا تكمن أهمية لجان الحقيقة في كمية المعلومات الجديدة التي تكشفها، لأنها ليست مجرّد "قطع منفصلة تُجمَع وتُكدّس" (Jelin 2002, 127)، بل في قدرتها على إنتاج إطار اجتماعي مشترك يُضفي المعنى على السردية التي تُبنى من خلال عمل اللجنة. أو، لنقلها بلغة مقدمة هذا النص: المهمة الأساسية هي بناء نظام جديد من الحقيقة، نظام تتاح فيه للذاكرات التي طُمست طويلًا فرصة الظهور، بل واكتساب الدلالة.
فلنتأمل ذلك قليلًا. حين تستخدم إليزابيث خيلين (Jelin 2002) مفاهيم هالبفاكس، فهي تستعمل مفهومي "إطار السرد" و"إطار التفسير" بشكل متقارب، وإن كانا يعبّران عن وجهين مختلفين لما يُمكن تسميته – مع فوكو – "نظام الحقيقة الخاص بالذاكرة". فـ"إطار السرد" يشير إلى القدرة أو الإمكانية التي يملكها الضحية – وأحيانًا الجلّاد – لتقديم رواية عمّا جرى. أما "إطار التفسير"، فيشير إلى المنظومات التمثيلية المتاحة اجتماعيًا لدمج هذه الروايات ضمن شبكة من المعنى.
وحين تحدّث والتر بنيامين (Benjamin 1991) عن أولئك العائدين من الحرب العالمية الكبرى وقد خيّم عليهم الصمت، فإنه كان يشير إلى أنهم عادوا بلا "تجارب قابلة للتواصل". فقد انتمت تجاربهم إلى حقلٍ لا يمكن الإحاطة به لغويًا، لأنها لا تُشبه أي تجربة معيشة أخرى، وبالتالي لا يملكون أدوات سردية تمكّنهم من التعبير عنها. وهنا ندخل حقل "إطار السرد". لكن بنيامين يضيف (Benjamin 1991, 112) أن هؤلاء الرجال العائدين وجدوا أنفسهم "فجأة في العراء، في مشهد لم يبقَ فيه شيء على حاله سوى الغيوم". لقد عادوا إلى عالم لم يعد بإمكانهم التعرّف عليه، عالم لم تعد تجربتهم تقول فيه شيئًا ذا معنى. لقد فُرضت مسافة فاصلة بينهم وبين أولئك الذين ظلّوا في الوطن – وهي مسافة شكّلتها اختلافات في "أطر التفسير" التي ينظرون من خلالها إلى الواقع. لقد رجعوا محمّلين بتجربة لا تجد لها مكانًا داخل نظام الحقيقة السائد في المجتمع الذي عادوا إليه.
هنا، بالتحديد، تكمن أهمية الانتباه إلى المناطق الرمادية وتعقيدها، بالمعنى الواسع الذي قدمناه سابقًا.
فمن الضروري ألا تكتفي لجنة الحقيقة بأن تكون مجرّد مسرح تتيح فيه نشوء أطر تسمح بالسرد، بل عليها أيضًا أن تسهم في تهيئة أطر تفسير تمنح لهذا السرد معنًى تصالحيًّا (بالمعنى الاجتماعي الذي سنعود إليه في خاتمة النص). وبالنسبة للضحايا الذين يتوجهون إلى اللجنة، فإن ما يهمّهم ليس إثبات صدق روايتهم، بل الشعور بأن الفعل السردي بحد ذاته يحمل قوة أدائية، تُمثّل ما يمكن تسميته بـ«الحيوات المؤجَّلة» (Mate 2008, 25)، أي تلك الحيوات التي لا ينبغي أن تُختزل في كونها «حيوات محطّمة». فالذاكرة، في هذا السياق، لا تمحو المعاناة ولا تعكس اتجاهها، بل تكمن قدرتها – حتى وإن كانت «قوة ضعيفة» كما وصفها بنيامين – في قدرتها على زحزحة المنظور الذي تُبنى من خلاله أنظمة الحقيقة السائدة.
ومن أجل تمكين الفعل السياسي، لا بدّ من وجود ما تسميه حنّة أرندت «فضاء الظهور»؛ أي ذلك الحيّز الذي نظهر فيه أمام الآخرين ويظهرون هم بدورهم أمامنا بشكل صريح (Arendt 2009, 221). ومن خلال هذا الظهور المتبادل، تنشأ ما تسميه الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر «تحالف الأجساد» (Butler 2017). وتوضح بتلر، في إطار نظريتها الأدائية عن «التجمع» (assembly)، أن فضاء الظهور هو شرط لقيام الفعل السياسي، كما أنه، في الوقت نفسه، غاية لهذا الفعل. فهو يشكّل، إذًا، شرطًا إمكانيًّا ومنتجًا سياسيًا في آن واحد.
ونحن نذهب في هذا النص إلى أن الذاكرة السردية، بوصفها شكلاً من أشكال الفعل السياسي، تتبع المنطق نفسه: فهي تحتاج إلى إطار تفسيري يمنحها المعنى، لكنها تمتلك، من خلال طاقتها الأدائية، القدرة على خلق هذا الإطار ذاته أو المساهمة في بلورته.
لكن، هل هناك مكان للجلّاد في إنتاج هذا الإطار؟
كيف ينبغي الإصغاء إلى هذه الشخصية داخل فضاء لجنة الحقيقة؟
هل يمكن اعتبار شهادته أثرًا مشروعًا من الماضي تصلح لبناء ذاكرة جمعية عليه؟
وإذا كان "السماح للمعاناة بأن تتكلم هو شرط كل حقيقة" (Adorno 1984, 27)، فهل صوت الجلّاد معنيٌّ أيضًا بهذا الشرط؟
ألا يُعدّ سرده، بطبيعته، محاولة مسبقة لتوجيه الذاكرة وتوظيفها لصالحه؟
يكشف عالم الاجتماع لارس بور (Buur 2001) أن أحد أهداف "لجنة الحقيقة والمصالحة" في جنوب أفريقيا كان يتمثل في إنشاء صورة لـ"الآخر الجذري"، المسؤول عن عنف نظام الأبارتايد، والمفصول عن مشروع الأمة الجديدة الذي كان يُراد بناؤه. وقد جرى، ضمن هذا الإطار، بذل جهد بلاغي لإخراج شهادة الجلّاد من الفضاء الرمزي الذي كانت تُؤسَّس حوله فكرة «أمة قوس قزح». وكان موقع شهادة الجلّاد، بحسب هذا التحليل، وسيلة لإنتاج صورة مثالية للشرّ بوصفه ينتمي إلى الماضي، في مقابل ما لم تعد عليه الأمة الجديدة (Buur 2001, 156).
لكنّ الانتباه إلى المناطق الرمادية يقتضي تبنّي منظور مختلف في التعامل مع شهادة الجلّاد. يقول بريمو ليفي إن على المرء – إن استطاع – أن يسعى إلى فهم هذا الآخر (Levi 2014, 23). وهي مهمة تنطوي، كما يقول، على مفارقة وجودية: فهم ما لا يُفهم. وكما تحدث جاك دريدا (Derrida 2003) عن أن "الغفران الحقيقي لا يُمنح إلا لما لا يُغتفر"، فإن الأمر هنا يتعلّق بدمج التمزق الذي يمثّله خطاب الجلّاد ضمن شبكة معنًى اجتماعية تُبنى بغرض نزع الطابع الطبيعي عن العنف.
إنّ ما يُراد فهمه هو أن الأساس السردي للذاكرة يشترط أن تُنتَج داخل لجان الحقيقة من قِبل "فاعلين اجتماعيين يتشاركون ثقافةً وإيتوسًا معينًا" (Jelin 2002, 89). وفهم الجلّاد لا يعني المصادقة على تبريراته، بل الاعتراف بأن المجتمع الذي نعيش فيه اليوم هو، جزئيًا، نتاج أفعالٍ تجسّدت في هذا النوع من الشهادات. وإذا كانت البُنى الاجتماعية الراهنة – ماديًا ورمزيًا – مشكّلة بالعنف الحديث، فمن الضروري أن نسأل: إلى أي مدى كنّا، كفاعلين اجتماعيين، مسؤولين عمّا جرى، أو منتفعين منه على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي؟
هذا يدفعنا إلى محاولة فهم "الإيتوس" الذي نشترك فيه – ولو جزئيًا – مع الجلّاد، والكشف عن المواضع التي لا تزال تسكنها منطقه في أطرنا التفسيرية الراهنة للواقع.
يقول جورجيو أغامبن (Agamben 2014) إن الحقيقة والعدالة تُستبدلان، في حالة الحكم القضائي القطعي (res iudicata)، بالحكم نفسه، الذي يُعتبَر هو الحقيقة. فماذا يُعتبَر إذًا "حقيقة" في الذاكرة التي تُنتَج داخل فضاء لجنة الحقيقة؟ إنها تكمن، هنا، في الاعتراف – من قِبل فاعلين اجتماعيين وسياسيين مختلفين – بأن العنف قد شكّل طريقة بعينها في النظر إلى العالم، وأننا جميعًا، بهذا المعنى، قد تمّت مخاطبتنا به.
لقد تسرّبت المنطقية التوتاليتارية والعنيفة إلى البُنى التي شكّلت المجتمعات التي عاشت في ظل دكتاتوريات قاسية أو نزاعات ممتدة. وبناء دولة ما بعد النزاع أو ما بعد الدكتاتورية لا يتمثل فقط – أو ليس فقط – في إسكات البنادق أو وقف انتهاكات حقوق الإنسان، بل يتطلّب مساءلة "القيمة التأويلية" لتجربة معاناة الضحية (Mate 2008)، وأيضًا الإصغاء لما تحمله شهادة الجلّاد من مساءلة اجتماعية لنا جميعًا.
3. كولومبيا: لجنة الحقيقة، ولكن لأي غاية؟
في الخامس من ديسمبر عام 2017، أعلن رئيس جمهورية كولومبيا، خوان مانويل سانتوس، رسميًا أسماء أعضاء لجنة توضيح الحقيقة والتعايش وعدم التكرار (CEV)، مُدشِّنًا بذلك أحد البنود الرئيسية في اتفاق السلام المُبرم عام 2016 بين الحكومة الكولومبية وقوات الفارك (القوات المسلحة الثورية الكولومبية). وقد تم اختيار الكاهن اليسوعي فرانسيسكو دي رو، المعروف بدفاعه عن حقوق الإنسان وبنشاطه الطويل في مبادرات بناء السلام، رئيسًا للجنة المذكورة.
وقبل عشرين يومًا فقط من بدء عمل اللجنة، كتب دي رو، في آخر مقال له ككاتب رأي بصحيفة إل تيمبو، أن اللجنة ستسعى إلى صون "الحقيقة المعقّدة" التي ستنبثق من عملها على الذاكرة، "حتى وإن كانت غير محتملة" (De Roux 2017). وفي تصريحات لاحقة، ردًا على المخاوف المرتبطة بالمخاطر التي قد ينطوي عليها استحضار الذاكرة في مجتمعٍ لا تزال جراحه مفتوحة بسبب النزاع المسلح، أضاف دي رو: "إذا كانت الذاكرة مصدرًا للكراهية، فإنها بطبيعة الحال مضرّة. لكن إذا أمكن تحويلها، عبر احتضانها بكلّ ثقلها، وبكل ألمها، وبكل أسئلتها، فمن الممكن إعادة منحها دلالة وتحويلها إلى سردٍ للفهم. وهذه هي مهمة لجنة الحقيقة" ("Es imposible construir" 2018).
من هنا، فإن أول مهمة للجنة CEV، والتي تنعكس في تصريحات رئيسها، هي فتح الحيز السوسيو-سياسي الضروري لقيام تمرين جماعي حول الذاكرة التاريخية. فبعد أن أُغلِقَت طاولة المفاوضات بين الحكومة والجماعة المسلحة، وتم التوصل إلى اتفاق، انفتح مشهدٌ جديد من التوتر ـ وربما حتى من المواجهة ـ وهو ذلك الذي يتعلّق بتنفيذ ذلك الاتفاق. وهذا المشهد يتشكّل أيضًا حول الذاكرة، بوصفها أداة تمنح نوعًا من المعنى للماضي العنيف، وتسهم في إضفاء الشرعية على خطاب معين في الحاضر.
لكن في هذا الحيز المتوتر، ثمّة قوى سياسية واجتماعية مستعدّة لتوظيف سلطتها من أجل تقويض فعالية وتأثير العمل الذاكريّ الذي يُفترض أن تنهض به لجنة الحقيقة. ويمكن فهم تصريحات رئيس اللجنة كجزء من محاولة استباقية لتحييد هذه التدخلات الخطابية أو للتخفيف من وطأتها.
وفي الواقع، فإن أول التحديات التي تواجهها أي لجنة للحقيقة هو السيطرة الرمزية على الذاكرة من قِبل الجهات المهيمنة. ذلك أن محاولة الهيمنة على سردية الماضي تندرج ضمن ما سمّاه بول ريكور (Ricoeur 2013) بـ"الذاكرة المُستثمَرة" أو "الذاكرة المُسيّسة"، وهي ممارسة تَظهر سواء من خلال "إساءة استخدام الذاكرة" أو من خلال "إساءة استخدام النسيان". ويشير الفيلسوف الفرنسي إلى أن جوهر هذه الإشكالية يتمثّل في "تسخير الذاكرة لخدمة مطلب الهُوية، وسعيها، ومطالبتها" (Ricoeur 2013, 110).
وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو متناقضًا ـ إذ قد يُظنّ بأن عمل اللجنة في جوهره يقوم على بناء سردية لهوية وطنية ما بعد النزاع ـ إلا أن الخطر يكمن بالتحديد في أن يتحوّل عمل اللجنة إلى أداة لصياغة هوية وطنية مُنتقاة ما بعد الحرب، تكون وظيفتها إغلاق الماضي لا مساءلته، وتصفية الحساب لا المصالحة، وإعادة إنتاج سردية الدولة لا إعادة تموضع الضحايا في فضاء المعنى.
إن عمل لجنة الحقيقة يمتلك قدرة فعلية على الإسهام في بناء سرديّ لأمّة ما بعد النزاع، وذلك لأن السرد الذي تنتجه يشكّل ما يُسمّيه هانسن وستيبوتات (Hansen & Stepputat 2001, 5) "لغة الدولة"، وهي اللغة التي يمكن من خلالها للمواطنين أن (يعيدوا) تخيّل أمتهم. ومن الناحية الرمزية، يمتلك خطاب اللجنة قابلية أن يُقدَّم كأساسٍ لعقد اجتماعي جديد. وتُعدّ الحالة الجنوب أفريقية، من خلال صياغة خطاب "أمة قوس قزح"، مثالًا نموذجيًا على ذلك (Buur 2001؛ Norval 2001).
وانطلاقًا من تأويلات ميشيل فوكو التي استعرضناها في مقدمة هذا النص، يمكن القول إن سردية لجنة الحقيقة تطمح إلى التحوّل إلى "نظامٍ للحقيقة"، لأنها تسعى إلى ترسيخ تصورٍ للصراع يكون قابلاً للتصديق ومقبولًا لدى غالبية المجتمع، ويُقدَّم بوصفه يخدم المصلحة العامة. غير أن من الضروري التنبّه إلى أن القدرة على تحديد ما هي هذه "المصلحة العامة" تقع بيد فاعلين اجتماعيين وسياسيين، قد تكون لديهم مصلحة في إعطاء الانطباع بأن الماضي الصراعي قد جرى طيّه، وأن حلولًا قاطعة قد تمّ التوصل إليها لمعالجة ما كان يطرحه من مشكلات (Nytagodien & Neal 2004).
وعليه، فإن أعمال الذاكرة لا تتم في فراغ، ولا داخل فضاء منزوع السياق من ديناميات المجتمع والسياسة. بل تستلزم ما دعاه ريكور (Ricoeur 2013) بـ"الهرمنيوطيقا المرتبطة بالشروط التاريخية" لإنتاج الذاكرة؛ أي استحضار الظروف الاجتماعية والسياسية التي تتيح، أو تقيد، إنتاج هذه الذاكرة. ذلك أن ثمة محاولات دائمة لتوظيف سياسي للذاكرة، محاولات تهدف إلى "طيّ الصفحة دون قراءتها"، كما عبّر عن ذلك المقرّر الأممي لوي جوينيه (Joinet 1997) في سياق العدالة الانتقالية.
ولهذا، فإن لجنة CEV يجب ألا تُكرَّس لخدمة مشروع بناء هوية وطنية منمّطة؛ فوظيفتها، من هذا المنظور، لا تكمن في الإغلاق بل في الفتح، في الانفتاح على تعددية التأويلات. وبالعودة إلى ريكور، ينبغي الحذر من تحوّل ممارسة التذكّر ـ بوصفها بحثًا في معاني الماضي المتعددة ـ إلى مجرد فعل تأريخي يُنتج سردية واحدة قابلة للاحتفال أو التمجيد (Ricoeur 2013). فالمطلوب ليس إعلان نهاية الصراعات الاجتماعية والسياسية التي ولّدت العنف، بل فهم الكيفية التي جرى بها تطبيع العنف بوصفه وسيلةً لحل تلك الصراعات، أي: كيف تسلّل العنف إلى البُنى الرمزية للمعنى الاجتماعي، وكيف يمكن تفكيك تموضعه فيها.
وينبّه هذا الطرح إلى خطورة جعل "المصالحة" غايةً نهائية لعمل لجنة الحقيقة. فقد تبنّى فرانسيسكو دي رو، على خطى ديزموند توتو في ترؤسه للجنة الحقيقة الجنوب أفريقية، هذا الهدف كمبدأ توجيهي للجنة CEV. وبالرغم من أن لجنة جنوب أفريقيا شكّلت أنموذجًا مهمًا في خطاب المصالحة، فإنها كانت محدودة للغاية في ما يخصّ تحقيق العدالة الفعلية (Orozco 2009, 149؛ ICTJ 2013).
ولذلك، حين يُتحدَّث عن المصالحة كهدف لعمل لجنة الحقيقة، من الضروري التمييز بين "مصالحة المجتمع" و"المصالحة الوطنية"، بالمعنى الذي يطرحه مانويل رييس ماتيه (Mate 2008, 58). فبينما تشير الأولى إلى إعادة بناء النسيج الاجتماعي في تعدديته، تشير الثانية غالبًا إلى تصور مركزي موحد قد يُقصي الاختلافات ويعجّل بإغلاق جراح لم تندمل بعد.
أما "المصالحة الوطنية"، في صورتها الأخيرة، فهي تشير إلى ما يمكن وصفه بأنه "اتفاق نخبوي"؛ اتفاق يُبرم بهدف إغلاق دورة تاريخية، وإحالتها إلى الماضي، دون أن يستتبع ذلك تحمّل مسؤوليات أو مواجهة عواقب في الحاضر. فالمصالحة هنا تُفرض كقَطع مع الماضي، أو، على حد تعبير الفيلسوف تزڤيتان تودوروف (Todorov 2013)، تُبنى كـ"جدار لا يمكن اختراقه" يُقام بين الشرّ وبيننا. إنّه اتفاق يُراد من خلاله "تمييع المسؤوليات ومحو مفهوم البراءة، وبالتالي إلغاء الفارق بين الضحية والجلاد" (Mate 2008, 57).
ويذكّرنا جورجيو أغامبن (Agamben 2014, 23) في هذا السياق بأن "القبول بالمسؤولية السياسية أو الأخلاقية دون أي تبعات قانونية، كان دومًا سمة ملازمة لغطرسة أصحاب السلطة". فالمصالحة الوطنية، في هذا الإطار، ليست سوى مصالحة تُفرض على بقية أفراد المجتمع قسرًا، كنوع من الابتزاز الرمزي، إذ يُقال لهم إنها الضامن الوحيد للسلام الممكن.1 لكن السلام المقصود هنا، كما يصفه غوميز (Gómez 2016)، هو "سلامٌ بين الفاعلين المسؤولين عن العنف أنفسهم"، بينما يُطلب من المجتمع برمته أن يتقبّله كأنه سلامه هو.
إن "مصالحة المجتمع"، بخلاف "المصالحة الوطنية"، ليست فعلًا يُنجز دفعة واحدة، بل هي عملية ممتدة عبر الزمن. إنها مصالحة تُعدّ جزءًا من العدالة، لكنها عدالة تتجاوز ما هو قانوني (Mate 2008, 58)؛ أي أنها، وإن لم تطالب بالضرورة بعقابٍ عقابي للمسؤولين عن العنف، تسعى إلى إيقاف استمرارية الظلم الناتج عن العنف – أو بالأحرى عن أشكال العنف المختلفة، وليس العنف المسلّح فقط – من خلال معالجة الأسباب البنيوية والسياسية التي أدّت إلى بروز هذا العنف وتطبيعه كوسيلة لممارسة السلطة أو لمعارضتها.
من هنا، فإن مطلب الذاكرة، بكلّ ثقله، وبكامل ألمه، وبأسئلته المفتوحة، الذي يستلزمه مشروع المصالحة المجتمعية، يقتضي مساءلة المستفيدين من العنف، وتفحّص الكيفية التي حافظوا بها على سلطتهم في الحاضر. وهذا هو المنطلق الأساسي للمسار الطويل الذي تتطلبه مصالحة المجتمع. وفي هذا الإطار، من المهم أن نُدرك، كما بيّنت حنّة أرندت (Arendt 2007)، أن القضايا الأخلاقية – التي يبدو أن عمل لجنة الحقيقة الكولومبية CEV يتحرك في إطارها – والقانونية، رغم اختلافهما، تجمع بينهما صلة قرابة أساسية: كلاهما يفترض وجود القدرة على الحكم.
صحيحٌ أن الحقيقة التي تسعى لجنة الحقيقة إلى بنائها لا يمكن أن تكون "الحقيقة القضائية"، تلك التي غالبًا ما تكون "بعيدة عن الواقع، ومبنية تقنيًا على يد قضاة ومحامين" (De Roux 2017). لكن الالتزام بحماية "حقيقة غير محتملة"، كما وعدت اللجنة، يفرض السعي إلى صياغة سردية يمكنها حتى أن تُعارض ما يُسمّى بـ"حكم التاريخ" (Arendt 2007). وقد بيّن مانويل رييس ماتيه (Mate 2011) أن النقيض الحقيقي للذاكرة ليس النسيان، بل الظلم. ولذلك، فإن مهمة الذاكرة، كما تتجسّد في عمل لجان الحقيقة، هي مواجهة استمرار الظلم الماضي في الحاضر: "فمن دون ذاكرة، يكفّ الظلم عن أن يكون راهنًا، والأسوأ من ذلك، يكفّ عن أن يكون ظلمًا أصلًا" (Mate 2011, 27).
إن القول بضرورة توجيه عمل لجنة الحقيقة نحو مصالحة مجتمعية – لا مصالحة وطنية مفروضة – يتضح بصورة أفضل إذا قرأناه في ضوء التمييز الذي يُقدّمه تزڤيتان تودوروف (Todorov 2013) بشأن الاستخدامين الممكنين للذاكرة: الاسترجاع والاستخدام. فاستعادة الماضي، كما يقول، ليست هي ذاتها استخدامه. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الحدث المستعاد من خلال الذاكرة بطريقتين: قراءة حرفية، أو قراءة تمثيلية (Todorov 2013, 33، التشديد في الأصل). وفي الحالة الأولى، تكون الذاكرة خاضعة لـ"التقديس"، أي يتم التعامل مع الحدث العنيف الماضي كحادثة مغلقة، لا يمكن العبور منها إلى الحاضر. وهذه القراءة تؤدي إلى "إخضاع الحاضر للماضي"، لأنه لا يمكن استخراج مفاتيح تفسير الحاضر العنيف من هذا الماضي الصامت (Todorov 2013, 35). وترتبط القراءة الحرفية للذاكرة، بهذا المعنى، بنموذج "المصالحة الوطنية"، الذي يتوقف عند تعداد عنف الماضي دون أن يصل ما بينه وبين أشكال العنف الجارية.
أما القراءة التمثيلية للذاكرة، فهي انتقالية بطبيعتها: إذ تساعدنا في فهم الماضي الصادم بما يتيح التعرف على أنماط مشابهة في الحاضر. وهكذا، "يصبح الماضي […] منطلقًا للفعل في الحاضر" (Todorov 2013, 34). ويمكن، بالاستناد إلى والتر بنيامين، القول إن "أخطار الحاضر" هي التي تستدعي الذاكرة، باعتبارها "طريقة لاستحضار الماضي على هيئة ومضة، كإضاءة خاطفة في لحظة الخطر الحاضر" (Calveiro 2006, 378).
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في حالة كولومبيا، حيث تُدار عمليات عدالة انتقالية دون تحقّق فعلي لـ"الانتقال" (Uprimny et al. 2006) – أي في ظل استمرار أشكال العنف السياسي القديمة والجديدة. وهذا يعني أن أي تمرين على الذاكرة تقوم به لجنة الحقيقة، إن أراد أن يكون ذا طابع "تمثيلي" فعلي، عليه أن يركّز جهوده على مواجهة أنماط العنف القائمة في الحاضر، وعلى تفكيك البنى السلطوية التي لا تزال تستمدّ شرعيتها أو نفوذها من العنف الممارس في الماضي.
ومن هنا، فإن الحقيقة "المعقّدة" لا بدّ أن تكون، بالضرورة، "مؤلمة" – لا لأن هناك "ألمًا عامًا" في الماضي ينبغي الاعتراف به، بل لأن هذا الألم لا يزال يتردد صداه في الحاضر. فصحيح أن الاعتراف الجماعي بالخزي التاريخي قد يكون مفيدًا لبناء أمة ما بعد النزاع، تستطيع، باعتبارها "مجتمعًا تائبًا"، أن تستعيد فخرها الوطني. وكما تقول سارة أحمد: "إن الاعتراف بما هو مخزٍ في الماضي – أي بما أخفق في تحقيق المثل الوطنية – هو ما يُتيح للأمة أن تُعيد تأليه نفسها، بل أن تحتفل بنفسها في الحاضر" (Ahmed 2015, 113).
لكن هذا النمط من "الاحتفاء بالمصالحة" بناءً على الاعتراف بالأخطاء، ينطوي على خطر سياسي كبير، إذ يُغلق الفضاء العام أمام إمكانية طرح المظالم الراهنة الناتجة عن العنف، ويمنع مساءلة الفاعلين المعاصرين الذين لا تزال أفعالهم، أو امتيازاتهم، مرتبطةً بذلك الماضي.
4. بناء فضاء للصدى السردي: على سبيل الخاتمة
وفقًا لمنظور موريس هالبفاكس (Halbwachs 1992)، فإن المهمة المركزية للجنة الحقيقة لا تتمثّل في استعادة ذكريات جزئية (من قبيل: «حدث كذا»)، بل في بناء إطار اجتماعي يُضفي الشرعية على الذاكرة المتعلّقة بالمعاناة. وقد أوضحت إليزابيث خيلين، في تفسيرها لأطروحة هالبفاكس النظرية، أن "الأطر الاجتماعية هي حاملة للتمثّلات العامة للمجتمع، ولحاجاته وقيمه" (Jelin 2002, 20). وبهذا المعنى، فرغم أن لجان الحقيقة تُقدَّم كأدوات للبحث عن الحقيقة، إلا أن نفعها الاجتماعي والسياسي الحقيقي قد يكمن في قدرتها على بناء نظام جديد للحقيقة، يفتح مجالًا راهنًا لفهم البُنى المستمرة للعنف، والتعرف على الفاعلين الذين يُعيدون إنتاجه في الحاضر. كما يمكّن من الاعتراف بمعاناة من لا يزالون يرزحون تحت آثار العنف، لا بوصفهم «ضحايا ماضٍ منتهٍ»، بل كفاعلين في حاضر لم تنقطع صلته بذلك الماضي.
يقول بول ريكور: "لا أحد يتذكّر بمفرده" (Ricoeur 1998). وهذا هو جوهر الدور الذي تؤدّيه لجنة الحقيقة: أن تخلق إطارًا يمكن من خلاله – بل ينبغي – أن نفكر بشكل جماعي في ما حدث لنا كمجتمع.
إن ما يحتاجه من عانوا ويلات الحرب لا يقتصر على مجرّد الإصغاء، بل هو بناء فضاء للتجاوب الوجداني، فضاء يُتيح تأويلًا اجتماعيًا ومعنًى مشتركًا لما كابدوه من معاناة. هؤلاء، الذين يسمّيهم إيفان أروثكو (Orozco 2009) بـ«الأطراف الثالثة المعنية» – أي أولئك الذين لم يتعرضوا مباشرة للعنف المسلح أو التسلطي، لكنهم معنيون، بحكم المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، بما جرى لمواطنيهم – لا ينبغي لهم الاكتفاء بالسماع، بل يتعيّن عليهم أيضًا العمل على بناء إطار اجتماعي لتأويل الماضي العنيف.
وتلك هي ما تسمّيه خيلين، مستفيدة من بورديو، "بناء الاعتراف المشروع" (Jelin 2002, 35). فليست وظيفة لجنة الحقيقة أن تصوغ سردية "رسمية" أو "مؤسساتية" عن الصراع المسلح أو عن الديكتاتورية، بل أن تسائل مفهوم السردية الرسمية نفسه (بما أنه، بطبيعته، يحمل توقيع السلطة القائمة)، وتفتح المجال أمام تدفّقٍ جديد لسرديات مغايرة – ما أطلقنا عليه في بداية هذا النص، مع إنزو تراڤيرسو، مصطلح "الذكريات الضعيفة". إنها سرديات المهمَّشين والمقموعين، التي تسعى إلى الدخول في علاقة جدلية مع سرديات المعنى الجماعي المهيمنة.
وبذلك، فإن الهدف من عمل لجنة الحقيقة لا يجب أن يكون بناء "حقيقة محدّدة"، بل السعي إلى تقويض نظام الحقيقة السائد – النظام الذي طالما غذّته السرديات التي فرضها العنف، ومنحه شرعية رمزية. ولا يتمثل الغرض في استبدال "الذاكرة القوية" (بحسب تراڤيرسو) بذاكرة أخرى، بل في نزع الشرعية عنها وإعادة مساءلتها.
وللخروج من منطق "المحصلة الصفرية" – ذلك الذي يحذر منه روثبرغ (Rothberg) ويقترح تجاوزه من خلال "الذاكرة المتعددة الاتجاهات" – فإن لجنة الحقيقة يمكنها أن تروّج لمزيج بين التضامن والتمييز، بوصفه أساسًا لممارسة ذاكرية ديمقراطية ومنفتحة. وبهذا المعنى، يغدو عمل الذاكرة في لجان الحقيقة أحد الدعائم الأساسية لبناء مجتمع أكثر شمولًا وتعددية. ذلك أن الذاكرة ليست شيئًا يُنتج ويُختتم، بل عملية مستمرة لا تكتمل.
لذا، لا ينبغي للجنة الحقيقة أن تُنتج سردية مغلقة، بل عليها أن تُمهد الأرضية لعمل ذاكراتي مستمر، قادر على استقبال سرديات جديدة ومساءلة السرديات القديمة.
وفي الحالة الكولومبية تحديدًا، إذا أرادت لجنة CEV أن تؤدّي دور "الانفتاح السردي" و"تمكين الحيّز العام السردي"، فعليها أن تعمل على تأسيس أطر للمعنى تسمح بانبثاق سرديات مضادة للهيمنة – حتى وإن كانت هذه السرديات "مزعجة" من الناحية الاجتماعية. الهدف هو فتح المجال أمام فاعلين اجتماعيين تمّ تهميشهم تاريخيًا، ليأخذوا موقعًا يتيح لهم مواجهة الدولة ذاتها، ومساءلة الجماعات التي سعت إلى فرض سردياتها من خلال العنف المسلح أو الهيمنة على الفضاء العام.
وعليه، فإن نداء العدالة الذي تحمله لجنة الحقيقة لا يتمثل في مجرّد تحديد المذنبين، بل في مساءلة "الحقائق" التي يدّعيها المسؤولون والمستفيدون من العنف.
المؤلفان:
غابرييل رويث روميرو
حاصل على درجة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية من جامعة مدريد المستقلة (إسبانيا)، ويشغل منصب أستاذ في كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة ميديلين (كولومبيا). يشرف على قيادة مجموعة البحث في "الصراع والسلام" بالجامعة ذاتها. تتركّز اهتماماته البحثية حول: أنثروبولوجيا العنف، دراسات الصراع والسلام، والذاكرة التاريخية.
من أبرز منشوراته الحديثة:
«صناعة المُهجَّر: الأبعاد المؤسسية والذاتية لبرنامج رعاية ضحايا النزاع المسلح في كولومبيا»، مجلة الأنثروبولوجيا الاجتماعية، المجلد 27، العدد 1، الصفحات 23–48، 2018 (بالاشتراك مع دانييل كاستانو).
«ثلاث مرات في الساحة: أداء طقس الاعتذار العلني الرسمي عن أفعال عنف شبه عسكري في كولومبيا»، مجلة AIBR للأنثروبولوجيا الإيبروأمريكية، المجلد 12، العدد 1، الصفحات 9–30، 2017.
الحرب الخفية: الألغام المضادة للأفراد والمخلّفات المتفجّرة في كولومبيا، بوغوتا: المركز الوطني للذاكرة التاريخية، 2017 (كمحرّر مشارك وباحث).
ماريي خريستوفا
حاصلة على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة ماستريخت (هولندا)، وتشغل منصب باحثة ما بعد الدكتوراه في المجلس الأعلى للبحوث العلمية في إسبانيا. تشارك في مشروع الاتحاد الأوروبي: «تفكيك الذاكرة والتماسك الاجتماعي في أوروبا العابرة للحدود – UNREST»، كما أنها عضو في مشروع البحث «I+D+i Subtierro: نبش المقابر الجماعية وحقوق الإنسان من منظور تاريخي ومقارن وعابر للحدود»، إلى جانب كونها باحثة ما بعد الدكتوراه في إطار برنامج WIRL-COFUND/MSCA.
تركّز أبحاثها على: الذاكرة العابرة للحدود، سياسة الموت (النيكرُو-سياسة)، نبش القبور الجماعية، سياسات الذاكرة، الأداء والتمسرح، ذاكرة الحرب الأهلية الإسبانية، وسياسات الذاكرة في بولندا المعاصرة.
من أبرز منشوراتها:
«لن نرحل، بل يُطردوننا: الهوية، الذاكرة، و"المنفى الاقتصادي" الجديد»، في كتاب الإسبان في أوروبا: الهوية والمنفى من العصر الحديث إلى اليوم، فورو هيسبانيكو، المجلد 59، تحرير: بابلّو بالديفيا ويولاندا رودريغيث بيريز، ليدن: رودوبي/بريل، 2018.
«مشاهد الذاكرة: استذكار الحرب الأهلية الإسبانية من خلال حروب يوغوسلافيا السابقة»، ضمن ذاكرات الحرب، مشاريع السلام: العنف والصراعات بين الماضي والحاضر والمستقبل، تحرير: متحف السلام في غيرنيكا ومركز التوثيق حول قصف غيرنيكا، الصفحات 49–59، غيرنيكا-لوموكو هستوريا بيلدوما، المجلد 14، 2018.
إعادة تخيّل إسبانيا: تشابكات عابرة للحدود واستذكار الحرب الأهلية الإسبانية منذ 1989، ماستريخت: مطبعة جامعة ماستريخت، 2016.
Ruiz Romero, G., & Hristova, M. (2019). Comisionar la verdad y la memoria en la sociedad. Colombia Internacional, 97, 3–26
المصادر:
Adorno, Theodor. 1984. Dialéctica negativa. Madrid: Taurus.
Agamben, Giorgio. 2014. Lo que queda de Auschwitz. Madrid: Pre-Textos.
Ahmed, Sara. 2015. The Cultural Politics of Emotion. Nueva York: Routledge.
Arendt, Hannah. 2007. Responsabilidad y juicio. Buenos Aires: Paidós.
Arendt, Hannah. 2009. La condición humana. Buenos Aires: Paidós.
Bakiner, Onun. 2016. Truth Commissions: Memory, Power, and Legitimacy. Filadelfia: University of Pennsylvania Press.
Benjamin, Walter. 1991. El narrador. Para una crítica de la violencia y otros ensayos. Iluminaciones IV. Madrid: Taurus.
Bevernage, Berber y Lore Colaert. 2014. “History from the Grave? Politics of Time in Spanish Mass Grave Exhumations”. Memory Studies 7 (4): 440-456. https://doi.org/10.1177/1750698014537669
Brunkhorst, Hauke. 2007. “Violencia, democracia y reconciliación”. En Las víctimas frente a la búsqueda de la verdad y la reparación en Colombia, editado por Guillermo Hoyos, 31-48. Bogotá: Pontificia Universidad Javeriana.
Butler, Judith. 2017. Cuerpos aliados y lucha política. Hacia una teoría performativa de la asamblea. Barcelona: Paidós.
Buur, Lars. 2001. “The South African Truth and Reconciliation Commission: A Technique of Nation-State Formation”. En Ethnographic Explorations of the Postcolonial State, editado por Thomas Hansen y Finn Stepputat, 49-181. Durham: Duke University Press.
Calveiro, Pilar. 2006. Los usos políticos de la memoria. Buenos Aires: Clacso.
Cento Bull, Anna y Hans Hansen. 2015. “On Agonistic Memory”. Memory Studies 9 (4): 390-404. https://doi.org/10.1177/1750698015615935
Das, Veena y Deborah Poole. 2008. “State and Its Margins”. En Anthropology in the Margins of the State, editado por Veena Das y Deborah Poole, 3-33. Santa Fe: School of American Research Press.
DeGloma, Thomas. 2015. “The Strategies of Mnemonic Battle: On the Alignment of Autobiographical and Collective Memories in Conflicts over the Past”. American Journal of Cultural Sociology 3 (1): 156-190. URL: https://link.springer.com/article/10.1057/ajcs.2014.17
Derrida, Jacques. 2003. El siglo y el perdón. Seguida de Fe y saber. Buenos Aires: Ediciones de la Flor.
Erll, Astrid. 2012. Memoria colectiva y culturas del recuerdo. Estudio introductorio. Bogotá: Ediciones Uniandes.
“‘Es imposible construir una nación solo entre buenos’: De Roux”. 2018. El Tiempo, 12 de mayo, URL: http://www.eltiempo.com/politica/proceso-de-paz/entrevista-con-el-padre-francisco-de-roux-sobre-el-papel-de-la-comision-de-la-verdad-216780
Ferrándiz, Francisco. 2010. “De las fosas comunes a los derechos humanos: El descubrimiento de las desapariciones forzadas en la España contemporánea”. Revista de Antropología Social 19: 161-189. URL: https://revistas.ucm.es/index.php/RASO/article/view/RASO1010110161A
Foucault, Michel. 1976. Vigilar y castigar: El nacimiento de la prisión. Madrid: Siglo XXI.
Geertz, Clifford. 2003. La interpretación de las culturas. Barcelona: Gedisa.
Gómez, Hernando. 2016. “Perdonar todos los crímenes y a todos los criminales”. Razón Pública, 14 de marzo, URL: https://www.razonpublica.com/index.php/conflicto-drogas-y-paz-temas-30/9299-perdonar-todos-los-crimenes-y-a-todos-los-criminales.html
Grupo de Memoria Histórica, GMH-CNRR. 2009. Memorias en tiempo de guerra. Repertorio de iniciativas. Bogotá: Punto Aparte Editores.
Halbwachs, Maurice. 1992. On Collective Memory. Chicago: Chicago University Press.
Hansen, Thomas y Finn Stepputat. 2001. “Introduction: States of Imagination”. En States of Imagination. Ethnographic Explorations of the Postcolonial State, editado por Thomas Hansen y Finn Stepputat, 1-40. Durham: Duke University Press.
Hayner, Priscilla. 2001. Unspeakable Truths: Transitional Justice and the Challenge of Truth Commissions. Nueva York: Routledge.
Hunt, Tristram. 2002. “In the Scales of History”. The Guardian, 6 de abril, URL:
https://www.theguardian.com/education/2002/apr/06/artsandhumanities.highereducation1
Hunt, Tristram. 2004. “Whose Truth? Objective Truth and a Challenge for History”. En Truth Commissions and Courts. The Tension between Criminal Justice and the Search for Truth, editado por William Schabas y Shane Darcy, 193-198. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers.
International Center of Transitional Justice (ICTJ). 2013. “Ignorando sus demandas de Justicia, Sudáfrica avanza ante las víctimas del apartheid”. URL: https://www.ictj.org/es/news/ignorando-sus-demandas-de-justicia-sudafrica-fracasa-ante-las-victimas-del-apartheid
Jelin, Elizabeth. 2002. Los trabajos de la memoria. Madrid: Siglo XXI.
Joinet, Louis. 1997. “The Administration of Justice and the Human Rights of Detainees. Question of the Impunity of Perpetrators of Human Rights Violations (Civil and Political)”. United Nations, Commissions on Human Rights. URL: http://www.derechos.org/nizkor/impu/joinet2.html
Laclau, Ernesto. 2006. La razón populista. Buenos Aires: FCE.
Levi, Primo. 2014. Los hundidos y los salvados. Barcelona: Ediciones Península.
Levy, Daniel y Natan Sznaider. 2006a. “Sovereignty Transformed: A Sociology of Human Rights”. British Journal of Sociology 57 (4): 657-676. https://doi.org/10.1111/j.1468-4446.2006.00130.x
Levy, Daniel y Natan Sznaider. 2006b. The Holocaust and Memory in the Global Age. Filadelfia: Temple University Press.
Levy, Daniel y Natan Sznaider. 2010. Human Rights and Memory. University Park: Pennsylvania State University Press.
Mate, Manuel-Reyes. 2008. Justicia de las víctimas. Terrorismo, memoria, reconciliación. Barcelona: Anthropos.
Mate, Manuel Reyes. 2011. Tratado de la injusticia. Barcelona: Anthropos.
Moses, Dirk y Michael Rothberg. 2014. “A Dialogue on the Ethics and Politics of Transcultural Memory”. En Transcultural Turn. Interrogating Memory Between and Beyond Borders, editado por Lucy Bond y Jessica Rapson, 29-38. Berlín: Walter de Gruyter.
Norval, Aletta. 2001. “Reconstructing National Identity and Renegotiating Memory: The Work of the TRC”. En States of Imagination. Ethnographic Explorations of the Postcolonial State, editado por Thomas Hansen y Finn Stepputat, 182-202. Durham: Duke University Press.
Nytagodien, Ridwan y Arthur Neal. 2004. “Collective Trauma, Apologies, and the Politics of Memory”. Journal of Human Rights 3 (4): 465-475. https://doi.org/10.1080/1475483042000299714
Olick, Jeffrey. 2008. “From Collective Memory to the Sociology of Mnemonic Practices and Products”. En Cultural Memory Studies: An International and Interdisciplinary Handbook, editado por Astrid Erll y Ansgar Nünning, 151-161. Berlín: Walter de Gruyter.
Orozco, Iván. 2009. Justicia transicional en tiempos del deber de la memoria. Bogotá: Universidad de los Andes.
Orwell, George. 2018. 1984. Barcelona: Penguin Random House.
Ricoeur, Paul. 1998. La lectura del tiempo pasado: memoria y olvido. Madrid: Arrecife.
Ricoeur, Paul. 2013. La memoria, la historia, el olvido. Buenos Aires: FCE.
Rothberg, Michael. 2015. “De Gaza a Varsovia: hacia un mapa de la memoria multidireccional”. En Estudios sobre memoria: Perspectivas actuales y nuevos escenarios, editado por Silvana Mandolessi y Maximilano Alonso, 21-52. Villa María: Euvim.
Roux, Francisco de. 2017. “Empieza la comisión de la verdad”. El Tiempo, 16 de noviembre, URL: http://www.eltiempo.com/opinion/columnistas/francisco-de-roux/empieza-la-comision-de-la-verdad-151684
Shaw, Rosalind. 2005. Rethinking Truth and Reconciliation Commissions. Lessons from Sierra Leone. Washington: United Stated Institute for Peace.
Slaughter, Joseph. 2007. Human Rights, Inc. The World Novel, Narrative Form, and International Law. Nueva York: Fordham University Press.
Stein, Dan, Soraya Seedat, Debra Kaminer, Hashim Moomal, Allen Herman, John Sonnega y David Williams. 2008. “The Impact of the Truth and Reconciliation Commission on Psychological Distress and Forgiveness in South Africa”. Social Psychiatry and Psychiatric Epidemiology 43: 462-468. https://doi.org/10.1007/s00127-008-0350-0
Todorov, Tzvetan. 2013. Los abusos de la memoria. Barcelona: Paidós.
Traverso, Enzo. 2007. El pasado, instrucciones de uso: historia, memoria, política. Madrid: Marcial Pons.
Uprimny, Rodrigo, María Paula Saffon, Catalina Botero y Esteban Restrepo. 2006. ¿Justicia transicional sin transición? Verdad, justicia y reparación para Colombia. Bogotá: Dejusticia.
يشير الفيلسوف الإيطالي إلى أنّ ما حدث هو خلطٌ بين الفئات الأخلاقية والقانونية، إذ إنّ مجال المسؤولية أو الذنب ينتمي في جوهره إلى نطاق القانون لا الأخلاق. فإذا أُريد تحمّل المسؤولية فعلًا، فإن ذلك يستدعي قبول تبعاتها – بل والمطالبة بها. ومن هذا المنطلق، يُعدّ ضربًا من التناقض المنطقي (aporia) أن يُعلَن عن تحمّل مسؤولية ما دون توقّع أيّ تبعات لذلك، كما هو الحال غالبًا في سياق لجان الحقيقة. غير أن هذه المفارقة تحديدًا هي ما يقوم عليه عمل هذا النوع من اللجان، ويمنحها معناها ووظيفتها المتميّزة.



